islamaumaroc

الدستور المنتظر

  دعوة الحق

35 العدد

من الحركات الموفقة التي دخلت في حيز التاريخ وأحيطت بجو من الحماس البالغ والتصفيق المتناهي تصيب المجلس المعين للاشتغال بوضع مشروع الدستور من قبل جلالة الملك المعظم.
ولهذا السبب ألقى حفظه الله خطابا حدد فيه الخطط الرئيسية التي يرتكز عليها الدستور المنتظر معبرا بذلك عن حقيقة المغرب ووضعه الصحيح، وتقدمه المنشود.
كم أوضح جلالته أنه بعد الفراغ من صياغته وتقديمه سيتولى عرضه بذاته الكريمة على شعب المغرب ليقول فيه كلمته الأخيرة والمقبولة.
وهكذا يكون القصد الصحيح والعمل الديمقراطي الذي يتبرأ من حيف الاستبداد ويتحقق به موضوع الصالح العام.
ومما هو ملاحظ أنه بعد اقتحام هذه الخطوة المباركة أصبح الناس ينظرون إلى المجلس بعين متبصرة ويضعونه أمام مسؤولية جسيمة، وتجربة خطيرة في حياة البلاد.
ولا عجب فالمغاربة الذين يترقبون صنع الحقوق الدستورية وهم يعدون بالملايين يعتزون كل الاعتزاز ببيئتهم، وقوميتهم، وعقيدتهم، ويجاهدون في سبيلها بعزيزهم ونفيسهم.
ولذلك فمن العدل مراعاة الشعور الوطني والقومي في صنع الدستور حتى يكون مطابقا لما تجيش به صدورهم، وتومن له قلوبهم، وحتى يكون مبنيا على الأسس الطبيعية والتاريخية للبلاد وهو التي نص عليها الخطاب الملكي الشريف –وهي التي عاش المغرب مكافحا من أجلها قرونا متطاولة ومتباعدة- وتاريخه السياسي حافل بمآثر الحضارة العربية والإسلامية وشاهد صدق على تمسك المغاربة بهذه الدعائم وافتخارهم بها طيلة التاريخ –فلا سبيل إلى الخروج بهم عن صبغتهم وحقيقتهم ولا إلى تحويلهم عن وجبتهم وقبلتهم.
ومن شأن القوانين الداخلية أن تنبت من داخل البلاد لتلتقي مع العادات والطبائع والعقائد فلا ترتبك الحياة ولا تتعطل المصالح ولا تتساقط الفضائل.
ونحن الآن بحول الله مقبلون على خوض معركة جديدة، وتحمل تبعة عظيمة فلا بد من شجاعة كافية لتحقيق دستور إسلامي يراعى فيه تاريخ ونظام المغرب العربي المسلم – ويراعى فيه التطور الصحيح والرقي المتين الذي يحمي ساحة الدين والأخلاق، ويرفع مستوى الحياة والأفكار، ويحفظ الحقوق والواجبات، ويوضح شكل الدولة والحكومة، وينظم السلطات المختصة والعلاقات الاجتماعية.
وكل من حاول أن يتنكر لهذه المبادئ النظيفة فإنه لا محالة ستطوح به الطوائح ويبوء بغضب الله وبغضب الشعب.
وكتاب الله العزيز وسنة رسوله الكريم هما المصدر الأول للدستور الإسلامي وهما المرجع الحقيقي في حل مشاكل الحياة وفض التنازع الطارئ.
وكذلك أعمال الخلفاء الراشدين، وأفكار العلماء المجتهدين الذين لا يخرج اجتهادهم عن قواعد الإسلام الصحيحة ومبادئه الثابتة.
ومما لا ريب فيه أن الإسلام نظام عملي يقوم في سائر الوجوه والأحكام على خلاف ما يظنه الجاهلون أنه بعيد من الحياة قريب من العبادة –كبرت كلمة تخرج من أفواههم أن يقولون إلى كذبا- بل الكون والحياة والإنسان في نظره وحدة متناسقة متعاونة بحكم صدورها عن إرادة واحدة مطلقة كاملة.
فلا يمكن لمن آمن به أن يخرج عن روحه ونظامه، ولا يصح التبعيض في أحكامه وشرائعه، ولا يغني التمسك به في الأقوال دون الأعمال وصدق الله العظيم الذي يخاطب رسوله بقوله «ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون».
والدستور الإسلامي وان كان غير مؤلف ولا مجموع في فصول معروفة ومواد مخصوصة فهو في حكم المجموع بمصادره التي تتوفر على قواعد دستورية، ومبادئ أساسية في مختلف حياة الإنسان.
وقد كتب فيه بعض العلماء كالماوردي في الأحكام السلطانية –وابن خلدون في مقدمة تاريخه فصولا عن المميزات العامة للخلافة، وحدود سلطها، وكيفية تعيينها وأعمالها –أما أعمالها فتقوم على أساس الشورى في الأمور المهمة – والشورى من أبرز التعاليم الإسلامية ومن الأنظمة الديمقراطية كما يقال – وأما مميزاتها فضرورية- وموحدة – ومطبوعة بطابع الدين، وأما سلطها فالإشراف على التشريع –وإقامة القضاء- وتأمين الدولة وسلامتها.
وعلى أية حال فيحق استخدام الطاقات، واستغلال الكفاءات المختلفة لبناء دستور صحيح ومناسب لروح العصر والشرع غير مأخوذ ولا منسوخ.
ومن الأحسن أن تفصل أبوابه تفصيلا يتضمن كثيرا من الموضوعات الهامة حرصا على إعطائها قيمة دستورية لما له في النفوس من سطوة وهيبة ولما له من قوة خاصة تجعله يتفوق على ما سواه من القوانين وكلها يجب أن تسير بجانبه ووفق إشارته وحكمه، ولأن الدولة حرة في أن تكيف دستورها بما تراه ملائما لمصالحها الاجتماعية – والإقتصادية-والسياسية، وإلى ذلك كله فليست العبرة بوجود قانون دستوري وإنما العبرة بوجود مواطن صالح مومن بأحكام الدستور قائم على ترتيبه وتطبيقه بإخلاص حتى يتوافق القانون والواقع وتتساوى الأمة في الحقوق الأساسية والمدنية، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here