islamaumaroc

هو الذي أيدك بنصره وبالمومنين وألف بين قلوبهم. [افتتاحية]

  عمر بنعباد

العدد 343 محرم 1420/ مايو 1999

يهل شهر المحرم من كل عام، ويستقبل فيه العالم الإسلامي مناسبة إسلامية عظيمة، وذكرى دينية جليلة، تتمثل في هجرة النبي (ص) من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة في السنة الثالثة عشرة من البعثة النبوية.
وهي مناسبة كريمة طيبة، وحدث عظيم في تاريخ الإسلام والمسلمين، يعتبر كلما أشرق هلاله بداية سنة جديدة، ومحطة زمنية هامة، يتوقف عندها المسلم كل سنة، ليتأمل ذاته، ويراجع نفسه، ويسألها كيف مرت به السنة، وما إذا كان قد قام خلالها بأعمال صالحة، وحقق أثناءها منجزات، وقدم فيها عطاءات فكرية وعملية بناءة لخير المسلم ولصالح دينه وأمته، ولصالح الإنسانية بأجمعها حسب عمله وإمكانيته، وفي نطاق الأمانة والتكاليف الشرعية المناطة بالإنسان والمسؤولية الملقاة على عاتقه في هذه الحياة باعتباره صاحب رسالة نبيلة فيها.
وهي وقفة تأملية ولحظة تدبرية، تجعل المسلم يتزود منها بعزيمة دينية متينة وإرادة قوية صلبة، وشحنة وطاقة متجددة من الإيمان واليقين بالله رب العالمين، واعتماد التوكل عليه في كل أمر وحين، وتوجهه نحو التفتح والتطلع إلى تحقيق آمال ومطامح مستقبلية أخرى لمواصلة المسيرة في درب الحياة بكل ثقة واطمئنان، والمصابرة المستمرة بالعمل اليومي الذي يعتبر نوعا من العبادة في الإسلام، ونوعا من الجهاد المأجور عليه عند الله تعالى.
وإذا كان العالم الإسلامي على مستوى الفرد والشعوب المسلمة والأمة الإسلامية بأجمعها يستقبل مطلع كل عام هجري بابتهاج واستبشار، وبتفاؤل وآمال، فإنه يستحضر في نفس الوقت ذلك الحديث العظيم والأمر الجليل، الذي جعل المسلمين يتخذون من شهر المحرم مبدأ تاريخهم الإسلامي الهجري، منذ عهد الخليفة الثاني لرسول الله، عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، ويستذكرون الظروف والأحوال التي تمت فيها تلك الهجرة النبوية، وما انطوت عليه من أسرار وحكم ربانية، وما صاحبها من معجزات خارقة، وما كان لها من نتائج حميدة لم تكن متوقعة ولا خطرت لأحد على بال، حيث حقق الله فيها وبعدها ما وعد به رسوله الكريم من فتح مبين، ونصر عزيز الإسلام والمسلمين، مصداقا لقول رب العالمين: (هو الذي أيدك بنصره وبالمومنين وألف بين قلوبهم).
فقد كانت الهجرة المحمدية بإذن من الله سبحانه ووحي منه لرسوله الكريم، وكانت مرحلة ثانية من مراحل الدعوة الإسلامية، اقتضتها مشيئة الله وحكمته البالغة بعد المرحلة الأولى بمكة، وبعدما بلغ مكر المشركين أقصاه، ووصل كيد الكفار للنبي وصحابته منتهاه، وهو ما سجله عليهم القرآن الكريم بقوله المبين: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين).
ويصل النبي (ص) إلى المدينة المنورة في يوم مشهود عظيم بعد مسير عشرة أيام بلياليها المتواصلة، ويستقبله المهاجرون والأنصار أجل استقبال، ويستبشرون بمقدمه ويبتهجون به أجل ابتهاج وأعظم استبشار، ويأخذ النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك في وضع الأسس الأولى المتينة والدعائم القوية، والمعالم البارزة لدولة الإسلام والحق، والإيمان والعدل، فأسس مسجد قباء، وأتبعه بتأسيس مسجده النبوي بالمدينة المنورة، وآخى بين المهاجرين والأنصار، ووضع ميثاقا مكتوبا بنظم العلاقة والتعامل بين المسلمين مع بعضهم، وبينهم وبين غيرهم من أهل الكتاب، عن أسس مستمدة من دين الإسلام الحنيف، ومن دستوره الأمثل القرآن الكريم، مما يسر جمع كلمة المسلمين من الأنصار والمهاجرين، وأعطاهم قوة مادية ومعنوية، ومكن لهم في الدين، ووطد لهم في شرعه الحكيم، وألف بين قلوبهم، واستخلفهم في الأرض، وأبد لهم من بعد خوفهم أمنا، وجمعهم على الحق المبين.
وبذلك كانت مرحلة الهجرة إلى المدينة امتدادا لمرحلة الدعوة بمكة، واستمرارا لها في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وقياما بواجب الجهاد في سبيل الله الذي شرعه الله، إعلاء لكلمة الحق، وتثبيتا لدينه الحق، ونصرة لشرعه الحكيم، ودفاعا عن حوزة الإسلام والمسلمين، مصداقا لقول رب العالمين، وتحقيقا لوعده الكريم بالفتح والنصر لرسوله المصطفى الأمين: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا).
وإذا كان امر الهجرة إلى المدينة المنورة مطلوبا ومؤكدا في حق الصحابة مع النبي (ص) إلى حين فتح مكة المكرمة في السنة الثامنة من الهجرة، حيث أصبحت مكة دار إسلام وأمان ولم تعد الهجرة منها واجبة، فإن الهجرة المعنوية القائمة على هجر المسلم للذنوب، وعلى اجتناب المعاصي والآثام، باقية خالدة بخلود المسلمين والإسلام إلى يوم القيامة، مصداقا لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية».
وإن كل مسلم واع بدينه ورسالته في هذه الحياة، ومدرك لأمانته ومسؤوليته فيها تجاه ربه الذي خلقه ورزقه، وتجاه نفسه وأهله، وبلده وأمته- وهو يعيش مناسبة ذكرى الهجرة النبوية في مطلع شهر المحرم من كل عام، يستحضر كذلك في نفس الوقت ما جاء به الإسلام من مبادئ وأحكام، وفضائل وأخلاق، جعلت من الأمة الإسلامية في كل عصر ومكان أمة ذات مزايا ومحاسن، وخصائص ومكارم، أثبتها لها الحق سبحانه تفضلا وامتنانا، ووصف بها دينها الإسلامي الحنيف تكرما وثناء، ودعا إلى الأخذ والعمل بها لتظل الأمة الإسلامية كما أراد الله لها أمة عزيزة الجانب والمنال، أمة الحق والعدل والتعاون على البر والتقوى، وصلاح أمر الدين والدنيا، خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتومن بالله.
إن الأمة الإسلامية، وكما يدرك الجميع، تجتاز في الوقت الراهن معركة حضارية، وظروفا دقيقة حاسمة، تهدف إلى إثبات الذات، وترسيخ القيم والمبادئ السليمة والمثل العليا في التعامل البشري والعلاقات الإنسانية، والنهوض ببلادها في مختلف جوانب التنمية الثقافية والاقتصادية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وترقى إلى التغلب على تجاوز العقبات ومشاهد الواقع المؤلم المعيش، والأحوال والأوضاع المتقلبة في حياة المسلمين، وما تعانيه بعض بلادهم من الشقاق والاختلاف، ومن طغيان قوة الشر والبغي والظلم والعدوان في عصر يدعو إلى المدينة والتحضر والحوار، وينادي بصيانة كرامة البشر وحفظ حقوق الإنسان، وهي معركة ظرفية حتمية يقتضي انتصار الأمة المسلمة فيها الكثير من الوعي والنضج واليقظة والنباهة، ويستلزم الشعور العميق بالمسؤولية الملقاة على عاتق كل مسلم ومسلمة، من أية شريحة أو مستوى كان، من خلال عمله اليومي الذي يقوم به في الحياة واجتماع كلمة الشعوب المسلمة حول قادتها بإخلاص وإرادة، وصدق وعزيمة، مما يمكن من اجتياز هذه الظرفية بنجاح وسلام، وييسر التغلب على مصاعبها وتحدياتها بكل عزم وإيمان، في عصر متسم بالتطور المدهش، والسرعة الفائقة في كل مجال وميدان، ويساعد على تحقيق النصر للأمة الإسلامية في قضاياها المصيرية الكبرى التي تجمعها وتوحدها، وفي مقدمتها قضية القدس الشريف والمسجد الأقصى، وغيرها من القضايا المصيرية الأخرى.
ولا يتأتى ذلك إلا باستعمار الوعي وبعد النظر، واستحضار المبادئ الإسلامية التي قامت عليها أمة الإسلام وتأسست عليها دولته المومنة كما جاء بها القرآن وأوضحتها سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، فحققت الأمة لنفسها ما حققته من فتح وانتصار، وعزة واطمئنان، في عصر النبوة والرسالة، وفي عهد الخلافة الراشدة، وفي عصور ما بعدها من سلف هذه الأمة المحمدية وخلفها عبر الأجيال، ونفعت به غيرها من الأمم الأخرى بما قدمته لها من مبادئ وقيم وحضارة الإسلام في مختلف العهود والعصور، وهو ما يمكن أن تحققه اليوم على ضوء التمسك بتلك المبادئ الإسلامية الخالدة، الصالحة للدين والدنيا، إذ يد الله مع الجماعة، وما النصر إلا من عند الله، إن الله عزيز حكيم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here