islamaumaroc

فلسفة التربية

  دعوة الحق

35 العدد

نستطيع أن نميز العصر الحديث بأنه عصر يبحث عن النمط الحياتي والمذهب التربوي الجديد يعتنقه في مكان الفلسفات القديمة التي أظهرت فشلها ونقص نظرتها العامة للإنسان والوجود، هذا العصر المضطرب حائر يعيش في القلق والثورة وكل شيء فيه يدعو إلى الشك والريبة. سراب يتلوه سراب فلا استقرار في هذا التبدل الدائم في شتى الميادين تجد ذلك في الفن والأدب والعلم والفلسفة، فهذا مذهب سريالي كفر بالمنطق والعرف العام، وهذا أدب انطباعي لا شعوري يعتنق الرمز والخلجات النفسية المرضية صورة للأدب الرفيع وهذه موسيقى هستيرية تحكي لك ألحان الزنوج وإيقاع الغجر وهذه روايات وأفلام اتخذت المجون والشذوذ الجنسي والانحراف الخلقي سببا للإثارة للنجاح ومدرسة للأخلاق الابيقورية بعد أن كان الذوق العام ينتهج المنطق والأخلاق المثل الرفيعة وفن التوافق الكلاسيكي، كل هذه المظاهر تعكس هذه الجوانب المضطربة لعصرنا الحديث غير أن هنالك جانبا آخر يكشف بوضوح هذه البلبلة الاجتماعية وهذا السعي للبحث عن آفاق جديدة هذا الجانب هو الفلسفات التربوية حول مناهج التعليم ومشاكل التدريس، مما جعل الكتابة والتأليف حول هذه المواضيع غزيرا دفاقا عميقا تارة وضحلا أحيانا.
ونحن كعالم عربي له شخصيته وله مشاكله نعيش نفس هذا القلق قلق الحضارة والمعاصرة ونحاول نفس المحاولات بحثا عن مذهب جديد وفلسفة جامعة تشمل التراث القديم ومتطلبات المدنية الحالية فقد خرجنا من ظلمات الاستعمار إلى فجر جديد ونحن محملون بالتناقضات العقائدية والفكرية ولا بد من الغربلة لإخراج تبر الذهب من الحصى والقشور وإجلاء الشخصية العربية المسلمة الناضجة من النفس الجاهلة المعقدة ولعل هذه التربية المنتظرة لا تعطى ثمارها اليانعة بالنسبة للجيل المخضرم الذي عاش عهد الاستعمار والاستقلال، وسيكون أبناؤنا أكثر حظا منا وأغزر انتفاعا من هذه التربية التي نعدها لهم وهي خالية من عقد النقص التي كانت تتحكم في التربية القديمة والتعليم السالف.
التربية إذا وسيلة خلاقة نستخدمها في التطوير والتأثير على الجيل الفتي مشيا مع التعريف الإرادي «الداركايمى» الذي يرى أن التربية هي تأثير الكبار على الصغار لا يصالهم إلى مرحلة النضج العام –والتربية مع ذلك معقدة المفهوم متداخلة الجوانب تمت بصلات القربى إلى العلم والفن والفلسفة ولو كانت التربية مجموعة من الأنظمة والمناهج لهان الأمر ولكنها لا تكاد تفترق عن الفلسفة الأخلاقية وفلسفة الوجود البشري ماضيه وحاضره ومستقبله- ويمكن لنا مبدئيا أن نربط التربية من حيث جانبها العلمي الموضوعي بعلم الحياة وعلم النفس وعلم الاجتماع: فروع من العلوم الإنسانية أصبحت تجيب على ما هو كائن بعد أن كانت هي نفسها فلسفات ارسططاليسية.
ولا شك أن علم الحياة هو القاعدة الأساسية للتربية- فالإنسان جسم حي وجهاز متحرك، والجسم السليم يؤثر في العقل السليم ولا سبيل إلى تربية الجسم ما لم نعرف أسراره وقوانين الحياة وتكوين الجسم الفسيولوجي والعضوي وشروط النمو العام وتمييز المؤثرات المختلفة الصادرة من المحيط الطبيعي على الجسم.
ومن علم الحياة ننتقل إلى المفهوم الاجتماعي للتربية كالتاريخ والسياسة وقوانين المجتمع –فالتربية تستفيد من الماضي الذي ينير الطريق للحاضر، ومعرفة المجتمع هي معرفة لمكوناته العريقة في سالف الزمن وتتبع تطور المؤسسات الاجتماعية والتربية قصد التوفيق بين المقومات الأساسية التي رسخت في أعماق النفس وبين التطور والخلق في الحاضر والمستقبل.
ولا سبيل إلى طرح الجانب الفردي النفسي من المفهوم التربوي-كيف نربي الطفل إذا جهلنا قوانين النمو الانفعالي والنمو العقلي والاجتماعي وأزمة المراهقة وطبائع الأفراد والتأثير المتبادل بين الفرد ومحيطه.
علم الاجتماع وعلم النفس وعلم الحياة تقدم الأركان الأساسية لعلم التربية ولا تقوم لهذا العلم قائمة ما لم تتطعم بهذه المقومات، ولعل الفرق الجوهري بين التربية القديمة والتربية الحديثة أن التربية القديمة لم تحسب حساب العلوم المساعدة ولم تنفصل عن التجريد الفلسفي الصرف والنظريات العقلية البعيدة عن التجربة، وأول مفكر أدخل علم نفس الطفل في المجال التربوي هو «جان جاك روسو» الفيلسوف الفرنسي الشهير في كتابه «اميل» -وفلسفة التربية الحديثة ليست فلسفة في الفراغ أو في التصورات ذات النزعة الميتافيزيقية بل هي جمع منسق لمختلف فروع العلوم السابقة مضافا إليها مقتضيات العصر والفلسفة السائدة التي تطبع المجتمع بطابع يميزه عن مجتمع آخر فنحن لا نختلف عن الآخرين مثلا إلى بفضل هذه الفلسفة بالذات حيث أن قوانين علم الحياة والنفس قوانين نجدها في الصين أو في أمريكا هي بذاتها.
فأي فلسفة نتخذها نحن العرب المسلمون وندعو لها ونشيعها في مدارسنا حتى نحافظ على هذا التجانس المطلوب والتماثل العام بين العربي المغربي والعربي العراقي والحجازي؟ سؤال له خطورته ولم مسؤوليته لأنه سيشمل سياسة البلاد واتجاهها وبنيتها العميقة ولا احسبني أو في الموضوع في مقال، ويكفي أن أشير الآن إلى أن العناصر الحتمية التي ستتضمن هذه الفلسفة هي بدون شط اللغة والدين والتاريخ والسياسة أو بعبارة أخرى على الفلسفة العربية التربوية ألا تخرج عن الدعوة إلى وحدة اللغة ووحدة المكان ووحدة التاريخ ووحدة الثقافة ووحدة الدين ووحدة المصير والمصالح –ففلسفة التربية هي الجمع الحكيم لهذه العناصر مع إضافة عنصر التطور الدائم بطبيعة الحال.
ولا شك أن البوتقة الحية لهذه الأهداف أو لهذه الفلسفة التربوية العربية هي المدرسة العربية أين أننا في حاجة إلى تخطيط عام للتعليم وتنظيم فروعه وأصوله- ولا أشك لحظة أن سبب التباين الشديد بين العرب في عصور الانحطاط والاستعمار هو عدم وجود هذه المدرسة العربية وتضارب أنظمة التعليم بين بلد وآخر وبين فرع وفرع بل بين مادة وأخرى، والأمثلة عديدة للبرهنة على هذا الرأي، في المغرب مثلا كان التعليم على قسمين تعليم عربي صرف وتعليم فرنسي خالص وتعليم مزدوج بثقافة عصره –والتعليم الفرنسي الصرف تعليم يتجاهل المقومات الأساسية للشخصية المغربية المسلمة والتعليم المختلط تعليم يخرج لنا موظفين للإدارة لا المواطنين الصالحين ولا المثقفين الناضجين، وهذا التضارب العام موجود بين القسم الواحد والفصل الواحد –والعالم العربي برمته كان يعيش هذا التباين الخطير الذي يغذيه الاستعمار وتشجعه الرجعية المتقهقرة – سياسة فرق تسد سياسة حكيمة في الهدم والقتل الفكري وأئمة الاستعمار العريقون وضعوا علما شاملا في أساليب فصل القوة الحية للشعب المستعمر وقد حاولوا تطبيقها في الجزائر حينما أحيوا القومية واللغة البربرية وحينما شجعوا فرق الزوايا والطوائف الدينية لتجابه اللغة العربية الحية وعقيدة التوحيد الصميمة، وسبب فشل الاستعمار يرجع إلى أن الإيمان كان أقوى من علم المستعمر ودهائه.
نحن في حاجة ماسة إلى التوحيد الثقافي عن طريق فلسفة تربوية عربية قصد التشابه بين العرب في كافة البلاد العربية، والتشابه هنا ليس معناه النسخة المتكررة والقضاء على الفردية وتجاهل الاختلافات البيئوية، التشابه بمفهومه العضوي قتل لا شك فيه والتشابه الذي نحن في حاجة إليه هو بمعناه الوظيفي تماما كجسم الإنسان المتعدد العضلات المتحد في العمل والأداء، والتماثل الوظيفي العقلي هو هدف هذه الفلسفة التربوية العربية.
والصعوبات التي قد تعترضنا في اتخاذ هذه السياسة الثقافية الموحدة بين البلاد العربية اليوم والبلاد الإسلامية غدا تعتمد أولا وأخيرا على الفلسفة المشتركة-والدخول في الميدان الفلسفي دخول في صميم المشاكل الفلسفية الأزلية فنحن حينما نؤمن بفكرة الوحدة الثقافية نصطدم بمسائل أخرى كالمركزية أو اللامركزية وهل نقيد التعليم ونوجهه أم نتركه حرا طليقا تعمل داخله قوى الانتخاب الطبيعي للإبقاء على الأصلح والأمكن كما هو الشأن في انجلترا مثلا –ووضع المناهج والكتب لا يقل خطورة عن الحرية أو الجبرية في التعليم.
نستشف مما سبق أن التعليم والتربية لا يستقيمان في بلادنا إذا لم نجب على أسئلة تدخل في صميم الفلسفة وأن الفلسفة التربوية هي التي تعطي اللون والشخصية والصفات المميزة لكيانها الاجتماعي والحضاري، والعالم العربي لم تتوضح معالمه ما لم نزل هذا التضارب بين البلاد العربية في التعليم. وللأسف أن المدرسة العربية النموذجية لم تتأسس بعد وكذلك المواطن العربي المثالي في المغرب المسلم ولن يتركنا الزمن نتراخى أكثر مما فعلنا لأن القوى المعاكسة والنزعات الانعزالية حية تعمل في الخفاء والظاهر وهي تحارب الفلسفة التربوية وسوف يزداد الشق بيننا وبين العالم العربي ككتلة موحدة الشعور والثقافة إذا أجلنا تأسيس المدرسة العربية والكتاب العربي والتلميذ العربي والبيئة العربية المسلمة التي لا تزال تحافظ على الماضي وتعرف دورها في هذا العصر السريع التطور.
ولن يكون سهلا لأنه عمل بالدرجة الأولى فلسفي عقائدي ولا شك أن هذه الفلسفة سوف تعتمد أكثر ما تعتمد على فلسفة الإسلام، والشريعة الحنيفة تحتوي على الخطوط العريضة ولكن علينا أن نوفق وننظم ونقدم صلب الإسلام لا قشوره إلى المدرسة الابتدائية أولا وإلى التعليم العالي بعد ذلك لأن جوهر الإسلام خالد وعميق وهذا هو الذي نحن في حاجة إليه لا المناقشات والخرافات ذات الأصول الهندية والمسيحية – والمدرسة العربية تعرف أن الماضي لا يمكن أخذه جميعا والمحافظة على كل عناصره وإلا استحال القول على التلميذ في المدرسة أن يتعلم ما جد في عصره وهو كثير جدا.
وخلاصة القول أن فلسفة التربية ستكون عربية إذا احسنت دمج الماضي بالحاضر وتوفقت في إعداد المواطن العربي الصالح للمستقبل الرائع مستقبل البلاد العربية الإسلامية الموحدة.

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here