islamaumaroc

الإجارة التمليكية واشتباه بعض موارد التمويل.

  محمد الحبيب التجكاني

العدد 343 محرم 1420/ مايو 1999

ظهرت الإجازة التمليكية أولا في الولايات المتحدة الأمريكية أواسط القرن العشرين، حيث استعملتها بعض الشركات حوالي سنة 1950م، في كراء الأجهزة والمعدات أثناء الحرب الكورية، ثم انتقلت هذه الإجازة إلى فرنسا، ومنها إلى المغرب، فظهر (مغرب ليزنك)(1) سنة 1965م، و(مغرب كراء)(2) سنة 1975م.
نظم القانون الفرنسي هذا العقد بمقتضى قانون 2 يوليوز 1966م، فعرفت المادة الأولى من الفصل الأول من هذا القانون عمليات التمويل الإيجاري على المنقولات بأنها.
«العمليات الكرائية لآلات وأدوات التجهيز، المشتراة بهدف الكراء، من قبل مقاولات تظل مالكة لها، عندما تخول هذه العمليات، كيفما كانت طبيعتها للمكتري، إمكانية اقتناء كل أو بعض الأموال المنقولة، مقابل ثمن متفق عليه، يدخل في الاعتبار- على الأقل- جزءا من الدفعات المسددة كأجراء كراء».(3)
وعلى غرار القانون الفرنسي، عرف الفصل(431) من مدونة التجارة المغربية، الصادرة بظهير 15 ربيع الأول عام 1417هـ/ 1 غشت 1996 م، عقد الائتمان الإيجاري بأنه:
«كل عملية إكراء للسلع التجهيزية، أو المعدات، أو الآلات التي تمكن المكتري، كيفما كان تكييف تلك العمليات، من أن يتملك، في تاريخ يحدده مع المالك، كل أو بعض السلع المكراة، لقاء ثمن متفق عليه، يراعى فيه جزء- على الأقل- من المبالغ المدفوعة على سبيل الكراء: (الائتمان الإيجاري للمنقول).(4)
فالراغب في آلة أو معدة مهنية يتفق مع مصرف، أو مؤسسة مالية، على شراء تلك الآلة أو المعدة، بقصد تأجيرها له، فيعقدان عقد الكراء، ببدل كراء محدد، ولمدة معلومة، مع مواعدة على أن يشتري المكتري موضوع عقد الكراء في تاريخ محدد، بثمن يتفق عليه في تاريخ البيع؛ على أن يراعى في ثمن البيع ما سبق دفعه برسم بدل الكراء؛ فنحن أمام عقد مركب من عقدين؛ كراء مع وعد بالبيع، ثم بيع تنفيذا لذلك الوعد، لكن على أساس التداخل بين العقدين، حيث إن ما دفع برسم الكراء يحتسب ضمن ثمن البيع.
ونظرا لطبيعة الإسلام من الحوار والانفتاح الحضاري فيما ينفع الناس ولا يتعارض مع قواعد الشريعة ومقاصدها، حيث يجسم قول الرسول (ص) هذا الانفتاح: «لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك، فلا يضر أولادهم».(5)
نظرا لذلك تبنت الندوات والمجامع الفقهية هذا العقد، وكيفته مع قواعد الشريعة ومقاصدها، فهكذا تبنته الندوة الفقهية الأولى لبيت التمويل بالكويت، المنعقدة سنة 1981م، وتبناه كذلك «مجتمع الفقه الإسلام» التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي عام 1988ن في قراره الذي يحمل رقم: 6ح حيث اعتبر الإيجار المنتهي بالتمليك مركبا من عقدين منفصلين، لا تداخل بينهما، لا يوجد الأول حتى يتنهي الثاني بالمرة، ولا تحسب أقساط الكراء إطلاقا ضمن ثمن البيع، فبدل الكراء هو عوض المنفعة التي استوفاها المكتري، وثمن البيع يحدد. فقط، بوضعية المبع، وبسعر السوق، وإلا وقع الخلط بين بدل الكراء وثمن البيع، فيؤدي الأمر إلى الجهالة في بدل الكراء، وفي ثمن البيع، فلا يتحدد ما يقابل المنفعة، ولا ما يقبل العين المبيعة، وقد نهى رسول الله (ص) عن هذا الخلط، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «نهى رسول الله (ص) عن صفقتين في صفقة واحدة».(6)
ونظرا لهذا الاجتهاد الجماعي في الموضوع، تستعمل البنوك الإسلامية هذا العقد، إلى جانب عقود أخرى، كالمرابحة للأمر بالشراء الذي لا يختلف كثيرا عن الإجازة التملكية، ويتم استعمال البنوك الإسلامية لهذا العقد عبر الخطوات التالية:
1- يتقدم العميل برغبته إلى البنك في شراء آلة أو معدة قصد الإيجار مع وعد بالشراء.
2- يشتري البنك الآلة أو المعدة، ويسلمها للعميل بعد الاتفاق على مدة الإيجار، وعلى مبالغ الأقساط الإيجارية.
3- عند نهاية مدة الإيجار، وأداء جميع الأقساط الإيجارية، يتم الوفاء بالوعد، فينجز عقد البيع، مقابل ثمن يتفق عليه الطرفان، دون مراعاة لأي ارتباط بين أقساط الإيجار وثمن المبيع.
نتيجة لهذا الفصل بين العقدين، يخضع العقد، في مرحلة الإيجاز، لأحكام الإجارة، فهي عقد لازم، لا يجوز فسخه بإرادة طرف واحد إلا لعذر قاهر، وموضوع العقد أمانة بيد المستأجر؛ لأن الأجير وضع يده على المأجور بإذن من مالكه؛ ومن ثم، إن ضاع المأجور أو هلك، دون تعد من المستأجر أو تقصير، يكون ضمانه على المالك، وبالمثل تجب مصارف التأمين والصيانة على المالك؛ بنما في مرحلة البيع، يخضع العقد لأحكام البيوع، من اللزوم، وشروط الثمن والمثمن، والخيارات وما إلى ذلك.
عندما تكون الأموال المستعملة في شراء المعدات من اجل تأجيرها حلالا مائة في المائة، لا ينبعث أي إشكال في الإجارة التمليكية، إنما ينبعث الإشكال عندما يختلط في المال، الحلال والحرام، فتكون الشبهة التي آثار الرسول (ص) الانتباه إليها، عندما قال: «الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد ستبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كراع يرعى حول الحمى، يوشك أن يقع فيه».(7)

إن اختلاط الحلال والحرام في المال يتخذ إحدى صورتين:
الأولى: أن يكون الحلال هو الأكثر، أو الغالب، بينما الحرام هو النادر أو الكثير.
ثانيا: أن يكون الحرام هو الغالب، والحلال هو الكثر، أو النادر.
أ-ففي الحالة الأولى، عندما يكون الحلال الغالب، ينظر الفقه نظرتين مختلفتين إلى اختلاط الحلال والحرام، فالبعض يرى أن الحرام يكون شائعا في المال كله، دون تفريق بن نوعية المال من كونه قيميا أو مثليا، والحرمة تنصب على المال وتشيع فيه بنسبة الحرام إلى مجموع المال، وهذه نظرية عبد الله بن وهب(8) وأصبغ(9) من المالكية الذين يرون أنه لا يجوز معاملة أصحاب هذه الأموال بحال.
ويرى البعض الآخر، وعلى رأسهم شيخ الإسلام للعدوتين على عهد المرابطين؛ أبو الوليد محمد بن رشد(10) (الجد)، أن هذه النظرة التي لا تميز بين المال القيمي الذي تختلف وحداته، وبالتالي تختلف قيمة كل وحدة منها عن الأخرى، وبين المال المثلي الذي تتحد وحداته، وبالتالي قيمته؛ هذه النظرية تعتبر خارجة عن القياس، وشاذة في البناء الفقهي، فالمال القيمي تنصب الحقوق والأوصاف الشرعية من الحل والحرمة، والصرامة وما إليها على عينه؛ بينما المال المثلي، ومنه النقود تنصب الحقوق وأوصاف الشرعية على ذمة مالكه؛ وهذه هي نظرة عبد الرحمن بن القاسم(11) الذي يرى جواز معاملة من كان في ماله بعض الحرام، معللا: «أن الحرام قد ترتب في ذمته، فليس متعينا في جميع ما في يده من المال، بعينه، شائعا»؛(12) وهذا أيضا مذهب الشافعية والأحناف، والحنابلة.(13)
ويستدل الإمام أبو حامد الغزالي(14) من الشافعية، لإباحة التعامل مع من كان أكثر ماله الحلال بدليلين من عمل النبي (ص) وعمل الخلفاء الراشدين، رضي الله عنهم ومن القياس، يقول:
«فأما الأثر فما علم في زمن النبي (ص) والخلاء الراشدين بعده، إذ كانت أثمان الخمور، ودراهم الربا من أيدي أهل الذمة، مختلطة بالأموال، وكذا غلول الأموال...، ولم يمتنع أحد منهم عن الشراء والبيع في السوق وأما القياس فهو انه لو فتح هذا الباب لا نسد باب جميع التصرفات، وخرب العالم.(15)
ب- وفي الحالة الثانية، عندما يكون الحرام هو الغالب، تنطبق النظرتان أيضا: نظرة ابن وهب وأصيغ، في عدم التفريق بين المال القيمي والمثلي، واعتبار الحرام شائعا في جميع المال، فلا تجوز معاملة صاحبه، ونظرة ابن القاسم الذي يفرق بين القيمي والمثلي، ويعتبر القيمي محملا بالحقوق والأوصاف الشرعية في عينه؛ بينما في المثلي تحمل بذلك ذمة المالك، وبالتالي تجوز معاملة صاحبه، ولكن ما الكراهة، نظرا للكثرة في الحرام، يقول جلال الدين عبد الرحمن السيوطي(16) من الشافعية: «معاملة من أكثر ماله الحرام حرام؛ إذا لم يعرف عينه لا يحرم في الأصح، ولكن يكره، وكذا الأخذ من عطايا السلطان، إذا غلب الحرام في يده».(17) ويقول ابن نجيم(18) من الأحناف: «إذا اختلط الحلال بالحرام في البلد فإنه يجوز الشراء والأخذ، إلا أن تقوم دلالة على أنه من الحرام»،(19) ويقول ابن رجب(20) الحنبلي: «إذا كان أكثر ماله النهب والربا ونحو ذلك، فكأنه ينبغي له أن يتنزه عنه».(21)
وقريبا من هذا، يقول شيخ الإسلام للعدوتن في عهد المرابطين أبو الوليد بن رشــــد.(22)
إن التفرقة بين القيمي والمثلي في الحقوق والأوصاف الشرعية تتضمن؛ أن الحق في العين يخول المالك حق وضع اليد على ماله أينما وجده، مما يجعل التصرف في المال حراما على غير المالك ويجعل التعامل مع الحائز، على حساب المالك حراما في كل الأحوال، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إذا أفلس الرجل، فوجد متاعه بعينه، فهو أحق به من الغرماء».(23)
وقضى الخليفة عثمان بن عفان، رضي الله عنه: أن من عرف متاعه بعينه فهو أحق به.(24)
كما تتضمن هذه التفرقة أيضا: أن الحق في الذمة لا يجول إلا مطالبة المدين الذي شغلت ذمته بهذا الحق، وأن شغل الذمة بالحرام يقتصر على من باشر اكتساب الحرام، دون من خلفه عله بالإرث أو بغيره من أسباب، فالحرام لا يتعلق بذمتين، كما تقول القاعدة الفقهية المشهورة، التي استدل كثير من الفقهاء لها.
استدل لها أبو حامد الغزالي بما روي أن رجلا، ممن ولي عملا للسلطان، مات، فقال صحابي: الآن طاب ماله، أي لوارثه.(25)
واستدل لها أبو الوليد ابن رشد بفتوى محدث المدينة من التابعين، محمد بن شهـــــاب(26) الزهري، شيخ الإمام مالك؛ قال ابن شهاب، فيمن كان على عمل، فكان يأخذ منه الرشوة، والغلول، والخمس، وفيمن كانت اكثر تجارته الربا: أن ما تركا من الميراث سائغ لورثتهما، لميراتهم الذي فرضه الله لهم، علموا بخبث كسبه، أو جهلوه، وإثم الظلم على جانبه.(27)

والخلاصة:
* الإجازة التمليكية جائزة في نظر الإسلام بشرط الفصل بين العقدين اللذين تتكون منهما هذه الإجازة؛ عقد الكراء، ثم عقد البيع.
* تجوز معاملة من غلب على ماله الحلال، على أن يكون المال مثليا غير متعين.
* تجوز معاملة من غلب على ماله الحرام، مع الكراهة، بشرط أن يكون المال مثليا غير متعين كذلك.
* لا تجوز المعاملة على المال الحرام المتعين، مهما كانت نسبة هذا المال إلى مجموع أموال الحائز، من الندرة، أو الكثرة، أو الغلبة، ومهما تغيرت الأيدي على هذا المال. والله أعلم.

1 ) المصطلح الأمريكي هو ليزنك: Leasing.
2) المصطلح الفرنسي هو: Crèdit bail.
3) الوسيط في شرح قانون التجارة المغربي والمقارن، د. شكري أحمد السباعي، ج: 1، ص: 455. ط:3 ، دار المعرفة الرباط، سنة 1409هـ/ 1988.
4) مدونة التجارة، ص: 133، ط دار الثقافة بالدار البيضاء، ط2 سنة 1417هـ / 1997 م.
5 ) موطأ الإمام مالك، برواية يحيى، وتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ص: 608. قال الإمام مالك: والغيلة: أن يمس الرجل امرأته وهي ترضع.
6) مسند الإمام احمد، رقم: 3783، بتحقيق عبد الله محمد الدرويش، ط دار الفكر، بيروت.
7 ) صحيح الجامع اصغير وزيادته، رقم : 3188.
8) هو عبد الله بن وهب أحمد تلامذة مالك، صحبه عشرين سنة، أخرج له الإمام البخاري في صحيحه، وتوفي سنة 197 هـ بمصر.
9) هو صبغ بن الفرج المصري، روى عنه الإمام البخاري، توفي 225 هت.
10) هو فقيه قرطبة، وشيخ الإسلام للعدوتين على عهد المرابطين، له عدة مؤلفات أهمها البيان والتحصيل في شرح مسائل العتبية، توفي بقرطبة سنة 520هـ.
11) من تلاميذة الإمام مالك، صحبه عشرين سنة، وأخرج له الإمام البخار، توفي بمصر سنة 191 هـ .
12) مسائل أبي الوليد ابن رشد، بتحقيق محمد الحبيب التجكاني، ص: 552 ، ط دار الآفاق الجديدة، المغرب.
13) الأشباه والنظائر لابن نجيم، ص: 112، والأشباه والنظائر للسيوطي ، ص: 107، والقواعد في الفقه الإسلامي، لابن رجب الحنبلي، ص: 375.
14) هو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الغزالي حجة الإسلام، توفي في سنة 505 هـ بطوس التي أصبحت بعد ذلك مشهد بشمال إيران.
15) الحلال والحرام، أبو حامد الغزالي، ص: 41- 43، ط دار الجيل بيروت. سنة 1417 هـ/ 1988 م.
16)  هو أبو الفضل المصري الشافعي، مفسر ومحدث، توفي سنة 911 هـ.
17) الأشباه والنظائر، ص: 107.
18) هو زين العابدين بن إبراهيم المصري، الحنفي، فقيه، توفي سنة 970هـ.
19) الأشباه والنظائر، ص: 113.
20) هو عبد الرحمن بن احمد بن رجب البغدادي الدمشقي، محدث، وفقيه، توفي  بدمشق سنة 795 هـ.
21)  القواعد في الفقه الإسلامي، ص: 375.
22 ) مسائل أبي الوليد ابن رشد، ص: 557.
23) صحيح الإمام مسلم، رقم: 1559.
24) صحيح الإمام البخاري، كتاب الاستقراض، رقم: 2402.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here