islamaumaroc

من النقد إلى البلاغة -2-

  دعوة الحق

35 العدد

وقد سبق أن قلنا أن فنون الآداب تشعبت لتشمل ألوانا كثيرة غير الشعر، وكان طبيعيا أن يتشعب النقد بدوره ليتناولها بالبحث والدرس فنرى أديبا ناقدا من معاصري ابن سلام وأقرانه هو أبو عثمان عمرو الجاحظ يتناوله هذه الفنون والخطابة بصفة خاصة ليرسم لها ما يستحسن وما يستقبح وما يتطلبه كل نوع من أنواعها. فهو يتحدث عن مخارج الحروف وصحتها وعيوبها. وعن اللغة وسلامتها وعلاقة الألفاظ بعضها ببعض وما ينشأ عن تنافر الحروف من عيوب ثم علاقتها بالمعاني ليتحدث عن الإيجاز والإطناب والملاءمة بين الخطيب والسامع وبين الخطيب والموضوع. وهو هنا ينظر بعين الناقد الحر الذي لا يهمه الأديب وإنما يهمه علمه الأدبي. ثم ينهي بالكلام على الخطيب وهيئته وإشاراته. والناظر في كتاب:«البيان والتبيين» يلاحظ أن الأفكار فيه مشتتة وموزعة. فقد جمع فيه نصوصا كثيرة تصور البيان عند العرب في القرن الثاني وأوائل الثالث وأورد آراء غيره من الرواة والعلماء والأدباء بعد أن مزجها بفكره وشخصيته بل وأخذ عن غير العرب من فرس وروم ويونان تصورهم للبيان ناقلا عنهم بعض التعريفات كما أنه عالج مشكلة اللفظ والمعنى. فذهب إلى الصناعة والصياغة وإبان فضل الألفاظ في تأدية المعاني فهذه عنده: «مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والقروي والبدوي وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولته وسهولة المخرج وفي صحة الطبع وجودة السبك وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير» ويكاد مقياسه في النقد يتلخص في الصنعة وآثارها من جودة  التشبيه وحسن الاستعارة وابتكار الصور، وهو مذهب دعا إليه وكان به مفتونا. وقد عارضه فيما بعد عبد القاهر الجرجاني ووافقه أبو هلال العسكري كما سنرى بعد سطور. وقد تناول في حديثه عن الصناعة اللفظية وسائلها فذكر البديع وأنه مقصور على العرب وأشاد بأصحابه من الشعراء. وهو إلى جانب هذا يومن بالطبع ويبعد عن التكلف ويذم من الألفاظ ما كان غريبا وحشيا. ولا نستطيع أن نقول أن للجاحظ منهجا علميا في التأليف فهو لا يحصر الموضوع ولا ينظم البحث ولا يقسمه ولا يستوفيه فكتابه زاخر بنصوص أدبية وبآراء وأحكام وموازنات بين الأدب والأدباء في أكثر فنون القول وهو مزيج من العناية بالأدب ومن التدريب العقلي ومن محاولة وضع قواعد للبيان تقوم على أسس فلسفية مقتبسة من أرسطو الذي يسميه «صاحب المنطق» يضاف إلى ذلك كله ميل إلى الاقتباس من آداب الأمم الأخرى التي عرفها العرب في العصرالعباسي. وفي أوائل هذا العصر ظهر شعراء مجددون أمثال بشار بن برد ومسلم بن الوليد جددوا في المعنى وجددوا في الأسلوب فانقسم الناس طائفتين احداهما تتعصب للقديم والثانية تضع الفن والصناعة مقياسا للحكم على جودة الشعر ورداءته لا تنظر فيه قديما كان أو حديثا. وجاء ابن قتيبة فعرض في «الشعر والشعراء» لهذا الانقسام محاولا إبطال الرأي الأول وتأييد الرأي الثاني فقد قسم الشعر إلى أربعة اضرب «ضرب حسن لفظه وجاد معناه وضرب حسن لفظه وحلا فإذا انت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى وضرب جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه وضرب تأخر معناه وتأخر لفظه» وهو يجعل المعنى أساسا لا بد لكل بيت شعر منه، يخضع له الألفاظ التي قد تختلف للتعبير عن المعنى الواحد. ثم نراه بعد هذا يترك مقاييس الجودة لينظر في الشعراء ويقسمهم إلى متكلفين ومطبوعين معتمدا على تفكيره وتقريره أكثر من اعتماده على ذوقه وحسه.
وقد تؤخذ بعض الأوصاف التي نعت به الشعر المطبوع وخلطه بين أن يكون الشاعر مطبوعا وأن يكون قادرا على الارتجال وقول البداهة وهذا لا يمكن أن يكون مقياسا لصدق الشعور وهو أكثر دلالة على قدرة الشاعر على النظم. وهو يقرر ضرورة النظر إلى النص نظرة موضوعية لا تتأثر بقائله ومنزلته أو أي اعتبارات أخرى تعتمد على الذوق الشخصي. فالنظرة عنده يجب أن تكون مجردة لا تتأثر بالغير وهذه نزعة تجديدية ترمي إلى تحرير النقد من أسباب التقليد.
كما أنه تنبه إلى حالة الشاعر النفسية وأثرها في شعره والعوامل التي قد تعوق الشاعر المطبوع. والملاحظ بعد هذا على ابن قتيبة في كتابه أنه لم يأخذ بفكرة الطبقات وتقسيمات ابن سلام وكأنه لم يكن مطمئنا إلى تلك الأحكام الأدبية التي كانت سائدة في عصره ولم يكن مومنا بمقاييسها ليتخذها مبدأ يخضع له ولكنه في نفس الوقت لم يستبدلها بأخرى يصدر فيها عن «حكم استقراه من طبيعة الشعر القديم والحديث ونسبة الجودة في كل منهما أو قربهما من مثل أعلى في الشعر» وإنما كان يعتمد في كثير من الأحيان على رأيه المستقل ونظرته المجردة وقلما اعتمد على ذوقه وكأنه كان يغلب تفكيره على حسه. وإذن فابن قتيبة لم يسر في اتجاه ابن سلام ولم يأخذ بفكرة الطبقات ولا بفكرة المكان والزمان كما أنه لم يسر في اتجاه جديد يصدر فيه عن منهج في التأليف ولا غرابة فكتابه كما يقول تاريخ «للمشهورين من الشعراء الذين يعرفهم جل أهل الأدب والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم في الغريب وفي النحو وفي كتاب الله» فابن قتيبة لم ينظر في الأشعار لينقدها ويحللها وإنما أوردها بعد أخبار شعرائها وقصصهم دون محاولة لمناقشتها ونقدها. وقد نجد عنده بعض الأحكام التقليدية فقد تحدث عن مآخذ العلماء على الشعراء وعن السرقات الشعرية وعن أقسام الشعر وطبيعته وأشكاله وألفاظه.
ثم جاء المعتز بعد هذا يدافع في «البديع» عن القدماء ويحبط زعم المحدثين الذين ادعوا التجديد في الشعر واختراع المحسنات البديعية. فالبديع كان موجودا في أشعار الجاهلية وصدر الإسلام «ولكنه كان مفرقا يأتي عفوا» فجاء بشار وأبو تمام من بعدهما فقصدوا إليه. وقد كانت الظاهرة السائدة عند هؤلاء أن يأتوا بأفكار قديمة في صياغة جديدة فأبو تمام حاول أن يجدد ولكنه لم يستطع أن يحيد عن نهج سابقيه وتقاليدهم الشعرية وأبو تمام وإن كان له فضل كبير على هذا المذهب بأن جعله عاما بعد أن غير فيه كثيرا فهو ليس صاحبه الأول فقد سبقه إليه مسلم ابن الوليد وأبو نواس وقبلهما بشار بن برد. وقد تحدث في كتابه عن الاستعارة وإنها أمر أصيل في الشعر صدر الشعراء عنها بالفطرة وعن طرق الأداء التي تتعلق بشكله دون المساس بجوهره وهي التجنيس والطباق ورد العجز على الصدر وتحدث عن المذهب الكلامي وهو نوع من الجدل العقلي والقدرة على توليد المعاني ثم ذكر بعد هذه الفنون التي اختصها باسم البديع بعض محاسن الكلام والشعر وجعلها ثلاثة عشر بابا هي الالتفات، والاعتراض، والرجوع، وحسن التضمين والتعريض، والكفاية، والإفراط في الصفة، وحسن الخروج، وتأكيد المدح، وتجاهل العارف والهزل الذي يراد به الجد وحسن التشبيه ولزوم مالا يلزم وحسن الابتداء. والظاهر أنه فصل القسم الأول عن الثاني لأنه أكثر ورودا في الشعر والكلام. واذن فابن المعتز في «البديع» قد حدد خصائص مذهب البديع وصاغ مبادئه مما جعله يؤثر في الناقدين بعده أمثال الصولي والجرجاني. ولعل هذه أول محاولة للبحث عن خصائص مذهب أدبي وبسط اصطلاحاته وهو بهذا قد «ساعد على خلق النقد  المنهجي» وابن المعتز وان ادعى أنه لم يسبقه إلى عمله  أحد قد تأثر بأٍرسطو في التوجيه العام وطريقة تحليل الظواهر دون أن يستبعده هذا التأثر ويفسد نظرته ويبعده عن الحقائق فقد بذل جهدا في البحث عن تلك الألوان البيانية واستخلاص الأمثلة من شعر الجاهليين والإسلاميين ومن القرآن الكريم وحديث الرسول. وقد يرد على هذا بأن كتاب «الخطابة» لأرسطو لم يترجمه حنين بن اسحق إلا سنة 296 مع أن ابن المعتز قد ألف كتابه سنة 274 ولكنه لا يبعد أن يكون العرب قد عرفوه قبل هذه الترجمة ففي «الفهرست» لابن النديم ما يفيد أن كتاب: «الخطابة» نقل قبل حنين وأن النقلة القدماء كانوا أيام البرامكة فيكون الكتاب قد نقل كما عند الأستاذ أمين الخولي في منتصف القرن الثاني أو على الأكثر في أواخره وبكتاب «البديع» انتقل النقد العربي من تحليل المعاني والأفكار والإشادة بقوتها وفخامتها إلى العناية بالصورة ودراسة الشكل، ويعد من جهة أخرى أول كتاب في البلاغة العربية التي سنرى بعد سطور كيف تجمدت موضوعاتها عند أبي هلال وتحددت فيما بعده وصارت ثلاثة علوم هي المعاني والبيان والبديع.
وبترجمة كتب أرسطو في «الخطابة» و «الشعر» أخذت تظهر مادة جديدة في النقد مادة فلسفية يونانية لا عهد للعرب بها حاول قدامة بن جعفر تطبيقها على الشعر والنثر بل حاول إخضاع الأدب العربي للعقل الفلسفي اليوناني. فقد بدأ كتابه «نقد الشعر» بتعريف الشعر وأن فيه الجيد والرديء والوسط وتحدث عن المعاني وانها معرضة للشاعر والمطلوب منه هو أن يبلغ الجودة واقتصر في أقسامها على المديح والهجاء والنسيب والمراثي محاولا أن يردها جميعا إلى المديح والهجاء وذكر عناصرها وهي أرٍبعة اللفظ والوزن والقافية والمعنى ثم تحدث عن محسنات الشعر في مفرداته ومركباته وأخيرا أخذ في ذكر عيوب كل منهما والملاحظ أنه يعود بالجودة والرداءة إلى الشعر نفسه دون الذوق ولعل السبب في ذلك أنه قصد إلى قواعد ثابتة ولئن استطاع قدامة أن يبوب ويرتب وينظم ويحدد ويضع للنقد العربي اصولا ومعايير يقاس بها الشعر من حيث الجودة والرداءة متأثرا في ذلك بالطريقة اليونانية فقد أحاله إلى جفاف أفقده روحه الأدبية وخرج به من دائرة الفن إلى دائرة المباحث العلمية الفلسفية بعد أن أغفل المنهج الفني والمناهج الأدبية الأخرى. وفي كتابه الثاني: «نقد النثر» ويظن أنه ليس له وإنما هو لأحد معاصريه تظهر نفس الطريقة ونفس الغاية التي رأيناها في «نقد الشعر» فهو يحاول اخضاعه لمعايير اليونانيين مضيفا إليها ما ثقفه من علوم عربية إسلامية لهذا فكتابا قدامة لم يكن لهما تأثير يذكر في النقد فاصطلاحاتهما التعليمية وتقاسيمهما الشكلية لم تؤثر في النقاد بقدر ما أثرت في علماء البلاغة الذين استفادوا من تحديده لبعض الظواهر. ولا نغلو بعد هذا إذا قلنا أن هذين الكتابين ينذران بجمود المصطلحات البلاغية وتحجرها فهما أبعد ما يكونان عن النقد وأقرب إلى البلاغة.
وتقوم الخصومة حول البحتري وأبي تمام فهذا يسرف في تطبيق ألوان البديع، ويعمق معانيه متأثرا بثقافته الفلسفية الواسعة وذاك يسير على نهج القدماء وتقاليدهم متأثرا بمذهب البديع ولكن في حدود، ودون أن يأخذ من الفلسفة اليونانية والثقافة الحديثة الواسعة، فالمجددون يقفون في  صف أبي تمام لغزارة معانيه والمحافظون يقفون في صف البحتري لاتصاله كما يقولون: «بعمود الشعر» وبينهما معتدلون مترددون بين الطرفين فقد كتب ابن المعتز في بداية الجدال رسالة في محاسن شعر أبي تمام ومساوئه وقف فيها على مواطن الجودة والرداءة عند أبي تمام ناظرا في معانيه واستعاراته وصور بديعه وكتب أحمد بن أبي طاهر المنجد رسالة في سرقاته وكتب أحمد بن عمار رسالة كلها طعن وقدح لا يقر له فيها بفضل أو حق. ولم يسكت أنصار أبي تمام فكتب بشر بن تميم يقدح في البحتري ويكشف عن سرقاته وكتب الصولي كتابه: «أخبار أبي تمام» يدافع عنه في تعصب ظاهر. ولا نصل إلى أواسط القرن الرابع حتى نجد أبا القاسم الحسن بن يحيى الآمدي يقف بين الطرفين ليقارن قصيدتين في موضوع واحد وروى واحد ثم ينص على أيهما أجود من غير أن ينظر في العناصر الأدبية كالعاطفة والخيال والأسلوب. ولئن كان الصولي يتعصب لأبي تمام فالآمدي يفضل البحتري ولكن في تستر وخفاء فهو في كتابه «الموازنة بين الطائيين» يبدو بعيدا عن الخصومة يتناولها ويجمع عناصرها ويدرسها في يقظة وحذر لا يطلق حكما ولا يفضل جملة وإنما ينظر إلى الجزئيات  والتفاصيل فقد يفوق البحتري أبا تمام في باب من أبواب الشعر وقد يفوق أبو تمام في غير هذا الباب. فهو إذن لا يتحيز ولا يتعصب يقلب  المحاسن والمساوئ عن غير هوى سالكا منهجا علميا سليما ويحقق النصوص وينظر في صحة نسبتها على طريقة ابن سلام وهو في موازنته لا يروي أحكام السابقين ولا يتأثر بآراء الذين كتبوا في الخصومة أيام عنفها وتعصبوا لهذا الشاعر أو ذاك وإنما هو ينظر فيما كتبوه وفي ديوان الشاعرين ويفحص كل ذلك ليقبل ما يراه صوابا ويعيد النظر فيما يراه خطأ وكأنه في هذه الخصومة حكم يعالجها معالجة محقق خبير عادل يمهد لدراسة الظواهر ويفسرها باحثا عن عللها كما يبدو من دراسته لسرقات أبي تمام والبحتري وفي رأيه أن سرقات المعاني ليست من كبير مساوئ الشعراء. ومن السرقات ينتقل إلى الحديث عن أخطاء الشاعرين وعيوبهما ومحاسنهما ثم ينتقل إلى مقارنة تفصيلية بينهما متتبعا معانيهما واحدا واحدا. والآمدي في موازنته لا يعتمد على ثقافته ومعلوماته فحسب وإنما يعتمد كذلك على ذوقه وإحساس نفسه التي كثيرا ما يعود إليها «يستجلي حقائقها فيتخذها سبيلا للحكم على إصابة الشاعر أو عدم إصابته» وقد كان عارفا بحكمة الفرس وفلسفة اليونان ولكنه لم يتأثر بهما فقد كان ذوقه عربيا سليما ونظرته واسعة صادقة وقد تأثر بابن المعتز فيما يختص بالبديع مما جعله عنصرا هاما في نقده. ثم أن الآمدي لم يقصد من دراسته مفاضلة بين الشاعرين فحسب يحكم فيها لهذا أو ذاك وإنما قصد دراسة علمية مقارنة ناقش فيها أكثر من قول وأكثر من معنى غير ما عند الشاعرين، غايته تحديد خصائص كل منها وتوضيح مذهبهما.
ثم تقوم الخصومة حول المتنبي وكان في شعره نوع من التجديد فيلاحظ النقاد أن فيه تعقيدا وتكلفا لا عهد لهم به، يصوغه في «عبارات استمدها من الفلسفة والتشيع والتصوف كما استمد طرفا منها من أساليب العرب الشاذة في النحو واللغة» فهم يلاحظون عليه سرقاته وفساد معانيه وألفاظه. ثم أن الشاعر كان متكبرا شديد الفخر والاعتزاز بنفسه. مما جعل له حسادا كثيرين خاصة بعد أن قربه سيف الدولة وأجزل له العطاء. وتنطلق الشرارة الأولى لهذه الخصومة في بلاط سيف الدولة حين كان يخاصمه أبو فراس وكان ابن جني من أنصاره. وتندلع نيرانها حين يتركه إلى بلاط كافور بمصر فيكتب ابن وكيع كتابا في سرقاته يسميه «المنصف». وفي بغداد يناظره الحاتمي ويكتب رسالة يكشف فيها عن سرقاته لحكم أرسطو ومعانيه ثم يقصد عضد الدولة وابن العميد ليمدحهما فيطلب منه الصاحب بن عباد أن يمدحه فلا يجيب، فيكتب رسالة يكشف فيها عن مساوئ المتنبي يسميها «الكشف عن مساوئ المتنبي» وهكذا اختلف الناس في طائفتين: فالأولى تكرهه وتحط من شأنه وقيمته والثانية تقدره وتكبره وترى ان شعره في المقام الأول إلى أن جاء أبو الحسن علي ابن عبد العزيز الجرجاني قاضي قضاة الدولة البويهية في إيران ناقدا معتدلا وألف كتابه «الوساطة بين المتنبي وخصومه» كما عند ابن خلكان في وفيات الأعيان و «الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد الشعر» كما عند حاجي خليفة في كشف الظنون. وقد جعل كتابه ثلاثة أقسام في الأول يتناول أخطاء الجاهليين التماسا للعذر في أخطاء صاحبه وتفاوت شعر الشعراء تبعا لأزمنتهم وبيئاتهم والموضوعات التي يطرقونها وتاريخ الشعر العربي وتطوره حتى ظهور البديع ويتحدث عن أوجهه، وفي الثاني يدافع عن الشاعر وفي الثالث يدخل في الوساطة فيتناول عيوب المتنبي وما أخذ عليه العلماء وفي يناقش ويحلل في نقد موضعي دقيق لعله أهم ما في الكتاب. ويبدو الجرجاني في كتابه عالما واسع المعرفة يسير في تثبت وحذر وقاضيا عادلا لا يتبجح ولا يغتر وقد جعل أساس منهجه في النقد «قياس الاشباه والنظائر» فهو لا ينظر إلى الشاعر وما عابوه عليه ليناقش أخطاءه وإنما هو يحاول إنصافه: «ويقيسه بأشباهه ونظائره عند الشعراء المتقدمين» ولا يلبث أن ينتهي إلى: «أنهم لم يسلموا هم أيضا من الأخطاء» ومن الأخطاء ينتقل إلى تفاوت شعر الشاعر جودة ورداءة وما خلاف فيه السابقين وهو ف ي هذه المسألة كسابقتها لا يحيد عن منهجه: ناقد نزيه ومؤرخ بصير وهو ينبه إلى أن الخلق الفني راجع إلى: «الذكاء والطبع والدربة والرواية» التي هي عند العرب بمثابة التلمذة والناس بعد هذا يتفاوتون في القدرة على الشعر وإن اجتمعت بينهم القرابة ثم هو بعد هذا يستعرض تطور الشعر العربي ولغته ويورد بعض  ما عيب على أبي تمام في شعره ليلتمس العذر لصاحبه فيما  في بعض شعره من تكلف وإسراف ولئن اتفق مع الآمدي في الحكم على جوهر الشعر ذاته وفي تفضيل الشعر المطبوع على الصناعة فهو أكثر تساهلا منه بل أميل منه إلى السهولة. وتبدو في نقذه نزعة نفسية انسانية قد تغلب على النزعة الفنية الخالصة وهذا بخلاف الآمدي الذي يغلب النزعة الأخيرة. وإذا لاحظنا أنه اعتمد على المبادئ العامة أكثر من اعتماده على النقد الموضعي وأن الروح التعليمية ظاهرة في كتابه وأنه في جانب منه يحاول رد الأشياء إلى قواعدها العامة عرفنا أنه مهد السبيل إلى تحويل النقد إلى بلاغة، فهو رجل مبادئ وهو في نفس الوقت رجل ذوق سليم وقد كان أميل إلى المنطق والقياس ولكنه كان يحكم إلى ذوقه في أكثر المسائل التي بحثها واذن فالجرجاني والآمدي يتخذان من تقاليد العرب وما درج عليه الشعراء مقاييس للخطأ والصواب. يسيران على نهجها في الدرس والحكم. وبالرغم مما في هذه الطريقة من تضييق فهي تفتح باب تجديد الصياغة.
وقد رأينا قدامة قبلهما يحاول أن يفرض على الشعراء طريقة معالجة موضوعاتهم ويجدد لهم المعاني مضيقا مجال الشعر ومحكما قواعده في منهج عقلي تعليمي. وقد كادت ان تموت هذه المدرسة التي لم يتأثر بها النقد العربي لحسن حظه لولا أن ظهر أبو هلال العسكري آخر القرن الرابع فبعثها وأحياها وفصل القول فيها شارحا وممثلا ومضيفا إليها أشياء أخرى من عنده. فهو وان رفض الأخذ ببعض اصطلاحات قدامة وتعاريفه وفضل عليه ابن المعتز الذي كان يعتمد آراءه فقد أخذ عنه قواعد وأغراض الشعر وأشياء أخرى كثيرة. ففي «كتاب الصناعتين: الشعر والنثر» يبدأ العسكري بالإبانة عن موضوع البلاغة لينتقل إلى تمييز الكلام جيده من رديئه وينبه على أخطاء المعاني وصوابها وليتحدث عن معرفة صنعة الكلام وكيفية نظمه وترتيب ألفاظه وما يحتاج الكاتب إلى ارتسامه وامتثاله ثم ينتقل للكلام عن حسن النظم وجودة الرصف وعن الإيجاز والإطناب وعن حسن الأخذ وحل المنظوم وفيه يتحدث عن السرقات وعن التشبيه وحده والبيان عن قيمته وعيوبه وعن السجع والازدواج وواجه البديع وأخيرا يتحدث عن مبادئ الكلام ومقاطعه. والحق أن كتاب العسكري يعتبر الأوج الذي وصل إليه مذهب البديع الذي كان معجبا به وبقواعده الشكلية المنطقية وبه ينتقل النقد المنهجي إلى بلاغة تعليمية لم تلبث أن جففت ينابيع الأدب الذي أصبح يعتمد على الصنعة العقيمة «إذ أخذ الأدباء والشعراء يستخدمون تلك الأوجه ليحلوا بها أسلوبهم وكانت النتيجة أن ضاع من الأدب كل إحساس أو فكر أو فن صحيح وغلبت اللفظية والتكلف حتى أماتت الأدب» والغريب أن أبا هلال حين يتحدث عن المسائل الأدبية الخالصة كالسرقات تستقيم أحكامه ولعل السبب أنه لم يتأثر فيها بأحد من مناطقة البيان الشكليين.
ثم جاء بعده عبد القاهر الجرجاني وكان عالما من علماء اللغة والنحو ذا فكر حاد وذوق سليم فألف كتابين يعتبران أحسن ما كتب في البلاغة العربية هما: «أسرار البلاغة» و «دلائل الإعجاز» وفيهما يحارب تيار اللفظية وينقض نظريتين قديمتين أخذ بهما سابقوه الأولى أن جمال الكلام في اللفظ والثانية أنه في المعنى فجعله هو في نظم الكلام أي في الأسلوب فهو يرد إعجاز القرآن وبالتالي سر الإبداع في الفن الكلامي إلى النظم أو السياق فالسر في البلاغة عنده ليس في اللفظ من حيث هو لفظ وإنما هو في هذه الارتباطات والعلاقات التي يوجدها الشاعر بين اللفظ وما قبله وما بعده «فالألفاظ لا تفيد حتى يؤلف ضربا خاصا من التأليف ويعمد بها إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب» فاللغة عنده ليست مجموعة من الألفاظ بل مجموعة من العلاقات والروابط التي هي المعاني فالألفاظ لم توضع لتعين أشياء بذاتها وإنما لتستعمل في الأخبار عن هذه الأشياء بصفة أو حدث أو علاقة. وإذا كانت العلاقات لا تستقيم إلى بالنظم فقد جعله مقياسا لنقده اللغوي النحوي إذ النحو عنده هو ذلك العلم الذي يبحث في الروابط بين الأشياء. ثم هو يدرس الجملة منفردة ومتصلة دراسة مفصلة ليبين مواطن الجمال في الأسلوب فيبحث في أهمية حروف العطف وقيمة الإيجاز والإطناب وضرورة مطابقة الكلام لمقتضى الحال وهذا أساس علم المعاني فعبد القاهر يحاول التوفيق بين قواعد النحو العربي وبين آراء أرسطو التي درسها في العبارة في نهج موضعي دقيق.
وجاء بعد عبد القاهر جماعة نهجوا نهجه وزادوا في الأمثلة والتقسيمات فأتلفوا النقد وأفقدوا البلاغة روحها وكأنهم كانوا يحاولون وضع قواعد مركزة للبلاغة همهم في ذلك أن يفهموا ما وضعه لها عبد القاهر فألف السكاكي كتابه: «مفتاح العلوم» وفيه يتناول النحو والصرف وأوزان الشعر والمعاني والبيان والبديع ملخصا ما قاله الجرجاني دون  أن يأتي بشيء جديد. وبالمفتاح وضعت للبلاغة مقاييس ومعايير جمدتها وحجرتها بصفة نهائية.
ولم نصل إلى أوائل القرن الثامن حتى ندخل في عصر التلخيصات والشروح والجدل المنطقي فيلخص القزويني في متنه: «تلخيص المفتاح» ما جاء في القسم الخاص منه بالبلاغة يختصر القواعد ويجملها حتى كأنها الغاز مما اضطر العلماء بعده إلى شرحه، فشرحه هو نفسه في «الإيضاح» وشرحه سعد الدين التفتازاني والشريف الجرجاني وابن يعقوب المغربي والسبكي المصري وجاء بعد هؤلاء من شرح هذه الشروح وكتب عليها حواشي وتعليقات لا شيء من ورائها غير إفساد الذوق وإفقاد الملكة الأدبية.
أما التيار النقدي فقد استمر قليلا من القرن الخامس قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة بفضل أبي العلاء المعري الذي لم تفسد الصنعة طبعه ولم تطغ عليه المحسنات البديعية فقد كتب «رسالة الغفران» ورسائل أخرى في نقد امرئ القيس والنابغة وأبي تمام والبحتري والمتنبي. ثم جاء ابن شهيد الأندلسي فكتب «التوابع والزوابع» وكان أهم ما ظهر في النقد بعد هذا كتاب لابن الأثير تغلب عليه الروح البلاغية وهو «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» وكتاب «العمدة في صناعة الشعر ونقده» لابن رشيق القيراني وهو ليس بحثا جديدا وإنما هو نظرات جزئية ملخصة من ملاحظات النقاد الذين سبقوه ولعل سبب جمود النقد راجع إلى فساد الذوق وعدم ظهور أساليب وأنماط جديدة في الشعر تجعل النقاد يلاحظون ويدرسون.
وهكذا سار النقد والبلاغة منذ أقدم العصور الأدبية متحدين مختلطين لا يفرق بين مفهومهما في دراسة النصوص وتحقيقها وظلا على هذه الحال مجتمعين حتى بعد أن نضجت آداب العرب وعلومها واستقل النحو واللغة في الكتب والمعاجم. ولكنهما في نحو القرن الخامس الهجري وبعد مشقة وعناء ينفصلان ليكون للنقد أصوله التي تساعد على تمييز الجيد والرديء من الكلام وليكون للبلاغة قواعدها التي تساعد على تمييز الكلام البليغ من غيره. فالنقد ينظر في الكلام بعد إنشائه ويتخذ من قوانينه  مقاييس لتقدير ما فيه من محاسن ومساوئ وتضع البلاغة للأديب القوانين التي تساعده على التعبير الواضح الجميل.
وهو قبل أن يحكم بالجودة أو الرداءة يتناول الأثر الأدبي في مجموعه أي أنه ينظر في الأفكار والتعبير أو ما نسميه المادة والأسلوب ثم يلاحظ الصلة بينه وبين صاحبه وظروفه أما البلاغة فتترك المادة للأديب وتتناول العبارة أو الأسلوب للحكم المباشر على الأثر الأدبي إذا كان جيدا أو رديئا. وليس معنى هذا أن النقد لا ينظر في الأثر الأدبي ليحكم عليه وإنما هو يحكم متأثرا بطريقة الناقد في الدراسة فقد يكشف عن قيمة الأثر من حيث موافقته أو صدقه في التعبير عن حال من الأحوال كما أن البلاغة حين تدرس الناحية الفنية أي ناحية الجمال لا تغفل عن دراسة الظروف المتصلة بالأثر الأدبي ولكنها لا تنظر في الأحوال التي يتناولها النقد وإنما تعتبر الظروف الوقتية التي قيل فيها الكلام وهو ما تسميه بمقتضى الحال.
وإذن فالنقد أوسع من البلاغة فهو إلى جانب الحكم الفني يتناول الصلة بين الأدب وبين البيئة وبينه وبين صاحبه من حيث حالته وكيفية تأثيره في القارئ أو السامع وأما البلاغة فتتناول الجانب الفني وطرق التعبير المختلفة مستعينة باللغة والنحو وهي بهذا أداة للنقد وإن خالف في حكمه بعض قواعدها الفنية.
وبالرغم من كل هذا الاختلاف فغاية العلمين واحدة هي تحقيق الصدق والقوة والجمال في الأداء والتعبير الأدبي.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here