islamaumaroc

الربيع في الشعر العربي-2-

  دعوة الحق

35 العدد

كان إذن للحضارة فضل في خلق حب الطبيعة في المجتمع العربي وفي إلهام الشعراء معاني وأحاسيس صاغوها فكانت شعرا جميلا وكانت، في الواقع تعبيرا عن اكتشافات وتمليات جديدة بالنسبة لمجتمع فتي، ناهض.
ثم إن حياة الاستمتاع بالملذات والإقبال على الشهوات التي أصبحت ديدن الطبقة المترفة، دفعت بأفراد تلك الطبقة إلى التفنن في أخذ حظهم من جمال الطبيعة، كامتلاك البساتين في أرباض المدينة وتخصيص بقعة في كل قصر أو بيت لاتخاذها روضا واقتناء الطيور إما لحسن ألوانها وغرابة شكلها وإما للطافة تغريدها، يدل على هذا ما قيل من أشعار كثيرة في وصف الرياض والبساتين، وكلها تنم عن حس مرهف وإغراق في الترف والمدنية، وهذه قطعة للشاعر أحمد بن خاتمة الأندلسي تبين المدى الذي بلغ إليه هذا التفنن:
ارسل الجـو مـاء ورد رذاذا
                     وسمع الحـزن والدمـايث رشا
فانثنى حول أسواق الدوح حجلا
                     وجرى فوق بردة الروض رقشا
وسما في الغصـون حلى بـنان
                     أصبحت من سلافة الطل رعشا
فترى الزهر ترقم الأرض رقما
                     وترى الريح تنقش الماء نقشـا
فكان الميــاه سيف صقـيل 
                     وكـان البطاح غمـد موشـى

أثر التقاليد الفارسية في تكييف الشعور بالربيع عند العرب
يضاف إلى كل هذا عامل آخر مهم كان له الأثر الحاسم على اتجاه أدبنا العربي منذ أن أصبح أدب مجتمع متحضر وأمة دخلت إلى التاريخ من أبوابه الواسعة، هذا العامل هو تأثير الحضارة والثقافة الفارسيتين في تطور ذلك الأدب، سواء من حيث المادة أو الشكل أو من حيث الموضوع والتعبير، وليس هنا محل تفصيل ذلك، وفي كتب التاريخ وتاريخ الآداب العربية، بصورة خاصة، ما يكفي من التفاصيل والإيضحات عن هذه الحقيقة، وإنما نجتزئ هنا بالإشارة إلى كون الفرس، سواء من قبل الإسلام أو من بعد الإسلام، كان لهم ولوع خاص بفصل الربيع، فهم يحبونه ويحتفلون بمقدمه، ولهم في ذلك تقاليد هي أشبه ما تكون بالطقوس الدينية.
والواقع أن هذه التقاليد تردع إلى معتقدات وثنية عتيقة. فقد كانوا يعبدون في جاهليتهم الأولى آلهة إسمها «آناهيتا» وهي  في عرفهم إلهة النماء والخصوبة والتوالد والأنوثة، ومثل هذه العقائد تنمو، ولا شك، عن إحساس قوي غريزي بجمال الطبيعة وجلالها، فلا عجب إذا رأيناهم يعشقون البراري المخضرة والخمائل المزركشة، وقد حكى مؤلف «قصة الحضارة الفارسية» أنهم (كانوا يمتلكون المنازل الجميلة والحدائق الغناء التي تكبر وتتسع أحيانا حتى تصبح حظيرة للصيد والقنص أو مأوى لمختلف الحيوانات كحدائق الحيوان في العصر الحاضر).
وقد تركت هذه التقاليد أثرها في المجتمع العربي الإسلامي، فكونت جانبا مهما من جوانب تفكيره وفلسفته، كما سرى مفعولها بصورة قوية واضحة، إلى الهندسة المعمارية «العربية» وهي في طور نشوئها أيضا كثيرا من عاداتهم وأساليبهم في ترتيب المنزل وتدبيره وفي طريقة الاستمتاع بالحياة المنزلية.
ولا أدل على ذلك في قصور بغداد التي ألهمت مؤلفي ألف ليلة وليلة كثيرا من صورهم البراقة وتخيلاتهم العظيمة التي حرص أصحابها على أن تكون مطوقة بالحدائق الواسعة المزركشة بالأزهار والأشجار والتي تتخللها جداول المياه، وحول قصر الخلد، على شاكلته، تأسس حي عظيم من القصور الشاهقة كقصر أم جعفر زوجة الرشيد الأولى وقصر أبي أيوب سليمان ابن أبي جعفر المنصور وقصور البرامكة وغيرها من القبب والمنازل التي شهدت تنعم ذوي الجاه والثراء في ظل الخلافة العباسية.
وقد ألهمت هذه القصور الشعراء، فنظموا فيها القصائد والمقطوعات من أحسن ما قيل في هذا الصدد هذه القطعة للشاعر علي بن الجهم في القصر الهاروني، فإنها بمثابة الشهادة التاريخية:
صحـون تسافـر فــيها العيون 
                     وتحـسر عـن بـعد أقــطارها
وقبـة مـلك كــان الـنجــو
                     م تصـغى إليـها بأســـرارها
تـخـر الـوفود لـها ســجـدا
                     إذا مـا تجـلت لأبـصـارهــا
وفــوارة ثــأرها في السمـاء
                     فليـست تقـصر عـن ثـأرهـا
إذا أوقـدت نـارهـا بالعــراق
                     أضـاء الحـجـاز سنـا نـارها
تـرد علـى المـزن ما أنـزلت
                     على الأرض من صوب أقطارها
لهـا شـرفـات كـان الـربيع 
                     كســاها الـرياض بأنـوارهـا

استقبال الربيع
كما أخذ العرب عن الفرس تقاليدهم في استقبال الربيع، فصاروا يحتفلون هم كذلك بعيد النيروز الفارسي، محتفظين باسمه الأصلي، والنيروز هو عيد استقبال السنة الجديدة ويقع في أول أيام الربيع وفيه تقام الاحتفالات ويتبادل الناس الهدايا، ويكون لهذه الاحتفالات مظاهر اجتماعية قوية يشارك فيها الملوك والأمراء وعلية القوم وكذلك عامة الشعب .
والشعراء بالطبع هم أول من يشارك في استقبال الربيع والاحتفال بيوم النيروز، فيعربون بطريقتهم الفنية عن ترحيب الناس بذلك الفصل الجميل وفرحهم بحلوله، وهذه القطعة يصور لنا فيها البحتري أول ابتسامة للربيع:
ألسـت تـرى مـد الفـرات كأنه
                  جبال شدورى جئن في البحر عوما
وقد نبـه النـيروز في غبش الدجا 
                     أوائل ورد كـن بـالأمـس نـوما
يـفتـحها بـرد الـندى فـكأنـه 
                     يبث حديثـا بينهن مـكتــمــا
ومـن شـجر ورد الـربـيع لباسه
                     عليه كمـا نشـرت برداء منمنما
أحل فأبـدى للـعيون بـشاشـة
                     وكان قذي للعين مذ كان محرمـا
ويدعو أبو الحسن الغويري الصاحب بن عباد إلى الاحتفال بالنيروز في هذه القطعة القصيرة التي تنطوي، مع ذلك، على تصوير دقيق وتعلوها مسحة الفن:
أيها الصاحب الربيـع تجـلى
                     في رياض تحـار فيها العقول
نرجس ناضـر وأحـمر ورد
                     وشقيـق يزنـيـه التكحيـل
وغصون تـجر أذيال نـور
                     في حواشـي جـداول وتميل
للزرازير في خلال الأزاهيـ
                     ـر صفير وللحمـام هـديل
فاقم رسمنـا صبيــحة نيـ
                     ـروز به ربع انسـنا مأهول
ولم يحتفل شعراء المشرق وحدهم بالنيروز، فهذا ابن شهيد الشاعر الأندلسي يتغنى هو أيضا بالعيد الفارسي، على بعد الديار ومشقة المزار، في قصيدة يمدح بها المستعين بالله:
وأتـاك بالنيروز شـوق حـافز
                     وتطـلـع للزور غـب تطـلع
وأفـاك في زمن عجيب مونـق
                     وأتاك في زهر كـريم ممـتـع
فانظر إلى حسن الربيع وقد جلت 
                     عـن ثوب نور للربيع مجـزع
فكـأن نرجسها وقد حشدت بـه 
                     زهـر النجوم تقاربت في مطلع
ولحلول فصل الربيع في شكله الضاحك، المزدان بالألوان المختلفة، قصة، وهي قصة بسيطة يعرفها كل أحد، قصة المطر الذي يحيي الأرض بعد موتها ويكسوها ثوبا جديدا، وقد استطاع الشاعر الأندلسي عبد المالك ابن نفيل أن يصور لنا هذه القصة المعروفة المبتذلة في أبيات اكتسبها طرافة وجاذبية:
أنظر إلى حسن الزمان كأنما 
                     يلقاك عن بشر لوجهك مبشر
بكت السماء على الربا فتبسمت
                     منها ثغور عــن عقائل جوهر
أهدى الربـيع إليه سكب سمائه
                     فكسا الثـرى من كل لون أزهر
ضحكت متون الأرض عند بكائه 
                     عن أبيض يقق يـروق وأصفـر
وكذاك لم تكشف سريرة روضة
                     يوما بأفصـح من غـمام ممطر
غـيث أرانا كـل نور ضاحكا
                     متطلـعا مـنها بـنور أنــور
متبختــر فـي مشيـه فكـأنه
                     ثان لهـا عطفا وكاسر محجـر
وكأنما زهــر الرياض كواكب
                     حسرت لنا عن كل أزهر مقمـر
تلك بعض النماذج الشعرية التي تبين لنا كيف كان شعراؤنا الأقدمون يستقبلون الربيع ويهتزون لعودة الطبيعة إلى شبابها ويطربون لرؤية الأزهار ذات الألوان المختلفة.

تقاليد احتفظت بنوع من الجدة
هذه الطريقة في الاستقبال والترحيب لم تفقد جدتها ولم ينفض منها شعراء هذا العصر يدهم، بحيث أننا لا نجد كبير فرق بين ما نظمه شعراؤنا عن الربيع في عهد العباسيين وما جادت به قريحة أحفادهم في القرن العشرين، فهذا شوقي لا يختلف كثيرا عن ابن زيدون أو ابن المعتز حين يقول في أبياته المشهورة:
مـرحبا بالـربيع في ريعـانه
                     وبأنـواره وطـيب زمـانـه
رفـت الأرض في مواكب آذا
                     ر وشب الزمان في مهرجـانه
نزل السهل ضاحك البشر يمشي
                     فيـه مشـي الأمـير في بستانه
عـاد حـليـا بـراحتيه ووشيا
                     طول أنـهاره وعـرض جنانه
لف فـي طيـلسانه طرر الأر
                     ض فـطاب الأديم من طيلسانه
وزيادة في تحقيق هذه الملاحظة وتمحيصها نحيل القارئ على قصائد أخرى لشوقي مثل «الربيع ووادي النيل» وقصيدته التي يصف فيها مشاهد الطبيعة وهو في طريقه إلى الاستانة والتي مطلعها:
تلك الطبيعة قف بنا يا ساري
                     حتى أريك بديع صنع الباري
وكذلك الشأن عند ما نلقي نظرة على قصيدة الرصافي «وقفة في روض» والتي يقول فيها:
نـاح الحـمام وغـرد الشحرور 
                     هـذا بـه شجـن وذا مـسرور
في روضة يشجى المشوق ترقرق 
                     للمـاء فـي جنـباتها وخـريـر
ومنها:
ماذا أقول بروضة عن وصفها
                     يعـيا الـبيان ويعـجز التعبير
عني الربيـع بوشيها فتنوعت
                     للعين أنـوار بـها وزهـور
مثلت بها الأغصان وهي منابر
                     وتلت بها الخطباء وهي طيور
وكذلك الزهاوي في موشحته «الربيع والطيور»،
 حبذا الروض في زمان الربيع
                     ان حسن الأزهار فيه طبيعي
مر فيه النسيم غير سـريع
                     فوق سطح مثل السماء بديع
فيه تزهو النجوم بالأنـوار
                     وشدا الطير منشدا بالبـديه
غزلا رائقــا تفـنن فـيه 
                     ايه يا طير أيه أحسنت أيـه
ان لحنا في الروض تسمعينه
                     هو أحـلى مـن نغمة الأوتار
والأمثلة كثيرة عند شعراء هذا العصر وكلها تدل على أن تقاليد الشعراء القدامى احتفظت بحيويتها على مر القرون وأن معانيهم وصورهم وأخيلتهم وحتى طرائقهم في التعبير لا زالت تستهوي شعرائنا المعاصرين ولازالت تؤثر عليهم وتلهمهم.
وليس معنى هذا أنه لم تكن هنالك محاولات للتجديد سواء في الفكرة وفي نظرة الشاعر إلى الأشياء أو في الطريقة التي يؤدي بها شعوره ويجعلنا نقاسمه إياه. ولكن الذي يهمنا الآن إثباته هو أن هنالك تيارا في الشعر العربي ظل قويا وساري المفعول إلى عصرنا هذا وتقاليد قديمة لم يستطع أكبر شعرائنا المعاصرين أن يتخلصوا منها ويتناسوها.
ذلك التيار وهذه التقاليد غذتها وظلت تغذيتها فلسفة هي وليدة المجتمع العربي الإسلامي الذي لم يتغير في جوهره طيلة القرون، رغم توالي الأحداث وتعاقب الثورات والانقلابات. نعم، لقد ظل المجتمع العربي الإسلامي إلى أوائل القرن العشرين لا يختلف كثيرا عن المجتمع العربي الإسلامي في العهد العباسي. ولذلك فإن التفكير الاجتماعي نفسه لم يتغير وأن النظرة إلى الحياة بقيت على حالها.
فما هي هذه الفلسفة ؟ وما هي مبادئها وقواعدها الأساسية؟ ذلك ما سنلقي عليه نظرة في أقرب فرصة.     

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here