islamaumaroc

توطيد الأسلمة في أوساط معلمنة

  محمد بريش

العدد 343 محرم 1420/ مايو 1999

 وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا.(1)
نظرنا في هذه المعالجة يطوي مراحل التاريخ ليستخلص العبر، ونظرتنا تشمل واقع الأمة الفسيح لنتبين الضرر. فلقد كان الأثر السلبي لأزمة الفكر المتفحلة في ميادين التأمل والتدبر والتقييم والاستشراف منذ عصور «ما بعد الاجتهاد الشامل»(2) على عمليات المواكبة لسير حركة التطور الاجتماعي والعمراني والمعرفي داخل صفوف المجتمعات الإسلامية قويا إلى حد تعطيل جوانب هامة من دواليب الأمة، ووضع العقبات أمامها، وتمكين المتربصين الدوائر بها من تحقيق بعض الضربات المكبلة لجريان عجلاتها، حتى أضحى الخلل داء ملازما لها، ووصفا لصيقا بها، بشكل أدى بانتقال تلك الحركة تدريجيا من السرعة الدائبة إلى التعثر، ثم التعطيل شبه التام.
وبخصوص مجالات الفكر والثقافة والعلم، فقد تجلى كل من التعثر والتعطيل داخل ساحة واقعنا الفكري والثقافي والعلمي في جانبين أساسيين:
أولا: الجانب النظري: والذي بدأ التصدع يسري لصرحه بانتظام منذ القرن الخامس الهجري، وعلى وثيرة أسرع بدءا من أواخر القرن السابع، وإن كان بالإمكان أن نؤرخ لمثل هذا الأفول المنتظم قبل ذلك التاريخ إذا غضضنا الطرف عن الاستثناءات الظرفية المحصورة زمانا ومكانا. فبعد القرن الخامس، دخلت الأمة من حيث الإنتاج العلمي والفكري والثقافي في الاختصارات والشروح لما ابتكر من العلوم والفنون في الأزمنة السابقة، حيث شهد معظم ذلك الإنتاج ركودا في وتيرة دفعات الابتكار الحية مع نهايات عصر التدوين.
وكادت تتعطل الخطى- لولا بعض الفلتات الجريئة – بدءا من أواخر القرن السابع، وأضحت الأمة بفعل تعاظم الخلل وتفاقم الورم على موعد لم تعهده من الانحطاط، حيث كادت في جوانبها النظرية تكتفي بالتقليد وترديد مختارات من إبداعات السلف، حاصرة جهود ابتكار رجالاتها في صياغة المتون، وقاصرة طاقات علمائها ومفكريها على اختصار المدون، وقاصرة طاقات علمائها ومفكريها على اختصار المدون، فلم تعد آلياتها التنظيرية في معظمها تفرز إبداعا، أو تولد ابتكارا، أو تقدم جديدا، فالتقليد بمختلف أنواعه: من التقليد السلبي، إلى التقليد الفظيعة، جعل الجانب النظري لدى الأمة مهتز الأركان، متصدع البنيان، مشلول الحركة، ضعيف القوة والاستجابة لاستيعاب وإدارك ما يلزم لمعالجة المستجدات والنوازل اليومية في الميادين الاجتماعية والسياسية والتشريعية والعلمية والثقافية والتربوية والاقتصادية، وحائل دون الإقدام والاقتحام الضروريين لتخطي الحواجز، والتغلب على مختلف العقبات، وذلك في كافة تلك الميادين وما يرتبط بها من مجالات.
لم يكن للأمة منذئذ من حظ في البقاء واستمرار الحياة وتجنب الانهيار التام والشامل لولا جهد زمرة من الفاعلين بوركت خطواتهم، وضعف في العالم المحيط الذي لم يكن يومها على درجة من الوعي والتطور تمكنه من هجمة شرسة ماسخة على صعيد العلم والثقافة والفكر مثلما أتيحت له في أزمنة تالية.
ثانيا: الجانب العملي التطبيقي: ونعني به أساسا الجانب الشامل للقطاعات المؤسساتية الحية، مثل دور صياغة وصناعة الفكر، ومراكز توليد الآراء، ومؤسسات تقديم الرأي والمشورة على الصعيد الحكومي والشعبي، ومجامع استنباط الأحكام واستصدار الفتوى والبت في النوازل، وما يرتبط بتلك القطاعات من فروع وجهات، وما يتفاعل فيها ويبتكر داخلها – وما يتأثر بفعلها ونشاطها – من الرؤى والمناهج والنظريات.
معظم هذا الجانب الفعلي العملي من الساحة الفكرية أضحى معطلا أو مغيب الفعل حين سرى الخلل إلى أبعاد النظر في عقل الأمة. دبت إليه الأدواء من كل حدب وصوب فلحق جانب هام من كيانه الهلاك، بدأت معالمه الفاعلة تنكمش وتخمد حركتها على مراحل فسيحة من الزمن، فانطمست أنواره تحت كثافة دخان العوامل السلبية القاتلة، مثل استبداد الرأي المعطل، وشيوع التقليد المكبل.
فكان أن انسحبت من دائرة الفعل وصناعة التاريخ – بقوة صدمات الخلل وضربات التعطيل – تلك الصروح الضخمة التي كانت إبان العهود الزاهرة للأمة سوقا نشطة لمبتكرات الجانب النظري، ومختبرات لتمييز غثها من سمينها، وإشباعها نقدا لتمحيصها، ثم تمكين الثابت منها من الاختراق العمودي والأفقي على السواء لمركز الابتكار الفقهية والفكرية ونوادي الإبداع الأدبية والحضارية، وتأهيله لاحتلال المراتب المركزية في المؤسسات التربوية، لتحل محلها دكتاتورية رأي القائد، وسطوة الفكر السائد، والاكتفاء بصب الجهود والطاقات في التدليل نهشا في نتاج السلف على حجية الرأي المستبد، وصلاحية الفكر المستتب .
ونحن إذ  نقول هذا نعلم أن الأمة لم تخل في عصر من العصور من رجال ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله، لكن من الوجهة الإستراتيجية ، وبمنظور الأمة لا بمنظور الفرد، يبدو لنا المجتمع الإسلامي في تطور مجالاته السياسية ورقعته الجغرافية ونسيجه الاجتماعي قد غاب عنه الوعي تدريجيا – مع تآكل الذاكرة الجماعية وإبعاد العلماء عن دواليب المسؤولية – بالخيرية المنصوص عليها في الآية : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)(آل عمران: 110)، ولم يدرك معنى العلوية المشار إليها في الآية: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم العلون إن كنتم مؤمنين )(آل عمران: 140).
فحين توقف العمق الاستراتيجي اففريقي للأمة الإسلامية، وأوقف العمق الأوروبي، وأبطلت حركة العمق الأسيوي، ثم غابت الأمة تاريخيا عن الأمريكيتين فدب لهما قوم أهلكوا الحرث والنسل، تخلت الأمة حينذاك عن صياغة وحراسة النظام الدولي، ولم تحسن شروط جلب جاذبية تداول الأيام جهتها، فأضحت مقودة لا قائدة، على ما فيها من أفراد نزهاء وعلماء أجلاء، ومن هذا المنطق تفهم إشارتنا في ديباجة كتابنا هذا لطي مراحل التاريخ مع تبين الضرر، ومنه تدرك تحاليلنا التي سنوردها تباعا في هذا البحث.
فلم تعد الأمة على مر العصور خيرة من العلماء وثلة من الفقهاء يبتون في نوازلها، ويشحدون هممها، وينشرون الدين في صفوفها، يعلمون الذكر الحكيم ويحفظون سنة النبي الأمين/ وقادة وزعماء يدافعون  عن حدودها ويحفظون كيانها، ولكن دواليب الحركة في الأمة انعكست فأضحى للقائد مهما كان بسيطا قرار نافذ، ولعالم مهما علت مكانته رأي غير ملزم، ولعون السلطة وصاحب المال ورجل الأعمال تأثير يفوق تأثير الراسخ في العلم، وأولوية تربو على مرجعية حكماء الاستنباط، فأهمل بذلك النابغة، ولم يلتفت لتشجيع المبتكر في الصنعة، وذلك عين الانهيار وأس التخلف.
ونحن نرى أن استعادة الأمة لحركتها ونشاطها، واسترجاعها للوعي بذاتها ورسالتها، وإحاطتها بمسؤوليتها ومضمون عقيدتها، وإدراكها لما هو منتظر منها داخل ما تعيش فيه وما يحيط بها، يحتاج إلى استعادتها لقة العطاء في جانب النظر، وذلك باسترجاع الذاكرة وآلاتها وأدواتها المعرفية قصد معاودة التنظير في ميادين شتى، وإنزال المبتكر فيها بفعل ذلك التنظير لسد حاجيات الجانب العملي حيث مجال تحقيق عملية الشهود الحضاري، وساحة إنجاز عمليات أداء الرسالة من خلال أبعادها الفكرية و العلمية والثقافية والدعوية.
وإنزال المبتكر لسد الحاجيات الجديدة يعني الإسراع  باسترجاع ذلك الجانب العملي الفعلي من العملية الفكرية، فنحن أحوج ما نكون بعد التنظير وموازاة له إلى تسويق الفكر المبتكر عبر قنوات حيوية وعضوية، تجري في الحياة الاجتماعية مجرى الدم، تضخ الدم النقي الزكي في شرايين الآليات الابتكارية والنظم المعرفية والأدوات العلمية التي بها تصهر بها الألباب وتصاغ النهي. تجري مجراها وتفعل فعلها في مؤسسة المسجد، ومؤسسة الإرشاد الديني، ومؤسسة الفتوى والبت في النوازل، ومؤسسة المدرسة، ومؤسسة الجامعة، ومرسسات التكافل الاجتماعي، ومؤسسات التعبير الثقافي، ومؤسسات البحث العلمي الفلسفي والديني، وغيرها من المؤسسات الحية التي يلزم أن تسير سيرها الطبيعي والعضوي داخل الأمة. إيجاد المؤسسات والقنوات لسد مثل تلك الحاجيات هو ما دعوناه بالجانب العملي التطبيقي.
مضمون الأسلمة
إحياء جانب النظر، وإنعاش جانب العمل، هو جوهر ومضمون الأسلمة. فالأسلمة كما نراها هي إنزال الفكر النقي على ساحة العمل الجدي، فحين ينزل الفكر المبتكر على ساحة العمل يحوله من شكله المعلب الذي خرج على صورته من دواليب ومصانع التنظير، إلى شكل مجرد على رونق التغليف، نزل إلى أرض الواقع واحتك به، فأصبح له في أوساطه فعل وأثر جسد وجوده، إذ أضحت له مع الاحتكاك ليونة تضفي عليه القبول عند محبيه، وخشونة يشمئز منها رافضوه، وصفات وعيوب ومزايا يتميز بها عند النقاد ورجال الاجتهاد قبولا واستحسانا، أو رفضا ونكرانا.
مثله حين كمال الصورة التنظيرية كمثل النقود الورقية حينما تصدر عن مصانع السكك النقدية وهي بهية الألوان صقلية، فتنزل الأسواق البنكية والتجارية لتتعامل بها أيدي التجار والصناع وعامة الناس، فتصبح بعد طول التداول لا يلتفت لشكلها مثل ما التفتت لها عينا الناظر أول مرة، وتتخذ لدى الناس المتداولة بينهم قيمة غير قيمة الورق المطبوع الذي يجسدها ويدل على شكلها من يوم خرجت من مصنعهاـ إذ لما أضحت بأيدي الناس يتعاملون بها، أعطاها ذلك التعامل وما يصاحبه من إيمان بها قيمة فعلية بدونها تفقد روحها، وبغيابها لن تعدو أن تكون ورقة مثل باقي الأوراق المطبوعة مهما تنوعت زركشتها وجمالية صورها وخطوطها.
ونحن اليوم في أمس الحاجة لفكر عملي مفيد، تمليه بإلحاح حاجتنا في أوساط جموعنا الإسلامية وجاليتنا المسلمة- وخاصة منها تلك التي تعيش في مجتمعات ارتفعت بأوساطها معدلات العلمنة بشكل ملحوظ ومؤثر، وأوضحت مصادر التشريع والقانون بها علمانية صرفة أو قريبا من ذلك، سواء الدول الغربية أو التي تنص دساتيرها على علمانية الدولة رغم تاريخها الديني- إلى تنظير من نوع جديد لبعض قضايانا الفقهية والدينية والاجتماعية، غير متنكر لأصول الشرع ومقاصد مجتمعات تتعدد فيها الديانات، للدين فيها صولته وقوته من حيث الأعراف، والتقاليد، والتعبير الثقافي، والتكوين التربوي، وأداء العبادات، وتعظيم الشعائر، لكن لعمانية الدولة مرجعيتها وقولها الفصل-شئنا أم أبينا- من حيث القانون العام، والإجراءات الدستورية وتقييد الممارسات التنظيمية.
فلا ينبغي أن يغيب عن الذهن أن المسلمين بالبلدان العلمانية أو المعلمنة- أي بما فيها البلدان التي ارتفعت فيها معدلات العلمنة بشكل مخيف، فأضحت بلدانا مبهمة العقيدة، دينية تاريخيا ومعلمنة واقعا، يتنامى فيها حجم فعل العلمانية بوثيرة وسرعة ماسخة ومشوهة، منبئة بإعادة الصياغة والتشكيل للمعتقد والثقافة والعرف- فلا ينبغي أن يغيب عن الذهن أن المسلمين بهذه البلدان قد أضحوا في عداد الأقلية من حيث الأثر والفعل رغم قوتهم الديموغرافية. لكنهم سواء في بلدان حديثة العلمنة أو قديمتها، مجموعات لها خصوصياتها، ولها معطياتها الذاتية التي تحتاج إلى معالجة فقهية جديدة تماما، منطلقة من الأصول الإسلامية، لكن منزلة على واقع مخالف للمجتمعات الإسلامية العريقة التاريخ في حضارة الإسلام والتي لم تصل فيها مستويات التغريب والعلمنة درجات تفصل القانون الجاري به العمل بشكل صارم عن شريعة الإسلام.
فهناك شبكة من العلاقات لابد من إقامتها هي من النوع المبتكر لم يشهد التاريخ مثله. وظروف عيش داخل وسط علماني علينا مراعاة بقاء إيجابياته والتي في بعض الأوساط الأوروبية والأمريكية مثلا ساهمت في جود وانتشار الإسلام، والانطلاق من أن المساس بها- دون تحكم في مصادر التشريع وتوطيد دور المسلمين فيس صياغة القوانين- يهدد بقاء الأمن والإيمان ووجود الإسلام نفسه، خاصة حينما تكون الذات محل سخط غير معلن من طرف جهات لا تطمئن لوجود الإسلام رغم بعد بلدانه العريقة عن محيطها، فكيف به داخل أمصارها، ثابت الخطى في الانتشار المتنامي بين أفرادها.
وطبعا لن نحاول الإقدام بمفردنا على التنظير لسد مختلف الحاجيات الملحة، أو الممارسة الفورية لعمليات الاجتهاد المطلوب، فنحن أعجز من أن نحصي حجم ما نحتاجه في واقعنا المتشعب الجوانب وما نفتقر في معالجة قضاياه إليه، فضلا عن أن نغوص في البحث في نوازله والاجتهاد في محدثاته. لكن حسبنا في متناوله العمل على إيقاظ الهمم، والدفع للوعي الجماعي بالحاجة والضرورة إلى إحياء جانب النظر، وإنعاش مؤسسات العمل، لصناعة مستقبل نحس فيه بالمشاركة في صناعة التاريخ وتقرير المصير، ونشعر فيه الفئات الثقافية والدينية الأخرى عبر الحوار والمشاركة بالتكافل والتآزر لخدمة الإنسان والأوطان.
 وخطة سيرنا لتحقيق ذلك الوعي الجماعي المراد تقتبس طاقتها من الدرس والتحليل من خلال توضيحنا لمفهوم ومضمون مصطلحات ثلاث: المستقبل والثقافة والتغيير.
وقد يتساءل المتتبع لبحثنا لماذا هذه المصطلحات ومفاهيمها ومضامينها بالضبط؟ ولماذا يتم يتناولها على ذلك الترتيب؟ فنقول بإيجاز- على أمل العودة للتفصيل في ثنايا تحليل ودراسة كل مصطلح على حدة- إننا اخترنا التطرق لتلك المصطلحات/ الأدوات وعلى ذلك الترتيب، لغلبة الظن لدينا أنها إذا فقهت وفهمت في أبعادها المشروحة حصل لا محالة جزء هام من الوعي الجماعي المراد، لعلل أساسية ثلاث:
1- أن المستقبل مجال الفعل:
فالماضي قد ولى، ولا سبيل إلى استرجاعه وإعادة تشكيله، وحسبنا منه استخلاص الدروس والعبر، ونهل الصالح الموروث، النقي من الدخن، من محصول التاريخ ومخزون التراث، وأما الحاضر فمائل أمامنا لا سبيل لتغييره إلا بالمنظور الحالي مستقبل لتاريخ مفروض فيه التدوين، وتأريخ لمستقبل هو في طور التكوين، مستقبل لتاريخ بني على حوادث ووقائع لنا منها صور ومقاربات، تتجدد بتجدد النظر وإمعان النقد في الأحداث الخاليات، وتنامي المتوفر حولها من المعلومات. وتأريخ لمستقبل بني على توقعات وافتراضات، مشحونة بالرغبات والطموحات، وغير خالية كلية من بعض التنبؤات، لكن لصيقة بما يعزم حلا من الأمر، وما يتخذ حاضرا من القرارات.
فالواقع الحاضر مستقبل لتاريخ مضى، لبرامج عمل مفروض فيها الإنجاز، أو تراكم كسل سمح لآخرين بالإنجاز، من بني جلدتنا أو من جوارنا أو مقتحمين لمجالات صناعة غدنا، لغفلة منا أو لضعف ووهن حل بنا، لكنه في كل الأحوال مستقبل لعمل، منا أو من غيرنا، بمعنى أننا لو أردنا افتراضا أن نحصر دائرة الفعل في محيطنا وحده بحيث نكتفي بالذات ونقصي وجود الآخر، فلن يعدو واقعنا داخل هذا الافتراض أن يكون مستقبلا لعمل، أو غياب عمل.
وبقدر ما نقترب من الواقع المشهود بقدر ما نحس بمسؤولية مشاركتنا في إبرازه، وما بلغته أيدينا أو بلغه وقع غيابها في أزمنة خالية من عمرنا في بلورته وصناعته. فلو كان لنا هم الغد البارحة، لسارعنا بتقييم هذا المستقبل  المشهود، برغبات وتطلعات وبرامج صناعة ذلك المستقبل المنشود، لنعلم أين الظل في الصناعة، وما العقبات وما الموانع في إنجاز المراد والمبتغى المنشود. فإن فاتنا ذلك الهم في زمانه، فلنعمد- إن أردنا غدا مريحا ومستقبلا مشرقا- إلى الإعداد للمستقبل والتدوين المستقبلي من اليوم، أما من ظل عن ماضيه أعمى، وعن التمعن في حاضره أعمى، فهو عن مستقبله أعمى وأضل سبيلا.
بمعنى أنه يستحيل الوعي بالحاضر، إذا لم ينظر إلى ظروف انبثاقه بالانتقال إلى أزمنة إفرازه في الماضي القريب، والنظر إليه عبر حركة الزمن وما ترك عليها من أحداث هي من صنع البشر كمستقبل مفروض لتلك الأحداث ، وما فجرها من العمل والمنجزات، وما وجهها من التوجيه والقرارات. ونقصد هنا بالزمن تاريخا ومستقبلا، الحركة والفعل من الإنسان كامل الإدراك، سليم الأدوات المعرفية، الكفء لإنجاز الأمانة والمؤهل للقيام بمهمة الاستخلاف. أما في بعده التقني كلحظات متتالية من وقت يستهلك، فلا اعتبار له لدينا بمعزل عن البشر الذي يتجلى فيهم وقعه، وخاصة منهم الصنف الواعي لمفعوله وسريانه.
وتمام الوعي يحتاج إلى الحدة في آلات النظر، والدقة في أدوات البصر، النظر في عواقب الأولين، والبصر في أحوال وأوضاع الحاضرين، ذلك أن الواعي إذا لم يدرك ما مصيره، اختلت موازينه. إذ لا يغفل عن مصيره إلا الناسي. ولهذا كان الناس من منظور صناعة الغد حسب التعبير والبيان القرآني(3) صنفان: صانع للتاريخ، مقدم الغد، وخارج من التاريخ، ناس لله، غافل عن لوازم الإعداد لغد.
والغافل يسئ الاحتجاج بالقدر والواعي مدرك أنه محاط في كل فعله بالقدر، لعلمه انه هو نفسه جزء من القدر، لصناعة المرغوب من القدر، ومغالبة الموانع والشدائد بمواجهة القدر بالقدر.
2- الثقافة أداة الفعل:
إذ أن المسلمين في مجتمعات علمانية أو متعددة الأديان والثقافات يباشرون ممارسة دينهم من الناحية التعبدية بشكل داخلي يهم الفئات المتدينة المسلمة وحدها. لكن في ما يخص التعبير عن الذي يشاركون فيه جنب الفاعليات الأخرى في المجتمعات  التي يشاطرونها الانتماء القومي، والخضوع بتكافؤ للدستور والقانون، والمشاركة في الدفاع عن وحدة البلد، وحماية مكتسباته، والسعي لازدهاره، فإن أداة التعبير المتاحة لهم هي الثقافة النابعة من دينهم وقيمهم، وهي قيم إنسانية نبيلة لا تعارض بينها وبين القيم المشتركة بين مختلف الديانات والمذاهب والفلسفات غير الشاذة والمنحلة السائدة في تلك المجتمعات.
3- والتغيير مسار الفعل:
فنحن لا نرتضي أن تنتقي جموعنا الفكرية والثقافية فكرا من شرق العالم الإسلامي أو غربه تجتر معه قضايا منطقته ومشاكلها وروابط خصوصياتها. بل نسعى لكي ينبثق من هذه الديار ما يمكن من توطين الإسلام بحيث ينظر إليه أنه ابن الدار، لا المهاجرين من أقاصي الديار، نريد من جالياتنا المسلمة على ما يلزم من تعزيز روابطها بالعالم الإسلامي، وخاصة بلدان انحدارها الجغرافي في ما يخص الجانب منها ذي الأصول المهاجرة، أن تحافظ على المكتسب من المنجزات التي حققت في مجال ممارسة الدين الإسلامي، وأن تصبح في الميدان الفقهي والفكري والثقافي رافدا من الروافد التي على اختلاف خصوصياتها وأنواعها، أمدت وتمد الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي بالدم الجديد والعطاء المتنوع.
وفي انتظار أن نفصل الكلام حول كل من هذه الأدوات الثلاث في بحث مستقل في الأعداد القادمة إن شاء الله، نود التذكير بما أشرنا إليه في بحث سابق(4) من أن من مناهج الإدارة المعاصرة، نموذجين بارزيين: الإدارة بالأهداف والإدارة بالكوارث. ومازلنا في معظم مجتمعاتنا الإسلامية رغم الفكر المقاصدي الذي تتميز به شريعتنا نعمل بنموذج الكوارث، فلا نتحرك إلا حين تحل الكارثة، وننشغل بها إلى أن تنسينا فيها كوارث أخرى أدهى وأمر، وقد نعمد إلى تحرير نوع من الخطاب السياسي والأدبي لجعل الكارثة نصرا، وقلب الأهوال ظفرا، ظنا منا أن ذلك فيه نوع من التخفيف عن النفس، وعدم فقدان الأمل، بيد أن الداء العضال هو أن لا عبرة عند معظمنا لا للأهداف ولا للعواقب.
فكم نقرأ في كتب التراث عن السيف والنطع يأتى بهما لدى حاكم من الدرجة الثالثة أو الرابعة، فتقطع رأس شاعر أو أديب أو عالم سبق أن قال- أو ادعى أنه قال-في ذلك الحاكم ساعة نشوة أو غضب قولا ظل متابعا به دهرا، يهدر من أجله دمه هدرا.
ورحمة بنا يبعث الله تباعا غربانا تبحث في الأرض لترينا كيف نواري سواءتنا بعد قتلنا لذواتنا، فمن غراب حقوق الإنسان، إلى غراب الديمقراطية، فغراب حقوق المرأة، ثم غراب العولمة، ثم أبو الغرباء الحديث العهد؛ الحرية الدينية. ويوم نقذف بالحق على الباطل، ونصيح ياويلتنا، أعجزنا أن نكون مثل هذه الغرباء، ينتهي درس الغراب، ويتوب الله على من تاب.

                                                                   
1 ) سورة الفرقان، الآية: 62.
2) ننطلق من فرضية لها ما يؤيدها من دلائل، مضمونها أن الاجتهاد لم ينقطع في الأمة قط. ولم يسد أبدا بابه، أما تفسيرها للخمول الحاصل في هذا الجانب فقوامه أم حركة الاجتهاد كجزء دافع لجهود التنظير الفقهي والتجديد العلمي والعملي شهدت نوعا من الضعف المتزايد بدءا من القرون الأولى التي تلت عهود الخلافة الراشدة، وبلوغ شوكة الأمة الإبلاغية والرسالية والحضارية أعماقها الاستراتيجية القصوى التي أتيحت لها- وإن كانت طاقاتها  تسمح يومئذ بالمزيد- انتقلت تلك الحركة بشكل متزايد في  التضاؤل من سرعة السير الحثيث، إلى سرعة الخطى البطيئة، ثم شبه الركون الواضح، على مراحل ثلاث:
* مرحلة عهود الاجتهاد الشمولي التي كانت تشارك فيها معظم فاعليات الأمة في شتى القطاعات الحياتية والميادين الاجتماعية، بحيث إذا ما نظر إلى سريان فعل اجتهادها تنظيرا وتطبيقا في الساحة  العلمية والتشريعية والفقهية، ولوحظ جريان دمه في شرايين  النسيج الاجتماعي والثقافي والمؤسساتي للأمة، اتضحت بجلاء شموليته، وأدركت بوضوح قوة وسعة نفوذه.
* مرحلة الاجتهاد الجزئي، وهو اجتهاد شمولي نوعا ما في قطاع أو قطاعات محدودة، لكن منسلخ في شموليته أو يكاد عن القرار السياسي، متقوقع داخل الميدان الفقهي ومحيطه الاجتماعي، فاقد تدريجيا شروط الاستجابة العضوية والحركية للمواكبة الحضارية لمتطلبات العصر.
* مرحلة الاجتهاد الفردي، حيث لم يعد يقوم بواجب الاجتهاد إلا أفراد قلائل في عهود الانهيار والانحطاط الحضاري، علما أن الاجتهاد في مختلف المراحل الثلاث كان في أغلبه فرديا، إلا أنه هنا انتفت عنه الشمولية، بل لم تعد تنحصر شموليته كما في مرحلة الاجتهاد الجزئي على قطاع أو قطاعات محدودة  ومعزولة عن الفعل السياسي من قطاعات الحياة الاجتماعية والتشريعية، وإنما زاد ضعف حركته بأن قل رجاله والمتعاطون له المستوفون شروطه، فلم يعد يغامر بالجرأة على ممارسته إلا العدد القليل من المؤهلين.
3 ) نقصد بقولنا «حسب التعبير القرآني» ما تنص عليه الآياتان الكريمتان: من سورة الحسر 19  و 20.
4 ) «حاجتنا إلى علوم المستقبل» محمد بريش، مجلة «المسلم المعاصر»، العدد 61، خريف 1412- 1991، ص: 45- 88.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here