islamaumaroc

السند وحتميته في الدراسات الإسلامية.

  عبد القادر العافية

العدد 337 ربيع 2-جمادى1 1419/ غشت شتنبر 1998

موضوع السند له اهمية كبيرة عند علماء المسلمين، لأنهم ربطوا منهجيتهم في العلوم الإسلامية بالسند.
والسند لغة: ما ارتفع من الأرض، وجمعه أسناد.
واصطلاحا: رفع الخبر إلى قائله، فهو يعني سلسلة الرواة الذين نقلوا الخبر واحدا عن واحد حتى بلغوا به إلى مصدره الأول.
ويعرف السند كذلك: بأنه الطريق الموصلة إلى المتن.
ومما جعل السند حتيما في العلوم الإسلامية تعلق هذه العلوم بالكتاب والسنة.
لقد وصل القرآن الكريم إلى المسلمين عن طريق التواتر، وتواتر السند لا يحتاج إلى كبير عناء، لأن أجيال المسلمين ينقل بعضها عن بعض، ومع ذلك فكل قراءة لها سندها الذي تتصل به إلى شيوخها، كسند ابن الجزري إلى أبي عمرو الداني، وسند أبي عمرو الداني إلى سائر المقرئين والرواة، (1) لكن الأمر في الحديث النبوي يختلف عن الأمر في القرآن الكريم، لأن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكتبوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كتبوا القرآن، والذي كتب من السنة النبوية نزر يسير لا يغطي كل الأبواب والفصول التي يحتاجها المسلمون في عبادتهم، ومعاملاتهم، وآدابهم وأخلاقهم... وكان الصحابة رضوان الله عليهم يتكاملون فيما بينهم، وكانوا أهم مرجع للتابعين الذين كانوا يسألونهم عن أمور دينهم، وفيما أشكل عليهم من الأحكام الشرعية.
وبانتهاء عصر الصحابة، اشتدت الحاجة إلى تدوين ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم فهرع العلماء إلى تلقي العلم عمن أخذوه من الصحابة، وفي خلافة عمر بن عبد العزيز جاء الأمر بتدوين السنة والبحث عنها، وذلك في السنتين الأخيرتين من المائة الأولى. وصادف ذلك ظهور الأحزاب والفرق التي تهافت أصحابها على الاستدلال بالحديث النبوي، كل يريد توجيه مذهبه وتقويته به، وهنا انبرى أهل العلم بالحديث للذب عن السنة، والتزموا برواية ما صح سنده عن روس الله صلى الله عليه وسلم دون غيره.
وذكر العلماء أن الأصل في الحرص على السند قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه ابن حبان في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده، والحاكم وأبو داود:" تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن سمع منكم"،وقوله صلى الله عليه وسلم:"نضر الله ارءا سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه".أخرجه الترمذي وغيره، وقال: حديث حسن صحيح، كتاب العلم- وبوب الترمذي لمجموعة من الأحاديث في هذا الموضوع بقوله:"باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع".واحتاط العلماء من نقل الأخبار بطلب السند، والتعرف على الرواة وأحوالهم، ومبلغ علمهم وثقتهم، وبعرض مروياتهم على أصول الشريعة، ومشهور السنة...
وأول من ألف كتابا مراعيا فيه الدقة في النقل، مالك ابن أنس رحمه الله.ألف كتاب الموطأ بالمدينة، وفي نفس الفترة ألف ابن جريج بمكة والأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة بالبصرة، وهشيم بن بشير بواسط ، ومغمر بن راشد باليمن، وعبد الله بن المبارك بخراسان، وجرير بن عبد الحميد بالري، وهؤلاء في عصر واحد، وكلهم زوار لا يدري أيهم أسبق.
واشتهر من بين مؤلفات هؤلاء"الموطأ" لكثرة رواته، ولأن علم علماء المدينة، كان له الأسبقية على غيره، لاطمئنان الناس إليه باعتبار أن المدينة هي دار الإسلام، الذي أسس بها المسجد النبوي، والذي هو المدرسة الأولى التي تفرعت عنها المدارس الأخرى.
ومن هذا الوقت المبكر جدا، التزم علماء المسلمين بالسند في نقل السنة النبوية الشريفة، ثم التزم كثير منهم بالسند منذ فروع المعرفة، وكان لهذا الصنيع أثره البالغ في النهضة العلمية بالديار الإسلامية. وفي ربط الصلات بين العلماء بمشارق الأرض ومغاربها، وفي تعرف بعضهم على بعض، وطلب العلماء السند في السير والمغازي، وفي تراجم الرجال والرواة، واللغة والبلاغة والنحو والأدب والشعر والعروض وأخبار العرب...
وعن اهتمام علماء المسلمين بالسند يقول ابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل:"نقل علوم المسلمين كانت عن طريق التواتر جيلا عن جيل، أو عن طريق نقل الكافة عن مثلها حتى يبلغ الأمر للرسول صلى الله عليه وسلم، أو بنقل الثقة عن الثقة حتى يبلغ إلى النبي صلى الله عليه وسلم بحيث يخبر كل راو باسم الذي أخبوه وبنسبه، وكلهم معروف الحال، والعين، والعدالة، والزمان، والمكان، وهذا نقل خص الله به المسلمين دون سائر أهل الملل كلها، وأبقاه عندهم غضا جديدا على قديم الدهور، مذ أربعمائة وخمسين  عاما في المشرق والمغرب والجنوب والشمال، يرحل في طلبه من لا يحصي عددهم إلا خالقهم إلى  الآفاق البعيدة، ويواظب على تقييده من كان أخذ للناقل أو قريب منه، وقد تولى الله تعالى حفظه عليهم، والحمد لله رب العالمين، فلا تفوتهم زلة في كلمة فما فوقها في شيء من النقل إن وقعت لأحدهم، ولا يمكن لفاسق أن يقحم فيه كلمة موضوعة".(2)
ويقول ابن العربي المعافري في "سراج المريدين" موجها الخطاب لطلبته: "الله أكرم هذه الأمة بالإسناد لم يعطه لأحد غيرها، فاحذروا أن تسلكوا مسلك اليهود والنصارى، فتحدثوا بغير إسناد، فتكونوا سالبين نعمة الله عن أنفسكم ، معرضين للتهمة إليكم ، وخافضين لمنزلتكم، ومشتركين مع قوم لعنهم الله وغضب عليهم، وراكبين لسننهم...".(3)
فابن العربي يقول هنا صراحة : إن الذين يتهاونون بأمر الاعتماد على السند، هم من الذين يسيئون إلى العلم، ويسلبون نعمة الله عن أنفسهم ، ويعرضون أنفسهم للتهمة، وبذلك ينحدرون عن منزلة العلماء ويشاركون من حلت عليهم لعنة الله وغضبه...
وفال ابن حجر الهيثمي :" لكون الإسناد يعلم به الموضوع من غيره، كانت معرفته من فروض الكفاية".(4)
وقال صاحب الفهرس الفهارس : "روينا من طريق أبي العباس الدغولي ، قال: سمعت الشيخ محمد بن حاتم بن المظفر يقول: "ان الله أكرم هذه الأمة  وشرفها بالإسناد ، وليس لأحد من الأمم قديمها وحديثها إسناد موصول، وإنما هي صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، فليس عندهم تمييز بما نزل من التوراة والإنجيل. وبين ما ألحق كتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات".(5)
وقال يزيد بن زريع: "لكل دين فرسان، وفرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد".(6)
وقال القاضي عياض في الإلماع: "إن مدار الحديث على صحة الإسناد فيه، فبه تتبين صحته، ويظهر اتصاله".(7)
وذكر ابن صعب في النجم الثاقب عن عياض أنه قال:" ما وقفت قط على خبر أو أثر إلا وعندي إسناده".(8) ومما قاله القاضي عياض في الإلماع:
العلم في أصلين لا يعدوهما                  
                إلا المضل عن الطريق اللاحب
علم الكتاب وعلم الآثار التي
                 قد أسندت عن تابع عن صاحب
- جاءت بها الأثبات عنهم واعتنت بمساند ومراسل وغرائب.(9) وأكد كثير من الباحثين في العلوم الإسلامية: أن الأمم السالفة، لم تعتن بالإسناد في النقل والرواية، ولا بالتحري في معرفة رواة الخبر ، ولا معرفة درجاتهم في الضبط والعدالة. فكانت الأخبار تروى على علاتها. وكانت الأديان والمذاهب يعول فيها على النقل الشفوي، وعلى كتابات السابقين، دون سؤال عن الإسناد وبحثه...".(10)    
ويجد الدارس لمنهجية السند عند علماء المسلمين أنه كلما تعلقت المرويات بقواعد الدين وأحكامه، كان الحرص على طلب السند أشد، ولقيمة السند عند المسلمين ، قال العلماء السند كالنسب للإنسان، وبذلك أصبح السند ضروريا لنقل الأخبار عند مختلف طبقات الناس، قال الأصمعي: "حضرت ابن عيينة، وأتاه أعرابي فقال: كيف أصبح الشيخ؟ ثم قال: ما تقول في امرأة من الحاج حاضت قبل أن تطوف بالبيت؟ فقال: تفعل ما يفعل الحاج، غير أنها لا تطوف بالبيت، فقال: هل من قدوة؟ قال: نعم، عائشة حاضت قبل أن تطوف بالبيت، فأمرها الرسول صلى الله عليه وسلم أن تفعل ما يفعل الحاج غير الطواف. فقال: هل من بلاغ عنها؟ قال: نعم، حدثني عبد الرحمان من القاسم عن أبيه عن عائشة بذلك، قال: الأعرابي: لقد استسمنت القدوة، وأحسنت البلاغ، والله لك بالرشاد".(11)
ومعناه أن الإسناد أصبح مطلوبا حتى من عامة الناس، فهم يطلبونه ممن يحدثهم أو يخبرهم حتى يطمئنوا إلى صحة ما سمعوه، وفي صحيح مسلم:" باب بيان أن الإسناد من الدين، وأن الرواية لا تكون إلا عن الثقات". وروى مسلم بسنده إلى ابن يسيربن أنه قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم".وبسنده إلى ابي الزناد عن أبيه قال: "أدركت بالمدينة مائة، كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث،يقال ليس من أهله!!". وبسنده أيضا إلى عبد الله بن المبارك، قال: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء".(12)
ونقل ابن خير بسنده إلى مالك بن أنس رحمه الله، أنه قال:" إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فقد أدركت سبعين ممن يقول: قال فلان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذه الأساطين، وأشار إلى أساطين رسول الله  صلى الله عليه وسلم، فما أخذت عنهم شيئا، وإن أحدهم لو ائتمن على مال، لكان أمينا، لم يكونوا من أهله. ويقدم علينا ابن شهاب فكنا نزدحم على بابه...(13)
وهكذا نجد أن أئمة علماء المسلمين كانوا يعملون على إسناد أخبارهم وسماعاتهم إلى من عرفوا بالكفاءة العلمية من ذوي التخصص المشهود لهم بالمهارة والصدق وسعة الاطلاع...
ويقرر ابن خلدون في مقدمته أنه إذا قلت العناية بالسند، انخفض مستوى العلــــــــــم".(14) ويقول بعد ذلك: "ولهذا كان السند في التعليم في كل علم أو صناعة إلى مشاهير المعلمين، معتبرا عند أهل كل أفق أو جيل".(15) فابن خلدون يؤكد على ضرورة السند في العلوم المختلفة، لكن السند لا يكون له اعتبار وجدوى الا إذا كان إلى مشاهير المعلمين والمدرسين، من أصحاب التخصص ودقة الاطلاع، ومن أصحاب الكفاءة في تدريس العلوم، فمجرد السند لا يكفي، وسبقت الإشارة إلى تحري الإمام مالك رحمه الله في الأخذ والتلقي، حيث كان لا يتلقى علومه عمن كان، ومن هنا يظهر أن قولهم:" من أسند لك فقد حملك، أو أبرأ ذمتك" ليس على إطلاقه، بل مقيد بمعرفة حال الرواة في السند، وبمعرفة ما هم عليه من الضبط والعدالة...،أما الذي لا معرفة له بذلك، فلا يسوغ له أن يعتمد على الخبر لمجرد ذكر سنده، والاعتماد على السند من غير روية ولا تبصر كان من شأنه ذيوع كثير من الروايات المدسوسة في التاريخ، والتفسير. ومن هذه الروايات ما لقي رواجا عند كثير من الوعاظ والمتساهلين في نقل الأخبار، واتخذت هذه الروايات أو بعضها على الأقل شكل حقيقة، وأصبحت متداولة تمتلئ بها الصفحات هنا وهناك ، كالزور الذي شهد عند ماء الحوأب في وقعة الجمل لإقناع أم المؤمنين عائشة_(ض) بأن المكان ليس هو الحوأب  والتي قالت وهي تسمع نباح كلاب الحوأب:" قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحـــــــوأب؟ ". فحديث عائشة (ض) في هذا المكان سنده صحيح(16) حسبما أكده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية، لكن تنزيل شهادة الزر عليه من طرف الصحابين الجليلين الزبر ابن العوام، وطلحة ابن عبيد الله(ض) وبأنهما أتينا بأربعين من الأعراب ليشهدوا زورا بأن المكان ليس هو الحوأب، حتى لا تتخلى عائشة (ض) عن المسير إلى ما كانت بصدده ، إضافة شهادة الزور إلى هذه الحادثة ، ليس لها سند صحيح، وإنما هي من تلفيق بعض الرواة، ولذلك تورع عن نقلها وترويجها أصحاب المعرفة بالسند، كابن كثير وغيره.(17)
ومن ذلك تفسيق الوليد ابن عقبة عند كثير من المفسرين عند قوله تعالى:( يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) الآية السادسة من سورة الحجرات، وقد رد ابن العربي المعارفي على ذلك في كتابه العواصم من القواصم ، وغيره،(18) وكتسليم عبيد الله بن عمر للقابذان بن الرمزان من طرف عثمان بن عفان، (ض) مثل هذه الأخبار منقولة بسند، لكن سندها واه لا عبرة به ، والأمثلة على ذلك كثيرة.
لقد كان من نتائج تساهل بعض النقلة من مؤلفي كتب التاريخ و التفسير إدخال كثير من  الروايات المدسوسة، والتي لفق سندها بإتقان ، وعن سوء قصد ونية، والغريب في الأمر أن مثل هذه الروايات نقلها كثير من المفسرين والمؤرخين دون تمحيص أسانيدها، والتنبه لأخطارها، ولقد نبه على ذلك بعض العلماء، منهم:
القاضي ابن العربي المعافري في العواصم من القواصم، في الفصل الذي خصصه في تفنيد التهم الموجهة لسياسة الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، ونبه على ذلك الشيخ بن تيمية في كتابه مناهج السنة النبوية، وغيرهما، لكن هذه التنبيهات تجاهلها كثير من النقلة، ولم يعيروها كبير اهتمام، وبذلك أصبح لزاما على من يريد معرفة الأخبار الصحيحة في أسباب النزول مثلا، أو في كثير من الأحداث التاريخية المتعلقة بالصحابة والسلف الصالح من خيرة هذه الأمة، أصبح لزاما عليه أن يحتاط غاية الاحتياط، حتى لا يقع في المحضور، وأن يبحث عن الروايات التي لها سند صحيح، وبكل أسف أن جل المؤرخين و المفسرين لم يلتزموا بمنهجية علماء الحديث الذين لم يرضوا لكبار العلماء ولا لغيرهم لأن ينقلوا أخبارا منقطعة، أو مرسلة، ولو صدرت عن كبار أئمة العلم ، وقالوا: " لو جاز قبول المراسل مجاز قبول خبر مالك والشافعي والأوزاعي إذا ذكروا خبرا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو جاز ذلك فيهم لجاز فيمن بعدهم، وبطل المعنى الذي عليه الخبر.(20)
وابن عبد البر الذي حاول الداع عن  مراسيل الموطأ وبلاغاتها، نجده قد رتب كلامه أثناء تناول أحاديثها بالشرح والبيان لمضامينها يقدم المتصل على غيره، ثم ما جرى مجراه مما اختلف في اتصاله وانقطاعه، ثم المنقطع والمرسل...

السند في رواية الكتب المعتمدة:
وكما اشترط علماء الحديث السند المتصل في قبول رواية الأخبار، اشترطوه كذلك في رواية الكتب المعتمدة، وفي هذا المجال نعود إلى ابن البر الذي برر اعتماده على رواية يحيى بن يحيى الليثي بأن علماء بلده أكثروا من استعمالهم لهذه الرواية بالسند المتصل عن شيوخهم إلى مالك بن أنس، ويقول: " كل قوم ينبغي لهم امتثال طريق سلفهم فيما سبق لهم من الخبر".(21)
ومعناه أن علماء أي إقليم يعرف بعضهم بعضا،ويتصل بعضهم ببعض، فالاطمئنان إليهم أكثر، والاتصال بهم يكون أقوى، وبعد ما يورد ابن عبد البر هذا الكلام، يذكر سنده المتصل لكتاب الموطأ عن طريق ثلاثة من الشيوخ، يتصل سندهم بمحمد بن وضاح عن يحيى بن يحيى عن مالك، ويذكر أن أحد الشيوخ الثلاثة له سند آخر ينتهي لعبد الله بن يحيى عن يحيى عن مالك، فسند عبد البر إلى موطأ مالك صريح وواضح ولا غبار عليه، وهو سند متصل بشيوخ الأندلس عن يحيى الذي روى عن مالك مباشرة، فكتب العلم المعتبرة لابد وأن تعتمد على السند المتصل بالطرق المذكورة عند علماء الحديث. فقد ذكر ابن خير في الفهرست :" قال يحيى بن بكير: لما عرضنا الموطأ على مالك بن أنس رحمه الله قال له رجل من المغرب: يا أبا عبد الله، أحدث به عنك؟ قال: نعم. قال: وأقول: حدثني مالك، قال: نعم،أما رأيتني فرغت نفسي لكم، وسمعت عرضكم، وأقمت سقطه وزللـه، فمن حدثكم غيري!نعم، قالوا: حدثنا مالك". قال ابن خير وسماع العرض على الشيخ كالعرض سواء، لا فرق بينهما في المعنى.(22)
ودفع الحرص على اتصال السند إلى تأليف كتب الفهارس والأثبات والبرامج، حيث اهتم الشيوخ فيها بإثبات سندهم فيما أخذوه من العلم عن شيوخهم، فيذكرون أسماءهم وألقابهم وكناهم، ويذكرون ما يعرفونه عنهم، ويهتمون بكل ما يتعلق بكيفية الأخذ وزمانه ومكانه، وهل كان سماعا من الشيخ أو قراءة عليه، أو إجازة أو منزلة، أو جادة بخطه، أو بغير خطه...
وكتب البرامج والفهارس والأثبات تشكل ثروة علمية ذات أهمية. لأنها زيادة على ما تؤكده من اتصال السند، وربط الصلاة العلمية بين العلماء تطلع القارئ على المحصول العلمي الكبير الذي كان يتوفر عليه علماؤنا في مختلف ميادين المعرفة، وتذكرنا بالعدد الضخم الهائل من مؤلفات علمائنا، وكيف كانوا يتعاملون مع هذا التراث، وكيف كانوا يحرصون على الاستفادة منه، وعلى قراءته ودراسته والتعليق عليه، وهضم محتواه، وكيف كانوا يروونه عمن عرف بالمهارة فيه، ويميزون في الأخذ بين مراتب العلماء. كما يستفاد من أبي نصر الشرازي الذي يقول: "الذي يعلم المتن والإسناد جميعا ، الفقيه: الذي يعرف المتن ولا يعرف الإسناد، والحافظ: الذي يعرف الإسناد ولا يعرف المتن، والراوي : الضي لا يعرف المتن وى يعرف الإسناد". (23) ونقل ابن حجر الهيثمي عن الحافظ العراقي أنه قال: "نقل الإنسان ما ليس له به رواية غير سائغ بإجماع أهل الدراية، وفي مقدمة فتح الباري عن بعض الحفاظ:" الأسانيد أنساب الكتب".وقال أبو الفضل مرتضى الزبيدي: ثبت عند أهل هذا الفن أنه لا يتصدى لإقراء كتب السنة والحديث قراءة دراية أو تبرك ورواية إلا من أخذ أسانيد تلك الكتب عن أهلها، ممن أتقن دراستها وروايتها، ورحل إلى البلدان فظفر بحوالي المرويات، وباحث الأفران، فأحاط بمداركه الدرايات. وجلس في مجالس الإملاءات على الركب، وتردد إلى المشايخ بالخضوع والأدب...".(24)
فالعلوم الإسلامية كان الاعتماد في نقلها وتداولها على السند والاتصال بأهلها والماهرين فيها...،وقد سمى العلماء من لا سند له، ويأخذ علمه من صفحات  الكتب فقط، دون شيخ سموه صحفيا، وكرهوا تمشيخ الصحيفة، وهي أن يحتل الكتاب مكانة الشيخ دون الرجوع إليه.
وذكر العلماء أن الأخذ عن الشيوخ يعطي للعلم قيمته، ويعلم طالب العلم احترام العلماء، وتقدير جهودهم، والتأدب معهم...، وذكروا أن للتلقي المباشر فوائد كثيرة منها:
* معرفة كيفية النطق بالأعلام، والمصطلحات و الكلمات الصعبة؛ لأن من ينقل على الكتب فقط، يقع في أخطاء فادحة. وقد ألف أبو الحين الدارقطني كتابا مفيدا في تصحيف المحدثين.
* ومن فوائده اختيار الشيخ الثقة المعروف  بالإتقان والحفظ والضبط... وروى ابن خير بسنده إلى جابر بن عبد الله أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس أعلم؟ قال: من يجمع علم الناس إلى علمه، وكل صاحب علم عن ثان".(25)
وصاحب العلم عن ثان هو من يأخذ العلم عن الشيخ.
* ومنها: ربط الصلة بالشيخ والاستفادة منه أكثر، والعمل على إشهار علمه.
* ومنها: افتخار التلميذ بكثرة الشيوخ، لقد كان مالك بن أنس رحمه الله سبعمائة شيخ. وكان للبخاري أكثر من ذلك، ولابن جماعة (ت:575 هـ) ثلاثمائة وألف شيخ، وأبو بكر بن خير زاد عدد شيوخه عن ألف وأربعين شيخا.(26)
قال ابن رشد في المقدمات: "كان العلم في الصدر الأول والثاني في صدور الرجال، ثم انتقل إلى جلود الشأن، وصارت مفاتيحه في صدور الرجال ، فلابد لطالب العلم من مفتاح يفتح به". فالعلماء هم مفاتيح العلماء، يبقى خارج حصن العلم، ولا مفتاح له.
وفي هذا المعنى يقول أبو حيان النحوي:( 27)
أمدعيا علما ولست بقارئ
                    كتابا على شيخ به يسهل الحزن
أتزعم أن الذهن يوضح مشكلا
                              بلا موضح، كلا لقد كذب الذهن
فالعلم لابد له من معلم:
وقد أكد الشاطبي، وابن الأكفاني، وابن خلدون وابن الأزرق على أن السند واجب في كل علم، لأن العلم لا يعلم بدون معلم، ويقصدون بذلك : أخذ التلميذ عن الشيخ مباشرة، وأكدوا أن المهارات في سائر العلوم لا تحصل إلا بالتلقي المباشر، وبتأكد هذا في علوم القرآن الكريم، وفي الحديث و علومه، قال الشيخ أحمد الونشريسي في المعيار:
"لا يجوز لمن لم يقرأ على الشيوخ تعليم الناس من الكتب. ولا يفتي الناس من الكتب من لم يقرأ على الشيوخ.(28) وقال الشاطبي في الموافقات:" إنه لابد من أخذ العلم عن أهله، وعلى أن يكون الآخذ للعلم ممن رباه الشيوخ ، وممن لازمهم".(29) وللشاطبي رحمه الله كلام مفيد في المقدمة الثانية عشرة، وفي الفصل الذي عنونه بقوله:" للمعلم المتحقق بالعلم أمارات".
وقال ابن ناجي في شرح الرسالة في هذا المعنى، قال أحد الشيوخ: (30)
" بلينا بقوم صدورا في المجالس
                 لإقراء علم ضل عنهم مراشده"
ومن خلال هذا العرض السريع لأقوال علمائنا عن أهمية وحتمية السند، في نقل المعارف الإسلامية، ندرك قيمة الجهد المبذول من طرف علماء أمتنا في العمل على حفظ الشريعة وصيانتها. ويؤكد عملهم هذا على بالغ العناية بتوثيق قواعدها، ويدل في نفس الوقت دلالة واضحة على أن مبادئ الإسلام وقواعده وأحكامه وآدابه... نقلها المسلمون بأسانيد صحيحة خلفا عن سلف.فعلى المسلمين في وقتنا الحاضر أن يعتزوا بأصول دينهم وقيمه المثلى التي نقلت إليهم بكثير من الدقة والعناية. وأن يقدروا هذه المزية التي ميزه الله بها عن سائر الأديان الأخرى.
وبكل أسف، نرى أن المسلمين اليوم ، أو كثيرا منهم، لا يقدرون هذه النعمة حق قدرها، نعمة وصول دينهم إليهم طريا نقيا، كما نطق به وبلغه صاحب الرسالة الخاتمة صلى الله عليه وسلم، وهاهم أعداء الأمة الإسلامية بنوا دولتهم فوق أرض المسلمين انطلاقا من أساطير وخرافات ينسبونها إلى كتبهم المحرفة ، دون سند ولا توثيق ، أساطير وخرافات ما أنزل الله  بها من سلطان باتفاق المتبصرين من العلماء مسلمين وغير مسلمين!!
فالإشارة إلى أهمية السند عند المسلمين في الوقت الراهن ، تذكير بأن تعاليم الدين الإسلامي ، نفلت إلى الأجيال الإسلامية ، بكامل الدقة والحرص على الأمانة العلمية.
وتذكير بجسامة المهمة الملقاة على عاتق المسلمين، وبما يتحملونه من مسؤولية في تبليغ رسالة الإسلام للناس كافة، والجميع يعلم أن رسالة الإسلام رسالة عالمية، وهي من قبيل الحق الذي يحاصره باطل، والحق يعلى ولا يعلى عليه.
فمتى نعي نعمة ما ميزنا الله به عن سائر الأمم؟ ومتى ندرك جسامة المسؤولية التي نتحملها؟

1) تحبير التيسير لابن الجزري، ص: 10 ط: دار الكتب العلمية بيروت: 1983.
2) الفصل في الملل والأهواء والنحل،ج:2 :21 ط دار الجيل، بيروت-دون تاريخ الطبع
3) سراج المريدين، بواسطة فهرس الف هارس ج:1 :81، يوجد مخطوطا بدار الكتب المصرية تحت رقم:2048.
4) فهرس الفهارس: 81.

5) نفسه:80
6) برنامج المجاري ص 48
7) الإلماع: مقدمة المؤلف.
8) ابن صعد أحد كبار علماء تلمسان من مؤلفاته: النجم الثاقب فيما لأولياء الله من المفاخر. أما الثقل عنه فبواسطة فهرس الفهارس:2 :798.
9) الإلماع ص 43 بتحقيق السيد صقر دار التراث: 1978. القاهرة.
10) منهج النقد في علوم الحديث ص:35.
11) الكفاية للخطيب البغدادي ص:443 ط: دار الكتاب العربي، بيروت: 1986.
12) مقدمة صحيح المسلم.
13) فهرست ابن خير الإشبيلي ص:19-20 منشورات دار الآفاق الجديدة،بيروت.
14) مقدمة ابن خلدون ص: 324:ط:ابن شقرون بمصر.
15) المصدر نفسه:322.
16) انظر البداية والنهاية ابن عاشور، والفصلة التي نشرها محب الدين الخطيب من العواصم والقواصم، وتعليقه عليها.
17)المصدر نفسه ص: 219 و 220
18) انظر تفسير ابن عاشور.والفصلة التي نشرها محب الدين الخطيب من العواصم والقواصم، وتعليقه عليها.
19) ينظر تاريخ الطبري في حادث قتل الهرمزان من طرف عبيد اله بن عمر بعد مقتل والده رضي الله عنهما.
20) مقدمة التمهيد لابن عبد البر، وقد وفي الموضوع حقه، ويراج في هذا الموضوع الخطيب البغدادي في الكفاية، والشوكاني في إرشاد الفحول.
21) مقدمة التمهيد:ط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب.
22) ابن خير في فهرسته ص :13.
23) فهرست الفهارس:1 :72.
24) نفسه:1 :82.
25) مقدمة فهرست ابن خير مرجع سابق ص:18.
26) مقدمة الغنية بتحقيق محمد بن عبد الكريم ط: الدار العربية للكتاب. تونس.
27) الفوائد الجامعة للشيخ عبد السلام السميح ص:138 طبع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب.
28) المعيار المعرب للونشريسي:2 :188.ط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية سنة:1401/1981.
29) الموافقات مقدمة المؤلف ص : 91-92 و93 و96.
30) شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني ص:71 مع شرح الشيخ زروق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here