islamaumaroc

التوفيق بين الشريعة والفلسفة موازنة بين ابن رشد وسابقيه -1-

  دعوة الحق

35 العدد

كتب الأستاذ ليون غوتييه في كتابه «مدخل إلى دراسة الفلسفة الإسلامية»(1) ما يلي:
«إن فكرة التوفيق بين الفلسفة والديانة تبدو كالفكرة الغالبة والأصالة الرئيسية لهذه الفلسفة اليونانية الإسلامية» ص 121. وزاد بعد ذلك بقليل قائلا: «جميع مؤرخي الفلسفة الإسلامية قد أخطئوا، من نواحي مختلفة، في الكشف عن الروح الحقيقية لهذه الفلسفة التي تكون نظريتها الأساسية (أي التوفيق بين الدين والفلسفة) في رأينا بكل دقة، أصالتها الرئيسية. ص 133.
وقد عزز ليون غوتييه نظريته هذه بدراسة مستفيضة لموضوع التوفيق في الفلسفة العربية، وانصب جهده بالأخص، على رسالة ابن رشد المسماة «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال» حيث قدم دراسة لنيل الدكتوراه سنة 1909 (2).
إلا أنه فيما يخص النظرية العامة لغوتييه يمكن أن نلاحظ الملاحظة العامة الآتية: وهي أن نظريته تصح بالنسبة للفلسفة اليونانية العربية بالمعنى الصرف أكثر مما تصح بالنسبة لمجموع الفلسفة العربية أي بإضافة مذاهب المتكلمين والمتصوفين. إذ تعبير «الفلسفة اليونانية الإسلامية» الذي يستعمله الباحث، خليق بأن يعني مذهب الفلاسفة الذين تأثروا باليونان ثأثرا عميقا. وليس يحق إطلاق تسمية: (الفلسفة اليونانية الإسلامية) على جملة المواضيع التي ينقسم إليها ميدان هذه الفلسفة العربية الواسعة. مذهب الفلاسفة إذن وهم المعروفون باسم فلاسفة الإسلام، هو الذي تنطبق عليه تسمية (فلسفة يونانية إسلامية) . وإلا فهناك خطأ في التعبير، إذ محاولة التوفيق عند المتكلمين كانت تخص الدين والنظر العقلي، أي رد كل شيء في الدين إلى العقل وتعليله به وحذف كلما يخالف منطق العقل أو تأويله، وليس الجمع بين الدين والفلسفة بمعنى أن الفلسفة هي جملة المعارف الفلسفية التي تلقاها العرب عن اليونان والتي تكون مذهبا مقررا منتهيا أي مدرسيا.
فإذن نظرية غوتييه تصح أكثر ما تصح في قسم من الفلسفة العربية وهو مذهب الفلاسفة الصرف ولا تتعداه إلى مذاهب المتكلمين، اللهم إلا إذا فهمنا من لفظ فلسفة «نظرا عقليا مستقلا» غير مقتصر على مذهب الفلاسفة فإننا نلاحظ انطباق نظرية غوتييه انطباقا تاما على هذا المذهب وتعبيرها عن طابعه العام تعبيرا صادقا.
وفي الإمكان على ما أرى تعديل كلام ليون غوتييه على الشكل التالي: الطابع العام للفلسفة العربية هو في محاولتها التوفيق بين الدين والفلسفة باعتبار هذه الأخيرة بحثا عقليا مستقلا، لا مذهبا معينا من المذاهب، وبهذا يمكن إدخال أقسام الفلسفة الأخرى كمذهب المتكلمين والمتصوفين.
ولاتساع موضوع الفلسفة العربية وتشعب نواحيه، سنقتصر في موازنة نحاول أن نقيمها بين ابن رشد وسابقيه من العرب.  
ونسارع فنقول إن مما يهدف إليه هذا البحث أن يبين بشكل لا يقبل الجدال تفوق ابن رشد على سابقيه من الفلاسفة المدرسيين العرب، وأن هذه النظرية قد بلغت عنده أوجها، إذ – كما بين ليون غوتييه- يشترك هؤلاء الفلاسفة جميعا في قولهم بنظرية واحدة فيما يخص التوفيق(3) إلا أنه عمل ابن رشد الأساسي وعبقريته في هذا المضمار هما في ما أقامه لهذه النظرية من بناء متماسك وفي عرضه المنظم في مؤلف خاص يقتصر على موضوع التوفيق، وهذا في الحقيقة ما لم يسبق إليه.
وهناك ملاحظة أخرى هامة وهي أن ما يقصده الفلاسفة بكلمة فلسفة عندما يقولون كما سنرى –أن الفلسفة والدين هما وجهان لحقيقة واحدة هو مذهبهم الذي أخذوه عن الفلسفة اليونانية، لا كل فلسفة، ولا الفلسفة الإسلامية مثلا- كعلم الكلام- الذي نشأ في بيئة إسلامية خالصة قبل أن يطلع المسلمون على الفلسفة اليونانية(4) وهذه الملاحظة تشمل ابن رشد أيضا.
إلا أننا نعود ونقول إن ابن رشد أقام من هذه النظرية، التي توجد خطوطها العامة عند جميع الفلاسفة العرب من الكندي إلى ابن رشد –أقام منها مذهبا متماسكا البنيان ذا عناصر مختلفة، اقتبسها لإقامة هذا النباء، من مصادر يونانية وإسلامية كما أشار إلى ذلك ليون غوتييه، وكما سنرى بعد قليل.
وهناك وجه آخر للموازنة بين هؤلاء الفلاسفة وابن رشد، ويبدو فيه تفوق ابن رشد أيضا، وهو أنه كان أكثر تمسكا منهم بمذهب أرسطو، كأن مذهب أرسطو هو مذهبه، وكان يعتبر أرسطو المعلم المطلق والفيلسوف الحقيقي، طبعا، لقد أضاف إلى مذهب معلمه الكثير بحجة شرحه كما أشار إلى ذلك رينان(5) وغني عن البيان أيضا، أن مذهب أرسطو الذي كان يعتقد ابن رشد أنه كذلك، لم يكن مذهب أرسطو الحقيقي، لأنه كان مذهبا مشبعا بروح الأفلاطونية الجديدة التي يشيع فيها مبدأ تعدد الآلهة، عوض أن تشيع فيها روح التوحيد المطلق التي توائم الديانة الإسلامية، ولكن ابن رشد وسائر الفلاسفة العرب، قد أخذوا كل ما ينسب إلى أرسطو على أنه حقيقي، ولم يشكوا مطلقا في أن كتاب اثولوجيا هو للمعلم الأول، وعلى ذلك يظل ابن رشد أرسطيا حتى بعد أن يخالف أستاذه من دون شعور، وعلى كل حال فالاختلاف بين أرسطو الحقيقي وأرسطو المزيف هو في بعض النقاط التي وردت في كتاب أفلوطين.
وتبقى بعد ذلك بقية المذهب حيث الاثنينيه الأرسطية، أي الفصل بين عنصري الوجود المادي والروحي أو الصوري، ونظرية أرسطو الأساسية في القوة والفعل والصورة والمادة، كل ذلك يبقى محافظا عليه في مذهب ابن رشد، وبالإجمال يمكننا أن نرى في ابن رشد مصداق قول القائل: «إن الفلسفة العربية تطورت في اتجاه المشائية»(6)  وابن رشد –كما قال الدكتور جميل صليبا- يظل أكبر مشاء عربي(7) على حين أن الفلاسفة الآخرين جميعا، لم يظلوا أوفياء لمذهب أرسطو كما ذكرنا، خصوصا في الإلهيات، فابن سينا كان أكبر من تنحى عن مذهب المعلم الأول بمذهب خاص كونه من عناصر متعددة أفلاطونية وأرسطية، وشرقية، والفارابي جمع بين الحكيمين أفلاطون وأرسطو(8) والكندي كان أميل في الإلهيات إلى رأي أفلاطون، فكان يعتنق فكرة خلق العالم من العدم «تاييس الايسات عن ليس» (9)وأن للزمان بداية ونهاية وكذلك وبالتالي بدء الحركة، أما ابن باجة وابن طفيل فكانا أميل إلى التقليد الشرقي وخصوصا إلى رأي ابن سينا(10) فابن رشد إذن وحده يتميز بهذه الميزة وهي أنه أرسطي خالص –بالرغم من مخالفته مذهب أرسطو في كثير من المسائل-أي أن فلسفته مشائية، ولذلك كان على أولئك الفلاسفة السابقين على ابن رشد أن يوفقوا بين فلسفتهم التي كثيرا ما كانت تكون بعيدة عن أرسطو-وبالتالي قريبة من الدين- خصوصا فيما يتعلق بالإلاهيات، وهي البحث الأساسي الذي يهم مشكلة التوفيق بين الدين والفلسفة كان عليهم أن يوفقوا بين هذه الفلسفة والدين والفلسفة الذي يعتنقون مبادئه، فلم تكن مهمتهم بالصعبة، لأنهم كانوا يلجأون في الغالب إلى رأي أفلاطون فيما يتعلق بمشكلة الخلق والزمان والحركة ويتركون رأي أرسطو، أو كانوا يقومون بتنازلات للعقيدة كما فعل ابن سينا، إذ كانت محاولة هذا الأخير ترمي دائما إلى أن يكون مذهبه الفلسفي منسجما ومتوافقا مع مبادئ الدين، حتى أنه لم يقر تمييزه المشهور بين الماهية والوجود، والممكن والضروري، في الوجود الواقعي، إلا لكي يوفق بين عقيدة الخلق من العدم وعقيدة أزلية العالم(11) وليرضي بذلك المتكلمين كما اتهمه ابن رشد(12) ومن المعلوم أن رأي أرسطو في مشاكل خلق العالم والزمان والحركة هو أبعد ما يكون عن الشائع أنه ما جاء به الشرع الإسلامي، وخصوصا كما  فسره المتكلمون، فعند أرسطو الاعتقاد بأزلية العالم إلى جانب الله، أي عنده الاثنينية إثنينية المادة والصورة وعنده قدم الزمان ولا نهائيته وقدم الحركة بقدم المتحرك أي العالم وهاته الأمور وغيرها مما يصعب على الباحث الجمع بينه وبين الدين، خصوصا كما يفهمه أكثر الناس، والمدافعون عن العقيدة وهم المتكلمون.
لهذا كله كانت مهمة ابن رشد في إقرار التوفيق بين الفلسفة التي يعتنقها والدين الذي يؤمن بمبادئه، وخصوصا كما يفهمه سائر الناس في زمن ابن رشد، كانت هذه المهمة أصعب من مهمة سابقيه.
هذه هي الاختلافات الأساسية التي أراها بين ابن رشد وسابقيه من الفلاسفة العرب في الموقف المشترك الذي وقفوه من الدين، وفيما عدا ذلك، تظل نظرية التوفيق في خطوطها العامة طابعا عاما لفلسفة هؤلاء الفلاسفة من الكندي إلى ابن رشد.

(1) Léon Gauthier : Introduction à l’étude de la philosophie musulmane, Paris, 1923.
(2) Léon Gauthier :La théorie d’Ibn Rochd sur les rapports de la religion et de la philosophie , Paris, 1909.
(3) هذا هو رأي غوتييه، ويلاحظ أن كتابات الفلاسفة العرب في هذا التوفيق تشكل شذرات نادرة متفرقة في كتبهم التي تعالج مواضيع فلسفية بحث، انظر كتابه الأساسي السابق وانظر كذلك كتابه الحديث نسبيا «ابن رشد» باريز 1948.
Léon Gauthier : Ibn Rochd (Averroés), Paris, 1948.
(4)انظر ليون غوتييه «ابن رشد» ص 23.
(5)رينان –ابن رشد والرشدية – ص 8.
Renan : Averroés et l’Avenoïsme , p 7e édition.
(6)انظر جميلا صليبا ص 20.
Etude sur la métaphysique d’Avicenne, Paris, 1926.
(7) أنظر كتابه «الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو».
(8)إيجاد الموجودات من العدم.
(9)انظر جميل صليبا المرجع السابق ص 202.
(10)انظر جميل صليبا المرجع السابق ص 35.
(11) أن تعصب رجال الدين والمتكلمين ضد الفلسفة، كان ناتجا في أغلب الأحيان عن غيرتهم على النظام القائم في العلم والعمل الذي أتى به الإسلام، فالإسلام كان عقيدة ووضعا من أوضاع الحياة العملية. ولذلك لم يقبل هؤلاء أن يتسرب إلى النظام الإسلامي ما يعكر صفوه.
(12) انظر أسباب نشوء نظرية التوفيق عند فلاسفة العرب: ليون غوتييه (ابن رشد) الفصل الثالث، وكذلك كتابه الأساسي «نظرية ابن رشد في علاقة...» السابق الذكر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here