islamaumaroc

النظم القرآني عند الشيخ سعيد النورسي

  التهامي الراجي الهاشمي

العدد 343 محرم 1420/ مايو 1999

فكرة النظم قبله:
لا يستبعد أن يقف المتأمل في النظم القرآني عند قول الباحث الذي قال: «إن فكرة النظم لم تلق عناية جديرة بها حتى الآن من الباحثين ورواد العلم بالرغم عن كثرة ما ألف حولها».(1)
حقا لم تبرز فكرة النظم واضحة في أذهان العلماء الخائضين في موضوع أسلوب القرآن وإعجازه بروزا واضحان لقد مرت بما يمكن أن أسميه بـ «فترة المخاض» قبل أن تولد مصطلحا علميا دقيقا يوحي، عند كل قطب من أقطاب الدراسة البلاغية، بدلالة محددة خاصة بمدرسته.
إن كان النظم عند عبد القاهر الجرجاني هو ضم الشيء إلى الشيء وتنسيقه على نسق واحد، فربطه بالنحو لازم! من هنا كان النظم في رأيه، هو بإيجاز مفرط: 

وضع الكلام في الموضع الذي يقرره النحو:
ولابد أن نلاحظ أن عبد القاهر الجرجاني ما هو في هذا المجال إلا مبلور ومرتب ومهذب لما ذهب إليه قبله أبو الحسن عبد الجبار المعتزل الذي لا تعد الكلمة عنده فصيحة في نفسها إلا إذا توفرت على صفات مختلفة: (حركاته في الإعراب، موقعها في التقديم والتأخير... إلخ).
وقبل هذا وذاك قام أبو عبيد بكتابه: «مجاز القرآن»(2) ففتح الطريق لدراسات بلاغية تهدف إلا بيان الإعجاز القرآني عن طريق نظمه وتأليف، ثم تلاه الجاحـــــظ(3) الذي اعتقد جازما، أن إعجاز القرآن في نظمه؛ وصار في كتبه، ولاسيما في كتاب «كتاب الحيوان»(4) له يكشف عن دقيق الدلالات للآيات القرآنية.
إن النظم القرآني عنده يتجلى في كمال التركيب ودقة تأليف وجمال سبكة؛ وهو مقدم عنده على المعنى؛ لنستمع إليه وهو يقول : (5) «المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي، والبدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع وجودة السبك».(6)
ثم جاء تلميذ الجاحظ عند الله بن مسلم بن قتيبة، الثبت المتقدم والثقة المبرز، أحد علماء القرن الثالث الهجري فبين على طول كتابه «مشكل القرآن»(7) أن سر بلاغة القرآن وإعجازه تكمن في نظمه وتركيبه.(8)
أما علي بن عيسى الرماني، وهو عالم من علماء المعتزلة فيشدنا برسالته «النكت في إعجاز القرآن» إلى البلاغة التي هي عنده وثيقة الصلة بفكرة النظم.
والنظم في رأيه طريق إلى البلاغة التي هي احد وجوه الإعجاز غاضا الطرف عن حالات النظم الأخرى، لا سيما التي لها صلة بالنحو أو بفنون علم المعاني.
أما الذي سيساند ما ذهب إليه الرماني في «النظم» فهو أبو سليمان محمد بن الخطابي،(9) ورغم أنه كان أسبق علماء المسلمين إلى البحث عن «الإعجاز» بحثا علميا منظما، فقد غلبت عليه، وهو يوضح أساليب الكلام الجيد، العاطفة التي منعته من التعمق في مدلول وجه الإعجاز البلاغي لا سيما من حيث النظم.
ولم نكن لنستغرب من هذا في البدء؛ لأنهم كانوا، رحمهم الله يفضلون العكوف على كتاب الله قراءة ومدارسة. وكم أصاب هذا الباحث الذي يقول: (10) «وعلى الرغم من قطع أكثرهم العمر كله من الطفولة إلى الممات في الغدو والرواح عليه، حتى إنهم أحصوا كلماته، كلمة كلمة، وعدوا حروفه حرفا حرفا، وأخذوا أنفسهم بكثير من العلوم والفنون يستعينون بها على فهمه، ويكشفون بها وجوه محاسنه- على الرغم من ذلك، فإنه قد مضى عصر النبوة، وعصر الخلفاء الراشدين، ودولة بني أمية كلها، وشطر كبير من دولة العباسيين دون أن يحاول أحد التعرض لقضية «الإعجاز القرآني» والكشف عنه أسرار الإعجاز ودلائله.
ولم يكن ذلك عن تقصير في حق القرآن الكريم...، وكيف؟ والأمة الإسلامية كلها لم يكن لها وجود إلا به ولم يكن لها تفكير إلا فيه، ولا حديث إلا عنه، ولا شغل لها إلا به، أو له».
ثم يذكر معاصر لهذين العالمين: الرماني والخطابي هو أو بكر محمد بن الطيب الباقلاني، أحد المتكلمين على مذهب الأشاعرة(11) الملقب بـ«شيخ السنة ولسان الأمة». يقول الباقلاني أولا معرفا «القرآن الكريم»(12) «إنه نضم خارج عن جميع وجوه النظم المعتادة في كلامهم، ومباين لأساليب خطابهم، ومن أدا ذلك لم يكن له بد من أن يصحح انه ليس من قبيل الشعر ولا السجع ولا الكلام الموزون غير المقفى، لأن قوما من كفار قريش ادعوا انه شعر، ومن الملحدة من يزعم أن فيه شعرا، ومن أهل الملة من يقول إنه كلام مسجع إلا انه الفصح مما قد اعتادوه من أسجاعهم، ومنهم من يدعي أنه كلام موزون فلا يخرج بذلك عن أصناف ما يتعارفونه من الخطاب». ثانيا مقيما لهذا النظم(13) «فأما شاو نظم القرآن فليس له مثال يحتدى إليه، ولا إماما يقتدى به، ولا يصد وقوع مثله اتفاقا، كما يتفق للشاعر البيت النادر، والكلمة الشاردة ، والمعنى الفذ الغريب، والشيء القليل العجيب».
من الممكن ان يكون الباقلاني عجز عن تحديد مفهوم النظم تحديدا تندرج تحته آيات القرآن، ولكنه خلافا لما يراه بعض الباحثين المعاصرين، فاق ما قاله الجاحظ في الموضوع وما ذهب إليه الرماني في هذا الباب(14)
أما الذي جاء فصوب حقا رأي الباقلاني الذي كان يعتقد أن إعجاز القرآن هو ان ترتبط الفصاحة بالنظم بمعنى الأسلوب والطريقة في التعبير، فهو القاضي أبو الحسن عبد الجبار الذي يقول: (15) «إنما يكون الكلام فصيحا لجزالة لفظه».
إن كان عبد الجبار المعتزلي ناقدا لبعض آراء الباقلاني المالكي، فإنه كان نؤيدا لكثير من آراء أستاذه أبي هاشم، يقول في هذا الشان: (16) «إن العادة لم تجر بان يختص واحد بنظم دون غيره، فصارت الطرقالتي عليها يقع نظم الكلام معتادة، كما ان قدر الفصاحة معتاد، فلابد من مزيد فيهما، ولذلك لا يصح عندنا( أي عند المعتزلة) ان يكون اختصاص القرآن بطريقة في النظم دون الفصاحة التي هي جزالة اللفظ وحسن المعنى ومتى قال قائل: إني وإن اعتبرت طريقة النظم فلابد من اعتبار المزية في الفصاحة، فقد عاد إلى ما أردناه، لأنه إذا وجب اعتبار ذلك فمتى حصل مثل تلك المزية في أي نظم فقد صحت المباينة».
يعارض إذن عبد الجبار الشيخ الباقلاني الذي يربط، كلما يبق القول، الإعجاز بالنظم بمعنى الأسلوب ونوع الكلام، في حين يربط عبد الجبار إعجاز القرآن بالنظم بمعنى التأليف.

النظم القرآني في نذهب الشيخ سعيد النورسي:
يمثل آدم، في منظور الشيخ النورسي، قافلة متسلسلة، راحلة من أودية الماضي، ذاهبة إلى شواهق الاستقبال إلى جناته.(17)
إن مقصده، رحمه الله، من هذه الإشارات الموحية التي يلقاها القارئ على طول ما تركه لنا من نتاج فكر رصين، لاسيما في رسائل النو؛ أقول إن مقصده من هذه الإشارات تفسير جملة من رموز نظم القرآن يقول رحمه الله: (18) «إن الأعجاز يتجلى من نظمه، وما الإعجاز الزاهر إلا نقش النظم».
إنه يركز تحليله لهذا النقش الخلاب الرائع الذي يزين هذا الإعجاز الزاهر البهي على مقاصد أساسية هي في حقيقة الأمر عناصر أصلية، وهي أربعة:
- التوحيد.
- النبوة.
- الحشر.
- العدالة.
لقد استطاع ان يقدم لنا البرهان القاطع على ان هذه العناصر الأربة التي تضفي على النظم القرآني سرا ينعش الألباب، وحلة تحي القلوب، وأملا يقوي النفوس، لا تفارق كلام رب العالمين أبدا؛ إنها موجودة في الجزء الكبير من القرآن كالسورة، ولها حضور ملفت للنظر في الجزء منه دون ذلك كالآية، وهي بارزة واضحا حتى في الجزء الصغير جدا كالكلمة.
يوضح رحمه الله هذا الوجود للمقاصد الأربعة في الكلمات الكبيرة من القرآن الكريم وفي الجزئيات الصغيرة منه فيقول: (19) «فكما تتراءى هذه المقاصد الأربعة في كله، كذلك قد تتجلى في سورة سورة، بل قد يلمح بها في كلام كلام، بل قد يرمز إليها في كلمة كلمة، لأن كل جزء فجزء كالمرآة لكل فكل متصاعدا، كما أن الكل يتراءى في جزء فجزء متسلسلا.
ولهذه النكتة- أعني اشتراك الجزء مع الكل- يعرف القرآن المشخص كالكلي ذي الجزئيات».
والشيخ متقد الذكاء؛ لذا يكفيه، ليعي الأمر كله بجميع أبعاده، إشارة خفيفة سريعة؛ ومن هنا تراه يدرك أن هذه المقاصد، بهذا التقديم الموغل في الإيجاز الذي قدمها به، معرفا لها، تبقى خفية لمن لم يتعود هذا الأسلوب الرفيع في البحث عن بلاغة القرآن بهذه الطريقة الجديدة المتمثلة في ربط النظم القرآني باللفظ تماما، كما فعلت بعض المدارس البلاغية القديمة؛ كما يربطه أيضا بالمعنى كذلك كما فعلت مدارس أخرى إلى معظمها في الفقرة السابقة.
إلا أنه يزيد هو عليهما فيربطه كذلك بالأصول الإسلامية الثلاثة: الألوهية التي يشير إليها هو بالتوحيد، وبالنبوة وبالميعاد التي يعبر عنه بالمحشر والعدالة. حينما يشعر الشيخ النورسي أن قارئه لم يدرك مراده مما قدم حول النظم المرتبط بهذه المقاصد الأربعة يقول: (20) «إن قلت أرني هذه المقاصد الأربعة في «بسم الله» وفي «الحمد له»، قلت: لما أنزل «بسم الله» لتعليم العباد كان «قل» مقدرا فيه. وهو الأم في تقدير الأقوال القرآنية.(21) فعلى هذا يكون في « قل» إشارة إلى الرسالة...، وفي « بسم الله» رمز إلى الألوهية...، وفي تقديم الباء تلميح إلى نظام العدالة والإحسان...، وفي « الرحيم» إيماء إلى الحشر. وكذلك في « الحمد لله» إشارة إلى الألوهية. وفي لام الاختصاص رمز إلى التوحيد، وفي « رب العالمين» إيماء إلى العدالة والنبوة أيضا؛ لأن بالرسل تربية نوع البشر... وفي « مالك يوم الدين» تصريح بالحشر».
إن كان النظم عنده مرتبطا بما يسميه « الأصول الأربعة»؛ فإن هذا النظم يقوم بنيانا مرصوصا شامخا بفضل تأسيسه على صفات أحكم درسها وحدد بدقة متناهية، مستلزماتها.
يكفيني شاهدا على ذلك ما يقدمه لنا وهو يستعرض بثبات ويقين وجه النظم في قوله تعالى: ? الرحمن الرحيم?.
    إن الذي يثير الإعجاب حقا هو أن السير في هذا المنحى الوعر والجديد المتشعب الذي اختاره لم يسنه أبدا ما كان يراه علماؤنا الأقدمون في الآيات أو في الجزء من الآية التي يخضعها لتحليلاته. يقول مثلا في قوله تعالى: ?الرحمن الرحيم?(22) «إن قلت: تبذييل «الرحمن» الدال على النعم العظيمة بـ «الرحيم» الدال على النعم الدقيقة يكون صنعة التدلي، والبلاغة(23) في صنعة الترقي من الأدنى إلى الأعلى.
قلت: تذييل للتقييم كالأهداب للعين واللجام للفرس... وأيضا لما توقفت العظيمة على الدقيقة كانت الدقيقة أرقى كالمفتاح للقفل واللسان للروح... وأيضا لما كان هذا المقام التنبيه على مواقع النعم كان الأخفى أجدر بالتنبيه، فيكون التدلي في مقام التنبيه».
يشير بهذا الكلام الذي لا يمكن أن يدركه الناس كما يجب أن يدرك إلا إذا كانوا على بينة مما قاله الأقدمون في موضوع تقديم قوله تعالى: ?الرحمن? وهو مدح بالوصف الأعلى على «الرحيم» وهو مدح بالوصف الأدنى.
تتبع العرب في هذا قاعدة لا تخير عنده أبدا. وهي: الترقي في المدح من الأدنى إلى الأعلى لا التدني من الأعلى إلى الأسفل.
ولابد أن نقر أن لا أحد عبر قبل الشيخ النورسي عن هذه القاعدة الأسلوبية بهذه الدقة وبهذه الثقة ملفوفة في هذا الجمال الذي لا يدرك.
لقد أشار الأقدمون إليها تارة بإيجاز شديد مثل ما فعل الإمام محمود بن عمر الزمخشري حين قال: (24) «فإن قلت: فلم قدم ما هو أبلغ من الوصفين على ما هو دونه والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى كقولهم: فلان عالم نحرير وشجاع باسل، وجواد فياض؟ قلت: لما قال (الرحمن) فتناول جلائل النعم وعظائمها وأصولها، أردفه (الرحيم) كالتتمة والرديف ليتناول ما دق منها ولطف».
على احمد بن منير الإسكندري على قول الزمخشري فقال موضحا أكثر،(25) «هذا الترتيب خاص بالإثبات، وأما النفي عكسه تقدم فيه الأعلى تقول:
ما فلان نحريرا ولا عالما، ولو عكست لوقعت في التكرار؛ إذ يلزم من نفي الأدنى عنه نفي الأعلى وكل ذلك مستمد في عموم الأدنى وخصوص الأبلغ، وإثبات الأخص يستلزم ثبوت الأعم يستلزم نفي الأخص».
كما تعرض لهذه المسألة بإيجاز كذلك محمد بن أبي بكر الرازي في رسالته المسماة: «أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة من غرائب التنزيل، وذكره بإيجاز كذلك أبو يحيى زكرياء الأنصاري في كتابه.(26) وأسهب الحديث عنه أبو حيان،(27) ولم يكتف الشيخ النورسي بهذا وهو يفسر وجه النظم الموجود في قوله تعالى: ?الرحمن الرحيم? فأفرد قوله «الرحمن» بعناية فائقة موجها عمق النظم المشمل فيه.
فقوله تعالى: ?الرحمن? زيادة على انها رمز للصفات لا عين ولا غير، وهو بمعنى «الرزاق» والرزاق كما يجب أن يؤكد عليه عبارة عن إعطاء البقاء. أما البقاء فهو من جهة، ثمرة إعطاء الرزق. ولابد لأن يحصل عطاء الرزق أن يثبت للمعطي سبع صفات ثلاثة منها تابعة للبقاء وهي البصر والسمع والكلام، وثلاثة تابعة للوجود وهي الصفة المميزة (العلم) والصفة المخصصة (الإرادة) والصفة المؤثرة (القدرة).
ولابد لتقوم هذه الصفات من ثبوت صفة سابعة وهي الحياة، إن روعة النظم القرآني لتتجلى، كما قال في الجزء الأكبر مثل السورة كما تتجلى في الجزء دون ذلك مثل الآية، أو في الجزء الأصغر مثل الكلمة والحرف، وليبرهن على ذلك يحلل لنا قوله تعالى: ?بسم الله? مركزا كلامه على الحرف (باء) ثم على الجزء الفريد (الله) الدال على جميع الصفات الكمالية.
ثم إنه لا يتسنى المقدر، بل يرعاه رعاية خاصة بالغا به الذروة في الوضوح؛ لنستمع إليه وهو يستعرض علينا، بأسلوبه المتميز الأخاذ وجه النظم في هذا الجزء، المجهري من القرآن الكريم (الباء)(28) مشدودا شدا إيمانيا فريدا، بالفعل المقدر الدال على حمل العبد على توحيد الله وإخلاص العمل له لا لسواه، يقول الشيخ النورسي: (29) «بسم الله» كالشمس يضيء نفسه كغيره حتى إن باءه متعلقة بالفعل المفهوم من معناه أي: أستعين به أو المفهوم عرفا أي: أتيمن به، أو بما يستلزمه «قل» المقدر من «اقرأ» المؤخر والتوحيد.
وبنفس الحماس وبعين قوة الإيمان الذي أوتيه يتعرض للجملة «بسم الله الرحمن الحيم» فسيتعرض وجه النظم فيها.
وهو دائم موله يربط الأجزاء بعضها ببعض، وإن بعدت، ثم يتصدى، بكليته باحثا عن القاسم المشترك الذي يجمع هذه الأجزاء بعضها إلى بعض. يقول مثلا
عن أقواله تعالى: ?نعبد? و ?الحمد? و ?مالك يوم الدين?: (30) «نعبد» بيان وتفسير لـ «الحمد» ولازم لـ ?مالك يوم الدين?.
وقبل هذا وضع لنا الرابط المشترك الذي يجمع بين هذه الأجزاء الثلاثة فقال: (31) «والتكلم مع الغير في «نعبد» لوجوه ثلاثة.
    أي نعبد نحن معاشر أعضاء وذرات هذا العالم الصغير- وهو أنا- بالشكر العرفي الذي هو إطاعة كل لما أمر به... أو نحن معاشر الموحدين نعبد بإطاعته شريعتك... أو نحن معاشر الكائنات نعبد شريعتك الكبرى الفطرية (32) ونسجد بالحيرة والمحبة تحت عرش عظمتك وقدرتك».
ولقد جمع في هذه القفرة القصيرة «حكمة التكلم مع الغير» المتجلية في قوله تعالى: »?نعبد? حكمة بالغة تبرر أن «المعاشر جميعها تعبد خالقها؛ إن بالشكر العرفي الذي تؤديه معاشر أعضاء وذريات هذا العالم الصغير، إن بإطاعة الشريعة، كما تقوم به معاشر الموحدين، إن بالخضوع الكامل للشريعة الكبرى الفطرية التي ألزمت بها معاشر الكائنات.
وحين يريد أن يبسط وجه النظم في قوله تعالى: ?ادهنا? يقول: (33) وجه النظم: إنه جواب العبد عن سؤاله تعالى كأنه يسأل: أي مقاصدك أعلق بقلبك؟ فيقول العبد: أهدنا».
يتضح من هذه الإشارة الموحية أن الفعل «أهدنا» هو المقصد الأعظم الذي تعلق به العبد التعلق الذي أنساه كل تعلق غيره. وما أدرك هذا الفعل هذا المقام عند العبد إلا بتعدد مراتب معانيه انطلاقا من تنوع دور الهادين والنستهدين وغيرهما، يشرح هذا الشيخ سعيد فيقول: (34) «واعلم أن «أهدنا» بسبب تعدد مراتب معانيه- بناء على تنوع مفعوله إلى الهادين والمستهدين والمستزيدين وغيرهم- كأنه مشتق من المصادر الأربعة لفعل الهداية. فأهدنا باعتبار معشر «ثبتنا» وبالنظر إلى جماعة «زدنا» وبالقياس إلى طائفة «وفقنا» وإلى فرقة «أعطنا»... وأيضا إن الله تعالى بحكم خلق كل شيء وهذى، هدانا بإعطاء الحواس الظاهرة والباطنة، ثم هدانا بنصب الدلائل الآفاقية والأنفسية، ثم هدانا بإرسال الرسل وإنزال الكتب، ثم هدانا أعظم الهداية بكشف الحجاب عن الحق، وظهر الحق حقا والباطل باطلا».
يظهر من هذا بإيجاز شديد أن تعدد مراتب المعاني مرتبطة مع تنوع المفعولين هاد ومستهد ومستزيد....، إلخ مبنية على مصادر أربعة، كلها مستمدة من حقل الفعل الموجه «اهدنا»
بحيث يصبح معنى الفعل «النواة» (أهدنا مع مريديه كما يلي:
- إن كنا معشرا ثبتنا.
- وإن كنا جماعة زدنا.
- وإن كنا طائفة وفقنا.
- وإن كنا فرقة أعطنا.

                                          

1 ) «فكرة النظم بين وجوه الإعجاز في القرآن الكريم» فتحي أحمد عامر، صفحة 7، ط، المعارف بالإسكندرية سنة 1991.
2) «مجاز القرآن» أبو عبيدة معمر بن المثنى، طبعة الثانية 1401 (1981).
3) الجاحظ لقب غلب عليه؛ أما اسمه فهو أبو عثمان عمرو بن بكر بن محبوب، وهو أشهر من ان يعرف.
4) لا أقصد بـ: «لا سيما كتاب الحيوان إلا ان أقول إن أهم ما نعرفه في مسألة  النظم عند الجاحظ هو ما نقرأه في كتابه هذا، أما هو  فلا شك أنه ضمن كتابه المفقود «نظم القرآن» كثيرا من لمحات القرآن المعجزة عن طريق النظم».
5 ) كتاب الحيوان لأبي عثمان عمرو بن بكر الجاحط. الجزء الثالث ص: 131 طبعة الحلبي 1938.
6) للجاحظ رسالة في «حج النبوة» تعرض فيها لإعجاز القرآن تم تعرض لنظمه، لكنه في هذه الرسالة، كما في غيرها من كتبه، يدخل في موضوع خلق القرآن بمناسبة حديثه عن الكلام الذي نظم منه القرآن:هل هو قديم أم حديث؟ ومخلوق هو أم غير مخلوق .
7) شرحه ونشره للسيد احمد صقر؛ طبع مررا بالمدينة المنورة.
8) كما بين ذلك في كتابه الآخر الذي يعد متمما لمشكل القرىن وهو كتاب : «تفسير غريب القرآن» قاتل ابن قتيبة مبررا تصنيفه لهذا الكتاب: «وأفردت للغريب كتابا لئلا يطول هذا الكتاب» يقصد كتاب «مشكل القرآن»
9) توفي الخطابي سنة 388 هـ له رسالة في إعجاز القرآن سماها: «بيان إعجاز القرآن» تقع في نحو أربعين صفحة من الحجم الكبير، طبعت في دار المعارف بمصر ضمن ثلاث رسائل في الإعجاز، بتحقيق الأستاذ ين محمد خلف الله ومحمود زغلول سلام.
10) الإعجاز في دراسات السابقين عبد الكريم الخطابي ص: 179، من الطبعة الأولى بدار الفكر العربي بالقاهرة سنة 1974
11 ) ترجم له ابن فرحون في الديباج المذهب وعده من الطبقة السابعة من أهل العراق.
12) إعجاز القرآن للباقلاني ص: 53 طبعة سنة 1349.
13 ) نفس المصدر أعلاه، ص: 97.
14) انظر تفصيل هذا في (البلاغة تطور وتاريخ) لشوقي ضيف، ص: 114.
15) المغني في ابواب التوحيد والعدل، ج: 16، ص: 197.
16) النظم القرآني في كشاق الزمخشري؛ درويش الجندي؛ طبعة دار نهضة مصر للطبع والنشر سنة 1969، ص: 9.
17 ) إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز؛ بديع الزمان النورسي، ص: 23.
18) نفس المصدر السابق ونفس الصفحة.
19) إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز، صفحة 24.
20 ) نفس المصدر المذكور سابقا وبنفس الصفحة.
21) يعلق محقق الإشارات الأستاذ إحسان قاسم الصالحي فيقول في  الهامش رقم 2 من صفحة 24 « أي يا محمدا قل هذا الكلام وعلمه للناس ».
22 ) إشارات الإعجاز... صفحة: 26.
23) يريد أن يقول هنا بهذه الإشارة: «والبلاغة» بهذه الشدة الخاطفة، إن صح التعبير أن ما درج عليه العرب في كلامهم عند المدح هو كذا وكذا.
24) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه  التأويل للزمخشري، ج: 1، ص: 7.
25) الانتصاف للإمام أحمد بن منير الأسكندري بهامش الكشاف. الهامش رقم 1 في ص: 7 من الجزء الأول.
26 ) «فتح الرحمن بكشف ما يلبس من القرآن»، صفحة: 5.
27) البحر المحيط لمحمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي، ج: 1، ص: 129، الطبعة الأولى، بيروت 1413هـ/ 1993 م.
28 ) إشارات الإعجاز...ص: 25.
29) يعلق محقق «إشارات الإعجاز» الأستاذ إحسان قاسم الصالحي على هذا فيقول : « إن الأفعال المذكورة المتعلقة بالباء، تقدر مؤخرا للحصر ليتضمن الإخلاص والتوحيد».( هامش :
30 ) إشارات الإعجاز... ص: 30.
31) نفس المصدر ونفس الصفحة.
32) يعلق محقق «إشارات الإعجاز» على هذا محاولا توضيح الأفعال التي ألزمت بها هذه «المعاشر الثلاثة، فيقول: (هامش 4 صفحة: أي ننقاد ونخضع ونطيع».
33) إشارات الإعجاز ص: 31.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here