islamaumaroc

التوفيق بين الشريعة والفلسفة موازنة بين ابن رشد وسابقيه -2-

  دعوة الحق

36 العدد

والآن ما هي الأمور التي أثرت في تكوين هذه النظرية التي تمتاز بها الفلسفة العربية على غيرها من الفلسفات.
لا شك أن كل فلسفة وكل شيء من الأشياء تعمل على تكوينه عوامل متعددة، أهمها عوامل المحيط الأقرب إليه، أي عوامل البيئة التي يوجد فيها، على ألا ننسى عمله هو أيضا بعد تكوينه في البيئة نفسها، وعلى هذا، لا شك أن الفلسفة اليونانية قد أثرت في تكوينها عوامل البيئة اليونانية السابقة لعصر الفلسفة، إلى جانب تأثير المذاهب الفلسفية اليونانية الأولى نفسها على ما سيأتي بعدها من مذاهب، وإذا كانت الفلسفة اليونانية تتسم بطابع ما أو تتصف بإحدى الصفات المميزة كالوضعية أو التجريبية مثلا فهذا يمكن بكل تأكيد إرجاع أسبابه إلى البيئة الخاصة التي نشأ فيها التفكير اليوناني فإذا أخذنا نظرية الإنسان والبرابرة عند اليونان مثلا-إذ كانوا يعتبرون كل ما عدا اليونانيين برابرة متوحشين- فسنجد سبب هذه النظرة في إحساسهم بتفوقهم إبان ازدهار دولتهم وإشعاع حضارتهم، ثم إذا أخذنا النظرية المقابلة التي تسوي بين جميع الناس والتي نجدها عند متأخريهم كالرواقيين، فيمكن أن نجد أسباب هذا الانقلاب في الانحطاط السياسي –والفكري إلى حد ما- الذي أصاب بلادهم على إثر ظهور امبراطورية روما وأفول نجم الحضارة اليونانية.
وهكذا فيما يخص طابع هذه الفلسفة العربية في التوفيق، لا يصعب إرجاعه إلى أسباب تتعلق بالبيئة الإسلامية التي كان يعيش فيها أولئك الفلاسفة، والتي في محيطها نمت الفلسفة العربية.
يكاد يجمع مؤرخو الفلسفة العربية على أن الظروف التي عاشتها الفلسفة المدرسية العربية أحقابا طويلة، لم تكن ظروفا ملائمة لازدهار التفكير الفلسفي، فالفترات التي عرفت فيها الفلسفة العربية الاستقرار والازدهار، قليلة وقصيرة بالنسبة إلى الحقبة التي دامت فيها الحضارة العربية الإسلامية، والأوقات التي كانت تزدهر فيها هذه الفلسفة هي الأوقات التي كان يتولى الحكم فيها ملوك متسامحون ذوو ذهنية حرة ومتفتحة للعلوم العقلية. وقد اجمع الإجمال في هذا الصدد –على أن الفلسفة كان يهددها دائما في المملكة الإسلامية عدوان لدودان، لم يفترا عن الإيقاع بها كلما وجدا سبيلا إلى ذلك: الجمهور المتعصب من جهة، والمتعصبون من رجال الدين والمتكلمين من جهة أخرى(1) وهؤلاء كثيرا ما كانوا يحرضون الشعب على الانتقام من الفلاسفة بوصفهم زنادقة ملحدين، مارقين من الدين. هذا بالرغم من أن جميع الفلاسفة المعروفين لم يصب منهم أحد بأذى في روحه ولكنهم جميعا ما عدا الفارابي وابن طفيل –قد أصيبوا بأذى إما في سمعته ومركزهم الاجتماعي وخصوصا مركزهم القريب من الخليفة دائما أو الملك، أو نفوا أو سلبت منهم مكاتبهم (كما وقع للكندي). ويلاحظ ليون غوتييه أن الملك أو الخليفة كان عندما يحس بسلطان التعصب يهدده في ملكه يرخي العنان للشعب ويرفع حمايته عن الفيلسوف –إذ كان من عادة الملوك أن يقربوا إليهم الفلاسفة ويتخذوهم جلساء لهم وكان يستجيب للدساسين ويوقع بهم نكالا، بأن ينفيهم أو يحرق كتبهم كما وقع لابن رشد مع الخليفة المنصور الموحدي، ولكن ما أن يمر وقت قليل وتهدأ العاصفة حتى يعود الملك ويعفو عن صفيه الفيلسوف ويعيد إليه اعتباره السابق-. ففي العصر الذي يوجد فيه ملك متسامح، قوي حتى لا يعبأ بالجماهير إلا عندما تشتد وطأة التعصب، وصاحب امبراطورية أو أمير منشق عن الخلافة تحيط به دول إسلامية متعددة، حتى ليلقى الفيلسوف منفذا للهروب في وقت الشدة، في مثل هذه العصور والأوضاع كانت تزدهر الفلسفة كما قدمنا.
هذه العصور القليلة في تاريخ الفلسفة العربية معدودة يمكن حصرها في العصر العباسي الأول الذي يحوي الخلفاء العشرة الأولين من المنصور إلى المتوكل، وفيه نبغ الكندي وترجمت الكتب اليونانية وغيرها، وعصر سيف الدولة في حلب وفيه نبغ الفارابي، وعصر الدول الإسلامية في إيران وفيه نشأ ابن سينا، هذا في الشرق، أما في المغرب فإن عصر دولة الموحدين يكاد يكون الوحيد الذي كان في أيامه للفلسفة ذكر ورجال، ففيه نبغ الفلاسفة المغاربة الثلاثة: ابن باجة وابن طفيل وابن رشد، وبعد ذلك انطفأت شعلة تلك الومضات التي كانت تومض كالبرق الخاطف في بعض أوقات من تاريخ الحضارة الإسلامية الحافل، انطفأت تلك الشعلة، لتومض من جديد ومضتها النهائية في شخص ابن خلدون بعد ذلك بفاصل من الزمن كبير، يصل إلى القرنين.
فاذن والعالم الإسلامي هذا وضعه في ذلك الحين كان على من يريد أن يشتغل بالفلسفة والعلوم العقلية أن يتخذ سلاحا ضد الأخطار المعيقة به، وكان عليه –كما ذكر ليون غوتييه- أن يكون حذرا وإلا عرض ولي نعمته الملك أو الخليفة لسخط العامة والمتعصبين من رجال الدين والمتكلمين، واستجلب بذلك على نفسه العقاب.
وكان السلاح الذي وجده الفلاسفة العرب ناجعا في اتقاء أخطار هذه الرجعية والتعصب هو نظريتهم التي اتفقوا جميعا في خطوطها الأساسية أعني نظريتهم في التوفيق بين الدين والفلسفة التي يمارسون البحث فيها.
هذه النظرية التي يرى فيها ليون غوتييه أصالة الفلسفة العربية، ويرد سبب منشئها إلى تلك الأخطار التي تحيق بالفيلسوف المحتمي بحمى ملك أو خليفة في غالب الأمر، أخطار من جانب الشعب، وأخطار من جانب المتعصبين من المتكلمين والفقهاء.
ولكن هذا السبب إذا اقتصرنا عليه قد يوحي بأن هؤلاء الفلاسفة العرب لم يكونوا معتقدين لمبادئ الدين أي أنهم كانوا يؤمنون بحقيقة واحدة هي الحقيقة العقلية أو الفلسفية. وأنهم كانوا يعتبرون الدين وهما أو خرافة أو حيلة لاستدراج الناس إلى ما ينفعهم في حياتهم الاجتماعية فحسب أو ما شاكل ذلك، مما يجعل الدين بعيدا عن الحقيقة الفلسفية بعيدا عن التعبير عن حقيقة واقعة. ونحن إذا استعرضنا حياة هؤلاء الفلاسفة –وخصوصا نظريتهم في التوفيق- نجد أنهم كانوا مخلصين في موقفهم من الدين واعتبارهم إياه يعبر عن حقيقة واقعة. هو –كما سنرى عند الكلام على نظرية ابن رشد- وجه الحقيقة المطلقة الظاهرة، إلى جانب الوجه الباطن وهو الحقيقة الفلسفية التي يطلع عليها الفيلسوف عند اتصال عقله بالعقل الفعال، أي عند مزاولته التفكير العقلي.
وليون غوتييه لا يخالف هذه النتيجة –أي إخلاص الفلاسفة الديني- ولكن مقدمته لا تتضمنها بل قد توحي بعكسها. . يجب إذن أن نقول: أن سبب نشوء فكرة التوفيق بين الدين والفلسفة عند الفلاسفة العرب، راجع إلى عدم استقرار الأوضاع بالنسبة لهم وعدم خلو الجو المحيط بهم دائما من المؤامرات والاختلاقات في حقهم، وأن لا يفهم من هذا أنهم كانوا منكرين للدين، بل كانوا مخلصين مؤمنين بالحقيقة الدينية إلى جانب الحقيقة الفلسفية، فكان عليهم لذلك أن يسوغوا موقفهم (مزاولة البحث في الفلسفة) ويدافعوا عن أنفسهم، فاضطرهم الأمر إلى التعمق في الكشف عن الصلات التي تربط الدين والفلسفة وبيان توافقهما، حتى وصلوا في ذلك إلى شأو جعل من نظريتهم هذه شيئا فريدا وطابعا أصيلا لهذه الفلسفة العربية خصوصا، كما تكامل مذهب التوفيق عند ابن رشد ووصل على يديه إلى ذروته، وبلغ غاية تطوره.
هذه هي أسباب منشأ هذه الفكرة الأساسية في الفلسفة العربية. ولكن ابن رشد قد تفوق على غيره في عرض هذه الفكرة وأعطاها إطارا مستقلا داخل بنائه المذهبي، أي أنه اهتم بها أكثر من غيره ودرسها تلك الدراسة الدقيقة، وتعمق فيها ذلك التعمق الذي جعل منها –كما هي معروضة بشكلها النظري في كتاب «فصل المقال»، ومطبقة على أوامر الدين في كتاب «الكشف من مناهج الأدلة» -جعل منها إحدى مفاخر هذه الفلسفة العربية ورائعة من روائعها، بالرغم من بقاء عمل ابن رشد هذا طي النسيان وضحية الإهمال مددا طويلة، حتى بدأ يبعث ويلاقي بعض الاهتمام في هذه الأيام.
فما أسباب هذا التفوق؟ أن ليون غوتييه يرى في شأن هذا التفوق، أن المدرسة الفلسفية المغربية التي تجمع ابن طفيل وابن باجة وابن رشد، قد دفعت بهذه البحوث في التوفيق إلى الأمام أكثر مما فعل الفلاسفة المشارقة الكندي والفارابي وابن سينا، وأن ابن رشد قد تفوق على زميليه ومواطنيه ابن باجة وابن طفيل. فهو الذي استطاع أن يعطيها الشكل الملائم أي الإطار والعرض العلميين في مؤلف مستقل فما هي أسباب التفوق من جانب فلاسفة المغرب على زملائهم فلاسفة المشرق من جهة وما هي أسباب تفوق ابن رشد على مواطنيه ابن باجة وابن طفيل وبالتالي على جميع الفلاسفة العرب بالمعنى الصرف في هذا الميدان أيضا؟ فيما يخص تفوق المدرسة المغربية هذه الأسباب يردها غوتييه إلى كون الشرق الإسلامي كان في تلك الأيام أقرب إلى عدم الانسجام وإلا التمايز في العقائد والأجناس والطوائف الدينية المذهبية. وكذلك فقدان التجانس في السلطة الحاكمة، أي أن الشرق الإسلامي كان منقسما إلى دول صغيرة بمعنى عدم وجود وحدة سياسية، فالأديان المختلفة –وإن كان الدين الإسلامي هو الغالب- والطوائف المختلفة، سواء منها الخاصة بالمذاهب الفقهية البحث، أم الطوائف الدينية الكلامية التي كانت منتشرة في الشرق كالمعتزلة والمرجئة والحشوية وغيرها، والأجناس والعروق المختلفة، والسلطان السياسي المنقسم-أي وجود دويلات عديدة- كل ذلك كان له أثره البعيد في خلق جو من التسامح في الشرق لا نجده في الغرب الإسلامي، سهل هذا التسامح على الفلاسفة المشارقة الظهور بما يحبون أن يظهروا به في غالب الأوقات، أي سهل مزاولتهم البحث الفلسفي. ولما كانت الأخطار المحيطة بهم خفيفة نسبيا للأسباب السابقة وخصوصا لفقدان سلطة قوية تسيطر على العالم الإسلامي الشرقي في الغالب، فقد وضع الفلاسفة المشارقة خطوط هذه النظرية التوفيقية ولم يتعدوا ذلك إلى التفاصيل. كذلك لم يحاولوا أن يكتبوا عنها مباشرة كتابا مستقلا كما سنرى ابن رشد يصنع فيما بعد. فهم لم يكونوا –والأمر كما ذكرنا- في حاجة إلى أن يدخلوا في التفاصيل الدقيقة لهذا الموضوع أو أن يدفعوا البحث فيه إلى مستوى عال من العلمية والتقنية كما فعل ابن رشد مكملا عمل ابن طفيل..
أما الفلاسفة الذين عاشوا في المغرب فقد كان الجو المحيط بهم أكثر تجانسا: دين واحد في الغالب، وعرق أو عرقان في أكثر الأحيان –عربي وبربري-، ومذهب واحد فيما يخص الناحية الفقهية هو مذهب مالك. ولا مجال للاختلافات الدينية والمذهبية المتصلة بفرق علم الكلام كما هو الأمر في المشرق. وكذلك السلطان السياسي واحد ممتد على القارتين (أي إفريقيا أو الأندلس)، خاصة في العصر الذي عاش فيه هؤلاء الفلاسفة المغاربة وهو عصر دولة الموحدين.
فابن طفيل هو أول من وضع كتابا فكرته الأساسية تدور حول التوفيق بين الدين والفلسفة، وهو كتاب حي بن يقظان. هذا الكتاب كان تمهيدا لابن رشد. ويمكن تبعا لغوتييه أن تستنتج أن ابن طفيل شعر أكثر من سابقيه الفلاسفة العرب، بالضغط الذي كان يمارسه الشعب بتعصبه، والمتعصبون من رجال الدين بمقتهم للفلاسفة وتآمرهم. وكذلك نقول في ابن رشد.
ونتساءل الآن لماذا كان على ابن رشد بالذات أن يقوم بمهمة وضع هذا التوفيق في قالب خاص وجعله واضحا للعيان، بإبرازه في كتاب واحد مهمته الوحيدة الكشف عن الصلات العديدة التي تربط الدين بالفلسفة، ومعالجة هذا الموضوع بدقة علمية فائقة، مكونا مذهبا خاصا كامل الأطر والعناصر، وكأنه جمع بذلك تجارب الفلاسفة العرب جميعا إلى تجاربه في مؤلف واحد. 
من المعلوم أن ابن باجة (قد اخترمته المنية قبل ظهور خزائن علمه وبث خفايا حكمته). ويجزم ليون غوتييه أنه ما كان ليشذ عن سابقيه في محاولة التوفيق(2).
وابن طفيل بالرغم من أن الفكرة الأساسية في كتابه حي بن يقظان هي محاولة التوفيق فإنه لم يتعرض للتفاصيل أيضا وإنما عرض النظرية في خطوطها الأساسية. ذلك أن كتابه هو قصة قبل كل شيء، كتبت بعبارة رشيقة سهلة وأسلوب لطيف، ولا شك أنه زاد على الفلاسفة سابقيه بهذا العرض المستقل. غير أنه جعل –وذلك قصد إليه قصدا- الأفكار في كتابه مختفية وراء ستار خفيف من الرموز ولذلك لم يكن كتابه ليعد كتابا علميا بمعنى الكلمة –كما هو كتاب فصل المقال مثلا؛ أعني كتابا يتعرض بطريقة علمية وتقنية إلى أبعد الحدود –بالحجج والبراهين العقلية وبصورة مباشرة واضحة كل الوضوح المطلوب، لموضوع التوفيق بين الشريعة والحكمة والفلسفة، بالرغم من أن عمل ابن طفيل هو ولا شك تمهيد لعمل ابن رشد.
فإذن –يجب أن نفتش عن أسباب أخرى مكملة دفعت بابن رشد بالذات أن يحاول محاولته الجبارة هذه ويتفوق فيها تفوقا واضحا على سابقيه من الفلاسفة العرب، مضيفا إلى التراث الإنساني عملا فنيا وعلميا خالدا.
وفي رأيي أننا يمكن أن نجد تلك الأسباب المكملة في ما تحلى به ابن رشد –أولا- من حب للفلسفة وغيرة عليها فقد كان –ويجب أن نتذكر ذلك- قد وصل بالفلسفة العربية إلى مرحلة المدرسية الدقيقة أي التفاصيل التقنية والتحليل المستقصي. ويجب ألا ننسى أنه كان الشارح الرئيسي لأرسطو في القرون الوسطى، والممثل ذا التأثير الأكبر للثقافة المدرسية الشرقية. وقد غدت الميتافيزياء –على يد ابن رشد- دراسة دقيقة جدا بالرغم من احترامها الشديد لأرسطو، وابن رشد هو الذي ارجع الفلسفة إلى المدرسة ولا عجب من كانت هذه صفاته حبا وتعلقا بالفلسفة، واختصاصا، إن صح القول، لا يترك متابعة أدق التفصيلات، أن تكون غيرته على الفلسفة والنظر العقلي أكثر من غيره. وقد كانت التهجمات والتشنيعات على الفلسفة قد بلغت ذروتها في العالم الإسلامي على يد الإمام الغزالي. كان تعصب المدارس الكلامية على الفلسفة المدرسية قد وصل أوجه، وكأنه تبلور في كتاب الغزالي «تهافت الفلاسفة».
اكتسى هذا الكتاب صبغة إنذار للمشتغلين بالفلسفة وكان تحديا لهم، إما أن يجيبوا على ما جاء فيه ويردوا التهم الموجهة إليهم، وإلا فلتعلن الفلسفة نهايتها في بلاد الإسلام، وتسلم أمرها لأصحاب علم الكلام. ولما كان هذا الصراع قد تبلور على هذا الشكل ولم يعد هناك مجال للتكاسل، فإما عمل حاسم وإما الهلاك، فقد أقدم ابن رشد على خطوته الكبرى- التي تضاف إلى أمجاده المتعددة –وهي رده الرد المشهور «تهافت التهافت» على كتاب الغزالي الآنف الذكر ردا علميا يتميز هو الآخر بالروح العلمية، أي بدخول في التفاصيل ومحاسبة دقيقة مستندة إلى الحجج والبراهين.
وهذا العمل الذي يستحق كل إعجاب، والذي لا يزال يثير شعورنا بالفخر إلى هذه الأيام، هو بالإضافة إلى عمل الغزالي، من مفاخر هذه الفلسفة العربية بلا جدال.
دافع ابن رشد عن الفلسفة في كتابه وحاول جاهدا أن يرد إليها اعتبارها، وأن يبين عدم مخالفتها للدين. ولا حاجة للتذكير بأن الفلسفة التي يدافع عنها ابن رشد، هي الفلسفة المدرسية التي كان يعتنق آراءها. وكان صاحبنا ابن رشد الذي كان آخر ممثل لهذه المدرسة من الفلاسفة. وقد جره ذلك –ولا ينبغي أن ننسى عقيدته الدينية- إلى وضع بذور النظرية التي سيقوم بعرضها مفصلة في كتابه «فصل المقال»، و «الكشف عن مناهج الأدلة»، في كتابه السابق «تهافت التهافت».
ونفس السبب الذي قاده إلى انتصاره للفلسفة، عندما رد على الغزالي، قاده إلى مواصلة دفاعه وتعزيز موقف الفلسفة ببيان واضح صريح، يرد الأمور إلى نصابها ويبدي الصلات المتعددة التي تربط الدين بالفلسفة، ويكشف القضايا الكثيرة التي تنتج عن هذا الارتباط. وذلك إلى جانب عرض آخر –كان يستهدف به ابن رشد الناحية العملية إذ كان يريد أن يبين مبلغ ما أصاب الإسلام من هذه الفرق التي تدعي كل واحدة لنفسها معرفة حقيقة الدين، وتنطلق بذلك فيما بينها وضد الفلسفة، في حرب عوان لا تبقي ولا تذر، تاركة الإسلام والمسلمين في أسوأ حالات التفرقة والبغضاء والشنآن.
 وكان من الدواعي المعززة لتلك الأسباب، والتي من شأنها أن تكون ساعدت فيما اكتساه عمل ابن رشد من طابع الدقة والوضوح، منشأ الفيلسوف الذي كان على العلوم الفقهية، فهو من الذين تفقهوا في أحكام الدين ووصلوا من ذلك إلى مرتبة عالية في الاجتهاد ومما يجدر ذكره بهذا الصدد أنه تولى القضاء، ووصل إلى رتبة قاضي القضاة وهذه الثقافة الفقهية التي كان يتمتع بها مكنته من القيام بهذا التوفيق بنجاح واضح، وإننا لنجد صدى لثقافته الفقهية في كتبه كلها سواء منها الخاص بالتوفيق أم شروحه على أرسطوا ويمكن ملاحظة ذلك سواء في تفريعه المسائل على الطريقة الفقهية أم في ذكره للنص كاملا في شرح أرسطو وأتباعه بالشرح والتفسير وذلك كما يفعل مفسرو القرآن الكريم.
هذه هي على ما أرى الأسباب والعوامل التي حدت بابن رشد لأن يقوم بعمله العظيم في بناء مذهب متماسك، يحاول إقامة صلة ثابتة، أو الكشف عن هذه الصلة بين الشريعة والحكمة على حد تعبير ابن رشد، وبيان الصلة بأوضح عبارة وأسلم دليل.
وسنرى في فرصة أخرى عند عرض نظرية ابن رشد في التوفيق بين الشريعة والفلسفة مبلغ غناها وتماسكها، وسيظهر لنا مقدار ما بذله من الجهد كي تجيء  على هذه الصورة الرائعة، ولا شك أننا لن نحاول الادعاء أننا وفينا حق هذا العمل العظيم وأبرزنا كل جوانبه وكشفنا عن جميع خباياه.

(1)ليون غوتييه ابن رشد «الفصل الثالث» .
(2) نظر كارا دوفو المرجع السابق ص 29 فما فوق.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here