islamaumaroc

كلمة السيد مدير البعث الإسلامي بوجدة

  مصطفى بنحمزة

العدد 343 محرم 1420/ مايو 1999

يشاء الله سبحانه أن يتحفنا نحن العاملين بمعهد البعث الإسلامي بزيارتكم لهذا المعهد للمرة الثانية، فنجد أنفسنا مغتبطين بها، شاكرين الله على ما يسر من فرصة هذا اللقاء، الذي نعتبره محطة مهمة ولحظة متميزة في عمر هذه المؤسسة العلمية، وذلك لما يتجه من رصد للحصيلة، ومن تطلع للآفاق المستقبلية.
وقد اخترت في هذه التقدمة عن وعي وقصد أن أحدثكم عن هذا المعهد وعن نظائره من المؤسسات التعليمية الإسلامية المبثوثة على كثير من المواقع بالجهة الشرقية، تعريفا بها من جهة، وتذكيرا لكم بفضل الله عليكم، يتمثل فيما يسر لكم من هتك سجف كثيفة، وسراقات سميكة، ظلت مضروبة بدهاء وبأحكام على كل معاقل ومؤسسات العلم الشرعي مدة ليست بالقصيرة، وقد كنت أقدر هذا الفضل الإلهي وأن أجيل في ذهني ما كتبه من قبل بعض رجال الإصلاح بمغربنا من مقالات عبروا بها عن استسلامهم واقتناعهم باستحالة إحياء رسالة المدارس الإسلامية عموما، ورسالة جامع القرويين خصوصا، وقد عبر واحد من هؤلاء المصلحين الرواد هو محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي في مضاضة وحسرة عن يأسه وعن انقطاع رجائه من إحياء دور القرويين وسجل ذلك الاقتناع في كتابه الفكر السامي، ولم يزل الأمر كذلك حتى أذن الله بفتح ما كان منغلقا موصدا، وبتيسير ما كان مستعصيا متأبيا، فانتصب جامع القرويين مجددا طودا شامخا، وعلما بارزا، على طريق الأوبة الراشدة إلى معارف الإسلام، فانتعشت بعودة الحياة إليه آمال كانت ذابلة، وانتعشت همم كانت فاترة.
سيادة الوزير،
إننا لا نحمل زيارتكم هذه على أنها مجرد زيارة مساندة، وإنما نرى فيها أنها زيارة تفقد ومتابعة، ورعاية لمشروع حضاري يفع وتبدى رواؤه ونحن أحوج ما نكون إلى مثله وقد أصبحنا نرى ارهاصات بل وتجليات مواجهة حضارية لم يعد أمرها سرا، ولم يعد كثير من منضري الغرب يجد غضاضة في الإعلان عنها، وصوغها في نظريات متوقعة لطبيعة العلاقات المستقبلية بين مختلف الحضارات، وهي علاقة تقوم على الاحتكاك والمواجهة التي يرون أنها ستنتهي بما أسموه بنهاية التاريخ الذي يأتي بعد استسلام وخضوع كل الحضارات للقطبية الغربية.
ومثل هذه التوقعات وإن كانت في حقيقتها تهييجا وتحريضا ضد الحضارات الأخرى، فإنها تقتضي من جهة المسلمين الإعداد للمرحلة بما يناسبها من أرصاد للكفاءات الفكرية، ومن استثمار للطاقات الذهنية المعطلة، وهذا الذي يؤهل للمشاركة الفاعلة في التدافع الحضاري، وليكون الترجيح والحسم في نهاية المطاف للكلمة الصادقة المعبرة عن الفكرة الناضجة المشخصة للقيم الخيرية التي يختزلها الإسلام في نصوصه.
سيادة الوزير،
إن معهد البعث الإسلامي الذي هو لبنة في صرح المدارس العتيقة في بلدنا له بكم أكبر الصلة وأوتقها، لأنكم شريك فيه في معظم مراحله وأطوراه، وهو إن كان يوشك أن ينهي العقد الثالث من عمره فإن أكمل فترات عطائه إنما هي فترة وزارتكم التي لقي فيها المعهد ما شد عرضه، وأتاح له إمكانات للعمل قيمة.
وأذكر هنا الحقيقة أننا حينما اتصلنا بكم أول عهدكم بالوزارة وأنتم يومها تشريفون على إحدى الندوات بفاس والتمسنا منكم تخصيص هذه القطعة التي نحن عليها ليؤسس عليها هذا المعهد استجبتم لطلبنا على عجل، وكتبتم الإذن في كواليس الندوة، وصدر خارج مكاتب الوزارة.
ومرة أخرى أنعشتم جملة الفقهاء والعاملين في المعهد لما رفعتم من مكافآتهم وأنعشتموهم بذلك على مواجهة تكاليف الحياة.
وقد تفضلتم أيضا بتخصيص قطعة أرضية ليشيد عليها مجمع سكني وتجاري نتوقع أن يكون له الأثر الملموس للدفع بالدراسات الشرعية إلى الأمام.
وقد أبيتم سيادة الوزير إلا أن تدخلوا وزارة الأوقاف في تجربة العالم الاجتماعي المنفتح على شرائح أخرى من المجتمع فتفضلتم مشكورين بالموافقة على تخصيص أجور أربعة من الأطر العاملة المركز جمعية الأمل لرعاية وتأهيل الطفل الذي أنشئ هنا بوجدة ليحتضن بعض الأطفال فرض عليهم المجتمع بإهماله وضعية التشرد، وقد أعطى هذا المركز نتائج باهرة في مجال إصلاح وتأهيل الطفل، وأصبح صالحا لأن يقدم نموذجا لإعادة التربية حينما تعتمد التربية الإيمانية أسلوبا ومنهجا.
وفي مجال الاجتماعي أيضا فقد تفضلتم هذا اليوم بوضع حجر الأساس للصم والبكم على الأرض الحبسية التي خصصتموها لهذه الغاية، وستكون هذه المؤسسة هي الأولى من نوعها على مستوى الجهة الشرقية.
سيادة الوزير،
إن دعمكم وحدبكم على معهد البعث الإسلامي وروافده وفروعه ونظائره قد قابله من جهة القائمين على هذه المؤسسة أساتذة وإداريين جهد صادق، وعمل موصول، وتفكير جاد، من أجل التخطيط للعملية التربوية استلهاما من الرصيد التربوي الإسلامي، وما راكمته من الدراسات التي أنجزت حوله، واستفادة  كذلك من كل المناهج التربوية الحديثة، وقد مكن ذلك من تطوير كيفيات الأداء التربوي، وقد أصبح مألوفا في معهد البعث أن تعقد ندوات أصلية تربوية عامة أو خاصة يؤطرها مفتشون وأساتذة بمراكز تكوين الأساتذة وأساتذة جامعيين، وقد أصبحت هذه الندوات مجالات التقاء بين الفقهاء والأساتذة المهتمين بموضوع التربية.
وقد تكيف البرنامج التلقيني والتربوي بالمعهد بهذه المعطيات، فأصبح من مواده مواد إسلامية أصلية كالتفسير والحديث ومصطلحهما والفقه وأصوله واللغة والنحو والأدب والمكتبة وطرق البحث والإلقاء. ومواد حديثة كاللغات الحية خصوصا الفرنسية والإنجليزية والعلوم الطبيعية والإعلاميات إلى غير ذلك من المواد الحديثة.
وبهذا التكوين تهيأ للمعهد تكوين وابتعاث كثير من خريجية إلى جهات كثيرة في المغرب وخارجه- أئمة ومرشدين- يؤدون أمانة الكلمة في إحساس كامل بحدود مسؤلياتهم، وفي وعي عميق مما يجب أن يقدم للأمة ليجمع شتاتها، ويرفع من مستوى أفرادها، وليدفع عنها كل دعوات التمزق والتشرذم والمروق المقنع من الدين، وقد سرنا كثيرا أن من طلبة المعهد من التحقوا فعلا ببعض أماكن تجمع الجالية المغربية بالخارج، وأصبح الالتفات إليهم قويا، وأصبحوا يعملون فعلا على تقوية صلة الإنسان المغربي بدينه وببلده.
سيادة الوزير،
لقد التفت معهد البعث وإن كان ذلك الالتفات متأخرا إلى المرأة، فعمل على إدماجها في عملية تحفيظ القرآن وتلقي علومه، إيمانا بأن المرأة ظلت طاقة معطلة تارة، ثم أصبحت هي ومشاكلها ومعاناتها تسوق وتستثمر لفائدة الاستقطاب الضيق.
ولقد أعطى الاهتمام بالمرأة نتائج جد مشجعة، وكشف في المرأة عن استعدادت هائلة، ورغبة عارمة في الأخذ بحظ من علوم الإسلام، وهكذا وجدت بوجدة نحو من 100 امرأة يحفظن القرآن كلا أو جزءا، وتتابع حفظ القرآن ما لا يقل عن 400 امرأة، وقد دأب المعهد بمشاركة بعض الجمعيات المحلية على تنظيم مسابقات للحافظات كل شهر شعبان، ثم حول ذلك إلى شهر مارس الذي يتنامى فيه الاهتمام بقضايا المرأة وستنعقد بعد أيام دورة هذه السنة تحت تسمية دورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ رحمها الله.
ونحن الآن لا نجد أنفسنا في حاجة إلى شيء حاجتنا إلى إنشاء معهد خاص بالنساء، يحتضن مجموع الحفاظات اللواتي أصبحت يطالبن بإلحاح بأن تتاح لهن فرص الدراسة على نمط المدارس العتيقة.
سيادة الوزير،
لا أريد أن أقف بكم عند كل قضايا واهتمامات القائمين على المعهد لأن ذلك يطول، وسأكتفي من هذا بتقديم البرنامج التربوي مكتوبا، وبتقديم تقارير ندوة المدارس العتيقة التي عقدت بوجدة يومي 5- 6 شتنبر 1998.
وأخلص من هذا وذاك إلى أن أشكركم شكر من يقدر الجهد الذي يبدلونه من أجل جعل العملية التعليمية في البؤرة من اشتغال وزارتكم، مما جعل هذه المدارس مكونا حقيقيا وفاعلا من مجموع مكونات المجتمع.
وأسأل الله أن يبقي هذا العمل مستمرا باقيا موصولا مرعيا مشمولا بعناية أمير المؤمنين الحسن الثاني أبقاه الله مكلوءا مؤيدا منصورا.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here