islamaumaroc

الشيخ محمد بن محمد سالم المجلسي العلوي الحسني (المتوفى عام 1302 هـ ) وتفسيره"الريان في تفسير القرآن"

  إبراهيم بن أحمد الوافي

العدد 337 ربيع 2-جمادى1 1419/ غشت شتنبر 1998

تعتبر الأقاليم المغربية الجنوبية معقلا من معاقل العلم والعلماء على مر العصور والدهور، ومعدنا لبيوتات
العلم الماجدة التي أعطت العطاء الكثير لهذه البلاد. وتسلسل فيها العلم منذ أجيال.
وقد لمع في أفق الأسرة الصحراوية علماء افذاذ، خدموا العلم وعملوا على نشره في صفوف الرجال والنساء والولدان ، وحرصوا على صيانة كنوزه ومدخراته، عاضين عليها بالنواجذ، متحدين كل العوامل البيئية المؤثرة في وسطهم البدوي، الذي تكتنفه الصعوبات والمتاعب، التي قد لا تساعد على طلب العلم، والتفرغ اليه، والضرب فيه بسهم وافر.ولم تقف جهود هذه الفئة من علمائنا الأعلام على خدمة علم دون علم، او الاقتصار على فن دون فن، واِنما كانت غايتهم متجهة صوب كل العلوم التي كانت رائجة في المغرب الأقصى والأندلس والمشرق على حد سواء، مع تركيزهم على الأسس العلمية الثلاثة التي تقوم عليها ملة الاِسلام، وهي اللغة العربية، والكتاب ، والسنة، وما استنبطه علماء المالكية، وفرعوه من فقه العبادات والمعاملات، اضافة اِلى علوم الفلك والهيئة والطب والتاريخ والسير وما الى ذلك. وقد اعتمدوا في تحقيق الأهداف والوصول الي الغايات وسائل ناجعة تتفق مع وسطهم وسيولة اذهانهم، منها التسلح بالحفظ والاستظهار، ونظم امهات العلوم، وشرحها والتعليق عليها وصولا الى تقريب ثمرة الدرس والتدريس، وتحصيل أدوات البحث والتأليف، مما جعل قرائحهم تجود بأعذب الأدب والشعر، وأجود النظم وأمكنه في العديد من العلوم والفنوت، وترقت اقلامهم وأساليبهم الى تحرير نفائس الكتب.
ولا ادل على ما نقول من صنيع قطب رحى الأسرة السالمية العلوية الحسنية الصحراوية، الشيخ محمد سالم المجلسي صاحب "الريان في تفسير القران" وغيره من المؤلفات المتميزة بالجودة والإتقان. فمن هو هذا العلم
المغربي الذي يكاد أن يطويه بيننا عامل النسيان؟
انه احد أبناء السالميين الذين اشتهروا بالعلم وخدمته وموفور ذخائره في خزا نتهم الطافحة بعيون تراثنا العلمي الزاخر، وقد قدمت هذه الأسرة خدمات جليلة لطلاب العلم وللمتقاضين والمستفتين، وتعاطي علماؤها للتأليف والتدريس في الخيام الكبرى المتنقلة تبعا لمواطن الانتجاع، على عادة القبائل المغربية الجنوبية التي كانت تتحرك باستمرار عبر تاريخ المغرب في جنبات الشواطئ، وامتدادات السهول الأطلسية، مساهمة في تنشيط الحركة التجارية، ونشر ألوية العلم، وتبادل ألوان المعارف وقرض الشعر وربط العلاقات الاجتماعية بالزواج والمصاهرة وما إلى ذلك… وعادتهم في تلك الخيام إن يجلس الشيخ المدرس في خيمة مخصصة له، يتوارد عليه فيها التلاميذ والطلاب بالتناوب فيما بينهم على مهمتي الرعي والتلقي، "وقد يصل عدد الطلاب عند السالميين الى المئات، وأما العشرات، فإنها تلازمهم على العادة".(1)
وفي ظل هذا الجو العلمي الفريد، نشأ المفسر الكبير الشيخ محمد سالم المجلسي، وبين احضان قبيلته آل سالم المجلسيين تقوى عوده، واستعير هذا الاِطلاق "المجلسيون" لقبيلته من المجالسة، لأن الناس كانت ترحل إليهم في طلب العلم ، ومجالستهم من أجله .(2) وقد استطاع المجلسي المفسر ، ان يتبوأ مكانة مرموقة في وسط قبيلته خاصة والقبائل الصحراوية عامة، واشتهر بالتدريس والتأليف والاِفتاء، وكان منارة علم في النصف الثاني من القرن الثالث عشر الهجري، والى حدود مطالع الرابع عشر حيث توفي سنة 1302ه.
وكانت مدرسته المتنقلة يضرب بها المثل في اِفادة العلم والاعتناء بطلبته في سبيل الله، وألف عدة كتب اتسمت كلها بالعمق، وطول النفس، من اجلها وأهمها تفسير للقرآن العظيم، الذي نبعته ب"الريان في تفسير القرآن"، وهو تفسير يقع في سبعة أجزاء ضخام مخطوط عند ورثته، مقياس أوراقه:22*6.30 سم، عدد السطور في كل صفحة 32 سطرا، مكتوب بخط مغربي مقروء، والغالب على الظن انه خط مؤلفه –رحمة الله عليه-.
وقد حصلت على نماذج من هذا التفسير عن طريق حفيد المؤلف الشيخ المستشار السيد احمد حبيب الله المجلسي،  الذي أدرك القصد ولبى الطلب ، وكيف لا وهو من أهل العلم والنهى جزاه الله خيرا و شكر له.
وألفيت هذا التفسير يحتوى على مقدمة هامة في علوم القرآن والتفسير، متأثرا فيها المجلسي بمنهج كبار علماء التفسير الذي يعمدون الى تحلية مطالع تفاسيرهم بمقدمات نافعة تكشف عن الأدوات، وما يحتاجه طالب التفسير من معرفة بعلوم القرآن، توصله الى الغايات.
وقد جاءت مقدمات تفسيره في احد عشر فصلا، ويمكنك ان تعدها اِحدى عشرة مقدمة، على اعتبار أن كل فصل هو خاص بمقدمة، واستغرقت منه الصفحات تسعا وخمسين صفحة من المخطوط المذكور، والمقياس
المحدد له، وهذه المقدمات تعكس اختياراته المنهجية، وضمنها من العلوم ما يراه استمدادا للمفسر، وضروريا في عملية التفسير، وتكلم عن ذلك بتدقيق واستفاضة مع الحرص على نسبة النقول الى أصحابها، وتلك ظاهرة منهجية تسجل بوضوح في تفسيره الزاخرة بعيون الأقاويل.
وللاِفادة اكثر أسوق عناوينه لهذه المقدمات الدسمة والقيمة،وهي مرتبة عنده على النحو الآتي:

الفصل الأول:
في ذكر الائمة الناقلين للقرآن العزيز، وبيان القراءة المشهورة، والقراءة الشاذة، واختلاف القراء والتعريف بالقراء العشرة ورواتهم من ص: (4-7).
الفصل الثاني:
في بيان معنى القرآن ونزوله وجمعه في المصحف ، ونقطه وتحزيبه وذكر اسمائه وبيان الملكي والمدني(7-10).
الفصل الثالث:
في المعاني والعلوم التي تضمنها القرآن وفنون العلوم التي تتعلق به(10-15).
الفصل الرابع:
في أسباب الخلاف بين المفسرين والوجوه التي يرجح بها بين اقوالهم.
الفصل الخامس :
السلف الصالح أمام تفسير القرآن فريقان، منهم من فسر القرآن وتكلم في معانيه، ومنهم من توقف عن الكلام فيه احتياطا لما ورد من التشديد في ذلك ...(16-18).
الفصل السادس:
في الوقوف، وهي أربعة أنواع: تام وحسن وكاف، وقبيح وذلك بالنظر الى الاٍعراب والمعنى(ص:18).
الفصل السابع:
في الكلام على نزول القرآن علي سبعة أحرف (18-19).
الفصل الثامن:
في إعجاز القرآن وإقامة الدليل على انه من عند لله تعالى(19-21).
الفصل التاسع:
في فضل القرآن العظيم ...تناول في آخره –رحمه لله-قضايا فقهية وأحكاما تتعلق بالتلاوة والمصحف وكتابته وبيعه وقراءته بغير العربية، مع اشارته الى الأحاديث الموضوعة التي توردها بعض كتب فضائل القرآن(ص21-26).
الفصل العاشر:
فيما جاء ان القرآن شفاء(ص:21-26).
الفصل الحادي عشر:
في الاستعاذة والتسمية، واستطرد في هذا الفصل الى ذكر أحكام القراء في الاٍدغام والهمز والنون الساكنة والاٍمالة ومذاهبهم في الراءات، وذكر اللامات، والوقف على المرسوم، واختلاف القراء في الزوائد على أربعة أقسام، وقد تعهد في نهاية هذا الفصل علي أن يتتبع فرش الحروف "في كل سورة حتى يتم كتاب الله عز وجل اٍن شاء لله تعالى".
وقد اعتمد من المصادر في هذه المقدمة حسب ما صرح به مقدمة تفسير ابن جزي، وكتاب النشر في القراءات العشر لابن الشاطبية، وهذه تكررت الاٍحالة عليها مرات، وهناك مصادر اخرى ذكرها مرة واحدة في هذه المقدمة يصل عددها الى اربعة عشر مصدرا، من بينها الاٍتقان في علوم القرآن للسيوطي، أحال عليه في مقدماته مرة واحدة في صحيفة 12 من تفسيره المخطوط.
غرضه من هذا التفسير:
ومن هذا الغرض النبيل، يمكن استشراف شخصية المجلسي العلمية،وطموحه، واطلاعه الواسع ، وضربه في العلم بسهم وافر، وإدراكه لمكانة تفسير كتاب الله وتوفيق الله عز وجل له بأن شغله في خدمة كتاب، وفي تحديد غرضه ومنهجه وتسمية كتابه يقول:" إن علم القرآن العظيم هو أصل العلوم وأعلاها، وأشرفها و أفضلها، وأرفعها وازكاها، وقد تفضل علي سبحانه بأن شغلني بخدمته والتفهم في معانيه،والبحث عن تناسبه ومبانيه، وقد اطلعت على تصانيف مما صنفه العلماء في تفسيره مختلفة الأوصاف متباينة الأصناف، فمنهم من آثر الاختصار، ومنهم من أطال، وكل يغترف من فيض المنعم المدرار، ومنهم من تكلم في بعض فنون العلم دون بعض ، وكل منهم يجتني من الثمر الغض، فرغبت في سلوك طريقهم، والانتظام في سلك فريقهم، فصنفت هذا الكتاب، مبينا فيه ما تسير ذكره من علوم القرآن، ولم آل جهدا فيما يكون من التحقيق والتدقيق والتبيان، والنكتة العجيبة، والفوائد الغربية، والتناسب الرائق، وتوضح المعنى البارع الفائق، وسميت هذا التفسير بالريان في تفسير القرآن".
وفي اختياره لمصادره وتحريه فيها يقول:"واعلم اني استعنت في هذا الكتاب بالله الملك العزيز، وانتخبت فيه كلام كل سيد مزيز، أهل التحقيق والتبريز فرغبت عن الردي، وأخذت الأحمر الاٍبريز".(3)
وتظهر أهمية تفسير "الريان في تفسير القرآن" في غنى عبارته، وسلاسة أسلوبه، وحسن نقوله واختيار اجود ما في مصادره، مع اٍحكام نسج كل ما يورده من الأقوال والحرص على نسبة النقول إٍلى أصحابها بدءا وانتهاء، وتمييز كلامه غيره، وذلك بقوله: "وقال صاحب هذا التفسير" ليدل بذلك على اضافته وجديده من بين ما يسوقه من أقوال المفسرين.
وأما خطته ونهجه في تفسيره، فهو يسلك طريق التفسير العام، فيفسر القرآن آية آية، وكلمة كلمة معتنيا بالمبنى لينتهي مما يقرره فيه إلى إيضاح المعنى، ثم يستشهد على ذلك بأقوال مجموعة من المفسرين ممن اختارهم مصادر لتفسيره، ولعل هذه المجموعة كانت مفضلة لديه، ومتوفرة بين يديه، وهي كما تتكرر في تفسيره بأسماء أصحابها أو باختصار عناوينها: ابن جزي. البغوي، البيضاوي، الخازن، الثعالبي، الضياء. اللباب، الذهب الاٍبريز، الجلالين، ابن عطية، والكواشي وغيرهم.
هذا وقد شكلت نقوله عن هؤلاء المفسرين سطرا كبيرا من سدى ولحمة تفسير"الريان في تفسير القرآن".
وأما في القراءات. التي يهتم بها في تفسير بتعمق، فاٍنه يتكئ فيها على ما جاء في كتاب النشر لابن الجزري، وما يقرره ابن القاصح على الشاطبية. مع تنصيص المجلسي-رحمه لله- على ذلك في الغالب...
وحتى يتضح ما قدرته عن هذا التفسير أسوق نموذجا من تفسير للآية الثالثة عشرة من سورة البقرة وهي قوله تعالى:" وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنومن كما آمن السفهاء، ألا انهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون" يقول فيها:"واذا قيل لهم" أي للمنافقين(آمنوا) صدقوا بمحمد صلى لله عليه وسلم وشريعته (كما آمن الناس) كما صدق المهاجرون والمحققون من أهل المدينة، وهذا من تمام النصح المتقدم في قوله: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض) وما مصدرية او كافة واللام في (الناس) للجنس، والمراد به الكاملون في الإنسانية، العاملون بقضية العقل، أو للعهد، والمراد به الرسول ومن معه، والمعنى آمنوا اٍيمانا مقرونا بالإخلاص، متمحضا من شوائب النفاق مماثلا لإيمانهم، قال في الضياء،(4) وقال ابن جزي:(الناس) أصحاب النبي صلى لله عليه وسلم، والكاف يحتمل أن يكون للتشبيه أو التعليل و(ما) تحتمل أن تكون كافة مهيئة كما هي في (ربما) وان تكون مصدرية...).
وعلى هذا المنوال، يسير المجلسي في تفسير متنقلا بك بين رياض معارف مصادره، مبديا ما يراه مناسبا في فهم الآية من المعاني التي يكشف عنها البحث في وجوه مبناها، وهو مراد حقا في تقرير معناها، ولا يدلك عليه إلا الخريت في المسالك الدلالية، الذي اندبغ أديمه بعلوم الآلة، وتشبع بعلوم القرآن والسنة، وقضى عمره في معاشرة اهل الشأن من خلال ما حبروه من طروس، وتركوه من جليل الأعمال، وتليد الأثر.
فرحم الله تلكم الأجيال التي ماتت على حميد الخصال، وجعلنا بارين بجهودها شاكرين لها الصنيع، مشمرين على ساعد الجد للتهذيب والزيادة على ما تركوه، والله الموفق والهادي اٍلى سواء السبيل.

1)محمد المختار السوسي: سوس العالمة ص:141.
2)أحمد بن الأمين الشنقيطي: الوسيط في تراجم ادباء شنقيط، ص:348 مطبعة السنة القاهرة 1378 ه-1958 م.
3)ص:4من المخطوط المذكور.
4)يقصد ضياء التأويل، للفلاني المختاري ، مخطوط بالخزانة الحسنية2665 بالرباط، والخزانة العامة2041/د
         

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here