islamaumaroc

الثقافة والفكر في العصر الوطاسي من خلال كتاب الأستاذ محمد بنشقرون "الحياة الفكرية المغربية تحت المرينيين والوطاسيين"

  الحسن شاهدي

العدد 337 ربيع 2-جمادى1 1419/ غشت شتنبر 1998

يتوخى هذا البحث (*) غايتين :
• أولهما : محاولة إلقاء الضوء على زوايا مختلفة من ثقافة وفكر وأدب هذه الفترة.
• ثانيهما التعريف بمجهود الأستاذ بنشقرون في الكشف عن ثقافة وفكر العهد الوطاسي بعد أن تخطى الكثير من الدارسين هذا العصر، ووسموه بالغموض والضعف والانحطاط.
ومن أجل مقاربة هذا الموضوع يحسن التوقف مع آراء بعض الدارسين المعاصرين، واستشارة المصادر الموضوعية القليلة، ليتأتى بعد ذلك النظر في مدى قيمة المعلومات والفوائد التي يضمها كل من كتاب الأستاذ بنشقرون، وبعض المصادر غير الموضوعية.

I موقف الدراسين من فكر وأدب العصر الوطاسي :
إذا استعرضنا المؤلفات التي وصفت الحياة الثقافية والحضارية والفكرية والأدبية بالمغرب، في مختلف العصور، ندرك – مع الأسف – ما تعرض له العصر الوطاسي من غبن وتهميش وإلغاء، ولعل الكثير من هؤلاء الباحثين والدارسين، بنوا أحكامهم على المستوى الفكري لهذا العصر، انطلاقا مما كان يعيشه المغرب آنذاك من حروب، وفتن، وأزمات اقتصادية وسياسية، نتيجة الأطماع الأجنبية الصليبية، واحتلال الثغور المغربية، أو التصارع على السلطة بين الوطاسيين والمرينيين من جهة، وبين الوطاسيين والسعديين من جهة ثانية، فكانت أحكامهم مجرد استنتاج لم يتوصلوا إليه بالدراسة والبحث؛ ومن هنا فإن الذين أشاروا إلى هذه الفترة، وصفوا الفكر والأدب بالانحطاط والجمود والفراغ.
1- فلقد ذكر الأستاذ احمد النميشي في بداية القرن العشرين، وهو بصدد رصد تطور الأدب والفكر في العصور المختلفة، أن الوطاسيين "لم ير لمغرب أقبح من أيامهم، إذ فيها انطمست معالم الأدب، وكثر سفك الدماء، وتعدد الثوار". (1)
ونفس الرأي تقريبا تبناه الأستاذ عبد الله كنون حين يرى أن الثقافة قد اعتراها الوقوف (2) وأن الحركة الأدبية قد وقفت وقوفا كليا (3)
3 ‏- أما الأستاذ محمد حجي فيصف العصر كله بالضعف، سياسيا وفكريا يقول ‏«بلغ الغرب الإسلامي في النصف الثاني من القرن التاسع وأوائل القرن العاشر حدا من التدهور والانحلال لم يصل إليه قط .(4 ‏)
4 ‏- لكن الأستاذ إبراهيم حركات. وبالرغم  من اعتداله، يرى أن العصر الوطاسي كان أقل من غيره نشاطا في العلم والأدب والفكر. يقول : «لم تتوقف الحركة الفكرية في العهد الوطاسي، ولكنها تراجعت من بعض الوجود، فلم ينجب المغرب قي هذا العهد عددا كبيرا  من العلماء الفطاحل«.(5)
5- أما مؤلفا الأدب «المغربي»، فيصلان يعد استعراض بعض النماذج ومقارنتها بغيرها إلا أن الأدب قد جف ماؤه، وذهب رونقه، جاء في هذه الخلاصة: «و بالجملة، فإن الأدب ؤ أواخر القرن الثامن والنصف الأول من القرن التاسع، قد كان على العموم منحطا لدرجة عظيمة، فلم نجد به كاتبا او شاعرا يستحق هذا اللقب عن جدارة، وإنما وجدنا في ذلك العهد شعراء أو نظامين على الأصح ينظمون الكلام، نظما ليس فيه إلا اللفظ المركب المفيد في أحيان، وغير المفيد أحيانا أخرى، وكلاهما لا يخاطب وجدانا، وإن خاطبه فإنما هو مردد للغة غيره».( 6 ‏)
‏إن هذا التصور للفكر والأدب، في هذا العهد، هو الذي حذا بمؤرخي الأدب المغربي إلى القفز على هذا العصر، واعتبار الحديث عنه لا يقدم إضافة أو فائدة، من  هنا تأتي أهمية كل من كتاب الأستاذ بنشقرون
بعنوان: «الحياة الفكرية المغربية في عهد المرينيين والوطاسيين  « وكتاب المرحوم بن تاويت بعنوان: «الوافي بالأدب العربي في المغرب الأقصى».

II-  والسبب في هذه الضبابية التي لفت العصر، وحجبت عنا أخباره وثقافته وأدبه، يرجع إلى قلة بل انعدام ما ألف عنه في ذلك الزمان.
‏فأبو عبد الله محمد بن علي الشطبيي (تـ :963 هــ) الذي يقول عنه ابن عسكر إنه «ألف في علم التاريخ تأليفا عجيبا » (7) ولعله يقصد «كتاب الجمان في مختصر أخبار الزمان».
‏ولقد كان بالإمكان سد بعض الثغرات في أخبار هذه الفترة، لولا أن مؤلفه وقف به عند نهاية الموحدين،( 8 ‏) ويبقى المصدر الوحيد لهذه الفترة. هو نظم أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الكراسي (تـ: 964 ‏هـ) المعنون بــ : « عروسة المسائل فيما لبني وطاس من الفضائل» (9 ) تحدث الكراسي في هذه المنظومة التي تربو على أربعمائة بيت عن الأحداث السياسية في عهد بني وطاس وما شابهها من فتن وأهوال واضطراب وحروب... إلا أن هذا المصدر لا يفيدنا في التعرف عل الأحوال الثقافية، والفكرية، والأدبية بما يكفي. (10 ‏)
‏أما الدراسات و الأبحاث التي اختصت بالوطاسيين - في عصرنا الحديث - فتتمثل في عملي المستشرقين الفرنسيين  ( Auguste cour) و ( Robert Ricard)   فالأول ألف في تاريخ الوطاسيين كتابه المعنون "بالدولة المغربية الوطاسية»، (11)  معتبرا الفترة التي حكمتها تمتد من سنة (823هـ/1420 م‏) إلى سنة ‏(961 هـ / 1554 م)
‏وهكذا يدخل فى الحكم الوطاسي عهد كل من عبد الحق بن أبي سعيد المرينـــــــــي،(12) وأبي عبد الله الإدريسي العمراني الجوطي( 13 )،(أي من 3 82 هـ إلى 73 ‏8هـ) والفترة التي كان فيها الصراع على أشده بين الوطاسيين  والسعديين منذ تولي أبي حسون بن محمد الشيخ( 14) (932- 961 هـ)
‏أما (روبير روكار) فقد نشر بمجلة «هسبيريس" سنة 1936 ‏بحثا مهما(15) تحدث فيه عما واجهته الدولة الوطاسية، في الفترة الأولى من حكمها. من مشاكل داخلية وخارجية.
‏وإذا كان عمل كل المستشرقين هاما من الوجهة التاريخية خاصة بحث (ريكار) الذي وظف فيه الشهادات التاريخية البرتغالية، فإن الفراغ ظل ماثلا في الجانب الفكري والثقافي والأدبي. لذلك نعتبر أن "مؤلف" الأستاذ محمد بنشقرون قد سد هذه الثغرة، فأمدنا بمعلومات مهمة عن الفكر والأدب في العهد الوطاسي.

III- كتاب "الحياة الفكرية المغربية تحت المرينيين والوطاسيين":
‏منذ صدور هذا الكتاب، ( 16 ) وهو مرجع لا يستغنى عنه في العهدين المريني والوطاسي، فاحتل مكانة هامة لدى الباحثين في فكر وأدب الوطاسيين على الخصوص.
‏وأول ما يلاحظه القارئ، هو أن المؤلف عطف ‏الوطاسيين على المرينيين ، وهذا يعني أنه يعتبر الوطاسيين فترة مستقلة، وعصرا خاصا. بخلاف ما كان سائدا من اعتبارهم ذيلا للمرينيين ، من هنا حاول النبش في تاريخهم الثقافي والفكري والأدبي، فوفق للكشف عن كثير من معالم ومكونات الحياة الفكرية عامة، مما يجعلته من الأعمال الرائدة في هذا الباب، ‏ومنهجه في هذا الكتاب يقوم على أمور  ثلاثة:
‏* الأمر الأول : سوقه للمقدمات التأطيرية التي أنارت جوانب  كثيرة  من القضايا المختلفة، فتناول في هذا المجال: 
‏أ-  تاريخ الوطاسيين(17 ‏)، و لقد نبه منذ البداية إلى أن المعلومات المعروفة عن هذه  الفترة لا تشفي الغليل، لأن الذين تناولوا ذلك وهم قليلون - لم يهتموا بغير التاريخ السياسي ‏الحربي، و ظروف الغزو والاحتلال، وإن أشاروا في بعض الأحيان إلى توسع  الحركة الصوفية والطرقية.
‏ب- العمل الثقافي والأدبي: ( 18 ‏) ويسجل في البدء ان الملوك الوطاسيين عملوا على إنعاش الأداب والعلوم، وتشجيع الأنشطة الفكرية والدينية. فأتاحوا الفرص ووجهوا البحث، ونشروا التعليم، وشجعوا على التأليف، وأثروا المكتبة المغربية بتحبيس الكتب على الخزائن العامة، بالرغم من الصراعات الداخلية ومقاومة الاحتلال والغزو،(19) ‏فانصرف الكل إلى الطلب والتحصيل، والجلوس إلى شيوخ العلم في المراكز التعليمية المختلفة كالمدارس. والمساجد. والزوايا، وجامعة القرويين....
‏وفي رأيه أن الفكر الوطاسي متوشح بالدين،(20 ‏) لذلك يحتل  الفقه المرتبة الأولى في المواد المدروسة متبوعا بالتصوف.
‏ومن هنا، فكيفما كان تخصص المثقف، عليه ان يكون متضلعا في الفقه، متمكنا من علمية الأصول والفروع.
‏ويشير المؤلف إلى أنه مما أنعش الحياة الفكرية - إضافة إلى تشجيع الملوك - عاملان مهمان( 21 ‏) أيضا أولهما توافد المشارقة والأندلسيين على المغرب.
 وثانيهما: انتعاش التعليم الذي استفادت منه جميع الشرائح من طلاب، وعلماء، وفقهاء، وعامة وحرفيين .... وهكذا يقدم تفاصيل ومعلومات وتحديدات هامة عن الأساتذة والطلاب والكتب الدراسية، والمواد المدروسة، والبرامج، والمناهج، والإجازة العلمية...
‏ثم عقد المؤلف بابا كاملا ( 22 ‏) للسمات العامة للحياة الفكرية في هذه الفترة، ومن هذه السمات في نظره:
‏أولا، منهج التأليف( 23) وهو نوعان:
- أولهما: اهتموا فيه بالمؤلفات الوافدة من المشرق عن طريق الشرح أو التلخيص.
- وثانيهما: التأليف في موضوعات مختلفة.
‏وفي كلتا الحالتين، كانوا يمتلكون منهجا صارما في جميع المواد والفنون التي خصوها بالتأليف كالتاريخ
والترجمة الأدبية، والترجمة المنقبية، وتاريخ الأسر الحاكمة، والفهرسة، والفقه، والنوازل.
‏ثانيا : الشعر،( 24 ‏) ويسوق في مقدمة حديثه عنه ما هو معروف من أن الشعر عند المغاربة يأتي  المرتبة الثانية بعد الفقه وغيره من العلوم، ويرى أن من بين الفنون الشعرية التي نمت وازدهرت في العصر الوطاسي فنان بارزان هما:  ‏الشعر الديني المتمثل في «المولديات والتصوف » ،ثم  الشعر الشعبي المعروف «بالملحون».
‏ومن أهم الشعراء الممثلين لهذه الفترة - في نظره - خمسة شعراء تنسب لهم نماذج فصيحة وزجلية.
‏وهؤلاء هم عبد الواحد الونشريسي، وابن عبود، وابن يحبش التازي، ومحمد بن يحيى البهلولي، وأبو عبد الله ‏الهبطي  
‏ثالثا : النشر الأدبي (25)، ويميز فيه بين نشر ‏مرسل بسيط،  و نشر في مسجوع.
‏رابعا: التصوف(26 ‏) - بنوعيه الشعبي، والعلمي - كان يسود العصر ، فني الحواضر والبوادي، ولذلك كثرت الطرق والاتجاهات، فهناك التصوف السني والبدعي ، وتصوف الطرقيين.
‏وأهم ما يثير الانتباه. هو أن هذه الفترة أفرزت كتابات عديدة في التنظير الصوفي، وفي انتقاد ما شاب التصوف من بدع، فعملت هذه الكتابات على تجديد الفكر الصوفي وتنقيته من البدع والخرافات التي بدت في سلوك المتصوفة الطرقيين والعوام.
‏• الأمر الثاني: الذي اهتم به المؤلف. واعتنى به في تقديم العصر، ورسم معالمه وملامحه ، هو ترجمته للأعلام على اختلاف تخصصاتهم، من فقهاء، وعلماء، وأدباء، وشعراء، ومتصوفة.
والحديث في العلم حديث شامل تتناول فيه جوانب هامة لشخصية ذلك العلم من تكوين و تعليم، وما حصل ‏عليه من لم إجازات وما قرأه من كتب، وما أنتجه من مؤلفات أو أشعار. وما قام به من أعمال . كالتدريس ، والقضاء، والإمامة، والإفتاء ‏والجهاد...
‏فالتراجم من أهم ما يعرفنا بالعصر: فكريا، وعلميا، ‏وأدبيا، ولهذا يولي الدارسون أعلام الفترة التي يدرسونها أهمية كبيرة.
‏يقول الأستاذ محمد بنشريفة : « ‏و يخيل إلى أن بناء أي عصر أدبي بناء محكما لا  يتم إلا بعد دراسة أعلامه الذين هم كالأحجار للبناء، أر اللحمة والسدى  للنسيـــــج». (27)
‏ومن هذا المنطلق ترجم الأستاذ بنشقرون لأكثر من أربعين علما من العصر الوطاسى، وأهمية هذه التراجم، تتجلى في أن كثيرا من هؤلاء الأعلام لا نعرف عنهم إلا إشارات هنا و هناك، لذلك فاغلب هذه  التعاريف اعتمد فيه على إنتاج المعرف به. ومن هنا اختلفت التراجع طولا و قصرا.(28 ‏)
‏* الأمر الثاني : التعريف بالمؤلفات المختلفة التي تنتمي للفترة المدروسة، ومعظمها مازال يقبع في رفوف المكتبات. ينتظر من يزيح عنه الغبار للنشر والتعريف. واختلفت طريقته في التعامل مع هذه المؤلفات، فالبعض قد حلله  و  ‏ذكر مضامينه، بينما اكتفى أحيانا بالإشارة إلى أرقام البعض الآخر في الخزائن المختلفة داخل المغرب وخارجه، فزاحم الكتاب بذلك فهارس المخطوطات.

IV -مصادر الفكر والأدب في العهد الوطاسي :
‏وبالرغم من قيمة هذه المعلومات وأهميتها في الكشف عن جوانب مختلفة من العصر الوطاسي، فإن كثيرا من الأعلام والنصوص، مازالت مجهولة لم نهتد إليها بعد، وعن هنا تأتي أهمية المعلومات الواردة عرضا في بعض مؤلفات العصر ككتب الفهارس والمناقب، والفقه، والنوازل، والتصوف...
‏ومن هذه المؤلفات / المصادر نشير ما يلي :
1 - مؤلفات ابي الحسن علي ابن ميمون الغماري ‏(تـ :  917هــ ‏_) وخاصة منها :
‏« رسالة الإخوان من حملة الفقه والقرآن»(29)
‏«الرسالة المجازة في معرفة الإجازة»(30 ‏)
‏- بيان غربة الإسلام بواسطة صنفي المتفقهة ‏والمتفرقة من أهل مصر والشــــــــــام»(31)
‏2- «وصف إفريقيا» للحسن بن محمد الوزان ‏الفاسي (32)  (تــ : 957 هــ )
‏3-  «الروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون» ( 33 ) لأبي عبد الله محمد ابن غازي (تـ 919هـ).
4 - «كتب الفهارس»، وهي مهمة في معرفة الأسانيد العلمية، والكتب المعتمدة في التدريس، والنصوص المختلفة كالقصائد، والمقطوعات والرسائل، والاٍجازات، وبعض الأخبار التاريخية والعلمية ....
ومن أهم "فهارس" هذا العهد:
- "كناش" أبي العباسي أحمد زروق البرنوسي الفاسي (34) (تـ: 899).
- "فهرس" أبي عبد الله ابن غازي(35) (تـ: 919هـ).
- "ثبت" أبي جعفر أحمد البلوي (36) (تـ: 935هـ).
- "فهرس" أحمد المنجور(37) (تـ:995هـ).
5- "كتب التراجم". ويتعلق الأمر بكتابين مهمين يعدان مصدرين لأعلام الأدب والتصرف والعلم والفقه، وهما:
- "دوحة الناشر" لابن عسكر الحسني الشفشاوني"(38) (تـ:986هـ).
- "نيل الابتهاج بتطريز الديباج" لأحمد التنبكتي(39) (تـ:1036).
واٍن نظرة اٍلى هذه المصادر المذكور وغيرها من كتب أخرى في الفقه والنوازل تجعلنا ندرك أن العصر، لم يكن بتلك الصورة الحالكة: فكريا ، وثقافيا، وأدبيا، فمكونات الثقافة العلمية والأدبية، حاضر بالقدر الذي لا نقبل معه تلك الآراء المتسرعة التي تسم الفترة بالجمود والتأخر، فالعلماء- كما يقول محمد العابد الفاســـــي-: "كانوا في مركز ممتاز في عهد كثير من الوطاسيين، وكان للكثير منهم القول الفصل في ميادين السياسية والدفاع الوطني".(40)
ويمكن اٍبراز المستوى الفكري والأدبي لهذه الفترة – اضافة اٍلى ما ورد في كتاب الأستاذ بنشقرون – بالوقوف على أهم مظاهر الحركة الفكرية والأدبية. ومن هذه المظاهر:
أ- النشاط التعليمي:
فمن خلال ما يذكره كل من ابن ميمون الغماري ، والحسن الوازن الفاسي، يتبين أن هناك اٍقبالا متزايدا على الدرس والتحصيل في المراكز الثقافية المختلفة، بدوية وحضرية.
يذكر ابن ميمون الغماري (41) أنه تم له ببلده غمارة في شمال المغرب التمكن من الاٍلمام بالكتب الأساسية في علوم القرآن، والفقه، والفرائض، والحساب، والنحو... فلما انتقل اٍلى فاس – وهو ما هو عليه من حفظ القرآن والمتون، وتمثل قضايا العلوم المختلفة – انبهر بالمستوى العلمي الذي وجده هناك. يقول : "فلما اتيت اٍلى فاس وجدتها روضة من رياض الجنة".(42) اتيت اٍلى فاس وجدتها روضة من رياض الجنة "(42) وذلك بكثرة مجالس العلم ودروسه، والاجتهاد في الطلب، والتنافس في التحصيل، وكثرة العلماء المدرسين، ذكر ستة وعشرين من الذين تتلمذ عليهم في القراءات، والفقه، والتفسير، والحديث، والنحو، والفرائض، والجبر، والحساب، والسيرة النبوية، والتوحيد، والعروض، والشعر، والمنطق، وعلم الهيئة، وعلم الوقت والتعديل، والطلسمات، وعلم الأوفاق، وسر الحرف ...
ويعرض اٍلى تلهف الطلبة لحضور مجالس العلم، وحرصهم على التدوين والكتابة، وملازمتهم لدروس العلماء في كل وقت وحين قائلا في هذا الصدد:
"وكنت مع أبناء جنسي في اجتهاد في المطالعة والدرس والحفظ والمكابدة ليلا ونهارا، فكان دأبنا في زمن الشتاء لا نأكل طعاما من الليل اٍلى الليل لكثرة المجالــــــس ".(43)
وتحسن الاٍِشارة اٍلى أن ابن ميمون قصد فاسا بعد أن كان استكمل تكوينه في العلوم الاٍسلامية، وتولى منصب القضاء بشفشاون،(44) فلم يمنعه كل هذا من تواضعه للعلماء، وجلوسه اٍلى حلقاتهم، وكان هذا دأب علماء وقته، مما خلق جوا تنافسيا في مجال العلم والمعرفة.
ومن هنا يؤكد على أهمية فاس العلمية في العالم الاٍسلامي عامة، وبأنه لم ير لها نظيرا في البلدان التي زارها. يقول في رسالته المسماة:" الرسالة المجازة في معرفة الاٍجازة" : " فمنذ خرجت منها- اي فاس – وذلك في جمادى الأخيرة من سنة اٍحدى وتسعمائة اٍلى تاريخ هذا الكتاب ما رأيت مثلها، علمائها".(45) ومن أهم ما أعجب به في هذه المدينة، هو الخزانة، وما تحتويه من الكتب الكثيرة في مختلف الفنون والعلوم يقول: "والكتب كثيرة لا تكاد تحصى اٍلا بمشقة من كل فن من فنون العلم، وهذا شيء ما رأيته في بلاد المشرق من الشام والحجاز وبلاد الترك ".(46)
وهكذا ، فمن خلال وصف ابن ميمون لأحوال الثقافة والتعليم، في أواخر القرن التاسع الهجري، نتبين الظروف التربوية الجيدة التي كان العلماء والطلبة يشتغلون فيها، ويواصلون الليل بالنهار في الطلب والتحصيل.
ولعل هذه الظروف نفسها، لم تتغير في أوائل القرن العاشر الهجري من الاهتمام بالعلم والعلماء، والتشجيع على الطلب والتحصيل، فالحسن الوزان الفاسي ينوه بالحركة التعليمية النشيطة آنذاك، ويقدم لنا معلومات مهمة عن المراكز التعليمية، وعن المواد والعلوم الملقنة، وانصراف الجميع للتحصيل بالرغم من تقلص المنح والعطايا، لتأثرها بالأحوال الاقتصادية نتيجة الأزمات والصراعات والحروب ... يقول :"في كل مدرسة أساتذة لمختلف العلوم ، فهذا يلقي درسه في الصباح، وذلك في المساء، ويتقاضون جميعا مرتبات حسنة أوصى بها مؤسسة المدرسة، وكان كل طالب من طلبة الزمن الماضي معفى من مصاريفه ولباسه مدة سبع سنوات، أما الآن،  فلم يبق له غير السكن ".(47)
ولم يتوقف هذا النشاط التعليمي حتى في أوقات التعبئة، واٍعلان التطوع للجهاد، حيث نعثر في تراجم علماء هذه الفترة على مواقف رائعة في أيام الحصار والغزو الأجنبي، أبلى فيها العلماء والطلبة البلاء الحسن دون أن يصرفهم ذلك عن العلم وحلقاته، اٍذ وزعوا أوقاتهم بين العلم- تدريسا وتأليفا وإجازة وإفتاء- والجهاد في سبيل لله، لإيقاف المد الصليبي، والمرابطة في الثغور.(48)

ومن هؤلاء العلماء:
.أبو محمد عبد الله الورياجلي(49)(تـ :910هـ) الذي كان من عادته أن يشتغل بالتدريس في فصلي الشتاء والربيع، ويرابط بالثغور الهبطية في فصلي الصيف والخريف.
-أبو عبد الله محمد ابن غازي (50) (تـ:919هـ) العالم الفقيه، تذكر له مواقف جهادية رائعة، يكفي أن آخر نشاط له في حياة جهاد المحتل ومقاومته بأصيلا.
-أبو عبد الله محمد بن يحي البهلولي(51)(تـ: 930هـ)، وهو ممن رابط بالثغور، وسخر أزجاله للحث على التطوع للجهاد، فلقد كان كما يقول ابن عسكر: "ممن لازم باب الجهاد، وفتح له منه، وله فيها أشعار وقصائد جليلات وغيرها".
ولائحة العلماء المجاهدين طويلة، لا يمكن الاٍلمام بها ، واٍلا اضطررنا لذكر جل علماء هذه الفترة، فالناصري أشار اٍلى مجموعة من هؤلاء استشهدوا أو أسروا في ذلك الوقت. (52)
وكان لهذه الحركة الجهادية آثرها في ازدهار غرض أدبي مهم، وهو أدب الجهاد، سواء كان شعرا فصيحا، أو زجلا، أو نثرا فنيا، أو تأليفا... وتنوع هذا الأدب بين الاستصراخ، والحماسة، والوصف.
ومن أهم الذين تعرف اٍنتاجاتهم في الأدب الجهادي، يمكن أن نشير اٍلى بعض من لهم أشعار أو أزجال، أو مؤلفات من هؤلاء:
- أبو عبد الله محمد بن العنابي الدرعي .(53)
- أبو العباس أحمد الدقون.
- أبو الحسن علي بن هارون .(54)(تـ:912هـ)
- أبو عبد الله محمد ابن يحبش(55)(تـ:920هـ)
الذي جمع بين الشعر الجهادي والنثر الجهادي في كتابه: "تنبيه الهمم العالية على الصدقة والانتصار للمة الزاكية، وقمع الشرذمة الطاغية ".
- أبو عبد الله محمد بن يحيى البهلولي(56) (تـ:903هـ) صاحب الأزجال الحماسية.
- أبو محمد عبد الله الهبطي (75) (تـ: 963هـ).
والحقيقة أن علماء العصر وفقهاءه وأدباءه، قد أدلوا بدلوهم في مقاومة المحتل الصليبي بالقول والفعل .
يقول صاحب "الاستقصا": "ولقد ألف الناس في ذلك العصر التآليف في الحض على الجهاد والترغيب فيه. وقال الخطباء والوعاظ في ذلك فأكثروا، ونظم الشعراء والأدباء فيه ونثروا".(58)
ب- التفاعل والتواصل بين العلماء، عن طريق الاستجازات والمراسلات، والمناظرات، والفتاوى...
فكتب العصر غنية بالمناقشات والناظرات العلمية المختلفة في الفقه والأدب والتصوف، ولعل من أهم الأعلام الذين كان لهم الحظ الأوفر في اٍغناء هذه المجالات:
أحمد زروق البرنوسي(899هـ).
وابن هلال السجلماسي(تـ:903هـ)
وعبد الله ابن غازي(تـ:919هـ).
وعبد الله بن عجال الغزواني (59).
وأبا محمد عبد الله الهبطي (تـ:963هـ).
بل اٍن هذه المناقشات كانت حافزا للكتاب والتأليف. ففهرسة" ابن غازي تعتبر ثمرة ذلك التفاعل، لأن الباعث على تأليفه لهذه "الفهرسة" ما تلقاه من رسائل (60) يستجيزه فيها علماء من تلمسان ، فكانت هذه الاِجازة المطولة.
ومن المناظرة المهمة ما أثاره انتقاد الفقهاء للمتصوفة من نقاش وكتابات، وخاصة ما اعترض به أبو الحسن الصغير على سلوك متصرف عصره في عباداتهم ومواقفهم وأقوالهم،مما جعل بعضهم يرد على انتقاداته، بل ويهاجمه كذلك . فأحمد زروق يصف الصغير بأنه "فقيه ثم محجوب عن الدقائق والرقائق "(61).
وأبو عبد لله محمد بن يوسف السنوي(تـ:895هـ) يؤلف كتابا في الرد عليه سماه:" نصرة الفقير في الرد على أبي الحسن الصغير".(62)
ومما يعزز هذا التواصل الثقافي بين العلماء، ما تواضعوا عليه من تبادل الآراء في القضايا المختلفة، وفيما ألفوه من كتب ورسائل، فالفقيه المغيلي (تـ:903هـ) حين الف كتابه "مصابح الأرواح في أصول الفلاح" أرسله لعلماء عصره، من بينهم السنوسي، وابن غازي، فأدلى كل منهم برأيه في موضوعه، ومنهج تأليفه .(63)
ج- انتعاش الحركة الفكرية بفضل التشجيع الذي أشرنا اٍليه، وذلك باٍنزال العلماء المنزلة الرفيعة، وتخصيص المنح والعطايا للطلبة والشيوخ على السواء، وتحبيس الكتب على الخزانات العامة ليستفيد منها كل من ارتادها من العلماء والطلاب، فلقد ذكر الأستاذ العابد الفاسي(64) مجموعة من هذه الوثائق الحبيسة في طالعة كتب خزانة القرويين. وتظهر هذه الوثائق أن التحبيس لم يكن مقتصرا على السلاطين وحدهم، بل هناك كتب محبسة من طرف الأمراء والوزراء وأصحاب المهن المختلفة،(65) مما يدل على أن هذا العهد، لم يكن بتلك الصورة التي يقدمه به المؤرخون والداراسون.
د- كثرة المؤلفات التي تنتمي لهذه الفترة في الموضوعات والفنون المختلفة، كالفقه والتصوف، والنحو، والتاريخ والتراجم، والفهارس:
ومن أهم المؤلفين المكثرين في هذا العهد أحمد زروق .
وابن ميمون.
والشطيبي.
وعبد لله الهبطي.
هـ- توافد العديد من العلماء وطلاب المعرفة على المغرب وحاضرته فاس من بلدان المغرب العربي والمشرق والأندلس.
من هؤلاء الوافدين:
- أبو العباس أحمد الونشريسي(66)(تـ: 914هـ) من تلمسان.
- ابو عبد لله محمد شقرون الوهراني الفاسي(67) (تـ:929هـ).
- أبو العباس أحمد بن يوسف الراشدي الملياني(68)(تـ:935هـ).
- أبو محمد العنابي(69) (كان حيا سنة 892هـ) نزيل درعة.
- أبو الحسن علي بن موسى بن هارون المطغري(70) (تـ: 951هــ).
- أبو الطيب الظريف التونسي(71)(951هــ).
- أبو اٍسحاق اٍبراهيم بن أحمد الزواري(72)(تـ:961هــ)
- الشيخ ابو محمد عبد القادر المقدسي الشافعي ،(73) قدم من مصر سنة 880هـ، فذاكر عددا من علماء فاس ومكناس.
- ابو عبد الله محمد بن علي الطرابلس الخروبي(74)(963).
- ابو عبد الله محمد الكراسي(75)(تـ:964هـ).
- أبو عبد الله محمد بن عبد لله العربي العقيلي(76) صاحب الرسالة التي كتبها لمحمد الشيخ الوطاسي، عن آخر ملوك غرناطة أبي عبد لله الصغير.
- أبو العباس الصنهاجي المعروف بالدقون(77) (تـ:921).
تلك كانت اٍطلالة على الحركة الفكرية في العصر الوطاسي، وهي- كما رأينا- حركة نشيطة غنية، بكثرة أعلامها ومفكريها، وتنوع مؤلفاتها، مما يدعونا اٍلى اعتبار الفترة الوطاسية، حلقة مهمة في مسيرة التطور الفكري، والعلمي، والأدبي بالمغرب.
  

(*) أصل هذا البحث قدم في الندوة التي نظمها المعهد الجامعي للبحث العلمي بالرباط في 23 أبريل 1998 تكريما للأستاذ الدكتور محمد بنشقرون.
(1) مسايرو أحمد النميشي بفاس سنة 1924 / مطبعة اندري بفاس.
(2) النبوغ المغربي : في الأدب العربي 1 : 239.
(3) نفسه 1 : 260.
4) الحركة الفكرية بالمعرب في عهد السعديين : 1 : 37.
5) المغرب عبر التاريخ : 2 : 253
‏6) الأدب المغربي : لمحمد بن تاويت  ومحمد الصادق عفيفي / طبعة  دار الكتاب اللبناني سنة  1960 ص : 283
7)  دوحة الناشر ص 16 ‏.
‏8) 437 ‏: la vie intellectuelle marocaine p
‏9) نشرت - بالمطبعة الملكية بالرباط   سنة 1383 هــ / 1963 م / تقديم و إعداد :  الأستاذ عبد الوهاب المنصور.
10) يرجع إلى مضمونها :
La vie intellectuelle p 447
وأيضا  » الوافي بالأدب العربي في المغرب الأقصى» لابن تاويت /2 : 615 .
11) la dynastie Marocain des Beni wattas ( 1420-1954) Constantine 1917.
12) الاستقصا : 4 : 95 – 99
13) نفسه : 4 : 114-117
14) نفسه : 4 : 149-161
15 ) عنوانه:
-Le Maroc septentrional au XV siècle d’après les chronique portugaise hesp/ TXXIII / année 1936. (pp 89-136) Fax II.
16) -La vie intellectuelle Marocaine sous les Mérinides et les wattasides Rabat 1974
17) ص : 31 – 33 la vie intellectuelle
18) نفسه ص : 34-56
 ‏19) تفسة ص 57-58 وأيضا الخزانة العلمية للأستاذ محمد العابد الفاسي / ص 37 ‏.
20) نفسه : ص :67
21)  نفسه : ص : 59-84
22) نفسه : ص :  431-494
23) نفسه : ص : 432-455
24) نفسه : ص : 468-469
25) نفسه : ص : 469-475
26) نفسه : ص : 485-494
27 ‏) محمد ابن  شريفة : سيرة و بيبليوغرافيا : ص : 85 ، نشر كلية الآداب و العلوم الإنسانية بوجدة رقم : 11.
28) انظر الحياة الفكرية لـ : بنشقرون ابتداء من الصفحة (373) من التراجم المطولة (ترجمة أحمد زروق ) ( تـ : 899 هــ)  ابن غازي (تـ : 919 ها) ابن ميمون ( تـ : 917 ).
عبد الواحد الونريسى ( تـ : 955 هـ) أبو عبد الله الكراسي ( تـ : 964 هـ)
29 ) مخطوط الخزانة العامة رقم ق 95.
30) مخطوط خاص منه ( مكروفلم ) بالخزانة العامة .
31) مخطوط الخزانة العامة رقم ك2123
32) ترجمه عن الفرنسية الأستاذان محمد حجي، و أحمد الأخضر بالرباط سنة 1980
33) صدر عن مطبعة الملكية سنة 1964
34) مخطوط الخزانة العامة رقم ك1385 .
35) نشر بتحقيق محمد الزاهي / الدار البيضاء/ 1979.
36) صدر عن دار الغرب الاٍسلامي سنة 1983/ بتحقيق: د. عبد الله العمراني.
37) صدر عن دار المغرب سنة 1976 بتحقيق: د. محمد حجي .
38) صدر عن دار المغرب بالرباط سنة 1976/ بتحقيق د . محمد حجي.
39) نشر مرارا في طبعات مختلفة، آخرها طبعة كلية الدعوة الاٍسلامية في طرابلس بليبيا سنة 1989 باٍشراف عبد الحميد الهرامة.
40) الخزانة العلمية: ص : 35.
41) رسالة الاٍخوان : ص: 20.
42) نفس المصدر : ص: 21.
43) نفسه :ص: 23.
44) مناقب الحضيكي:خ.خ.ع. رقم 1123د/ص:363.
45) عن الخزانة العلمية/: ص: 78.
46) نفس المرجع :ص:37.
47) وصف اٍفريقيا:1: 179.
48) أدب الرحلة بالمغرب:1: 130.
49) دوحة الناشر :30 – 31- الاستقصا:4: 112.
50) الدوحة45- 47- الاستقصا: 4 :113 .
51) الدوحة: ص: 59- 60 .
52) الاستقصا: 4 : 111- 112 .
53) الدوحة: ص: 92.
54) أزهار الرياض: 1: 103 .
55) شعر الجهاد في الأدب المغربي : للأستاذ عبد الحق المريني/ 1: 376 / هامش :209 .
56) انظر كتاب أبي بكر البوخصيبي بعنوان:أضواء على ابن يجيش التازي :ص: 123.
57) الدوحة:ص: 59.
58) نشر المثاني:1: 35.
59) الاستقصا: 4: 112.
60) انظر فهرس ابن غازي :ص:29- 33.
61) مخطوط الخزانة العامة:د1845/ ص:227.
62) نفسه :ص : 226- 240.
63) دوحة: الناشر ص: 130- 131.
64) الخزانة العلمية :ص: 34- 38.
65) نفسه :ص: 36.
66) جذوة الاقتباس:1 : 156.
67) فهرس الفهارس:2: 1065.
68) الدوحة: 124.
69) نفسه : ص : 91- نيل الابتهاج: ص: 161.
70) نيل الابتهاج: ص:212.
71) الوافي بالأدب العربي في المغرب الأقصى:2 :608.
72) الأعلام :للمراكشي 1: 179.
73) فهرس ابن غازي :ص:123.                                             
La vie intellectuelle p : 76
74) نفحات النسرين والريحان: لأحمد النائب/ ص: 116.
75) دوحة الناشر: ص: 21.
76) أزهار الرياض: 1: 72- الوافي: 2: 602.
77) الأزهار 1: 103، نيل الابتهاج : ص:88.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here