islamaumaroc

مخطوطة في غريب القرآن والحديث، لمؤلف مجهول

  محمد بن عبد العزيز الدباغ

العدد 343 محرم 1420/ مايو 1999

     رغم كون المؤلف مجهولا, فإننا  من خلال تتبعنا لمحتوى الكتاب تبين لنا انه ينتمي للقرن الرابع الهجري, دلك انه ذكر بعض الأعلام الذين سمع عنهم أو اخبروه, فكان منهم أبو منصور محمد بن احمد الأزهري اللغوي الهروي المتوفى سنة سبعين و ثلاثمائة.(2)
     و الظاهر أن هدا الكتاب في الأصل عبارة عن معجم يتكون من أجزاء متعددة, و أن الغاية منه تتبع مؤلفه لكثير من الألفاظ القرآنية و الحديثية ليفسرها, و يعلق عليها وفق ما ورد عند المفسرين ومؤلفي كتب معاني القران, و غريب الحديث, ثم يضيف إلى دلك من عنده بعض التأويلات التي يصل إليها, و كان يكثر النقول مما كتبه شعر بن حمدوية المتوفى سنة خمس و خمسين و مائتين, و مما كتبه القاسم بن سلام المشهور بابي عبيد صاحب غريب القران, و مما كتيه إبراهيم بن محمد بن عرفة المعروف بنفطويه,  زيادة على المشهورين في اللغة كالفراء, و الاخفش, و ابن قتيبة, و قطرب, و أبي الهيثم, و أبي عبيدة, و الأصمعي, و ابن الانباري,و الأزهري, و غيرهم.
     و طريقيه في التأليف انه بنى كتابه هدا على ترتيب الأحرف الأبجدية, و سمى كل حرف كتابا, فيقول مثلا: كتاب الهمزة, و كتاب الياء, و كتاب الثاء إلى أخره, ثم يقسم كل كتاب إلى أبواب حسب إضافة عين الكلمة  إلى فائها فيقول مثلا: باب الهمزة مع الباء, و باب الهمزة مع التاء و باب الهمزة مع التاء و هلم جرا...
      و لا يوجد بالخزانة منه إلا الجزء الأخير و هو مكتوب بخط أندلسي من تحبيس المولى الرشيد على خزانته التي أنشاها بالمدينة البيضاء (فاس الجديد) , و قد سطت الأرضة على كثير من أوراقه, فضاعت بعض كلماته, و يتكون من كتاب الميم مع بتر في أوله, و من كتب النون  و الواو و الهاء الكاملة, و من كتاب الياء مع بتر في أخره.
     تبدأ أول ورقة منه بتتمة شرح مادة مثل من كتاب الميم, فيقول فيها: و قوله تعالى : {و خلقنا لهم من مثله ما يركبون} (3). قال قتادة: السفن, و قال الحسن : الإبل, فكأنهم قالوا: الإبل سفن البر من هاهنا. و قوله تعالى: {و مثلهم معهم} (4).  أي أحيى من مات من ولد أيوب عليه السلام و رزقه مثلهم, و قوله تعالى : {ليس كمثله شيء} (5) هده الكاف مؤكدة أي ليس مثله شيء الخ...
و أما أخره ما يوجد من الكتاب الياء, فانه يتعلق بمادة يمن من باب الياء مع الميم, و أشار فيها إلى كلمة أيمن التي يحلف بها, و أنها في الأصل جمع يمين, فيقال: أيمن الله, و أيمنك يا رب, ثم ذكر أنها لكثرة تداولها في الألسن جدفوا النون منها فقالوا أيم الله مثل ما فعلوا في لم يكن حين حدفوا النون فقالوا لم يك, وختم هده الورقة بما روى عن ابن عباس أن يمين, اسم من أسماء الله تعالى». ثم قال : و سمعت أن احمد القرشي  يقول: «و يقولون م الله فيحذفون سائر الحروف»(6). ثم قال : قلت: و القسم باب الحذف, يقولون: بالله, أي احلف بالله, و جاء بعد دلك بأمثلة للحذف كثيرة.
    و احمد القرشي الذي سمع منه هدا القول قد يكون هو احمد الوراق القرشي الدمشقي الذي ذكره ياقوت في الجزء الرابع من كتابه بالصفحة 238, و قد يكون غيره, إذ لا يمكن التحقق من دلك إلا بعد التعرف على المؤلف نفسه, و على المدن التي أقام بها أو رحل إليها.
     و سنتناول الحديث عن هدا الكتاب حسب النقط التالية: 
   أولا: مداخلات المؤلف.
   ثانيا: الإشارات الفهمية.
   ثالثا: المسائل اللغوية و ما يتصل بالقرارات.

    و فيما يأتي تفصيل لدلك:

  أولا:  المداخلات:
     قد سبق لنا أن المؤلف رغم انه كان يكثر من النقول و الإشارات, فانه من حين للآخر كان يدلي برأي أو يضيف شيئا من عنده, أو يوثق خبرا ينقله عن شيخ من شيوخه.
     فمن مداخلاته هاته ما جاء في باب الميم مع الراء أثناء شرح قوله تعالى  : {في قلوبهم مرض}, فقال : «أي شك, و يقال: فلان يمرض القول, أي لا يصححه. و قال ابن عرفة – و يعني به نفطوية- المرض في القلوب فتور عن الحق, و في الأبدان فتور الأعضاء, و في العين فتور النظر, و منه قوله تعالى: {فيطمع الذي في قلبه مرض} (7) أي نفور عما أمر به و نهى عنه(8) , ثم قال : و قد قيل : في قلوبهم مرض,  أي ظلمة,  و انشد بن كيسان قول الشاعر:
      و ليلة مرضت من كل ناحية
                                 فما يحسر فيها نجم و لا قمر(9)
     و من الجزئيان التي أبدى فيها رأيه ما استحسنه أثناء شرح قول الرسول (ص): «أكلفوا من العمل ما تطيقون,  فان الله لا يمل حتى تملوا». فقد أورد القسم الأخير منه في باب الميم مع اللام (10) و عقب عليه بقوله: «قال  أبو بكر: فيه ثلاثة أقوال :
     احدهما: فان الله لا يمل أبدا, مللتم أو لم تملوا, فجرى هدا مجرى قول العرب حتى يشيب الغراب, و يبيض القار.
و الثاني: إن الله تعالى لا يطرحكم حتى تتركوا العمل له و تزهدوا في الرغبة إليه, فسمى الفعلين ملل, و ليس بملل في الحقيقة على مذهب العرب في وضع  الفعل موضع الفعل إذا وافق معناه, قال عدي:
          ثم أضحوا لعب الدهر بهم
                            و كداك الدهر حال بعد حال
         فجعل إهلاكه لهم لعبا
     و الثالث: - و هو الذي اذهب إليه- أن يكون المعنى فان اله لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا سؤاله, فسمى فعل الله تعالى مللا, و ليس بملل, و هو في التأويل على جهة الازدواج, و هو أن تكون إحدى اللفظتين موافقة للأخرى و إن خالفت معناها,كما قال تعالى : {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} (11) بمعنى فجازوه على اعتدائه, فسماه اعتداء و هو عدل لتزدوج اللفظة الثانية مع الأولى,  و منه قوله تعالى (12) : {و جزاء سيئة سيئة مثلها}; قال الشاعر:
     ألا ألا يجهلن احد علينا
         فنجهل فوق جهل الجاهلينا
أراد فنجازيه, فسماه جهلا, و الجهل لا يفخر به دو عقل, و لكنه على المذهب الذي وصفناه. 
      إن التأمل في التأويلات السابقة  يبين لنا انه لا يمكن التعمق في فهم ما ورد عن الرسول, و ما جاء في القران, و في الشعر العربي إلا بعد استيعاب أساليب البيان, و معرفة قواعد اللغة, فان الإطلاع على دلك يفسح مجال القول, و يعين على الفهم, و يدفع المتخير إلى اختيار ما يستحسن و ترجيح تأويل على آخر.
     و منها شرحه لكلمة النثر في صفحة 52 أثناء تحدثه في باب النون مع الثاء عن هده الكلمة في قول علي: اطعنوا النثر, فقال: أي الخلس, و هو من فعل الحداق, يقال طعن نثر, و ضرب هبر, أي قطعة من اللحم, ثم قال: و منه حديث علي رضي الله عنه : فادا تعانقت الأبطال, فانظروا شزرا, و اضربوا هبرا, و اطعنوا نثرا, و ارموا سعرا, ثم عقب على دلك بقوله: الشزر النظرة بالبغضاء إلى الأعداء,و هو هنا لم يحدد الكيفية التي تكون عليها النظرة الشزراء, في حين نجد اللغويين يذكرون أنها تختص بنظرة الغضبان بمؤخر العين, فهي تمثل حالة خاصة من حالات النظرات.
     و من دلك شرحه لكلمة النجاة في الحديث الذي يقول :«ردوا نجاة السائل باللقمة» , فقد أورد دلك في باب النون مع الجيم بالصفحة 55, و أشار إلا أن موضوع الحديث بمنح السائل جزءا من الطعام الذي تأكله, اتقاء من شر نظراته, أي ردوا شدة نظره إلى طعامكم بلقمة تدفعونها إليه.
قال المؤلف اثر شرح الحديث ما يأتي: «يقال للرجل الشديد الإصابة بالعين: انه لنجوء العين على فعول, و نجؤ الفعل العين على فعل, و نجيء العين على فعل, و نجيء العين على فعيل, و نجيء العين على فعل» .
     و من المعلوم أن الاهتمام بالأوزان الصرفية كان قويا في القرن الرابع الهجري, سعيا في معرفة الأصول, و تيسيرا لتصحيح اللغة و تهذيب اللسان.
     و من الجزئيات التي ذكرها في باب الواو مع الفاء (13) انه جاء في كتاب كتبه رسول الله (ص) إلى أهل نجران ما يأتي :«لا يحرك راهب عن رهبانيته, و لا وافه عن وفهيته», و علق على هدا الحديث بقوله: رواه نقلة الحديث واقه بالقاف, و الصواب الفاء, قال الليث: الوافه: القيم الذي يقوم على بيت النصارى الذي فيه صليبهم بلغة أهل الجزيرة, هكذا جاء في كتابه الشرح و الاستدلال, إلا أنني رأيت في كتاب مختار الصحاح لمحمد بن أبي بكر الرازي أن هده التسمية هي لغة لأهل الحيرة, و جاء الاستدلال فيه بنفس الحديث, إلا انه مروي بلفظ آخر, و هو قول الرسول (ص): «لا يغير وافه عن وفهيته و لا قسيس عن قسيسيته».
ومن الجزئيات التي تحدث عنها في باب النون مع الحاء(14) تفسيره لقوله تعالى: (فصل لربك وانحر).
إذ من المعلوم أن المفسرين تأولوا هذه الآية بتأويلات عدة، ونقلوا بعضها عن الصحابة الكرام، واكتفى المؤلف بذكر ما يأتي حيث قال :«قيل : عني به صلاة الغداة يوم النحر، أي وانحر البدن بعد الصلاة. وقيل: عني به صلاة يوم الأضحى، وهذا أقرب. قال أبو العباس: إنحر : أي انتصب بنحرك، أراد إستقبل القبلة، وإذا انتصب الإنسان في صلاته فتشهد قيل : نحر».
فنحن نلاحظ أنه رغم اقتصاره على ما ذكر، فإنه رأى قول أبي العباس أقرب إلى القبول، وهذا القول الذي نقله عن أبي العباس ثعلب له جذور في الروايات المأثورة، لم يشر إليها المؤلف، فهو وارد عن قتادة وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، فقد ورد عن أنس أنه قال: كان ينحر يوم الأضحى قبل الصلاة، فأمر أن يصلي وينحر.
ومما ورد في التفاسير أن ابن جبير قال : إنها نزلت وقت صلح الحديبية، حيث قيل له: صل لربك وانحر الهدي.
ومما ورد فيها أن عليا كرم الله وجهه كان يربط هذه الآية بصفة من صفات الصلاة، أي فصل لربك، وضع يمينك على شمالك عند الصلاة.
وعلى كل حال، فإن التأويلات رغم اختلافها لا تضارب بينها في كونها هادفة إلى إحداث تشريع يخالف ما كنا عليه العرب في الجاهلية، فهم إذا كانوا يصلون أيام الحج، فإنما كانت صلاتهم لغير الله، وإذا كانوا ينحرون فإنما كانوا ينحرون للأصنام والأوثان، والله إنما أراد تطهيرهم مما كانوا عليه، فقال للرسول (ص) (فصل لربك)، أي اجعل صلاتك له خالصة، وانحر له أي له أيضا ولا تشرك به أحدا. ولهذا جاء في تفسير أبي حيان ما يأتي: (15) «وفي قوله : (لربك) تنذير بالكفار، حيث كانت صلتهم مكاء وتصدية، ونحرهم للأصنام».

ثانيا : الإشارات الفقهية :
وسنقتصر فيها على الجزئيات التالية :
أ – جزئية لها ارتباط بالزكاة تحدث عنها أثناء شرح الحديث الذي أورده في باب الميم مع الثاء، حينما كان يتحدث عن كلمة مثل، فقد جاء في الحديث أن رسول الله (ص) «ندب إلى الصدقة، فقيل : إنه منع أبو جهم وخالد والعباس فقال : أما العباس فإنها عليه ومثلها معها»، قال أبو عبيدة: أخر النبي (ص) الصدقة عنه عامين، وقال بعضهم : ليس وجه ذلك إلا أن يكون بالعباس حاجة إليها، فإنه يجوز للإمام أن يؤخرها إذا كان على وجه النظر، ثم يأخذ منه بعد.(16)
فمن خلال هذا النص  وصورته التي أورده عليها كان التأويل يتعلق بالتأخير، ويكون الأمر في البت فيه راجعا إلى الإمام حسب المصلحة وحسب اختياره لطريقة الاقتضاء.
ولكن الذي يتلاءم مع نص الحديث هو ما أورده بعد ذكره لتأويل أبي عبيد حيث قال : وقال غيره : أما في الحديث: «فإنها علي، «ومثلها معها» كأنه أخذ صدقة عام، وتعجل صدقة عام، وقد جاء هذا مفسرا في حديث آخر : «إنا سلفنا من العباس صدقة عامين» أي تعجلنا.(17)
وما ذكره أخيرا ينسجم مع ما في كتب الحديث حينما كانوا يذكرون أن النبي (ص) كان قد تعجل من العباس صدقة عام، وفي رواية : صدقة عامين. ويروي أن العباس رضي الله عنه هو الذي سأل رسول الله (ص) في تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخص له في ذلك.
وقد جاء عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله (ص) «إن عم الرجل صنو أبيه، وإن النبي (ص) تعجل من العباس صدقة عامين في عام».
وعن أبي هريرة قال: «بعث رسول الله (ص) عمر على الصدقة، منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم الرسول (ص)، فقال رسول الله (ص): ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا قد احتبس أدراعه واعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي علي، ومثلها معها، ثم قال: يا عمر، أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه».
وهناك من رأى تأويلا آخر للحديث على رواية من قال بأنها عليه وهو الذي أشار إليه المؤلف بقوله: وقيل: تعجلها منه أوجبها عليه وضمها إياه ولم يقبضها فكانت دينا على العباس، ألا ترى أنه قال: «فإنها عليه ومثلها معها».
وهذا التأويل شبيه بالتأويل الألو الذي جعل موضوع الحديث يتعلق بجواز تأخير القبض لا بجواز تعجيل الزكاة.
وعلى كل حال، فالموضوع هنا دقيق جدا، ولعل سبب الاختلافات في التأويل يرجع إلى اعتبار كون بعض الأحكام رخصا مرتبطة بمن قيلت بسببهم، ولهذا نرى الفقهاء المالكيين لا يطلقون حكم التعجيل ببعض الأحكام الواردة فيه، ولكنهم يقيدونه بالزمن اليسير الذي لا يتجاوز الشهر، وأما التأخير فالظاهر أنه لا يسمح به إلا من الإمام كما هو ظاهر من التأويل السابق، وإلا فإن القائم به آثم، ويبقى مطالبا بالزكاة إلى أن تؤتى.
ب- جزئية لها ارتباط بالرضاع، إذ من المعلوم أنه يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب، وشروط المالكية تقتضي أن التحريم يقع ولو بالمصة والمصتين داخل الحولين، والحنابلة لا يرون وقوع التحريم إلا بتعدد الرضعات. ويعتمدون في ذلك على بعض الأحاديث الواردة في الموضوع، ومنها ما جاء في هذا الكتاب، فقد ذكر المؤلف في باب الميم مع اللام قول الرسول (ص)(18): «لا تحرم الإملاجة والإملاجتان» قال أبو عبيد: يعني المصة والمصتين، والملج المص، يقال ملج الصبي أمه يملجها وملج يملج. وجاء في نفس الباب بحديث آخر في الموضوع، وهو قوله(ص): «لا تحرم الملحة والملحتان» يعني الرضعة الواحدة بالحاء التي هي في كتابه هذا أنه يوجد فرق بين الملحة بالحاء التي هي الرضعة وبين الملجة بالجيم التي هي المصة.
وعل كلتا الروايتين، فإن الرضعة الواحدة والرضعتين لا تحرم، وكذلك المصة والمصتان، على خلاف ما سار عليه المالكيون فيما أشرنا إليه أولا.
ج جزئية تتعلق بباب أشار إليها في باب النون مع الجيم أثناء الحديث عن نهي الرسول (ص) عن النجس، وقد فسر لك بقوله:(19) قال أبو بكر: معناه لا يمدح أحدكم السلعة ويزيد في ثمنها وهو لا يريد شراءها ليسمع غيره فيزيد، قال: وأصل النجس مدح الشيء وإطراؤه.
ومن المعلوم أن هذا التأويل هو المعروف المتداول في كتب الفقه، إلا أننا نرى المؤلف قد أشار إلى تأويل آخر قاله غير أبي بكر، وهو أن النجس تنفير الناس عن الشيء إلى غيره. والأصل فيه تنفير الوحش من مكان إلى مكان، والظاهر أن هذا التنفير إذا كان الغرض منه إذاية المشتري أو البائع، فإنه حرام أيضا، لأنه لا يكون داخلا في باب النصيحة الواجبة، وإنما يكون الغرض منه الإضرار بالناس، وأشار بعد ذلك إلى حديث يحتمل التأويل معا، وهو قول الرسول (ص): «لا تناجشوا»، وقال عن هذا الحديث: «إنه تفاعل من النجس».
د- جزئية تتعلق بالصداق وفرضيته في النكاح، وذلك من خلال شرح قول الله تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة)(20)، فقد أشار إلى ذلك في باب النون مع الحاء(21) بقوله: أي دينا انتحلوا ذلك. يقال: ما نحلتك، أي ما دينك، وكان أهل الجاهلية إذا زوج الرجل ابنته استعجل لنفسه جعلا يسمى الحلول، وكانوا يسمون ذلك الشيء الذي يأخذه النافجة، يقولون: بارك الله لك في النافجة، فأوجب الله تعالى حفظ الصدقة عن البعولة، ونهى أن يأخذ الولي منها شيئا.
ومعنى ما أشار إليه أن الخطاب قابل لأن يكون للأزواج، كما هو قابل أن يكون للأولياء، فكما يقع النهي للأزواج أن يعتمدوا على الزوجة بأخذ صداقها كذلك يمنع على الولي هذا الاعتداء إلا إذا كان هناك رضى منها، بناء على النص القرآني/ فقد قال الله تعالى عقب ذلك: (فإن طبن لكم شيء منه نفسا فكلوه هنيا مريئا)، بحيث إذا منحت المرأة شيئا من صداقها رهبة أو رغبة، ثم رجعت عن هبتها إعلانا منها بأنها لم تسمح عن طيب نفس، وإنما كانت خائفة من زوجها أو من وليها، فإن القاضي يحكم لها بإرجاع ما وهبت.
وقد جاء في تفسير الكشاف للزمخشري(22) أن عمر رضي الله عنه كتب إلى قضائه أن النساء يعطين رغبة ورهبة، فإيما امرأة أعطت ثم أن ترجع فذلك لها. وعن ابن عباس أن رسول الله (ص) سئل عن هذه الآية فقال: إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكروهة لا يقضي به عليكم سلطان، ولا يؤاخذكم الله به في الآخرة، هذا وإن الأوزاعي اشترط في السماح لها بالعطاء مرور سنة كاملة على زواجها، أو تكون قد ولدت منه، وإلا فلا يسمح لها بذلك.

ثالثا: المسائل اللغوية وما يتصل بالقرءات:
من ذلك مثلا ما أشار إليه أثناء التحدث عن مادة محل في باب الميم والحاء(23)، انطلاقا من قول الله تعالى: (ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ويجادلون في الله وهو شديد المحال)(24)، فقد أشار إلى أن ثعلبا كان يقول: إنه مأخوذ من محل فلان بفلان أي سعى به إلى السلطان وعرضه لما يهلكه، وقال الأزهري: شديد المحال أي القوة والشدة، والمحل الشدة، والميم أصلية، وما حلت فلانا محالا أي قاويته. وقال ابن عرفة (يعني نفطويه): المحال الجدال، ويقال: محل عن أمره عن أمره أي جادل، ومنه حديث أنس أن رسول الله (ص) بعث إلى عظيم من المشركين يدعوه إلى الله تعالى فقال للرسول: أخبرني عن إلاهك هذا هل هو من ذهب أو من فضة أو من نحاس؟ فاستعظم ذلك فرجع إليه فأعلمه، فقال ارجع إليه وادعه، فرجع إليه وقد أصابته صاعقة، وعاد إلى رسول الله (ص) وقد نزل (وهو يجادلون في الله وهو شديد المحال) قال القتبي(25) ويقصد به ابن قتيبة، أي شديد الكيد، وأصله من الحيلة، وجعل ميمه كميم المكاب، وأصله من الكون، ثم يقال تمكنت. وقال الأزهري: غلط ابن قتيبة أن الميم فيه زائدة، بل هي أصلية، وإذا رأيت الحرف على مثل فعال أو عينه مكسورة، فهي أصلية، مثل مهاد وملاك ومراس وغير ذلك من الحروف، ومفعل إذا كان من بنات الثلاثة، فإنه بإظهار الواو، مثل مزود ومجود ومحور وغيرها من الحروف، وقال غيره قرأ الأعرج: (وهو شديد المحال، له دعوة الحق) بفتح الميم، وجاء تفسيره على هذه القراءة عن ابن عباس أنه الجدل، وهو تفسير غير واضح، لانه سيكون حينئذ مفعل من الحيلة، وسيكون المناسب لهذه القراءة أن يكون المراد من المحال الكيد والاستدراج مثل ما ذكره ابن قتيبة فيما سبق.
ومن الألفاظ التي تحدث عنها في هذا الكتاب في باب النون مع السين(26) انطلاقا من قوله تعالى: (إن الإنسان لظلوم كفار)(27)، فقد نقل قول إبراهيم بن محمد بن عرفة المشهور بنفطويه أن الإنسان هاهنا اسم للجنس يقصد به الكافر خاصة كقوله تعالى: (والعصر إن الإنسان لفي خسر)، فالإنسان الظلوم الكافر غير المومن.
ثم أشار إلى اشتقاق الإنسان حسب ما ذكره ابن عباس فقال: قال ابن عباس: إنما سمي انسانا لانه عهد إليه فنسي. وبناء على هذا المعنى، قال أبو منصور الأزهري: هذا دليل على أن أصل الإنسان إنسيان، ولذلك صغر أنسيان كأنه إفعلان من النسيان.
ومن الأفلاظ التي تحدث عنها في باب الواو مع الدال(28) كلمة الودع مصدرا لودع في قول الرسول (ص): «لينتهين الناس عن ودعهم الجماعات أو ليختمن على قلوبهم، أي لينتهين عن تركهم إياها».
ونقل هنا ملاحظة لشمر بن حمدويه وكان يكثر النقل عنه، يقول فيها بأن النحويين يدعون بأن العرب أماتوا ماضي ودع ومصدره، مع أن النبي (ص) قد استعمل ذلك، وهو أفصح العرب، وهو بهذه الملاحظة لا يرى بأسا من استعمال ذلك، ولعل مما يؤيد هذه الملاحظة ما جاء في بعض القراءات القرآنية في سورة الضحى قول الله تعالى:(ما ودعك ربك وما قلى).
ومن الألفاظ التي تحدث عنها كلمة ويح في باب الواو مع الياء(29)، انطلاقا من قول الرسول(ص) لعمار ابن ياسر: «ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية»فقد فسرها بقوله: ويح، كلمة تقال لكل من وقح في هلكة لا يستحقها فيترحم عليه ويرثى له، وويل كلمة تقال للذي يستحقها ولا يترحم عليه. وقال سيبويه؛ ويج زجر لمن أشرف على الهلكة، وويل لمن وقع في الهلكة.
ومن الألفاظ التي تحدث عنها في باب النون مع الدال لفظة التنادي في قوله تعالى: (ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التنادي يوم تولون مدبرين مالكم من الله من عاصــــم)(30) قال: المراد بيوم التنادي يوم القيامة لأن أصحاب الجنة ينادون أصحاب النار(أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا)(31)،يونادي أصحاب النار أصحاب الجنة(أن أفيضوا علينا الماء)(32)، وقيل: يوم النادي، لأن الناس يدعون للعرض على الرحمن وينادون، وقيل لأنه يدعى كل أناس بإمامهم، وقرئ يوم التنادي بتشديد الدال، يوم الفرار، ذلك على ذلك قوله تعالى: (يوم تولون مدبرين) وقوله تعالى: (يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئد شأن يغنيه).(33)
وهكذا نرى أن استقرار نعاني الألفاظ، وذكر وجوه تأويلها يساعد على الفهم الثاقب، ويصقل الملكة، ويعين على سبر أغوار المعاني الواردة في ألفاظ القرآن والحديث
والمستعملة في اللسان العربي شعرا ونثرا. ومن المعلوم أنه رغم تقدم الدراسات اللغوية فإن العصر الحاضر لا يمكنه أن يستغني عن المصادر القديمة والمرتجع الغنية التي ورتناها ضمن تراثنا الحضاري والعلمي، والتي يتجلى لنا أن هذا الكتب من أجلها، ولعل وصفنا له سيساعد أهل الاختصاص على تحديد اسم مؤلفه، أو على إضافة هذا الجزء  إلى أجزاء أخرى قد تكون موجودة في بعض الخزانات التي لهم خبرة بمضامينها.
وفقنا الله إلى إحياء تراثنا، وإلى التعريف به تعريفا يتلاءم مع المنهاج العلمي الحديث.

                                                          
1) هذه المخطوطة مسجلة بخزانة القرويين تحت رقم 1726، أورتقها113، مسطرتها20، وقياسها 17،5/ 23،5.
2) تنظر معجم الأدباء لياقوت الحموي؛ الجزء السابع عشر، صفحة 164، وبغية الوعاة، للسيوطي، صفحة 8 مطبعة السعادة.
3) سورة يس، الآية: 42.
4) سورة الأنبياء، الآية: 84 صفحة 43.
5) سورة الشورى، الآية : 11.
6) صفحة 226.
7) سورة الأحزاب، الآية 32.
8) انظر الصفحة 14، وقد ضاعت حروف هذا النص من أصل الكتاب فأتتمناه من الجزء التاسع من كتاب لسان العرب في مادة مرض من طبعة بولاق صفحة 100.
9) الذي فسر المرض في هذا البيت بالظلمة هو ثعلب حسب ما ذكره ابن منظور في كتابه لسان العرب من الجزء السابق الذكر في التعليق الثامن، وقد عزاه لأبي حبة، وذكر أن هذا التفسير ورد عن ثعلب، الشيء الذي لم يذكره مؤلف الكتاب.
10) صفحة 37.
11) سورة البقرة، الآية: 194.
12 ) سورة الشورى، الآية: 40.
13 الصفحة 165.
14 ) الصفحة 61.
15 ) البحر المحيط ؛ الجزء الثامن، الطبعة الأولى ؛ صفحة 520.
16) أنظر صفحة 2 من نفس المخطوط.
17) أنظر نفس الصفحة.
18 ) الصفحة 31.
19) صفحة 58.
20) سورة النساء، الآية: 4.
21) صفحة 61.
22 ) ج: 1، ص: 188.
23) صفحة 5.
24) سورة الرعد، الآية: 13.
25) كان يطلق ذلك أحيانا على ابن قتيبة والنص المشار إليه يوجد بتفسير غريب القرآن  لابن قتيبة؛ صفحة 226 من تحقيق السيد أحمد صقر، طبعة دار إحياء الكتب العربية بمصر.
26 ) صفحة 74.
27) سورة إبراهيم، الآية : 34.
28) صفحة 135.
29) صفحة 183.
30) سورة غافر، الآيتان: 32 و 33.
31) سورة الأعراف، الآية: 44.
32) سورة الأعراف، الآية: 50.
33) سورة عبس، الآيات: 34، 35، 36، 37.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here