islamaumaroc

موقف المستشرقين من لغة القرآن الكريم

  أحمد نصري

العدد 343 محرم 1420/ مايو 1999

    في إطار الحثيث والدؤوب نحو صرف القرآن عم مصدره الإلهي الحكيم، حاول بعض المستشرقين عند تعرضهم للغة القرآن الكريم، أن يصوروها بصورة الأدب العادي، واجتهدوا في التنقيب عن مواطن التشابه والمماثلة بين لغة القرآن ولغة البشر، ورأوا أن لغة القرآن تشبه إلى حد بعيد الشعر العربي القديم في إيقاعه ووزنه وقافيته.
    يقول المستشرق الفرنسي إدا وارد مونتيه: «إن أسلوب القرآن أسلوب شعري مقفى، غير أن هذا الأسلوب الشعري ينحصر في السور المكية، خصوصا القديمة جدا منها، دون السور المدين»، ومع اعتراف مونتيه بأن أسلوب القرآن شعري، إلا أنه يلاحظ أنه أسلوب القرآن شعري، إلا أنه يلاحظ أنه ليس شعرا بالمعنى الدقيق للكلمة.
    وتحدث بعد ذلك عن الفواصل القرآنية أو الجمل الأخيرة من الآيات- كما يسميها غالبية المستشرقين- ولاحظ أنها قصيرة ومنتهية بقافية حرة، فالقوافي التي نلقاها في أكثر الأحيان، هي in  و oun و im و ad و ar إلى آخره. ونادرا جدا ما نجد a وتابع قوله بــ: «إن القافية ترتكز على المقاطع اللفظية المعمقة، بمعنى أنها منتهية بحرف صامت غير منغم، مسبوق بحركة خفيفة Koum، و ,ho و ar و it  our إلى  آخره. فيها خفيفة ونادرة جدا».                                         
    ويختتم قوله بـ: «أن المقطع الشعري يتبعه تقسيم منظم، فهو مجموعة أبيات في نظام محدد، تحدث بروابطها ورجوعها انطباعها لطيفا في الأذن ».(1)
    ودهب «بلاشير» إلى أن لغة القرآن تظهر لنا بحق شبيهة بالشعر الأصيل، ودلك بفصل الأحكام الموسيقية للمقاطع اللفظية، وبغنى النغم في الحركات، واستعمال القواف المنظومة أو المسجعة، فلا غزو إن لم يتردد أشد المسلمين تدينا وأكثرهم انفصالا عن الدنيويات، في أن يروا في كتابهم المقدس أسمى عبارة عما في اللغة العربية من الإمكانيات الصوتية. (2)
    وإذا كان «ريجس بلاشير» يرى أن لغة القرآن تشبه لغة الشعر العربي الأصيل في إيقاعه وحركاته وسجعه وقافيته، فإنه في موضع آخر يقول: «إن أسلوب خطابات القرآن يذكرنا بغرابة تنبؤات المنجمين، وهدر الشعراء، وقول السحـــــرة».(3)
    ويرى «هنري ماسيه» أن انسق الإنشلئي للقرآن لا يخلو من السجع، دلك أنوع من النثر، حيث الكلمات بمجموعها تنتظم في مسافات منتظمة، وهو شكل من أشكال البيان الشعري القديم، وهنا يظهر المشابهة بين القرآن والشعر الجاهلي.
    ويعود «هنري» ليركز على السجع الذي اعتبره الشكل الأساسي للغة التي استعملها الكهان الوثنيون، وبعد ه\ا يخلص إلى هدا القول: «يجب الاعتراف أن خصوم  محمد كان لهم بعض الحق في اعتباره ككاهن، أو كشاعر، الأمر الذي يعود تقريبا إلى الشيء نفسه، لأن الشاعر الوثني هو أيضا يلهمه الشيطان».(4)
ويزكي هدا الاستنتاج الذي انتهى إليه «ماسيه» المستشرق البلجيكي «هنري لامانس» بقوله: «إن كل آية تنتهي بسجع يقوم مقام القافية، هده القافية من جنس خاص تسمى السجع، كانت سابقا مستعملة عند الكهان الوثنيين العرب، وكانت مستعملة بحرية أكثر وبتسامح في البحور العروضية.»(5)
    ويرى انعكاس بوسكي  G.H. Bouquets: «أن القرآن في جوهره انعكاس للأنشطة النبوية لرسول الله، وبناء عليه نجد المواد مختلفة جدا، فالأجزاء الأكثر قدما والأكثر قصرا حية بإلهام شعري مؤثر لا يمكن إنكار سموه، لكن من الصعب أن نتذوقه تماما عند الترجمة، لأن القرآن مسجع».(6)
    في مقابل ه\ه الآراء، نجد آراء أخرى لمستشرقين معتدلين في تفكيرهم، موضوعيين في كلامهم، حيث رأوا أن لغة القرآن تسمو عن لغة الشعراء ولغة الكهان والمنجمين، ويظهر دلك جليا في موسوعة الإسلام، حيث جاء فيها: «يقال دائما إن جميع القرآن مسجع بنفس طريقة التعبير الإيقاعي والمقفى للكهان، وبما أن القرآن لا يعرف حدا معينا أو إيقاعا، بحصر المعنى، ومن ثم بتركيز عن النثر والشعر».(7)
     وجاء في الموسوعة العامة «لاروس»: «يمتلك القرآن بإيقاعه وسجعه وصوره قيمة شعرية تفترق كلية عن  الشعر الجاهلي المعاصر، والتنبؤات المتناثرة المنسوبة لكهان العصر، ويظهر من الوجهة الأدبية كعمل ليس له مثيل».(8)    
* الرد:
     لقد انتهت مناقشة الباحثين لموضوع لغة القرآن إلى أنها نموذجا يبارى في الأدب العربي، ل؟أنها «تمتاز بالسمو والجلالة، لا بالغواية والتأثير، إنها تأخذ بالقلوب أكثر مما تغري الأسماع، إنها تثير الإعجاب لا المتعة، إنها تفحم بالحجة أكثر مما تستشير العواطف، وتجلب السرور الهادئ لا الصاخب».(9)
     يقول مالك بن نبي- بعد حديثه عن الخصائص العامة للغة الجاهلية الوثنية حسب تعبيره: إن القرآن اختار للتعبير عن فكرته صورة جديدة هي: «الجملة، فالآية القرآنية ستقصي ناحية شعر البادية، ولكن نسقه سيبقى على كل حال إذ هي قد تحررت من الوزن فحسب، فاتسع مجالها».(11)
     والدي يجب أن نفهمه أن «لغة القرآن لها خصوصية التفرد، وقد عجزت فصاحة العرب وبلاغتهم- وهم أرباب البلاغة والفصاحة- عن محاكاة لغة القرآن...
     فلو كان القرآن غير خارج عن العادة لأتوا بمثله أو أعرضوا من كلام فصحائهم ما يعارضه، فلما لم يشتغلوا بدلك علم أنهم فطنوا لخروج دلك عن أوزان كلامهم، وأساليب نظمهم، وزالت أطماعه عنهم».
     ويقول المرحوم عبد الله كنون في معرض رده على المستشرق الروسي «رحماتوف»: «إن الحكم على إنشاء القرآن قضية ليست مما يحكم فيه أمثال المؤلف عن الأجانب عن اللغة العربية، الذين لا يفهمون حتى مدلولات ألفاظها وجملها، ويقعون بسبب ذلك في أغلاط شنيعة».(12)
أما نحن في ردنا على آراء المستشرقين ف هذا الموضوع فسوف نركز على النقاط الآتية:
1- خروج لغة القرآن عن قواعد وقيود الشعر العربي.
2- الفاصلة القرآنية.
3- نفي مماثلة لغة القرآن لأسلوب الكهان والمنجمين.
1-خروج لغة القرآن عن قواعد وقيود الشعر العربي:
إن هناك حقيقة مبدئية في اعتقادنا أن ننطلق منها، هي وجود قسمين للكلام، هما: النثر والشعر، وبالضرورة لابد لأي نص مكتوب أو مقروء في اللغة أن ينتمي إلى أحدهما، إلا أننا عند سماع القرآن الكريم أو قراءته، نجد أنفسنا أمام جنس أدبي متفرد في أشكاله البلاغية، وأدواته الفنية التصويرية، وهذا ما حمل «المارودي» إلى تصنبف الكلام إلى ثلاثة أنواع:
- الأول: منثور، يدخل في قدرة الخلق.
- والثاني: شعر هو أعلى منه، يقدر عليه الفريق، ويعجز عنه فريق.
-والثالث: قرآن هو أعلى من جميعها، وأفضل من سائرها، وتجاوز رتبة النوعين لخروجه عن قدرة الريقين.(13) فجعل القرآن نوعا أدبيا متردا.
ولقد وضع علماء الإسلام أيدينا على كثير من الخصائص التي تميز لغة القرآن عن سائر كلام البشر، ومن هذه الخصائص:
أولا: فصاحته وبياته، وذلك معتبر بثلاثة شروط: أحدهما: بلاغة ألفاظه، والثاني: استيفاء معانيه، والثالث: حسن نظمه.
ثانيا: إيجاز عن الإكثار، واستيفاء معانيه في قليل الكلام، كقوله تعالى: (وقيل يا أرض أبلعي ماءك ويا سماء أقلعي، وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي، وقيل بعدا للقوم الظالمين).(14)
ثالثا: إن نظم أسلوبه ووصف اعتداله يخرج عن منظوم الكلام ومنثوره، ولا يدخل في شعر ولا رجز، ولا سجع ولا خطبة، حتى تجاوز محصور أقسامه، وباين أنواعه بأسلوب لا يشاكل، ونظم لا يماثل.
رابعا: كثرة معانيه التي لا يجمعها كلام البشر، وذلك من وجهين، أحدهما ما يجمعه قليل الكلام من كثير المعاني، كقوله تعالى: (وأوحينا إلى ام موسى أن ارضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني، إنا رواده إليك وجاعلوه من المرسلين).(15)
خامسا: إن ألفاظ القرآن قد تشتمل على الجزل المستغرب والسهل المستقرب، فلا يوعر جزله، ولا يسترذل سهله، ويكونان إذا اجتمعا مطبوعين غير متنافرين، ولا نجد ذلك في غير من كلام البشر.
سادسا: إن تلاوته تختص بخمسة بواعث عليه لا توجد في غيره:
 -أحدها: هشاشة مخرجه.
 والثاني: بهجة رونقه.
 -والثالث: سلالة نظمه.
 -والرابع: حسن قبول.
 -والخامس: أن قارئه لا يكل، وسامعه لا يمل.
سابعا: إنه منقول بألفاظ منزلة، ومعان مستودعة، وبلغة الملك بلفظه، وعلى نظمه، وأداه الرسول إلى الأمة بمثله، فلم ينحزم فيه لفظ ولا اختل فيه معنى، ولا تغير له ترتيب، حتى صار من الزلل مضبوطا، ومن التبديل محفوظا، تستمر به الأعصار على شاكلته.
ثامنا: اقترن معانيه المتغايرة واقترن نظائرها في الصور المختلفة، فيخرج في السورة من وعد إلى وعيد، ومن ترغيب إلى ترهيب، ومن ماض إلى مستقبل، ومن قص إلى مثل، ومن حكم إلى جدل، فلا ينبو ولا يتنافر.
تاسعا: إن تيسره على جميع الألسنة حتى حفظه الأعجمي الأبكم، ودار به لسان القبطي الألكن، ولا يحفظ غيره من الكتب كحفظه، ولا تجري به ألسنة البكم كجريها بها، وما ذاك إلا بخصائص إلهية فضله بها على سائر كتبه.
عاشرا: إن الزيادة فيه ممتازة، وتغيير ألفاظه منه مفتضحة، ولو كان في القدرة لا لتبس، واو امكن لاشتبه...».(16)
فهذه بعض الخصائص التي انفرد بها القرآن عن سائر كلام البشر، سواء كان منثورا أو منظوما، وقد عجز العرب في عصر الفصاحة والبلاغة وهم: «أصح الناس أفهاما، وأحدهم أذهانا، وقد ابتكروا من الفصاحة أبلغها، ومت المعاني أغربها، والآداب أحسنها».(17)
وقد تحداهم الله أن يأتوا بمثله أو بأقل سورة منه، وما أجاب على هذا التحدي  أحد، فرضوا به وأذعنوا يه، يقول المارودي: «عجز عنه الفصحاء، وأذعن له البلغاء، وتلبد فيه الشعراء، ليكون عنه أقهر، والتقصير فيه أظهر، فصارت معجزاتهم وغن اختلفت متشابكة المعاني، متفقة العلل».(18)
وعندما نتساءل: لماذا يستطيع العرب- وهم أرباب الفصاحة والبلاغة- أن يأتوا بشيء مثله؟
يجيب محمود محمد شاكر: «إن العرب وجدوا في أنفسهم مفارقته لبيان البشر، وجدنا ألجأهم إلى ترك المعارضة إنصافا للبيان أن يجار على حقه، وتنويها له أن يزري به وجوهرهم عن هذا الحق».(19)
وبين أيدينا قصة تؤكد هذه المفارقة والمباينة بين لغة القرآن ولغة البشر، فقد ائتمر نفر من قريش حين حضور وفد العرب الموسم، أن يقولو في الرسول قولا واحدا لا يختلفون فيه، وتشاوروا أن يقولوا: «كاهن أو مجنون أو شاعر أو ساحر، ورأوا أن يعرضوا الأمر قبل نشره بين الناس، على ذوى الرأي فيهم، وكان الوليد بن المغيرة يومها ذا سن فيهم ورأي، فقالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقم لنا رأيا نقل به، قال: بل أنتم فقولوا أسمع، قالوا: تقول: كاهن، قالك لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزعزعة الكاهن ولا سجعه، قالوا: فنقول مجنون، قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه، ولا وسوسته. قالوا: فنقول/ شاعر، قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه،، فما هو بالشعر، قالوا: فنقول: ساحر. قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثهم ولا عقدهم، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمي؟ قال : والله إن لقوله لحلاوة. وإن أصله لمغدق، وغن فرعه لجنات، وما انتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف انه باطل، وأن أقرب القول فيه، لأن تقولوا هو ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك».(20)
والذي يهمنا هنا من كلام الوليد بن المغيرة هنا، قوله «ما هو بشاعر» وهو قول يفيدنا جدا في الرد على المستشرقين الذين زعموا أن لغة القرآن تشبه إلى حد بعيد لغة الشعر، وللقاضي «الباقلاني» كلام طيب في هذا المقام، ينفي فيه الشعر عن القرآن الكريم، وهذا مضمون قوله: «إن الله تعالى نفى الشعر عن القرآن وعن النبي (صà فقال: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين) (يس: 69)، وقال في ذم الشعراء: (والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون)(الشعراء: 224- 225)، إلى آخر ما وصفهم به في هذا الآيات، قال (وما هو بقول شاعر)(الحاقة: 41).
ثم يتابع قوله بـ: «إن الفصحاء منهم حين أورد عليهم القرآن، لو كانوا يعتقجونه شعرا، ولم يروه خارجا عن أساليب كلامهم، لبذلوا إلى معارضته، لأن الشعر مسخر لهم، مسهل عليهم».(21)
بتعميم الملاحظة، نجد أن القرآن: «جنسية لغوية فريدة، ونوعية أدبية خاصة، أحدثت طفرة هامة في اللغة العربية، إذ نقلتها من المرحلة اللهجية الجاهلية إلى لغة منظمة فنيا».(22)
2- الفاصلة القرآنية:
ترد الفاصلة في القرآن الكريم على وجهين: أحدهما على الحروف المتجانسة، والآخر على الحروف المتقاربة.
-فالحروف المتجانسة كقوله تعالى: (طه أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى).(23)
- وأما الحروف المتقاربة فكالميم من النون، كقوله تعالى: (الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين)،(24) وكالدال من الباء، نحو (رق والقرآن المجيد)،(25) ثم قال: (هذا شيء عجيب)،(26) وإنما حسن في الفواصل الحروف المتقاربة لأنه يكتنف الكلام من البيان ما يدل على المراد في تمييز الفواصل والمقاطع، لما فيه من البلاغة، وحسن العبارة».(27)
ولقد رفض كثير من العلماء أم يطلق وصف السجع على الفاصلة القرآنية الكيم عن كلام الأدباء وعبارات الأنبياء، وأسلوب البلغاء. يقول أبو بكر الباقلاني: «إنه يوجد في القرآن كلام على معنى السجع، وليس المراد السجع، لان معاني القرآن لا ترتبط بمواضع عقد السجع، فخرج بذلك أن يكون سجعا».(28)
وجاء في كتاب «ثلاث رسائل في إعجاز القرآن»: أن «الفواصل حروف متشاكلة في المقاطع توجب حسن إفهام المعاني» والفواصل بلاغة، والأسجاع عيب، وذلك أن الفواصل تابعة للمعاني، وأما الأسجاع فالمعاني
تابعة لها، وهو قلب ما توجبه الحكمة في الدلالة».(29)
وإذا كان علماء الإسلام يرفضون إطلاق كلمة سجع على الفاصلة القرآنية- وغن وجدنا من بينهم من يجيز ذلك كالخفاجي-(30) فهم يرفضون رفضا باتا إطلاق كلمة القافية على الفاصلة أيضا، لأن القافية تشكل عنصرا هاما في الشعر العربي، بل بها يتقوم الشعر، ويتميز عن بقية الأجناس الأدبية الأخرى، وبما أن القرآن في لغته يباين الشعر في معناه مبناه، فقد رفض علماء الإسلام إطلاق القافية على الفاصلة القرآنية.
يوضح ابن خلدون سبب هذا الرفض بقوله: «وأما القرآن وإن كان من النثور إلا أنه خارج عن الوصفين (أي السجع والمرسل)، وليس يسمى مرسلا مطلقا ولا مسجعا بل تفصيل آيات تنتهي إلى مقاطع يشهد الذوق بانتهاء الكلام عندها، ثم يعاد الكلام في الآية الأخرى بعدها، ويثني نت غير التزام حرف يكون سجعا ولا قافية».(31)
ويتضح لنا من هذا كله، لن القرآن فعلا، جنس متفرد في أدبه ولغته وأسلوبه، ونظمه خارج عن قواعد الشعر العربي وقيوده.
3-نفي مماثلة القرآن لأسلوب الكهان والمنجمين:
وأما قولهم- أي المستشرقين- عن لغة القرآن الكريم تشبه إلى حد كبير لغة الكهان والمنجمين، وأسلوبهم، فهذا ما لم يقل به أحد، ولم يقبله حتى صناديد العرب القريشيين، مع كونهم أشد الناس عداوة لمحمد (ص) وأحرصهم على الطعن في القرآن الكريم، ولعل قول الوليد بن المغيرة خير دليل على ذلك، فقد رأينا كيف رفض بكل حزم وجدية، أن تكون لغة القرآن على شاكلة لغة الكهان، وقال: «والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه».(32)
وهذا أنموذج من أسلوب الكهان وسجعهم، فقد روى أن «سطيح الغساني»: «كان نائما في ليلة صهاكية مظلمة مع إخوته في لحاف، والحي خلوف، إذ زعق من بينهم، ورن وتأوه، وقال: والضياء، والشفق، والظلام والغسق، ليطرقنكم ما طرق.
قالوا: ما طرق يا سطيح؟
قال: ما طرق إلا الأجلح، حين سرى الليل البهيم الأفلح، وولاهم بسردح.
قالوا: وما علاقة ذلك يا سطيح؟
قال: أمر يسد النقرة، ذو جسة في الوجرة، وحرة بعد حرة، في ليلة قرة.(33)
إن أي متدبر لآيات القرآن الكريم بإمكانه الاهتداء إلى الفارق الكبير والمباينة العظيمة بين لغة القرآن، وأسلوب هذا الكاهن وألفاظ لغته، ولعل هذا ما دفع بقوة مشركي قريش إلى حصرهم على وصف لغته بأسلوب الكهنة والمنجمين، يؤكد هذا أيضا أن الآيات التي نفت الشعر عن القرآن الكريم، كانت أكثر من الآيات التي نفت عنه مماثلة قول الكهان وسجعهم.
يقول عز وجل في محكم كتابه: (فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون، أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون، قل تربصوا فإني معكم من المتربصين، أم تامرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون، أم يقولون تقوله بل لا يومنون، فلياتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين).(34)
ويمضي القرآن في دحض هذه الفردية، مؤكدا على الحقيقة الخالدة أن القرآن الكريم كلام الله لا يحاكي لغة البشر ولا يماثلها، سواء كانوا شعراء، أو كهانا، أو منجمين، أو خطباء.
ولقد توصل إلى هذه الحقيقة أيضا بعض المستشرقين الموضوعيين في تحليلاتهم واستنتاجاتهم العلمية الرصينة، وعبروا بكل صراحة ووضوح عنها، من أمثال المستشرقة الإيطالية، «لورافيشيا فتغليري» التي قالت: «ليس ثمة أيما نمط لهذا الأسلوب (أي أسلوب القرآن) في الأدب العربي الذي تحدر إلينا من العصور التي سبقته، والأثر الذي يحدثه في النفس البشرية إنما يتم من غير أيما عون عرضي، أو إضافي، من خلال سموه السليقي، إن آياته كلها على مستوى واحد من البلاغة عندما تعالج موضوعات لابد أن تؤثر في نفسها وجرسها، كموضوع الوصايا والنواهي وما إليها».(35)
وهكذا تتهاوى شبه المستشرقين الباطلة، وآراؤهم المزعومة، أمام شرعة الحق، وقوة البيان، ونصاحة البرهان، وسيظل القرآن إلى الأبد كلام الله الحق الذي لا مرية فيه.
وصدق الله العظيم، الذي يقول: (الر، كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير).(36)
                                            

1 ) E. Montet Mohamet et le Coran. P.49-50
2) R. Blachere le Coran Que sais-je p. 71-72.
3) R. Blachere le problème de .Mahomet. p .49.
4 ) Henri Masse Islam;.P. 75-76.
5) Henri Lammens Islam croyances et institutions. P.52.
6) M. Kasimirsiki Le Coran. Tome premier introduction et notes de G.H Bousquet. P. 20
7) C.E Bosuiorth en Collaboration. Encyclopédie de Islam. P.422.
8) Encyclopédie Générale Larousse. 3eme tome p.550
9 ) انظر / محمد عبد الله دراز: مدخل إلى القرآن الكريم / ص: 115.
10) مالك بن نبي: الظاهر القرآنية / ص: 183
11) انظر/ محمود حمدي زقزرق: الإسلام في الفكر الغربي/ ص: 53- 54.
12 ) عبد الله كنون: الرد القرآني على كتيب هل يمكن الاعتقاد بالقرآن؟ /ص: 24
13) انظر / المارودي: أعلام النبوة / ص: 69.
14) سورة هود- الآية : 44.
15 ) سورة القصص- الآية: 7.
16) انظر / المارودي: أعلام النبوة: ص: 58- 75.
17) نفسه: ص: 57.
18) نفسه.
19) راجع تقديم محمود شاكر للكتاب «الظاهرة القرآنية» لمالك بن نبي / ص: 38.
20) ابن هشام: السيرة النبوية / ج1- ص: 283.
21 ) أبو بكر الباقلاني: إعجاز القرآن / ص: 51، تحقيق: السيد أحمد صقر
22) انظر / مالك بن نبي: الظاهرة القرآنية / ص: 184.
23) سورة طه –الآية: 1-3.
24) سورة الفاتحة – الآيتان: 3-4.
25) سورة ق- الآية : 1.
26) سورة ق- الآية : 2.
27) انظر / الرماني والخطابي والجرجاني: ثلاث رسائل في إعجاز القرآن  / ص: 90- 91 حققها وعلق عليها محمد خلف الله  ومحمد زغلول سلام.
28) أبو بكر الباقلاني: نكث الانتصار لنقل القرآن / ص: 50، دراسة وتحقيق : محمد زغلول سلام.
29 ) الرماني والخطابي والجرجاني: المرجع السابق / ص: 89 -90
30 ) ابن سنان الخفاجي: سر الفصاحة / ص : 165 – 166 ، شرح وتصحيح عبد المتعال الصعيدي.
31) ابن خلدون: المقدمة / ج: 3- ص:  1296، تحقيق: علي عبد الواحد وافي
32) ابن هشام: المصدر السابق / ج: 1- ص: 283.
33) انظر / المسعودي: مروج الذهب / ص: 495 -496.
34 ) سورة الطور- الآيات: 21- 34.
35) لو رافيشيا فاغليري: دفاع عن الإسلام / ص: 56، نقله  إلى العربية منير البعليكي.
36) سورة هود- الآية:1.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here