islamaumaroc

حديث الشباب من خلال سيرة المصطفى

  محمد يسف

العدد 337 ربيع 2-جمادى1 1419/ غشت شتنبر 1998

إن من يقرأ حياة المصطفى الأكرم صلى الله عليه وسلم ويتنسب عبير أزهارها ورياحينها، ويجوس خلال رياضها وعرصاتها، لابد أن يكتشف من كنوزها وأسرارها ما يكون له زادا ومدداً في رحلة الحياة الشاقة .
ولا بد أن يكون من بين ما يكتشفه من هاتيك الكنوز أسلوب الرسول القدوة في مواجهة النوازل والتعامل مع الوقائع والأحداث،بما يؤسس لفكر جديد، وثقافة قائمة على التوازن والعدل بين مكونات الإنسان التي لا بقاء له بدونها.
وإذا فتحنا كتاب السيرة، وقصدنا مباشرة إلى قراءة الفصل الخاص بالشباب منه، فإننا سنلاحظ الدور الرائد الذي نهض به شباب عصر المبعث في دعم المشروع الإسلامي والانخراط في حزبه،إذ أدرك بفطرته النقية وحسه المرهف ، أنه خطاب الله الذي جاء لتصحيح الوضع المتردي، ولوضع حد لفوضى الحياة ويستمر الوجود.
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
                  فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
ولئن كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد تعامل مع صحبه الكرام بما يحقق روح العدل والصلاح والإصلاح، ويرقى بالذوق والسلوك الفردي والجماعي إلى الأفق القرآني "وقد كان خلقه القرآن" فإن حظ الشباب من هذه التربية العالية كان حظا موفورا ، بما كان يخصه به من رعاية شاملة ويفضي به إليه من توجيهات وأحاديث، لا تجد موقعها المناسب إلا لدى الشباب بالذات، باعتبارها قضية مستقبلية، والشباب مستقبل ، ومن ثم فهو أقدر الناس على التواصل معها لأنها تتحدث عنه، وتحلل مشاكله، وتبعد طريقه الآمن نحو المستقبل.
تخصيص مثل هذا الحيز الكبير من حياة النبي الكريم لمناقشة شؤون الشباب لا يصح أن نقرأها كما لو كنا نقرأ سيرة عادية لإنسان عادي، بل يتعين أن نقرأها كما يجب أن تقرأ سيرة نبي مرسل، كل ما يأتي وما يذر من الأفعال والتصرفات والإرشادات ، له معناه ودلالته التربوية حتى وهو يداعب ويفاكه، فإن في طي الفكاهة والدعابة فائدة تعليمية، وهدفا تربويا، عرفه من عرفه، وجهله من جهله.

* لماذا العناية بالشباب بهذا الحجم؟
عندما يصرف خاتم الأنبياء اهتمامه لقضية ما ذلك لا يمكن أن يكون صدفة عمياء، ولا مجرد اختيار لا يعني شيئا، والعناية المركزة بالشباب ، والرعاية المستمرة له، والمتابعة الدقيقة لمسيرته ترمي إلى تحصيل أمرين هامين:
* الأمر الأول: مستقبلي، من حيث إن العناية بالناشئة تعني تأمين مستقبل مريح للقيم الإصلاحية التي يؤمن بها، والشباب هو رسالة الحاضر إلى المستقبل.
* الأمر الثاني: ضمني، من حيث هو خطاب لأولياء أمور المسلمين، بوصفهم أولياء أمناء، أن يجعلوا في طليعة اهتماماتهم، رعاية ثروة الأمة البشرية ممثلة في شبابها وترشيد استثمارها، وإعدادها للحياة كقوة فاعلة مؤثرة تبني ولا تهدم، وتوفر ولا تبذر.
وبحكم ما تمثله سيرة النبي من مرجعية تطبيقية تأسيسا وتبليغا، فإن كل أقواله وأفعاله وسيرته، تعد وثائق ، لها قدسيتها وحرمتها الشرعية، يجب الوقوف عند إشارتها كما يجب عند الإشارات والرموز الضوئية التي تنظم السير في الطرقات.
ونقرأ في وثائق سيرة نبينا العطرة فصولا رائعة نيرة عن الحوار الذي كان قائما بيت القيادة الإسلامية ممثلة في الرسول الكريم، وبين الشباب والفتوة ممثلا في جيل الصحابة الكرام.
ولتعدد المجالات التي عالج الرسول الكريم فيها قضايا الشباب، وتنوع أغراضها، فسأقتصر منها على ثلاثة نماذج،اخترت أن يدور محورها حول الشباب والمسؤولية، أقدمها في ثلاثة مشاهد، هي :
- المسؤولية العسكرية.
- مسؤولية الحكم والإدارة. 
- المسؤولية المعنوية.  

                                   - المشهد الأول-

* القيادة العسكرية:
أسامة بن زيد "نموذجا":
- من هو أسامة؟
هو أسامة بن زيد بن حارثة، صحابي بن صحابي  والحب بن الحب، كما كان يدعى.
أمه: أم أيمن بركة بنت ثعلبة من أصل حبشي ، وهي حاضنة رسول الله، ومدبرة أمره في صباه وطفولته، شارك أسامة في عدة بعوث عسكرية كمقاتل، فكان مثال المدافع الشجاع، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يحبه محبة الأب لابنه.
أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس جيش ضم شيوخ الصحابة من مهاجرين وأنصار، فيهم أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة ، والعشرة المبشرون، وهو شاب حدث لم يبلغ العشرين من عمره،وعقد له اللواء بيده الشريفة وسلمه إليه ووجهه إلى "أبنى" على تخوم بلاد الشام بين عسقلان والرملة، وهو نفسه المكان الذي كان والده زيد بن حارثة قد استشهد به خلال غزوة تبوك التي كان أحد قوادها.

*وصية الرسول لأسامة:
وعندما تم تعيينه، وتحديد الوجهة المنتدب إليها، أوصاه صلى الله عليه وسلم فقال: "أغر في سبيل الله،وقاتل من كفر بالله، سر إلى موضع قتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش، فأغز صباحا على أهل "ابني" وحرق عليهم، وأسرع السير لتسبق الأخبار، وخذ معك الادلاء، وقدم العيون والطلائع معك، فإذا أظفرك الله عليهم، فأقلل اللبث فيهم.

* بعض الصحابة يعترض على إمارة أسامة:
لم تمر ولاية أسامة على الجيش، دون أن تثير اعتراض البعض وتحفظه، بدعوى أنه شاب صغير، قليل التجربة، ناقص التأهيل، مما يخشى معه على سلامة الجيش وأمنه، وبالتالي عجزه عن إنجاز المهمة الخطيرة التي سيقوم بها، لاسيما، وأن الأمر يتعلق بالمواجهة مع دولة قوية ذات نظام متطور في المجال العسكري.
وقالوا بالحرف:"يستعمل رسول الله هذا الغلام على المهاجرين والأنصار".(1)

* الرسول يتصدى للرد على المعترضين:
 ولنا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتراض من اعترض على ولاية أسامة وتأميره، والطعن في كفاءته لم يترك هذا الاعتراض دون رد له وتصحيح لخطإ المعترضين، فخرج عليه السلام، وقد غضب غضبا شديدا، وكان قد بدأه الوجع، فعصب رأسه بعصابة، فصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:" أما بعد، أيها الناس فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة، ولئن طعنتم في تأميري أسامة فلقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله، وأيم الله إن كان لخليقا بالإمارة، وإن ابنه من بعده لخليقا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإنهما مظنة لكل خير، فاستوصوا به خيرا، فإنه من خياركم".
والاعتراض على تأمير الشباب لصغرهم ربما كان ظاهرة عامة، إذ الناس يطمئنون في الأكثر الغالب إلى الكبار، ويأنفون من اتباع الأحداث، يشهد لذلك أن الخليفة العباسي، المهدي لما دخل البصرة، رأى إياس ابن معاوية الذي يضرب به المثل في الذكاء، وهو صبي، وخلفه أربعمائة من العلماء وأصحاب الطياليس فقال: المهدي: أف لهذه العثانين.أما كان فيهم شيخ يتقدمهم غير هذا الحدث، ثم التفت إليه المهدي وقال: كم سنك  يا فتى؟ فقال: سني أطال الله بقاء أمير المؤمنين- سن أسامة بن زيد بن حارثة لما ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا فيه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فقال: تقدم بارك الله فيك وكان سنه سبع عشرة سنة.

* الرسول يوصي أصحابه بأسامة وجيشه:
قبل أن يغادر أسامة المدينة نحو الوجهة التي انتدبه الرسول صلى الله عليه وسلم إليها أصيب الرسول بوعكة صحية ألزمته الفراش، ثم مازال الوجع يشتد به حتى استبد الخوف والقلق بآله وصحبه والمسلمين، الأمر الذي جعل خروج جيش أسامة يتأخر، انتظارا لما ستسفر عنه الأيام من مفاجآت.
وأثناء ذلك دخل أسامة على النبي صلى الله عليه وسلم متفقدا ومعيدا ومسلما، على يديه الشريفتين مقبلا، فلم يكلمه – عليه السلام بكلمة، ولكنه جعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعها على أسامة، إشارة منه إلى ما يشغله من أمر الجيش وحرصه الشديد على تحقيق ما رسمه له، ولم يخف على أسامة مدلول هذه الإشارة النبوية، وما تحمله من معان كبيرة.
كان عليه الصلاة والسلام يشعر بين الآونة والأخرى بخفة في الحركة وانتعاش في الجسد وقدرة على تناول الكلمة، وفي إحدى تلك اللحظات عليه السلام أبى إلا أن يغتنم الفرصة، فتوجه بوصية ربما كانت آخر وصاياه، حاثا أصحابه على بعث جيش أسامة إن نزل القضاء بشخصه الكريم، وكأن وصيته هذه كان يعني بها ولي الأمر الذي سيختاره المسلمون من بعده لقيادة خطاهم.

* خليفة الرسول صلى الله عليه وسلم ينفد وصيته:
وبالرغم من اضطراب الأحوال بعد التحاق الرسول الكريم بالرفيق الأعلى بسبب الأحداث غير المتوقعة.
وبالرغم من تحرك عناصر الشر، وتحالفها لضرب الوجود الإسلامي، فإن أبا بكر الصديق، بمجرد ما تلقى بيعة المسلمين كان أول عمل دشن به ممارسة شؤون الدولة كخليفة للمسلمين، هو إنفاذ جيش أسامة، وبالشكل الذي حدده رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفض أن يدخل عليه أي تعديل، مخالفا بذلك الرأي الذي مال إليه أغلب الصحابة، وهو تعيين قائد أسن من أسامة وأكثر منه تجربة وخبرة، وغضب على عمر بن الخطاب، الذي حمل إليه هذا الاقتراح وقال له بلهجة غاضبة حازمة:"أعينه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأمرني أن أعزله"؟
كان الخوف والقلق قد بلغ مبلغه من المسلمين،وهم يرون الشر يحاول تجميع فلوله ليناهض الخبر من جديد، وربما بدأ الشك يتسلل إلى بعض النفوس في قدرة الجماعة الإسلامية على تجاوز هذه الأزمة ولكن الخليفة أبا بكر الصديق، وهو الناطق يومئذ باسم الدولة، ومشخص سيادتها وهيبتها، أعاد الثقة والثبات إلى الناس عندما قرر المضي في تنفيذ أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم كما كان سينفذها بنفسه لو كان حيا، وندد بشدة بالأفكار الانهزامية التي لا يجوز للمسلم المتيقن الذي يخاف على دينه وتقواه أن تخطر على باله، فكيف بالتفكير فيها والدعوة إليها.
وفور مبايعة أبي بكر الصديق، كان أول عمل بدأ به ، تسيير جيش أسامة، تنفيذا لأمر رسول الله،  وتبركا بإتمام عمل عاقه الموت عن إتمامه، وخرج بنفسه يودعه وأسامة راكب. والخليفة أبو بكر ماش، فقال أسامة: لتركبن يا خليفة رسول الله أو لأنزلن، فأجابه: والله لا ركبت ولا نزلت ، وما علي أن أغبر قدمي ساعة في سبيل الله، فإن للغازي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة تكتب له، وسبعمائة درجة ترفع له، وسبعمائة سيئة تمحى عنه. ثم وجد إلى الجيش وأميره وصية قال فيها:
لا تخونوا، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلا أو شيخا كبيرا، ولا تحرقوا نخلا، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا للأكل، وإذا مررتم بقوم فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وإذا لقيتم قوما فاحصوا أواسط رؤوسهم، وتركوا حولها مثل العصائب، فاضربوا بالسيف ما فحصوا عنه، فإذا قرب عليكم الطعام، فاذكروا اسم الله عليه، يا أسامة،  اصنع ما أمرك به نبي الله ببلاد قضاعة، ثم أنت قافل: ولا تقصر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وخرج أسامة الشاب بما معه من حماس الشباب وقوته وطموحه، وفي وعيه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصية خليفته من بعده، وحوله خيرة الصحابة وأعلامهم حتى أتى "ابنى" ببلاد قضاعة فأغار عليها، وغنم وأسر وسبى، وحقق ما خرج له ثم قفل سالما منتصرا.
وأخرى قد علم الله ورسوله أنها خير للمسلمين، وأغنى من كل قوة، وهي ما تركته هذه الحملة من انطباع لدى القبائل والمناطق التي مرت بها عن قوة المسلمين وتوفقهم، حيث قال من شهد ذلك: لولا ما هم عليه من قوة، ما كانوا ليغامروا بإرسال مثل هذه العدد الكبير من  جيشهم، حتى أبقوا لديهم أضعاف أضعافه، فكان ذلك مانعا لهم من الردة والتمرد، ونجى الله المسلمين من تكالب الناس عليهم بفضل إيمانهم أولا وتنفيذهم وصية رسولهم الأكرم صلى لله عليه وسلم.

                                   - المشهد الثاني-

* شباب على رأس الولاية والإدارة المدنية:
"عتاب بن أسيد نموذجا":

وبعد فتح مكة في العام الهجري الثامن وقبل خروج النبي إلى حنين، عين عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي عليها، وهو شاب في نحو العشرين من عمره، وكان قد أسلم يوم فتح مكة، فأقام عتاب للناس الحج تلك السنة، وهي سنة ثمان، وهو أول من أقام الحج للمسلمين، وطبعا حج المشركون على نحو ما كانوا عليه في الجاهلية، وعلى نحو ذلك أيضا، أقام أبو بكر الحج للناس سنة تسع، حين أرفده بعلي بن أبي طالب، وأمره أن ينادي في الناس: ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وأن يبرأ إلى كل ذي عهد من عهده، وأن يقرأ على الناس سورة "براءة".
وبقي عتاب أميرا على مكة، حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقره أبو بكر عليها، ولم يزل عليها إلى أن مات.
قال محمد بن سلام: جاءنا نعي أبي بكر رضي الله عنه إلى مكة يوم دفن عتاب بن أسيد.
وفي السيرة لابن جماعة: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة، وإقامة الموسم والحج بالمسلمين سنة ثمان وهو دون العشرين سنة في سنـــــــه (3). وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن.
وقال الزمخشري في الكشاف: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل عتاب بن أسيد على أهل مكة وقال:"انطلق فقد استعملتك على أهل الله" فكان شديدا على المريب، لينا على المومن، وقال : لا والله لا أعلم متخلفا يتخلف عن الصلاة إلا ضربت عنقه، فإنه لا يتخلف عن الصلاة إلا منافق، فقال أهل مكة: يا رسول الله، لقد استعملت على أهل الله عتاب بن أسيد أعرابيا جافيا، فقال صلى الله عليه وسلم: "إني رأيت فيما يرى النائم كأن عتاب بن أسيد أتى باب الجنة، فأخذ بحلقة الباب فقلقها، قلقا لا شديدا حتى فتح له فدخلها".
ونقل الثعلبي في تفسيره في الكلام على قوله تعالى: (واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) (4) عن الكلبي أنه قال :" السلطان النصير عتاب أبي أسيد، وذكر تولية النبي صلى الله عليه وسلم إياه على مكة بنحو مما ذكره الزمخشري. وقال الواقدي في المغازي:"واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة ، وخلف معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري يعلمان الناس القرآن والفقه في الدين، وقال له:"أتدري من استعملتك؟ قال: الله ورسوله أعلم ، قال: استعملتك على أهل الله، بلغ عني أربعا: لا يصلح شرطان في بيع، ولا بيع وسلف، ولا بيع ما لم يضمن، ولا تاكل ربح ما ليس عندك".
إن تولية عتاب بن أسيد أميرا على مكة، لها أكثر من دلالة، فهي نص صريح لا لبس فيه ولا غموض على أن المصطفى عليه السلام كان يخص شباب المسلمين  برعايته وعنايته، ويؤهلهم للقيادة، وهم في ميعة الفتوة وشرخ الشباب، ويكفي أن يظهر الشاب تعلقه بالمبادئ النيرة التي جاء بها هذا الدين لينال المكانة التي يستحقها، ولا بد أن رسول الله قد قرأ ما تنطوي عليه نفس عتاب من إخلاص شديد، وتعلق مكين، وحماس لافت للمبادئ والقيم التي بشر بها المصطفى ، بالإضافة إلى سمو السلوك الذي رأى عليه محمدا عليه الصلاة والسلام، ووازن بينه وبين ما كان عليه أهل الحل والعقد بمكة.
هذه التولية لشاب ينتمي إلى بيت بني عبد شمس دليل على أن الإسلام لم يقم على عصبية ولا دعا إليها، بل جاء لوضع حد لها، ودعا إلى عالمية الإنسان في إطار العبودية لله تعالى، ولذلك يسقط حظ الذين يريدون أن يدخلوا الإسلام في هذا النفق الضيق، ويدرجوه في محور المناقشة التي كانت بين البيوت ذات الشأن والمسؤولية في قريش. فالرسول الكريم اعتمد على الكفاءة المخلصة بصرف النظر عن انتمائها العشائري. وفي هذا السياق، جاء في كتاب المؤانسة والامتناع لأبي حيان التوحيــــدي(5) في سياق حديثه عن دولة بني أمية، وأن لهم قدم صدق في خدمة الإسلام، فقال : "لا خلاف بين الرواة وأصحاب التاريخ أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي، وعتاب بن أسيد على مكة، وخالد بن سعيد على صنعاء، وأبو سفيان بن حرب على نجران، وأبان بن سعيد بن العاص على البحرين، وسعيد بن القشب الأزدي حليف بني أمية على جرش ونحوها، والمهاجر بن أبي أمية المخزومي على كندة والصدف، وعمرو بن العاص على عمان، وعثمان أبي العاص على الطائف.
وقد كان الرسول يواجه المعترضين على تولية الشباب بما يقطع  حجتهم، ويزيل إشكالهم، فقصة الاعتراض على تولية أسامة إمارة الجيش تتكرر مع عتاب بن أسيد الذي رفض بعض أهل مكة ولايته، وأظهروا عدم سرورهم به أميرا على مكة، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بين أن الرجل أكبر من أن يلمز بما عابوه به ، وأظهر لهم من فضله عليهم ما أخرسهم وقطع حجتهم.
   
                                   - المشهد الثالث-

* الولاية المعنوية والمدنية:
" عثمان بن لأبي العاص نموذجا "
عندما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد انتهائه من غزوة الفتح وحنين، وحصار الطائف وما رافق ذلك من وقائع وأحداث.
جاءه وفد يمثل بني ثقيف يفاوضه في قضية إسلام قومهم، وكان خالد بن سعيد بن العاص و الذي يقوم بدور الوسيط بينهم وبين الرسول الكريم حتى اتفقوا على الصيغة النهائية لإسلامهم، فكان خالد هو الذي كتب وثيقة الشروط التي أسلموا عليها.
فلما أرادوا العودة إلى قومهم، أمر عليهم عثمان ابن أبي العاص، وكان من أحدثهم سنا وكان أبو بكر الصديق حاضرا، فنوه بعثمان قائلا: يا رسول الله ، إني رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه في الإسلام ، وتعلم القرآن.
وفي مغازي الواقدي: إنهم كانوا يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم كل يوم، ويخلفون عثمان بن أبي  العاص على رحالهم – وكان أصغرهم- فكان إذا رجعوا إليه وناموا بالهاجرة ، خرج فعمد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله على الدين واستقرأه القرآن ، وأسلم سرا من أصحابه، فاختلف إلى النبي صلى الله عليه وسلم مرارا حتى لقيه وسمع القرآن وقرأ منه سورا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا جاء ووجد النبي (ص) نائما، عمد إلى أبي بكر، رضي الله عنه، فسأله واستقرأه، وقيل: كان إذا وجد النبي نائما ، جاء ابن كعب فاستقرأه ، فبايع النبي (ص) على الإسلام قبل الوفد وقبل القضية، وكتم ذلك عن أصحابه، وأعجب به رسول الله (ص) وأحبه.
فلما أراد الوفد الخروج ، قالوا يا رسول الله: امر علينا رجلا منا مؤمنا، فأمر عليهم عثمان بن أبي العاص – رضي الله عنه - وهو أصغرهم، لما رأى رسول الله (ص) من حرصه على الإسلام.(6).
وروى ابن منده وغيره عن عثمان بن  أبي العاص – رضي الله عنه-  قال: استعملني رسول الله (ص) وأنا أصغر الذين وفدوا عليه من ثقيف، لأني كنت قرأت سورة البقرة في مدة إقامتهم.
وفي سياق آخر عنه قال: قلت : يا رسول الله، ادع الله أن يفقهني في الدين ويعلمني، قال صلى الله عليه وسلم :" ماذا قلت؟" فأعدت عليه القول: فقال: "لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أصحابك.اذهب فأنت أمير عليهم، وعلى من تقدم عليه من قومك (7).وحدث عثمان ابن أبي العاص قال: كان من آخر ما عهد إلي رسول الله (ص) حين بعثني على ثقيف إذ قال: " يا عثمان، تجاوز في صلاتك، واقدر الناس بأضعفهم، فإن فيهم الكبير والصغير، والضعيف، وذا الحاجة".(8) وفي رواية أخرى : وأمره أن يتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا، وقال له: إذا أممت قوما، فاقدرهم بأضعفهم، وإذا صليت لنفسك فأنت وذلك". واستمر عثمان في عمله إلى أيام عمر، ثم ولاه عمر على "عمان والبحرين" سنة 15، وكتب له أن يستخلف على الطائف من أحب، فاستخلف أخاه الحكم، واستمر في البحرين واليا عليها إلى أن آلت الخلافة إلى عثمان ابن عفان، فعزله فسكن البصرة إلى أن توفي.
وعثمان بن أبي العاص هو الذي منع ثقيفا عن الردة، وخطبهم، فقال: "كنتم آخر الناس إسلاما، فلا تكونوا أولهم ارتدادا ".(9)
هذه صور تؤكد عناية الرسول الأكرم بالشباب، وترشيحهم للقيادة في كل المجالات، وإذا كنا اقتصرنا على الولاية ، فلأنها القضية التي تثير اختلافا بين الناس، هل يقوى الشباب عليها، أو يعجز عن ضبطها، والسيطرة عليها.
وعندما يدعى الشباب إلى تقلد مهام المسؤولية، وهو في شرح الفتوة، فإنه يستطيع أن يركز قوته البدنية والفكرية في البناء، وعلى العكس من ذلك، إذا أهمل، فإنه قد ينفق هذا النشاط إنفاقا سلبيا ضارا.
وأمير المؤمنين مولانا الحسن الثاني أطال الله بقاءه، قد وعى خطاب جده الأكرم (ص) بكل ما يرمي إليه من أبعاد إصلاحية وتربوية، فبادر إلى إحداث مؤسسات الشباب لتدبير شؤونه، وحل مشاكله، وترشيد خطاه. حتى ينتفع به دينه ووطنه وأمته. فتحية للفتوة والشباب في ذكرى عيد الفتوة والشباب.


1) وعلق السهيلي على اعتراض من اعترض بقوله:"وإنما طعن في أمره أهل الريب، وإنما طعنوا في إمرته، لأنه مولى مع حداثة سنه. لأنه كان إذاك ابن ثمان عشرة سنة، وكان أسود الجلدة وكان أبوه أبيض صافي البياض نزع في اللون إلى أمه بركة وهي أم أيمن.
2) الاستيعاب3/153.
3) تخريج الدلالات السمعية.
4) سورة الإسراء ، الآية: 80.
5) الامتناع 2/73.
6) مغازي الواقدي: 3/962.
7) سيرة دحلان:10.
8) تاريخ الخميس : 2/135.
9) تاريخ الخميس.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here