islamaumaroc

حياة المسلم بين جهاد أصغر وجهاد أكبر

  عمر بنعباد

العدد 337 ربيع 2-جمادى1 1419/ غشت شتنبر 1998

تقوم حياة المسلم في هذه الدنيا على ما يدين به لله من إيمان وعقيدة، وتوحيد وعبادة، ومن محبة وطاعة لله ولرسوله، وعلى ما يستوجبه ذلك ويحتمه على المؤمن من تمسك بالدين، وتشبث  بشرعه الحكيم، واعتصام بحبله المتين.
ومن ثم كان المسلم دائما وأبدا في حالة مجاهدة ومصابرة، ومثابرة على العمل الصالح، ومحاسبة للنفس ومقاومة، وفي حالة استعداد كامل ومتواصل بالقيام بنوعي الجهاد المطلوب منه في هذه الحياة: جهاد أصغر، وجهاد أكبر.
يراد بالجهاد الأصغر ذلكم الجهاد الذي يقوم على بذل النفس والنفيس، والتضحية بالغالي والثمين لدى المسلم، حينما يراد المساس في دينه ومقدساته، أو النيل من مقومات بلده ووطنه، أو التنقيص من حريته وكرامته وعزته، فتراه يخوض ذلك النوع من الجهاد بإيمان واستماتة، وصبر وتضحية، تحت قيادته الشرعية المؤمنة، واستجابة لأمرها وطاعتها، إعلاء لكلمة الله، وإعزازا للأمة المحمدية، ونصرة لدينها الحنيف، وغيرة على الوطن وحبا فيه.
وهذا النوع من الجهاد في حياة المسلم فردا وأمة، ومنذ عهد النبوة والصحابة وتابعيهم بإحسان، جهاد ماض وباق إلى يوم الدين، واعتبر جهادا أصغر، كما ورد ذلك في الكلمة المأثورة: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"، لأنه يكون جهادا آنيا وظرفيا كلما دعا إليه داعي الإسلام، ونادى إليه في أي عصر أو جيل أو مكان، لتحقيق غايته النبيلة، وهدفه الشريف الذي ينتهي بإحدى الحسنيين: النصر والعزة للاسلام والمسلمين، أو نيل الشهادة ومرتبة الشهداء عند الله رب العالمين، وهي أعز ما يطلبه المسلم في دنياه، ويتوق إليه المومن في حياته ليكون من أولئك الشهداء المقربين الخالدين، كما جاء في القرآن الكريم، ونطقت به سنة النبي المصطفى الصادق الأمين، عليه أزكى الصلاة والتسليم.
أما الجهاد الأكبر فيراد به ذلكم الجهاد اليومي المتواصل في حياة المسلم، والمتجدد صباح مساء في مختلف المسؤوليات التي يتحملها والأعمال والمجالات الاجتماعية، وميادينها الواسعة المتنوعة، وهو جهاد يتطلب الصبر والمصابرة على الطاعة المأمور بها من فرائض وواجبات، والصبر عن المعاصي، وترك جميع المنتهيات المحرمات، والصبر على القيام بالتكاليف والأعباء الأسروية، والوظيفية التي يظطلع بها، وتلتقي وتتكامل مع غيرها من الأعمال الأخرى لبناء المجتمع المسلم القوي المتماسك الناهض، وتكون على الوجه الأكمل والأمثل الذي يرضي الله ورسوله والمؤمنين، وتشعر المسلم بأنه في أي عمل من الأعمال، ومسؤولية من المسؤوليات هو أمين وحارس على ثغرة من ثغرات الإسلام، يحرص ويحاذر بإخلاصه ونصحه أن لن يؤتى ويصاب من جهته.
والمسلم حين يرجع إلى تاريخ الإسلام منذ الصدر الأول إلى الآن، وفي أي بلد من بلاده، ولدى أي شعب مسلم من شعوبه المؤمنة، يجد هذه الحقيقة الناصعة جلية واضحة، ماثلة للعيال في كل فترة حياته، ومرحلة من مراحل نموه وازدهاره.
والمغرب الأقصى من بين تلك الشعوب والبلاد الإسلامية التي جاهدت وتجاهد من أجل النهوض، وتناضل وتقاوم من أجل الحفاظ على دينها ومقدساتها، وعلى وحدتها وكرامتها وعزتها ومناعتها، فتاريخه الماضي والمعاصر حافل بأنواع الجهاد، زاخر بالبطولات والذكريات المجيدة التي تجلى فيها جهاده المستميت ونضاله المتواصل، دفاعا عن وجوده وشخصيته، وحفاظا على وحدته وحدوده، وعلى أرضه ومقوماته، واستقلاله وحريته، منذ تكونت دولته المسلمة، وتتابعت على حكم بلده المعطاء دوله الشريفة المتعاقبة.
واستمر ذلك وتواصل في عهد الدولة العلوية الشريفة، وفي عهد بطل التحرير والحرية جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، وفي ظل وارث سره جلالة الملك الحسن الثاني أعزه الله والذي استكمل الوحدة المغربية، واسترجع الأقاليم الجنوبية بفضل جهاده وعبقريته، وتنظيم المسيرة الخضراء المظفرة، والتفاف شعبه الأبي، واجتماع كلمته حوله.
وانطلاقا من تلك المبادئ الدينية والأسس القويمة، والمعطيات والدعائم الوطنية والتاريخية، وفي شهر غشت من كل سنة، يستحضر المغرب والمغاربة قاطبة ذكرى وطنية جليلة، مهيبة عظيمة، لها مكانتها الثابتة والراسخة في أذهان وأفئدة الأمة المغربية، إنها ذكرى ثورة الملك والشعب في عشري غشت منذ سنة 1953، تلك الثورة العارمة التي انتفض فيها الشعب المغربي بأكمله، وعن بكرة أبيه في مختلف مدنه وقراه، انتفاضة منقطعة النظير، حين أقدمت سلطات الحماية على المساس برمز السيادة المغربية، وضامن الاستقرار والوحدة الوطنية، فتجرأ الاستعمار على نفي جلالة محمد الخامس مع أسرته الكريمة خارج الوطن، وظن أنه بذلك سيصفو له الجو ويحلو له المقام، ويفعل بالمغرب ما يريد.
ولكن الشعب المغربي كان وفيا لدينه وعقيدته، مخلصا لملكه وعرشه، حريصا على الوفاء بعهده، فقام يجاهد ويكافح ويضحي ويناضل بالنفس والنفيس، والغالي والثمين من أجل عودة ملكه الشرعي، إلى عرشه ووطنه العزيز.
وما هي إلا سنتان من الكفاح والصمود حتى حقق الله النصر للمغرب والمغاربة، فرجع محمد الخامس وأسرته العلوية الشريفة من ذلكم المنفى الجائر معززا مكرما، ظافرا مؤيدا، يحمل لأمته بشارة انتهاء عهد الحجر والحماية، وبزوغ فجر الاستقلال والحرية، وهو يلهج مع شعبه المجاهد الوفي، وأمته المؤمنة بقول الله تعالى : (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور...).
والمتأمل في سر تحقيق ذلكم الانتصار الباهر، والتعجيل بنعمة الحرية والاستقلال، يجده متجليا فيما كان لجلالة محمد الخامس من مواقف ثابتة حازمة، ومعارك صامدة وحاسمة، وقفها في وجه السلطة الاستعمارية، وخاضها بكل إيمان وشجاعة، وقوة وإرادة، وعزيمة صلبة لا تلين، ولا يأخذها في الله والحق لومة لائم، وإلى جانبه ولي العهد آنذاك، ورفيقه في معركة التحرير والبناء، جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله، ومن ورائه شعبه المخلص الوفي، وما كان لها من أثر فعال في تقوية الحركة الوطنية، وإذكاء حماستها المتأججة، والوقوف صفا واحدا في معركة التحرير والكرامة.
كما يتجلى سر ذلك الانتصار في التفاف الشعب المغربي الأبي الوفي حول ملكه الشرعي المفدى، وحول عرشه العلوي المجيد، الذي أبلى البلاء الحسن في سبيل هذا الشعب، ومن أجل توفير وسائل الرخاء والاستقرار، وأسباب السعادة والاطمئنان له، فالتقت إرادة الملك وشعبه على درب الجهاد والحرية والنضال، واستجاب القدر فكان النصر والظفر، وتحقق لهذا البلد وشعبه الوفي المؤمن، قول الله تعالى في شأن عباده الصالحين:" وكان حقا علينا نصر المومنين".
وهو أيضا السر الذي يحقق به الشعب المغربي حاضرا ومستقبلا، وبمشيئة الله وحسن عونه وكامل توفيقه مزيدا من التماسك والتضامن، والفتح والنصر المبين في مجال الوحدة الوطنية، والحفاظ على مقوماتها الراسخة، والتقدم في الميادين الاقتصادية والاجتماعية، ويتمكن به من أداء رسالته الدينية والحضارية تجاه بلده المغرب وتجاه الأمة العربية والإسلامية، وتجاه قضاياها الكبرى المصيرية، وفي مقدمتها تحرير القدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك، ويسهم من خلال ذلك كله في رفع التحديات المعاصرة، والتعسفات العدوانية التي تواجهها بعض البلدان العربية المسلمة الناهضة، وشعوبها المومنة الصامدة، ويتمكن المغرب بذلك من العمل على جمع الشمل وتقوية الصف وتوحيد الكلمة، ومن النهوض بأمته المغربية في ظل رائدها الملهم، وقائدها المظفر، مبدع المسيرة الخضراء، ومحرر الأقاليم الجنوبية وصحرائها المغربية، ورمز سيادة الأمة وضامن وحدتها واستقرارها أمير المومنين، وحامي حمى الوطن والدين جلالة الملك الحسن الثاني أدام الله له النصر والتمكين.
إنه سبحانه ولي التوفيق، ونعم المولى ونعم النصير.                 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here