islamaumaroc

[كتاب] دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني

  عبد المجيد معلومي

العدد 343 محرم 1420/ مايو 1999

إعجاز القرآن مركب إضافي، معناه بحسب أصل اللغة: إثبات القرآن عجز الخلق عن الإتيان بما تحداهم به.
ولكن التعجيز المذكور ليس مقصودا لذاته، بل المقصود هو إظهار أن هذا الكتاب حق، وأن الرسول الذي جاء به رسول صدق، وكذلك الشأن في كل معجزات الأنبياء، ليس المقصود بها تعجيز الخلق لذات التعجيز، ولكنهم يبلغون عن الله.
والناظر في الكتاب الكريم بإنصاف تتراءى له وجوه كثيرة مختلفة من الإعجاز
ومن بين هذه الوجوه لغة القرآن وأسلوبه، خصوصا أن النبي (ص) تحدى به الفصحاء والبلغاء، وأخرس ألسنة فحول البيان من أهل صناعة اللسان.
ومن المستغرب إلا يقف الباحثون طويلا أمام كتاب «دلائل الإعجاز» لعبد القاهر الجرجاني، ومن المفترض أن نعطي هذا الكتاب حقه.
وإذا تفحصنا ما يطرحه الجرجاني في كتاب «الدلائل» نرى أن النحو يأخذ فصلا كبيرا، فالألفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها، وإن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها.(1)
ومع وضوح ما يطرحه، فإن ذلك يعتبر قاعدة صحيحة للمتذوق والدارس في معرفة المعاني المستخلصة من الألفاظ ونحوها، فلا يمكن التوصل إلى فهم الألفاظ وارتباطاتها ببعضها إلا من خلال النحو.
«وإذا نظرتم في الصفحة مثلا فعرفتم أنها تتبع الموصوف، وأن مثالها قولك: جاءني رجل ظريف، ومررت بزيد الظريف، هل ظننتم أن وراء ذلك علما، وإن ههنا صفة تخصص، وصفة توضح وتبين، وأن فائدة التخصيص غير فائدة التوضيح».(2)
ويعتبر الجرجاني أن الجهل بالنحو ناتج عن كون زمانه قد تغير إلى أسوأ، فهو دهر ليس للفضل وأهله لديه إلا الشر صرفا، والغيظ بحتا، حتى صار أعجز الناس رأيا عند الجميع من كانت له همة في أن يستفيد.(3)
ومن خلال ترتيب منهج الجرجاني ندرك أنه قد أصاب الهدف في شرحه لأهمية النحو قبل أن يأخذ بالحديث عن نظرية النظم، وأهميته تأتي من خلال البدء بمعرفة أصول النحو حتى ندرك أهمية الكلمة وهي تدخل في سياق النظم لتؤدي غرضها اللغوي وغرضها المعنوي. وهذا يدل على أن الجرجاني يدرك بعقله النقدي المتطور وحسه البلاغي وذوقه الأدبي أنه لا يمكن إدراك قيمة اللغة إلا من خلال موقعها النحوي أولا، ثم من خلال موقعها في سياق الكلام ثانيا.
ويأخذ الجرجاني في شرح ما يطرحه من نظرات في خصائص نظم الكلام.
يرى في البداية أن العرب ما كانوا ليعترفوا بإعجاز القرآن لولا أنهم أدركوا أن الذي فيه لا يستطيع أعظم فصائحهم وأكبر بلاغييهم مجاراته، يقول في ذلك:
«وأنهم رأوا أنفسهم فأحسنوا بالعجز أن يأتوا بما يوازيه أو يدانيه أو يقع قريبا منه، وكان محالا أن يدعوا معارضيه وقد تحدوا إليه».(4)
فالذي أعجز العرب- وهم الفصحاء البلغاء- تلك المزايا التي ظهرت لهم في نظمه، والخصائص التي صادفوها في سياق لفظه، وبدائع آيه، ومقاطعها، ومجاري ألفاظها، ومواقعها وفي مضرب كل مثل، ومساق كل خير، وبعد الحديث المختصر عن عجز العرب في تحدي لغة القرآن، يأخذ الجرجاني في الحجيث عن أهمية الكلمة في سياق النص وأهميتها خارجه.
فينبغي أن ينظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف، وقبل ان تصير إلى الصورة التي يكون بها الكلم إخبارا وأمرا ونهيا، واستخبارا وتعجبا، وتؤدي في الجملة معنى من المعاني آتي لاسبيل إلى إفادتها إلا بضم كلمة إلى كلمة وبناء لفظة على لفظة.
ويأخذ الجرجاني بوضع أمثلة من القرآن الكريم، فهي خير دليل على صحة نظرته، يقول الله تعالى: (وقيل يا أرض أبلعي ماءك ويا سماء أقلعي، وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي، وقيل بعدا للقوم الظالمين).(5)
فتجلى لك منها الإعجاز، ويهرك الذي ترى وتسمع أنك لم تجد ما وجدت من المزية الظاهرة والفضيلة القاهرة إلا لأمر يرجع إلى ارتباط هذا الكلم بعضها ببعض وإن لم يعرض لها الحس والشرف إلا من حيث لاقت الأولى بالثانية، والثالثة بالرابعة، وهكذا إلى أن تستقر بها كلها.(6)
وهذا يعني أنه لا فضل لكلمة على كلمة أو حرف على حرف أو فعل على فعل أو اسم على اسم، وهذا يعني أيضا أن الكلمة المجردة لا تفضل ولا تحسن إلا إذا أعطت ظلالها، وذلك من خلال ارتباطها بما قبلها وما بعدها.
ومن خلال التساوي الظلالي بين المعنى واللفظ، وما نفهمه من نظرة الجرجاني في ذلك هو أن اللفظة إذا جعلناها من النص ووضعناها وحدها دون معرفة ما قبلها وما بعدها فإنها تتجرد من ميزات كثيرة، وهذه الميزات تعود إليها إذا ما كانت داخل سياق النص، إضافة لذلك فإن اللفظة نفسها تعطي معنى، ما تتغير قيمته بتغير موقعها مفردة أو ضمن السياق، وفي الإطار نفسه لا تكبر القيمة إلا عند ملائمة معنى اللفظة لمعنى الكلمة التي تليها. وهذا يعني أن ظلال الكلمة لا يكتمل حسنه إلا من خلال سياق الكلمات مرتبة مترابطة في معانيها وتؤدي معنى ما يريده المتذوق أو القارئ أو السامع.
ويقول الجرجاني في ذلك:
«فلو كانت الكلمة إذا حسنت حسنت من حيث هي لفظ، وإذا استحقت المزية والشرف استحقت ذلك في ذاتها وعل انفرادها دون أن يكون السبب في ذلك ما لها مع أخواتها المجاورة لها في النظم لما اختلف بها الحال، ولكانت إما أن تحسن أبدا أو لا تحسن أبدا».(7)
ولعل أهم ما يطرحه الجرجاني في فصول الكتاب باب الحذف والقول فيه، فيناقشه ويضع الشواهد القرآنية المناسبة. فيتناول إسقاط المفعول به وما لهذا الإسقاط من فضل على سياق نص الآية القرآنية: «فإن أردت أن تزداد لهذا الأصل أعني وجوب أن تسقط المفعول لتتوفر العناية على إثبات الفعل لفاعله لا يدخلها شوب فانظر إلى قوله تعالى: (ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان، قال ما خطبكما، قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير، فسقى لهما ثم تولى إلى الظل).(8) «فقيهما حذف مفعول في أربعة موضع، إذ المعنى؛ وجد عليه أمة من الناس يسقون أغنامهم أو مواشيهم، وامرأتين تذودان غنمهما، قالتا لا نسقي غنمنا، فسقى لهما غنمهما حتى يصدر الرعاء منهم».(9)
والقول في الحذف هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ عجيب الأمر.
فحديث الجرجاني عن قيمة الحذف ينم عن فهم عميق لمسألة التذوق النقدي ولا قاعدة النقدية، ومقارنة ما عرفناه من أحكام ذوقية أو قاعدية عند غيره ممن سبقوه نجد أنه يتفوق عليهم.
فالحذف في نظره باب من أبواب الإبداع البلاغي، ويعرفه أجمل تعريف فلا يكتفي بالقول العابر أو بالجملة الواحدة إنما يخوض في تعريفه بجمل قصيرة مفيدة تعطي مدلولها بشكل دقيق.
ويكثر في هذا الباب من الشواهد القرآنية المعجزة، ويشرح التقديرات والتأويلات اللغوية مما يجعل منهجه البلاغي منهجا تطبيقيا واضحا، مثل قوله تعالى: (ول شاء الله لجمعهم على الهدى)،(10) (فلو شاء لهداكم أجمعين)،(11) فالتقدير في ذلك كله على ما ذكرت، فلأصل لو شاء الله أن يجمعكم على الهدى لجمعكم، فلو شاء أن يهديكم أجمعين لهداكم، إلا أن البلاغة في أن يجاء به كذلك محذوفا.
وقوله تعالى: (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل)،(12) (قل هو الله أحد، الله الصمـــــــد)(13) فمن الحسن والبهجة ومن الفخامة والنبل، ولا يخفى موضعه على بصير. وكان لو ترك فيه الإظهار إلى إضمار فقيل: وبالحق أنزلناه وبه نزل- قل هو الله أحد هو الصمد، لعدمت الذي أنت واجده الآن....»(14)
وبهذا الحس الذوقي فهم عبد القاهر الجرجاني ما لموضع الكلمة من أهمية، وما لتكرارها أحيانا من رونق وجلال، وما لحذف بعضها من إعجاز بلاغي عظيم.
وميزة لغة القرآن هي الميزة التي تصل قمة الإعجاز اللغوي، فلا شعر يصل مستواها، ولا نثر، فحذف كلمة من الشعر في أي بيت ربما لا يؤثر في تركيبه إذا ما وضعت كلمة مشابهة في المعنى في موقع الكلمة المحذوفة، بينما يعجز البلاغيون وذوو اللغة عن استبدال كلمة بكلمة في أي موقع قرآني، وذلك بسبب الإعجاز البلاغي الذي تمتع به القرآن الكريم من كونه منزلا من الله سبحانه تعالى: (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد)(15) فغن أحدا لا يشك في امتناع الفعل مهما، وإن قولنا كلبهم يبسط ذراعيه لا يؤدي الغرض، وليس ذلك لان الفعل يقتضي مزاولة وتجدد الصفة في الوقت، ويقتضي الاسم الصفة وحصولها من غير أن يكون هناك مزاولة وتزجية فعل ومعنى يحدث شيئا فشيئا، ومن ذلك قوله تعالى: (هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض)،(16) فلو قيل: من خالق غير الله رازق لكم لكان المعنى غير ما أريد.
وهي خلال ملاحظتنا للمثالين القرآنيين نجد أن الجرجاني كان ذواقا حقيقيا للغة القرآنية، ففي المثال الأول جاء الاسم «باسم ذراعيه». وفي المثال الثاني جاء الفعل «يرزقكم»، لم يأت في المثال الأول بالفعل يبسط، ولم يأت في المثال الثاني بالاسم رازق، وذلك بسبب كون الفعل يقتضي مزاولة وتجدد الصفة في الوقت، بينما يقتضي الاسم ثبوت الصفة وحصولها من غير أن يكون هناك مزاولة وتزجية فعل ومعنى يحدث شيئا فشيئا، والجرجاني ليس من البلاغيين الذين يفضلون اللفظ على المعنى، أو يفضلون المعنى على اللفظ، بل إنه أدرك تماما معنى خدمة اللفظ للمعني وخدمة المعنى للفظ، وقد جاء القرآن الكريم وآياته دليلا واضحا على أنه لا فضل للمعنى على اللفظ، ولا فضل للفظ على المعنى إلا بمقدار ما يخدم أحدهما الآخر، وبمقدار ما جاء اللفظ معبرا عن المعنى في سياق الكلام.
أما عن التقديم والتأخير فإن الجرجاني يورد شواهد من القرآن الكريم دليلا على صحة نظرته، فيورد قوله تعالى: (وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم).(17)
فيقول: «ليس بخاف أن لتقديم الشركاء حسنا وروعة ومأخذا من القلوب، أنت لا تجد شيئا منه إن أنت أخرت فقلت وجعلوا الجن شركاء لله، وإنك ترى حالك حال من نقل عن الصورة والبهجة، والمنظر الرائق والحسن الباهر إلى الشيء الغفل الذي لا تحظى منه بكثير طائل، ولا تصير أنفس به إلى حاصل، والسبب في أن كان ذلك كذلك هو أن للتقديم فائدة شريفة ومعنى جليلا لا سبيل إليه مع التأخير».(18)
ويدخل الجرجاني في تفصيلات هامة من الدلائل فيتحدث عن حسن التنكير أو التعريف في القرآن الكريم وما يقاس علية من أساليب اللغة، فيورد قوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة)، (19) وذلك أن السبب في حسن التنكير وإن لم يحسن التعريف أن ليس المعنى على الحياة نفسها، ولكن على أنه لما كان الإنسان قد علم إذا قتل قتل ارتدع بذلك على القتل فسلم صاحبه، صارت حياة هذا المهموم بقتله في مستأنف الوقت مستفادة بالقصاص، وصار وكأنه قد حمي في باقي عمره أب بالقصاص.
وقال تعالى: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب)،(20) أي لمن كان أعمل قلبه فيما خلق القلب له من التدبر والتفكر والنظر فيما ينبغي فيه، فهذا على أن يجعل الذي لا يعي ولا يسمع ولا ينظر ولا يتفكر كأنه قد عدم القلب من حيث عدم الانتفاع به، وفاته الذي هو فائدة القلب والمطلوب منه كما جعل الذي لا ينتفع ببصره وسمعه ولا يفكر فيما يؤديان إليه ولا يحصل من رؤية ما يرى، وسماع ما يسمع على فائدة، بمنزلة من لا سمع له ولا بصر، ثم إن الوصف ينبغي أن يكون وصفا قد تجدد بالقرآن وأمرا لم يوجد في غيره ولم يعرف قبل نزوله.(21)
لقد جاءت نظرية الجرجاني في البلاغة النقدية التطبيقية خير دليل على أن العرب أدركوا معالم علم اللغة وأبدعوا فيه، وسبقوا غيرهم، حيث وضعوا خطوطه العريضة.
وخلاصة القول، فإن كتاب «دلائل الإعجاز» كتاب مهم، ومنهج عبد القاهر الجرجاني هو منهج لغوي يضم إلى النحو علم التراكيب الذي يشبه ما نسميه اليوم علم المعاني.
  

1 ) دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني، ص: 76 تعليق وشرح عبد المنعم خفاجي، طبعة أولى 1969م، الاقهرة.
2) دلائل الإعجاز للجرجاني، ص: 77.
3 ) نفس المصدر ص: 78.
4) «دلائل الإعجاز»، ص: 84.
5) سورة هود /44.
6) دلائل الإعجاز ص: 97.
7) دلائل الإعجاز ص: 24.
8) سورة القصص/ 22 -24.
9) دلائل الإعجاز، ص: 154- 156.
10 ) سورة الأنعام / 35.
11) الأنعام / 149.
12) الإسراء / 105.
13) الإخلاص / 1-2.
14) دلائل الإعجاز، ص: 292.
15) سورة الكهف / 18.
19) سورة فاطر / 3.
17 ) سورة الأنعام / 101.
18) دلائل الإعجاز، ص: 267.
19) سورة البقرة / 187.
20) سورة ق / 37.
21) دلائل الإعجاز، ص 266.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here