islamaumaroc

إعجاز الكريم بإخباره عن الأمور الغيبية. -3-

  محمد يعقوبي خبيزة

العدد 337 ربيع 2-جمادى1 1419/ غشت شتنبر 1998

أريد في هذه الحلقة أن أبرهن عن ربانية مصدر القرآن الكريم بحديثه عن المغيبات الماضية والمستقبلية وذلك من خلال المباحث التالية:

المبحث الأول:
* منطق دلالة حديث القرآن الكريم عن المغيبات على ربانية مصدره :
إن علم الإنسان محدود بالزمان  الحاضر ، أما الماضي فلا سبيل له إلى علمه بالاطلاع على التاريخ فيما هو منتشر في بيئته من أخبار المؤرخين مكتوبة أو مسموعة، وأما المستقبل فلا سبيل له إلى التكهن بما سوف يقع فيه إلا بناء على دراسة معطيات الحاضر من غير أن يستطيع الجزم  بأن التكهن به سوف يقع وفق ما توقعه مائة في المائة.
فإذا حدثنا كتاب عن أحداث الماضي التي عفا عنها الزمن ودخلت أخبارها في طي الغيب المجهول ، ثم كشف الزمن عن صدق ما حدثنا عن أحداث سوف تقع في المستقبل حديث الجازم من غير أن يكون ما ينبئ  بحدوثها ، بل إن معطيات الحاضر تدل عكس ما توقعه ذلك الكتاب تماما، ثم كشف الزمن عن صدق ما توقعه مائة في المائة ، أيقنا بأن لصاحب ذلك الكتاب علما محيطا: ينكشف أمامه الماضي والمستقبل كالحاضر سواء بسواء، وليس ذلك لأحد إلا الله تعالى ، وليس ذلك الكتاب إلا القرآن الكريم، أو الوحي بصفة عامة...
وفي ذلك يقول الأستاذ وحيد الدين خان في كتابه "الإسلام يتحدى": الجانب الثاني من عظمة القرآن، يتجلى في تنبؤاته المختلفة التي ثبتت صحتها فيما بعد بطرق عجيبة.
إن عددا كبيرا من أذكياء الناس، ومن العباقرة قد جرؤوا على أن يتنبأوا عن أنفسهم أو غيرهم، ولكننا نعرف أن الزمان لم يصدق هذه التنبؤات مطلقا ، بل جاء يكذبها بكل قوة، ولقد تحفز الفرص المواتية، والأحوال المساعدة والكفاءات العالية، وكثرة الأعوان والأنصار والنجاح الخارق في البداية... الكثيرين – وهم يرون أنهم يسيرون تجاه نتائج مرضية – أن يتنبأوا بنتيجة معينة بكل يقين ، ولكن الزمن يبطل هذه الدعاوى ويكذبها دائما، والزمن نفسه هو الذي اثبت صحة ما جاء في القرآن من التنبؤات في حين أنها جميعا جاءت في أحوال غير مواتية ، إن هذه التنبؤات – وقد وقعت فعلا على ما يحدثنا التاريخ – تجعل علومنا المادية حائرة عند تفسيرها، وما دمنا ندرسها في ضوء علومنا المادية، فلن نستطيع إدراك حقائقها إلا أن ننسبها لمصدر غير بشري.
كان"نابليون بونابرت" من أعظم قواد الجيوش في عصره ، وقد دلت فتوحاته الأولى على أنه سوف يكون ندا لقيصر والاسكندر المقدوني، وترتب عن ذلك أن وجد الغرور منفذه إلى رأس "نابليون" فأصبح يتوهم أنه مالك القدر، وازداد هذا الشعور لديه ، حتى ترك  مستشاريه ، وادعى أنه لم يكتب في قدره غير الغلبة الكاملة على من في الأرض ، ولكنا نعرف جميعا النهاية التي كتبت له في لوح القدر.
سار "نابليون" من باريس يوم 12 من يونيه سنة 1815م مع جحلفه العظيم ليقضي على أعدائه وهم في الطريق ، ولم تمض غير ستة أيام حتى ألحق (دوق ولنجوتن)  شر هزيمة بجيش نابليون الجبار في (ووتر لوا) بأراضي بلجيكا ، وكان (الدوق) يقود جنود إنجلترا وألمانيا وهولندا ، ولما يئس" نابليون" وأيقن من مصيره المحتوم فر هاربا من القيادة الفرنسية متوجها إلى أمريكا، ولم يكد يصل إلى الشاطئ حتى ألقت شرطة السواحل القبض عليه، وأرغمته على ركوب سفينة تابعة للبحرية البريطانية، وانتهى به القدر إلى أن أرسل إلى جزيرة غير معمورة بجنوب الأطلنطي ، هي جزيرة (سانت هيلينا) ومات القائد العسكري في هذه الجزيرة بعد سنوات طويلة من البؤس والشقاء والوحدة في 5 مايو سنة 1821.
والبيان الشيوعي المعروف الذي صدر سنة 1849م تنبأ بأن أول البلاد التي ستقود الثورة الشيوعية هي (ألمانيا) ولكن ألمانيا على الرغم من مضي مائة وعشرين عاما من هذه النبؤة لا تزال صفحات تاريخها خالية من هذه الثورة.
ولقد كتب "كارل ماركس" في مايو سنة 1849م قائلا:"إن الجمهورية الحمراء تبزغ في سماء باريس !!".
ورغم أنه قد مر على هذه النبوءة أكثر من قرن فإن شمس الجمهورية البازغة لم تشرق على أهالي باريس.
ولقد قال(أدولف هتلر) في خطابه الشهير الذي ألقاه بميونيخ في 14 مارس سنة 1931م:"إنني سائر في طريقي واثقا تمام الثقة بأن الغلبة والنصر قد كتبا لي".
والعالم بأجمعه يعرف اليوم أن الذي كتب في قدر الجنرال الألماني العظيم كان هو الهزيمة والانتحار..
وسط هذه الجحافل من المتنبئين والنبؤات لا نجد غير القرآن الذي تحققت نبؤاته حرفا حرفا، وهذا الواقع يكفي في ذاته لإثبات أن هذا الكلام صادر من عقل وراء الطبيعة يمسك بزمام الأحوال والحوادث ، وهو على معرفة بكل ما سيحدث منذ الأزل إلى الأبد ..(1)

المبحث الثاني :
*تأطير حديث القرآن الأمور الغيبية :
ولكي يتجلى لنا بوضوح دلالة حديث القرآن عن المغيبات الماضية والمستقبلية على ربانية مصدره وينفي عنها أي إشكال أو ريبة... يجب أن نضع في الاعتبار الملاحظة التالية:
1- أنه مهما سمت مكانة محمد (ص) فإنه لا يخرج عن كونه بشرا لا علم له بالغيب باعترافه بدليل قوله الله تعالى خطابا له " قل : لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء اله ، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يومنون".(الأعراف:177).
2-أنه (ص) قد عاش أميا لا يعرف القراءة ولا الكتابة..فلا يمكنه أن يقبس ما أتى في القرآن من أخبار الغيب الماضية بواسطة قراءة ما بين أيدي اليهود والنصارى من كتب دينية ..وفي ذلك بالحق سبحانه :" وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ، إذن لارتاب المبطلون ، بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآيتنا إلا الظالمون".(العنكبوت:48)
3- إن الفرص التي أتيحت له (ص) للاتصال بأصحاب تلك الثقافة الدينية من يهود ونصارى- اتصالا مباشرا أو غير مباشر- هي فرص محدودة، وقد تمت في إطار لا يمكنه (ص) من استيعاب ما لديهم من ثقافة وأخبار عن المغيبات الماضية ، مهما كان حظها من الضآلة ..بل إن بعض تلك الفرص لم تتح له(ص) إلا بعد أن تمت له الرسالة وأوحي له بمضامينها المختلفة...
- فهو (ص) قد رأى بحيرى الراهب عندما سافر مع عمه صبيا إلى الشام في رحلة تجارية ...، سرعان ما قطعها عمه وعاد به إلى مكة..خوفا مما سمعه من بحيرى من أنه سيكون له أن وأنه يخشى عليه من كيد اليهود ومكرهم ...(2)
وبقطع النظر عن ضعف سند الروايات عن هذه الرحلة فإنها مجمعة على عدم الإشارة إطلاقا إلى أن محمدا سمع شيئا من ثقافة بحيرا الراهب أو مضمن كتبه... وعلى فرض أنه سمع فما عساه أن يستوعب منه، وسنه لا تتجاوز الثانية عشر – بل كما في بعض الروايات – التاسعة فقط !!
كما أنه(ص) اتصل بورقة بن نوفل الذي كان تنصر في الجاهلية وتقف العبرانية..ولكنه(ص) لم يتصل إلا بعد أن رجع إلى خديجة رضي الله عنها من غار حراء خائفا مما رآه وسمعه..(3) والروايات مجمعة على أنه (ص) لم يره قبل هذه المرة وعلى أنه لم يره بعدها، إذ ما لبث أن توفي..كما أنها مجمعة على أن ورقة لم يذكر لنبي(ص) عظة ولا درسا ولا خبرا غيبيا..
- ولقد أسفت قريش عندما اتهمت محمد (ص) بأنه كان يتعلم مضمن وحيه – قرآنا وسنة- وما فيها من أخبار ومغيبات من قين – حداد- رومي بصنع السيوف – مع ضحالة ما قد يكون عنده من ثقافة دينية .. وعدم معرفته باللغة العربية ..ولذلك رد الله تعالى عليهم ردا مفحما بقوله :" ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر، لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ، وهذا لسان عربي مبين".(النحل103)
- وإذا كانت الروايات قد تضافرت على أن محمدا(ص) قد رأى قبل البعثة قس بن ساعدة- أحد متنصرة العرب – يخطب في سوق عكاظ..فإن تلك الروايات ضعيفة ، بل بعضها موضوع وبعضها منقطع ..وبقطع النظر عن كل ذلك فإن غاية ما سمعه محمد(ص) من قس هو خطبة لا يعدو مضمونها البشارة بقرب ظهور دين جديد(4) ولم تنبس ببنت شفة عن مضمن ذلك الدين الذي بشر به ولا عن تفاصيله في عقائده وعباداته ومعاملاته ..ومغيباته..
وهكذا يتجلى لنا أن الفرص التي أتيحت لمحمد (ص) للاتصال بأصحاب الثقافة الدينية في عصره – بقطع النظر عن سند رواياتها –هي فرص محدودة، وأضعف من أن تثبت اقتباسه لمضامين القرآن الكريم والسنة النبوية ومغيباتها من أصحاب تلك الثقافة.
4- إن محمدا (ص) يشيع تلك المغيبات – قرآنا وسنة –وهو في موقف يتطلب الحيطة والحذر من الأعداء الذين يتربصون به وبدعوته الدوائر ...بحيث لو تخلفت واحدة منها لاهتبلوها فرصة للتشنيع عليه وتنفير الناس منه ..فهو (ص) رجل مسؤول في موقف الخصومة بينه وبين أعداء ألداء.. فما كان له أن يرجم بالغيب ويغامر بنفسه وبدعوته وهو لا يضمن ما تأتي به الأيام ما ليس في الحسبان..
5- إن القرآن الكريم قد وقف موقف الناقد البصير من الثقافة الدينية الني كانت سائدة في مجتمع الجزيرة العربية ، بل إنه بين التحريف الذي أصاب كلا من التوراة والإنجيل على أيدي الأحبار والرهبان السابقين ..وأوضح الانحرافات التي انحدر إليها كل من اليهود والنصارى..وغيرهما من الطوائف الدينية.. وما كان له (ص) وهو الأمي الذي لم يسبق له أن اطلع على الكتب الدينية السابقة أن يقف هذا الموقف النقدي منها ومن أصحابها لو لم يكن هناك وحي من الله يطلعه على مضامينها ويوجهه إلى مواطن الانحراف فيها وإلى القول الفصل في شأنها...
ومن ذلك على سبيل المثال: أن اليهود قالوا مرة للنبي (ص): تدعي أنك على ملة ابراهيم وانت تأكل لحوم الإبل والبانها.. فقال لهم عليه السلام: "كان ذلك حلالا على إبراهيم فنحن نحله" فقالت اليهود: إنها لم تزل محرمة في ملة إبراهيم ونوح.." فنزل تكذيبا لهم وتحديا بالتوراة التي عندهم: (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، قل فاتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون، قل صدق الله، فاتبعوا ملة، إبراهيم حنيفا، وما كان من مشركين). (آل عمران: 93/95 (5).
6- إن القرآن الكريم يتحدث عن بعض تلكم المغيبات تحديا وإجابة لسؤال العلماء – من اهل الكتاب : أحبارا ورهبانا – للنبي (ص) كما سألوه عن الروح واهل الكهف وذي القرنين فأجابهم عما سألوا بما أوحى إليه القرآن، وهم يعلمون أنه غيب بالنسبة إليه ليست لديه وسيلة عادية للعلم به.. ومع ذلك فإنه لم يوثر عنهم أنهم كذبوه في شيء فما أخبرهم به فكان الحق معهم.. بل هو الذي كان يكذبهم فيما حرفوه ويرشدهم إلى حقيقة ما بدلوه.. ويتحداهم –أحيانا- بما في أيديهم من الكتب إن هم جادلوه.. كما تحداهم بالتوراة إن كانوا صادقين فيما ادعوه في أن لحوم الإبل وألبانها كانت محرمة على بني إسرائيل...
7- إن القرآن الكريم يتحدث عن الماضي المندثر وعن المستقبل الغفل مما تنقطع دونه الأسباب وتقصر عن إدراكه الفراسة والألمعية والذكاء... حديث الجازم.. فإذا البحوث التاريخية وإذا الواقع يكشفان ان ما حدثنا به صدق كله لم ينخرم ولو مرة واحدة..
فإذا وضعنا كل تلك الملاحظات في الاعتبار أيقنا بأن القرآن الكريم مصدره هو الله سبحانه القائل في محكم الكتاب: (وإنه لكتاب عزيز لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد). (فصلت: 41 / 42).

 المبحث الثالث:
* أمثلة من حديث القرآن عن المغيبات الماضية التي صدقتها البحوث التاريخية:
ومن أمثلة حديث القرآن عن الماضي المندثر التي برهنت البحوث التاريخية على مصداقيتها:
1- حديث القرآن عن عاد (6) وثمود (7) وما أصابهما من كوارث، وذلك حيث يقول: (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، إذ جائتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله، قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فانا بما أرسلتم به كافرون، فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا: من أشد منا قوة، أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة، وكانوا بآياتنا يجحدون، فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى وهو لا ينصرون. وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون، ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون). (فصلت: 13 / 18).
- ويقول : (...وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم، ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم، وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين ، فعثوا عن أمر بهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون ، فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين"(الذاريات43/44).
ويقول:"كذبت ثمود وعاد بالقارعة، فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية، وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية، سخرها عليهم سبع ليالي وثمانية أيام حسوما، فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية، فهل ترى لهم من باقية". (الحاقة: 4 / 8)
- ويقول:"ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب ، إن ربك لبالمرصاد".(الفجر6/14).
- ويقول:" وإنه أهلك عادا الأولى وثمودا فما ابقي"،(النجم50/51).
قال الأستاذ سعيد حوى:" وقد حاول ناس أن يطعنوا ببعض إخباره عن الماضي متصورين أن بعد الزمان يجعل كلامهم مقبولا عند غير المومنين...، فمن أقطاب هؤلاء المخرفين من أنكر عادا وثمودا ، وأنكر الكوارث التي أصابتهم بغير حجة، فما لبثوا طويلا حتى تبين لهم أن عادا وثمودا مذكورتان في تاريخ بطليموس، وأن اسم "عاد" مقرون باسم "إرم" في كتب اليونان، فهم يكتبونها "ادراميت" ويؤيدون تسمية القرآن لها "بعاد إرم" ذات العماد ، وعثر المنقب (موزيل) التشيكي صاحب كتاب " الحجاز الشمالي" على آثار هيكل عند مدين منقوش عليه كلام بالنبطية واليونانية وفيه إشارة إلى قبائل ثمود.(8)
2- حديثه عن طوفان نوح عليه السلام (9) حيث يقول:" واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه : يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت ، فأجمعوا أمركم وشركاءكم ، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ، فإن توليتم فما سألتكم عليه من أجر، إن أجري إلا على الله ، وأمرت أن أكون من المسلمين ، فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك، وجعلناهم خلائف ، وأغرقنا الذين كذبوا بآيتنا، فانظر كيف كان عاقبة المنذرين".(يونس71/73).
ولقد فصل ذلك تفصيلا في آيات أخرى، منها ما ذكره في سورة هود من آية 25إلى 48، وختم ذلك بقوله:"تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ، ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ، فاصبر إن العاقبة للمتقين".(هوج:49).
ثم تأتي كتب التاريخ القديم مصرية ويونانية وبابلية ..التي لم تكن لمحمد (ص) ولا لقومه أي اثارة من علم بها لتحدثنا عن ذلك الطوفان الهائل كما تحدث عنه القرآن ، ويأتي التنقيب الحديث ليرى طميه ويحدد مكانه..
3 - حديثه عن نكبة أبرهة وجيشه عندما حاول تعطيل "الكعبة" ببناء "القليـــــــــــس" (10) في صنعاء لصرف العرب عن الكعبة إليها... حيث يقول:"ألم ترى كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ، ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل ، فجعلهم كعصف مأكول"(الفيل) فإذا بالنقوش تنكشف عن اسم أبرهة على خرائب(سد مأرب) ملقيا بالأمير الحبشي من قبل "ملك الحبشة وسبأ وريدان حضرموت واليمامة وغرب الوعر والسهل".
ويروي الرحالة : (بروس) الذي زار الحبشة في القرن الثامن عشر – أن الأحباش يذكرون في تواريخهم :أن أبرهة قصد إلى مكة ثم ارتد عنها لما أصاب جيشه المرض الذي يصفونه بالجدري .."(11)
4 - حديثه عن فصص الأنبياء عليهم السلام بتفصيل لا سبيل لمحمد (ص) ولا لقومه إلى العلم به ، ومنها تفاصيل قصة موسى التي جاء فيها :" وما كنت بجانب الغربي إذ قينا إلى موسى الأمر ، وما كنت من الشاهدين ، ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر ، وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ، ولكنا كنا مرسلين، وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ، ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما اتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون".(القصص44/36).
- ومنها "قصة عيسى عليه السلام وأمه مريم وجاء فيها :" ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ، وما كنت لديهم إذ يختصمون"،(آل عمران:44).
ويمكن مراجعة تفاصيلها في "سورة آل عمران": 32/63، وفي "سورة مريم": 16/40، وهي تفاصيل تنبئ عن علم محيط شامل بالدقائق المفصلة التي لا يعلمها إلا اللطيف الخبير. (12)
وإذن فكل ما أخبر به القرآن على لسان محمد (ص) من تلك المغيبات الماضية قد أيدته وقائع التاريخ القديم ونصوصه وحفرياته .. مما يدل على أن مصدره هو الوحي الجدير بكل ثقة واطمئنان، وصدق الله العظيم إذ قال :" وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد".(فصلت :41/42).

المبحث الرابع:
* أمثلة من حديث القرآن عن المغيبات المستقبلية التي صدقتها الوقائع المستجدة:
أما حديث القرآن عن المستقبل الذي كشف الواقع عن تحققه وصدقه، فمنه:
1- قوله تعالى خطابا للرسول(ص) " والله يعصمك من الناس"(المائدة67) فالآية كما ترى تجزم أن الرسول (ص) معصوم من الناس:لن تستطيع يد قاتل أن تمتد إليه، وعلى هذا المعنى فهمها النبي(ص) وأعلن ذلك حتى يعلمه الخاص والعام:
فقد روى الترمذي والحاكم عن عائشة ، وروى الطبراني عن أبي سعي الخدري :أن النبي (ص) كان يحرس بليل، فلما نزلت هذه الآية ترك الحرس وقال:"يا أيها الناس انصرفوا عصمني الله".
وروى مسلم وغيره عن جابر رضي الله عنه قال: " كنا إذ أتينا في سفرنا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله (ص) فلما كنا بذات الرقاع نزل نبي الله (ص) تحت شجرة ، وعلق سيفه فيها ، فجاء رجل من المشركين فأخذ السيف فاخترطه وقال : للنبي(ص) أتخافني؟ قال: لا، قال ، فمن يمنعك مني؟قال: الله يمنعني منك! ضع السيف فوضعه".
فهذا الإخبار الوارد في القرآن يتعلق بشخص محمد (ص) الذي عاداه الناس في مجموعهم ، يعلنه عليه السلام في وسطهم ، وقد تأصل فيهم معنى الثأر وسفك الدماء...، وتدبر محاولات لقتله من قبلهم فرادى وجماعات .. فإذا النبي(ص) يخوض معارك وحروبا ضدهم يكون هدفهم منها القضاء عليه لوأد دعوته، ويكون (ص) أقرب الجنود إليهم لا يتقهقر عن مواجهتهم ولا يوليهم دبرا..ومع هذا وذاك فإن النبي (ص) انتقل إلى الرفيق الأعلى حينما حان أجله بيد القدرة الإلهية لا بتسلط إنسان..تحقيقا لوعد الله :"والله يعصمك من الناس".
روى البخاري ومسلم في (غزوة حنين): انكشف  المسلمون وولوا مدبرين، فطفق الرسول(ص) يركض عن الإسراع ، فأقبل المشركون إليه ، فما  غشوه لم يفر ولم ينكص ، بل  نزل عن بغلته كأنما يمكنهم من نفسه، وجعل يقول :"أنا النبي لا كذب، ان ابن عبد المطلب" كأنما يدلهم على مكانه، فوالله ما نالوا منه نيلا ، بل أيده الله بجنده وكف  عنه أيديهم بيده.
وإن نبوءة تقول لإنسان وهو معرض في كل يوم لخطر القتل :"لن تقتل" لا يمكن أن يجزم بها رجل ويعمل على أساسها ، ما لم يكن وحيا من الله الذي يعلم الغيب وبيده الموت والحياة.
2  قوله تعالى :" سيهزم الجمع ويولون الدبر ، بل الساعة موعدهم ، والساعة أدهى وأمر".(القمر:45/46)
روى البخاري عن عائشة قالت : نزل على محمد (ص) بمكة وإني لجارية ألعب :"بل الساعة موعدهم "...الآية ، ومعنى هذا أنها نزلت والمسلمون لا زالوا بمكة مستضعفين قليلين رمتهم العرب عن قوس واحد، ولم تكن حينئذ أية فكرة قتال لدى المومنين – إذ الجهاد لم يشرع إلا في السنة الثانية من الهجرة – ولو كان القتال فلم يكن متوقعا في ميزان القوة أن يتغلب المسلمون فيه، ولذلك روى ابن مردويه عن عكرمة أن عمر قال لما نزلت الآية :"أي جمع يهزم أي جمع يغلب؟ ! "(13)
وتمر الأيام ويتميز معسكر الكافرين عن معسكر المومنين  وتقع غزوة بدر فيعرف رسول الله (ص) أنه قد جاء اليوم الموعود، فيقع ما يرويه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما :"أن النبي (ص) وهو في قبة له يوم بدر:"أنشدك عهدك ووعدك ، اتللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم في الأرض...."، فأخذه أبو بكر رضي الله عنه بيده وقال:" حسبك يا رسول الله ، ألحت على ربك، فخرج وهو يتب في الدرع ويقول :" سيهزم الجميع..."، الآية ، قال عمر :" فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله (ص) يتب في الدرع ويقول:" سيهزم الجمع.." فعرفت تأويها يومئذ".(13)
وما تأويلها إلا انتصار جمع الإيمان وهزيمة جمع الكفر ، وإذاك يتبين للجميع صدق الله وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأعداء وأعداء نبيه...وأنه هو سبحانه صاحب العلم المحيط ..وأنه هو صاحب القرآن دون غيره.
3 قوله تعالى:" لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون ، فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا".(الفتح:27)
نزلت هذه الآية عندما رأى النبي (ص) وكأنه وأصحابه قد دخلوا مكة امنين محلقين رؤوسهم ومقصرين ، فقص رؤياه على أصحابه رضي الله عنهم ، ففرحوا وحسبوا أنهم داخلوها من عامهم ، ثم خرجوا محرمين يسوقون الهدى إلى مكة قصد العمرة.. ولكنهم ما كادوا يبلغون الحديبية حتى صدتهم قريش وأبت عليهم ما أرادوا ، وكادت تكون حرب لولا أن الرسول(ص) عقد صلحا مع المشركين ، رجع على إثره المسلمون إلى المدينة على أن يعودوا إلى مكة في العام القادم نزولا على بنود ذلك الصلح القاسي...وإذاك اقتبلها المنافقون للتشنيع على النبي(ص) فقال رأسهم عبد الله بن أبي: والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام".
وعلى رغم هذه الظروف المريبة وما عرفت به قريش من غدر ونكث للعهود مع محمد(ص) ، فقد نزلت الآية الكريمة تحمل تلك الوعود الثلاثة المؤكدة :الدخول إلى مكة ، والأمن ، وقضاء الشعيرة "، وقد أنجزها الله جميعها: حيث دخلوها في عمرة القضاء آمنين ، ولبثوا فيها ثلاثة أيام حتى أتموا عمرتهم وقضوا مناسكهم – كما أخرج ذلك البخاري ومسلم- وكان من بعد ذلك الفتح القريب لمكة.
4  قوله تعالى :" وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم  في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، وليبدلنهم من بعد خوفهم امنا".(النور55)
روى الحاكم وصححه عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال:" لما قدم رسول الله(ص) وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار ، رمتهم العرب عن قوس واحدة، وكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا:"أترون أنا نعيش آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله "(14).
وهكذا كان حال الصحابة رضي الله عنه إثر الهجرة ، وهي حال منافية في العادة لكل تلك الوعود التي تضمنتها الآية ...ولكن الأيام تمر، فإذا بلدة عدد سكانها مئات تقوم بها دولة، كل من حولها يعاديها ، وإذ بتلك الدولة تضرب كل جزيرة العرب وتنتصر عليها وتضرب أكبر دولتين في العالم إذاك وهما دولة الفرس ودولة الرومان ، فتنتصر عليهما ثم تنساح في الأرض فلا يستعصى على سيوف أهلها شعب ولا بلد.. قد استخلفهم الله في الأرض ومكن لهم دينهم وبدل خوفهم أمنا ..خارقا بذلك كل مفاهيم القوانين العادية في الانتصار والهزيمة، تحقيقا لوعده ، وآية على أنه هو سبحانه صاحب الوعد الذي انزله في القرآن ... وفي ذلك يقول الأستاذ وحيد الدين خان :" ولم تمض على هذه البشرى أيام طويلة حتى وجد المسلمون الجزيرة العربية كلها تحت أقدامهم فقد انتصرت أقلية ضئيلة لا تملك الخيول ولا الأسلحة على أعداء يملكون الجيوش الكثيرة والعدة والعتاد.
"وليس في وسعنا تفسير هذه النبؤات في ضوء المصطلحات المادية إلا أن نسلم بأن صاحب هذا الإخبار بالغيب لم يأت به من عند نفسه ، وإنما كان خليفة عن الله ، فلو أنه كان إنسانا عاديا لاستحال كل الاستحالة أن تصنع كلماته أقدار التاريخ ، وكما قال البروفيسور (ستوبارت) ، "إنه لا يوجد مثال واحد في التاريخ الإنساني بأكمله يقارب شخصية محمد... مع ما أقل ما امتلكه من الوسائل المادية ! وما أعظم ما جاء به من البطولات النادرة ! ولو أننا درسنا التاريخ من هذه الناحية فلن نجد فيه إسما منيرا هذا النور وواضحا هذا الوضوح غير اسم النبي العربي ".
"إن هذا الأمر هو أعظم دليل على كونه (ص) مرسلا من لدن الحق تبارك وتعالى ، وقد اعترف ( السير وليام ميور)- ذلك  العدو اللدود للإسلام - ، بهذا الأمر بطريقة غير مباشرة حين قال :" لقد دفن محمد مؤامرات أعدائه في التراب ، وكان يثق بانتصاره ليل نهار مع حفنة من الأنصار والأعوان ، رغم أنه كان مكشوفا عسكريا من كل ناحية ، وبعبارة أخرى : كان يعيش في عرين الأسد ولكنه أظهر عزيمة جبارة  لا نجد لها نظيرا غير ما ذكر في الإنجيل من أن نبيا قال لله تعالى :" لم يبق من قومي إلا أنا .."(15)
ومما يدخل في هذا الإطار ويدل على تبشير المسلمين بالمستقبل السعيد الذي ينتظرهم ، وينذر معسكر الكفر بالخسران المبين .. في وقت تدل فيه كل القرائن على عكس ما يتوقعه القرآن الكريم :
- قوله تعالى: "ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون "(الصافات:171/173)
وقوله تعالى:" إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد".(غافر:51).
وقوله تعالى :"فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس ، هذا عذاب أليم ، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مومنون ، أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون ، إنا كاشفوا العذاب قليلا ، إنكم عائدون، يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون"(الدخان :10/16).
وسبب نزول هذه الآيات الأخيرة أن أهل مكة لما تمردوا على رسول الله (ص) دعا عليهم بسنين كسني يوسف فأجابه الله بهذه الآيات، (16) وفيها عن التأمل خمس نبوءات:
أ- الإخبار بما يغشاهم من القحط وشدة الجوع حتى ينظروا إلى السماء فيرى الرجل بينه وبينها كهيئة الدخان.
ب- الإخبار بأنهم سيضرعون إلى الله حين تحل بهم الأزمة
ج- الإخبار بأن الله سيكشف عنهم العذاب قليلا.
د- الإخبار بأنهم سيعودون إلى كفرهم
هـ- الإخبار بأنه تعالى سينتقم منهم يوم البطشة الكبرى وهو يوم بدر.
ولقد حقق الله ذلك كله ، وما انخرمت منه ولا نبوءة واحدة، فأصيبوا بالقحط حتى أكلو العظام، وجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من شدة جوعه وجهده ، ثم قالوا متضرعين ذلك الذي حكاه القرآن عنهم :" هذا عذاب أليم، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مومنون"، ثم كشف الله عنهم العذاب قليلا ، ولكنهم عادوا إلى كفرهم وعتوهم ثم انتقم الله منهم يوم بدر فبطش  بهم البطشة الكبرى حيث قتل منهم سبعون وأسر سبعون وأديل للمسلمين منهم ....وما كان هذا ليتحقق بهذه  الدقة لولا أن الذي وعد به في قرآنه هو الذي نفذه ، وهو الله سبحانه وتعالى.
5- قوله تعالى:" الم ، غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ، لله الأمر من قبل ومن بعد ، ويومئذ يفرح المومنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم، وعد الله لا يخلف الله وعده ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون "(الروم1/6)
فلقد انهزمت دولة الروم- وهي مسيحية – أمام دولة الفرس – وهي وثنية مجوسية في الحروب الطاحنة بينهما سنة 614م – فقال المشركون للمسلمين في مكة: إن الروم أهل كتاب وقد غلبتهم المجوس، وأنتم تزعمون أنكم ستغلبوننا بالكتاب الذي أنزل عليكم ، كلا بل سنغلبكم نحن ، كما غلبت فارس الروم فارس الروم ..فنزلت الآيات الكريمة (17) تحمل بشارتين:

- الأولى : أن الروم سينتصرون على الفرس في مدة تتراوح بين ثلاث سنين وتسع ، رغم أن الحروب الطاحنة قد أنهكت  الروم حتى غزوا في عقر دارهم ، ورغم أن دولة الفرس كانت قوية منيعة ، وزدها الظفر الأخير قوة منيعة .. مما يستبعد معه عادة أن ينتصر الروم على الفرس في هذه المدة الوجيزة التي حددها القرآن.
 - الثانية: أن المسلمين سيفرحون بنصر عزيز في هذا الوقت الذي ينتصر فيه الروم على الفرس ، رغم أن المسلمين كانوا إذاك في مكة في قلة عدد وعدة، والمشركون لا يرقبون فيهم إلا ولاذمة.. مما يستبعد معه عادة أن يكون للمسلمين أي نصر أو غلبة .
ولقد تحققت البشارتان معا وفي وقت واحد حيث تحقق لروم الغلبة على الفرس بإجماع المؤرخين في أقل من تسع سنين (سنة 622م) وكان يوم انتصارها ذاك هو اليوم الذي وقع فيه النصر للمسلمين على المشركين في غزوة بدر الكبرى ، كما رواه الترمذي عن أبي سعيد ، ورواه الطبري عن ابن عباس وغيره ، فكان هذا دليل آخر على أن منزل القرآن هو علام الغيوب سبحانه .(18)
6 قوله تعالى  عن اليهود:" وقطعناهم في الأرض أمما "- (الأعراف:168) وقوله عنهم أيضا :" وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم الى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب "،(الأعراف :167).وقوله عنهم أيضا: " ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا، إلا بحبل الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله ".(آل عمران112).
وهي نصوص تخبر عما سيصيب اليهود خلال التاريخ ...وتأتي الأحداث لتصدق ما أخبره به القرآن، فلقد قطعوا في الأرض أمما ، وعذبوا عذابا متواصلا، وذلوا ذلة دائمة، لاحقهم الإسبان وطاردتهم الكنيسة في كل مكان، وضيقت عليهم الخناق روسيا ، وقتلهم النازيون في ألمانيا وشردوهم ..وظلوا أبدا محكومين لغيرهم في الشرق والغرب في ذلة ومسكنة .. إلى أن عطفت عليهم أمريكا وإنجلترا  وروسيا وفرنسا ..فكان لهم ما يسمى دولة بحبل من الله وحبل من الناس… وهو أمر لن يدوم لأن الله تعالى يقول : " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب"(الأعراف:176)
وجاء في (التوراة) التي بين أيديهم:" سأجمعك يا إسرائيل في أرض الميعاد ثم أذبحك ذبحا ". فلهم موعد مع المسلمين لتتحقق نبوءة القرآن – وكذا التوراة – كما تحققت نبوءاته الأخرى على التمام والكمال ، ولن يخلف الله وعده.
7-  قوله تعالى خطابا للنبي (ص) في شأن اليهود:" قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين "، ثم قال :" ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين"(البقرة97/95).
 فلقد زعم اليهود أنهم شعب الله المختار ، وادعوا أن نعيم الدار الآخرة وقف عليهم خالصا لهم من دون الناس.... فخاطب الله تعالى نبيه(ص) أن يرد عليهم ويبطل مزاعمهم بمطالبتهم بتمني الموت إن كانوا صادقين في إدعائهم ... ومع ذلك فلم يتمنى أحدهم الموت كي تنهض حجتهم على محمد (ص) ويسكنوه ، ولن يتمناها أحد منهم صادقا، مصداقا لقوله تعالى: "ولن يتمنوه أبدا"، بل هم كما قال الله تعالى عنهم : " ولتجدنهم احرص الناس على حياة، ومن الذين أشركوا يود  أحدهم لو يعمر ألف سنة، وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ، والله بصير بما يعلمــــــــــون "( البقرة :96)
فكان هذا تنبؤه بغيب لا يعلمه محمد (ص) ولا قومه يتحقق ليدل بدوره على أن مصدر القرآن هو علام العيوب سبحانه.
8- قوله تعالى:" ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا قول البشر، سأصليه سقر "(المدثر:21/26).وهو نص في الوليد بن المغيرة.
- وقوله تعالى: تبت يدا أبي لهب وتب ، ما أغنى عنه ماله وما كسب ، سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد".(المسد) وهو نص في أبي لهب عم النبي(ص) وزوجة أبي لهب.
وهذان النصان يدلان على أن كلا من المذكورين سيدخل النار، ومعنى ذلك أنهم لن يسلموا وسيموتون على الكفر ...يقال لهم ذلك في وقت كان يدخل فيه المشركين أمثالهم في دين الله أفواجا..وذلك كأبي سفيان وخالد وعمرو بن العاص وغيرهم ...، والظواهر لم تكن تدل على أن الوليد ، مثلا-أبعد من أبي سفيان عن الإسلام ، ومع ذلك فإن القرآن يجزم بأن الوليد وأبا لهب، لن يدخلا الإسلام سيتحقق ما قال، ويموتان على الكفر ..فلا يدع ذلك أيضا مجالا للشك في أن منزل القرآن هو علام الغيوب وما تكنه الصدور حالا واستقبالا وهو الله تعالى.
9- قوله تعالى:" ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله وخاتم النبيئين".( الأحزاب:40)
وها قد انسلخ من عمر الزمن منذ بعثة محمد (ص) خمسة عشر قرنا ، وهي قرون تحمل على عاتقها كثيرا من العبر والحوادث والأحداث .. مرت ولم تثبت خلالها رسالة رسول أو نبوءة نبي مع ان الفترة الزمنية بين رسول ورسول كانت قبل مبعثه(ص) ضئيلة ...فكان ذلك مصداقا للآية الكريمة ، وآية محسوسة ملموسة على أن منزل القرآن هو العليم بما سوف تأتي به الأيام، وليس لأحد إلا الله تعالى العليم العلام.
10- قوله تعالى :" سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد"(فصلت:53).
ويتقدم العلم فيكشف من الحقائق الكونية في الآفاق وفي نفس الإنسان ما أشار إليه القرآن في إطار الهداية والإعجاز – كما سبق بيان ذلك(19) – منذ خمسة عشر قرنا ، يوم ان لم يكن شيء منها معروفا لبشر على وجه الأرض .. مما يجعل الإنسان المنصف الطالب للهداية والحق يعترف بأن منزل القرآن هو الذي يعلم أذق الأسرار الكونية ، وما سيكشفه العلم منها في المستقبل ، وليس ذلك لأحد إلا الله تعالى .
....إلى غير ذلك من النصوص القرآنية التي تحدث فيها القرآن عن الغيوب الماضية والمستقبلية، فكان حديثه صدقا كله بشهادة التاريخ والواقع .. مما يجعله حقا كما وصفه الله تعالى بقوله :" وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد". (فصلت :14/42).


1)الإسلام يتحدى: لوحيد الدين خان –ص :127 وما بعدها .(لا نوافق الأستاذ وحيد الدين خان في التعبير عن " الله" بــ" عقل وراء الطبيعة" لأن أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية...).
2)أنظر السيرة النبوية:لابن كثير 1/243وما بعدها .
3)أنظر : ( حديث الوحي) في البخاري ومسلم ..
4) أنظر روايات في ذلك في : مختصر تفسير ابن كثير:5/347
5) انظر: تفسير المنار: 4/3.
6) جاء في تفسير المنار: ج: 8، ص: 497: "عن إسحاق بن بشر وابن عساكر من طريق مقاتل عن الضحاك... أن عادا كانوا أصحاب أوثان يعبدونها فبعث الله لهم هودا... فدعاهم إلى عبادة الله وأمرهم أن يوحدوه، وان يكفوا عن ظلم الناس فأبوا ذلك وكذبوه.. وكانت منازلهم بالأحقاف، والأحقاف الرمل فيما بين عمان إلى حضرموت باليمن، وكانوا مع ذلك قد أفسدوا في الأرض كلها، وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم الله" (اهـ) مخلصا.
7) جاء في تفسير المنار: ج: 8، ص: 503: "ثمود قبيلة من العرب سميت باسم جدهم ثمود ابن عاد بن إرم بن سام بن نوح... وعن عمر بن العلاء: أنهم سموا بذلك لقلة مائهم، فالثمد : الماء القليل... وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى..."
8) الرسول(ص) لسعيد حوى-ج :2، ص:50.
  9) جاء في الموسوعة العربية الميسرة:"طوفان : فبضان عم الأرض جميعا، وأهلك الحرث والنسل ، ولم ينج منه إلا نوح وأهله، وما حملوا معهم من حيوان وطعام في مركب خاص، جاء عقابا على فساد استشرى في المعمورة كما ورد في الكتاب المقدس(سفر التكوين6-8) نصفه الآثار البابلية أيضا، ولكن الكتاب المقدس يبرز في حديثه عنه عدل الله ورحمته، ويشير إلى فساد الإنسان ووسائل النجاة للبار.. ورد ذكره في القرآن في أكثر من سورة بمناسبة قصة نوح عليه السلام ، وفي تفاصيل تتفق مع بعض ما جاء في الكتاب المقدس ".
10)جاء في الموسوعة العربية الميسرة: "القليس اسم  كنيسة شهيرة شيدها أبرهة في صنعاء باليمن في (ق6) وعني بزخرفتها ليحول بها أنظار العرب عن الكعبة ، ويحول السوق التجارية الكبيرة من مكة إلى صنعاء ، ولم يبق من آثار القليس شيء يذكر ، ويوجد بين منازل صنعاء مكان قضاء يضم  بعض أحجار يقولون عنه أنه مكان تلك الكنيسة".
11) الرسول(ص) لسعيد حوى – ج :2،ص: 50/51، وأنظر السيرة النبوية لابن كثير :1/29 وما بعدها .
12) أنظر "تفسير المنار":ج:4، ص:3.
13) "مختصر تفسير: ابن كثير":ج3- ص: 412/413.
14) مختصر تفسير ابن كثير:2- ص:615.
15) الإسلام يتحدى : لوحيد الدين خان – ص:130.
16) مختصر تفسير ابن كثير :ج:2، ص:300
17) مختصر تفسير ابن كثير :ج:3،ص:46
18) أنظر التفصيل في" الإسلام يتحدى":ص:131، وما بعدها.
19) في الحلقة السابقة

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here