islamaumaroc

الفنان المغربي والفن الحديث

  دعوة الحق

35 العدد

الأمر الذي لا جدال فيه أن كل قطر يهدف بعد حصوله على الاستقلال إلى بلوغ شخصيته الوطنية وتأكيدها في سائر المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، ويكون السير نحو هذا التأكيد هو سير نحو التخلص من رواسب الاحتلال الأجنبي.
ولكن الكيفية التي يجب أن يتم بها مثل هذا السير من الخطر أن تخضع لاعتبارات عشوائية، واختيار غير مدقق أو مدروس، ومن الملاحظ أن بعض البلدان ترتكب أخطاء كثيرة في هذا السبيل، منها السعي إلى إبراز الشخصية الوطنية في مظاهر عصرية مستعجلة سببه الطموح الحاد إلى التخلص من الشعور بالنقص إزاء البلدان الراقية، ويكون هذا المسعى المنحرف على حساب إهمال المقومات الأصلية للشخصية الوطنية للبلاد.
إن اتجاها كهذا لا يمثل الوسيلة السليمة للنهوض أو التخلص من آثار التخلف ورواسب الاحتلال. وإذا اخترنا واقع نهضة فن التصوير في المغرب ووضعناه في إطار هذه النتائج، لرأيناه للأسف يسير في أغلبية إنجازاته الحالية نحو هذه الطريق الخاطئة، إن فن التصوير المغربي يرمي إلى تأكيد ملامحه العصرية ليصبح مقارنا للفنون العصرية في دول الغرب، معتقدا أن استقلال المغرب والطموح إلى جعله دولة راقية يبرر له ذلك.
والشيء المؤكد أن فن التصوير المغربي في وضعه هذا إنما يعكس مرحلة من مراحل بحثه عن مقوماته، وعلى العموم فهو الآن تائه.. ضائع.. حائر، والمشكلة الرئيسية التي تواجهه هي استغراق أكثر الرسامين المغاربة في ممارسة أساليب الفنون الحديثة الغربية للأسباب التي شرحت آنفا.
إن أخذ التطورات العصرية والاستفادة منها بالنسبة لبلد حديث الاستقلال كالمغرب، شيء ضروري بلا شك ولك بشرط أن تكون هذه التطورات حصيلة مقومات جدية ناتجة عن ينابيع حضارية إيجابية إنسانية ومن الممكن أن تغذي أية ثقافة إنسانية بغض النظر عن موطنها.
فهل الفن الحديث في الغرب.. نتج عن تطور حضاري إنساني؟؟ إنه سؤال لا بد أن يلقيه على نفسه كل رسام مغربي قبل محاولته للبحث عن الملامح العصرية لإنتاجه الفني.
ما هو الفن الحديث في الغرب؟؟ إنه فن يعتمد على الاهتمام الصرف بالشكل فقط بكل ما يتضمنه هذا الشكل من عناصر لونية وخطية وتوزيعات مثيرة، أما الموضوع.. المضمون.. الفكرة. . فيهمل ويصرف النظر عنه ويصبح عنصرا ثانويا، وقد يهتم الفن الحديث أحيانا بالمضمون من النوع الخرافي كما يفعل الفن السريالي مثلا.
والرسام الحديث يشبه في ذلك، البلهلوان، حيث يتلاعب بمهارة بعناصر الشكل ويلجأ إلى تجديدات غريبة لظواهر سطحية بعيدة عن واقع الحياة.
ما سبب هذه الظاهرة، ظاهرة تنكر الفن الحديث للمضمون الإنساني الحياتي؟ من الممكن معرفة السبب لو درسناها في إطار الواقع التاريخي الحالي لحضارة 
الغرب الاستعماري التي هي حضارة الفئات البرجوازية في الغرب والتي تحاول أن تستمر بالاعتماد على استثمار الشعوب وسرقة خيرات بلادنا، إن مقومات بقاء هذه الحضارة فقدت بالتالي مظهرها الإنساني، وهذه الصفة البشعة تنعكس بصورة تلقائية على سائر منجزات تلك الحضارة ومنها المنجزات الثقافية التي يمثل الفن أحد عناصرها.
إن الحضارة الإنسانية التي تسعى لخير البشرية تجعل المضمون الوطني الحياتي للفن أساسا، أما الشكل فهو وسيلة للتعبير وخاضع لمقتضيات المضمون، أما الحضارة الاستغلالية الاستثمارية فإنها تحطم المضمون وتهمله وتلفظه وتكتفي بالشكل لتجعل منه الأساس الذي تطرح بواسطته عندياتها. وهو أمر يزداد استفحالا عندما تشرف هذه الحضارة على الانهيار وتبدأ بمعاناة مخاض مصيرها الأخير. إن الحقيقة التي يدعمها المنطق التاريخي تؤكد أن الاهتمام بالشكل واحتقار المضمون لأي نشاط إنساني ظاهرة من ظواهر تحلل الحضارات التي فقدت أسسها البنائية.
ولنأخذ كمثال، منجزات الحضارة العربية عندما أحكمت عليها عصور الانحطاط ودخلت في عهود الظلام.
نرى الأدب العربي يفقد مضمونه الحي ويصبح بهلوانية شكلية تعتمد على التلاعب بالألفاظ واختيارها والبحث عن موسيقاها السطحية، والمقامات التي اختارت سبيل السجع اللفظي نموذجا لهذا الانحراف المؤلم.
بل وحتى مظاهر الحياة الدينية التي كانت منطلقا للحضارة العربية، فقدت في ذلك الطور مضمونها الديني النبيل لتصبح طقوسا شكلية وأوهاما خرافية وتصوفا بليدا.
إن كل نشاط إنساني للحضارة العربية وعلى الأخص مظاهرها الثقافية، في عصور الانحطاط، قد فقد مضمونه الحياتي البناء، وبقي هيكله القشري وشكله الخارجي الأجوف يتفنن المفكرون الشكليون في تزيينه.
هناك ولا شك أعمال فردية قد تكون شذت عن هذا الانحراف، كمؤلفات ابن خلدون، ولكنها كانت تبدو كظواهر شاذة بالنسبة للقاعدة العامة السائدة. إن الفن الحديث في الغرب إذا فهمناه على أساس هذا التحليل الحضاري، وإذا وضعناه في إطار الواقع التاريخي الحالي للحضارة البورجوازية للغرب الاستعماري، عرفنا أنه تعبير عن إفلاس ثقافة وتحلل حضارة تشرف على الموت لم تعد تستجيب لما تحتاجه الشعوب من قيم بناءة تعينها على كفاحها في سبيل بناء حضارة جديدة تستمد بقاءها من التعاون والتآخي والسلام وليس من الاستثمار والعدوان والحرب.
ولكن روح الإنصاف يجب أن تدفعنا ونحن ندين حضارة الغرب الاستعماري ومنجزاتها الثقافية إلى أن نشير إلى ناحية إيجابية من هذه المنجزات، وهي التطورات التكنيكية العلمية التي تنعكس في الفن الحديث بظهور اتجاه منه يعتمد على أسس عليمة يخضع لها تنظيم عناصر الشكل، وهو اتجاه مفيد وضروري للحياة المعاصرة، كالفن التجريدي العلمي الذي نرى تطبيقاته متداخلة في فنون البناء والعمار والإعلانات وطوابع البريد وأثاث المنازل وتنظيم المعارض الدولية ولعل معرض بروكسيل الدولي بالأجنحة التي ضمها كان نموذجا رائعا للتطبيقات الإيجابية للفن التجريدي العلمي.
وحتى لو استفيد من أساليب هذا الفن في منجزات فن التصوير، فمن الضروري أن تظل هذه الاستفادة خاضعة لمقتضيات المضمون دون أن تفقد كونها وسيلة للتعبير ولتنظيم عناصر الشكل في الصورة، من توزيع ألوان وتنسيق المساحات وربطها وتوازن محتويات المضمون، الأمر الذي يجعله أقوى تعبيرا وأصدق تأثيرا.
من خلال هذا المنظور للفن الحديث يمكن للفنان المغربي أن يواجهه، أي أن يواجهه عن تفكير علمي تاريخي ليعرف ما يختار منه وما يلفظه.
أما إذا انغمس فيه بدون هذا الوعي ولمجرد الطموح الطفلي المنحرف إلى الأخذ بمظاهر عصرية للفن لها وجوه فوضوية كثيرة خادعة، فإنه بذلك سيقع أسير فوضى فنية وهستيريا مؤلمة تحطم الأسس الأنانية الوطنية الأصيلة لمواهبه.   
إن كثيرا من المغاربة للأسف يعانون الآن هذه الأزمة، حيث يتسارعون لممارسة وتقليد الفن المغربي الحديث دون وعي منظم علمي، مهملين تماما المضمون الفكري لأعمالهم جاعلين من الشكل الأعمى أساسا وهم بذلك يرتكبون خطأ فادحا في حق الفن المغربي الوطني الناشئ الذي يجب أن يعبر عن مقومات شعب يريد المساهمة الجدية في بناء الحضارة الإنسانية الجديدة التي تنشط الشعوب من أجل إبراز معالمها.
إن الفنانين يرتكبون خطأ فادحا في حق ثقافة بلادهم بارتمائهم غير الواعي في غياهب اتجاهات فنية حديثة تعكس انهيار حضارة يغذيها الاستعمار.
إن المضمون الحياتي الواقعي ضروري جدا للفن المغربي في مرحلة الجنينية الحالية .
إن ثقافة الغرب الآن نتيجة لتحلل النظام الذي تقوم عليه، تعاني تمزقا عميقا وأمراضا مستعصية، وهي في أمراضها هذه تتقيأ كثيرا من القيم الثقافية والفنية المخربة وقليلا من القيم الجدية الإيجابية.
والفنان المغربي الذي يبحث (العصريات) ويريد أن يبدد مواهبه البكر في الملامح الفوضوية المظلمة للفن الحديث، يشبه إنسانا يريد أن يتغذى من فيء كائن يحتضر.
وبعد.. فإنها حقائق مؤلمة أوحى بها المعرض الأخير للرسامين المغاربة الناشئين الذي أقيم في الرباط، والذي كان في أغلب الأعمال التي ضمها احتفالا مريرا بالوجوه المظلمة للفن الحديث.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here