islamaumaroc

عقد البيعة من خلال السيرة النبوية وأحكام الفقه.

  إدريس خليفة

336 العدد

إن السيرة النبوية العطرة مدرسة عظيمة للأخلاق والإيمان والفضيلة، ومجال فسيح آثار التربية والتعليم والسلوك، فقد بعث الله محمدا رسولا، وأنزل عليه القرآن، وعلمه ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيما، وجعله بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فهو النبي الخاتم الذي لا نبي بعده، ورسالته رسالة رحمة إلى العالمين: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا).
ولقد حباه الله معجزة القرآن آية صادقة على صدق رسالته، وبلاغ حجته، وكانت معجزة باقية، لا تخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبها.
وانبنى الإسلام الذي جاء به خير الأنام، محمد عليه الصلاة والسلام على أركان وقواعد ومبادئ، فيها صلاح كل فرد من النوع الإنساني، وصلاح كل مجتمع بشري، وكانت تلك القواعد والمبادئ والأركان، منسجمة مع الفطرة، لاشتمالها على قيم الحق، والعدل، والفضيلة، والمساواة، والأخوة، ولذلك وجدت طريقها إلى النفوس، وسبيلها إلى امتلاك القلوب، عندما خاطب بها بيان القرآن كيان الإنسان من موجده الخالق الرحمن:
(الرحمن علم القرآن، خلق الإنسان علمه البيان، الشمس والقمر بحسبان، والنجم والشجر يسجدان، والسماء رفعها ووضع الميزان، ألا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان).
فهذه الآيات تضع الإنسان ضمن منظومة الكون، التي تتجلى مظاهره وصوره في الشمس، والقمر، والنجم، والسماء، والميزان، وضمن ركن الإيمان وقواعده، ومبادئ التكليف الذي تضع على عاتق المكلف المخاطب مسؤوليات وأعباء، أوضحت الشريعة الغراء معالمها، وأثبتت مفاهيمها، وأكد التنزيل أنها شاقة، إذ يقول القرآن الكريم:
(إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، إنه كان ظلوما جهولا).
ومن هنا كانت الحاجة إلى استلهام سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي حمل أمانة الدعوة ومسؤولية التبليغ، وكانت حياته صلى الله عليه وسلم صورة للأمانة الكاملة التي تجلت في علاقاته الخاصة والعامة، وفي دعوته بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال، بالتي هي أحسن، وفي تطور دعوته عندما هاجر إلى المدينة، وأسس دولة الإسلام بها، هذه الدولة التي قامت على الإيمان والأخلاق، والعدل والإحسان وكرامة بني الإنسان، وصارت هذه الدولة كيانا سياسيا دستوره الإسلام، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم هو رئيس هذه الدولة؛ وقد أرشده الحق سبحانه بالوحي: كتابا وسنة إلى إرساء أركانها وقواعدها السياسية التي ستصير مثالا يحتذى عبر تاريخ الإسلام، والتي تظل إلى عصرنا هذا نظاما عظيما، يحقق للأمة كل ما تصبو إليه من عز ورقي وازدهار.
وتتجلى هذه القواعد السياسية المعززة بالإيمان والأخلاق والإحسان وكرامة بني الإنسان، في أحكام البيعة التي واكبت مراحل بناء الدولة الإسلامية على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي كانت العهد المقدس الذي هو روح انتصار الإسلام، وسر عظمته، وبقاء دولته، وسبب تماسك كيان الدولة الإسلامية، وما يصيبه أهلها من حظوظ الأمن والرخاء السعادة والنمو الاقتصادي والاجتماعي.
فالإسلام باعتبار المخاطبين به كيان اجتماعي، وهو كيان منظم، ونظامه ضروري لوجوده، فعند وجود هذا النظام المؤسس على البيعة، يبقى كيان الأمة ويدوم وجوده، ويتكاثر إحسانه، وتنمو بركاته وخيراته، ويعيش الناس في ظل الأمن والسلام، متمتعين بمزايا الحرية والأخوة والمساواة والعدالة، وعند اختلال ذلك النظام ينفرط عقد الوحدة، ويشتد الهرج، وتعم الفتنة، ويصبح الناس عرضة لكل بلاء، وتختل موازين الأمن والعدل والمساواة بين البشر، وتلك هي الفتنة التي ذكرها الله سبحانه إذ قال:
(واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، واعلموا أن الله شديد العقاب).
ومع الفتنة لا يكون رق ولا تقدم ولا تجديد، فالفتنة أشد من القتل، وهي نار تأتي على الأخضر واليابس، وهي القاصمة التي تقصم الظهر، ويشيب منها الوليد، وهي الفتنة التي تمزق الآن كيان بعض الشعوب الإفريقية، التي تعاني من الحروب القبلية، والخلافات الداخلية، ومحاولة القيام على السلطات الشرعة، وتجني من ذلك مرّ ثمار التمزق، والجوع، والقتل، والإبعاد عن الوطن، ومداخلة الأمراض الفتاكة، فضلا عن عذاب النفس بسبب القلق، والخوف، والحزن، والهلع، والأسف، وغيرها من مشاعر البؤس، واليأس، والكدر.
وقد تجنبت أوربا المتقدمة هذه الفتنة، فهي تؤمن بوحدة شعوبها، وترفض أن تقسم أراضي دولها، وتجند لذلك كل إمكاناتها المادية والبشرية، وتريد خلق أوروبا الموحدة بعملة واحدة، وعلم واحد، وسياسة اقتصادية واحدة، تريد بذلك أن تحقق أرباحا مادية ومعنوية عن طريق الوحدة، والبعد عن الشقاق والخلاف.
ومن حسن حظ المسلمين أن الإسلام وضع قواعد حفظ الكيان الإسلامي منذ عهد النبوة، فالكيان الإسلامي ينطلق من "البيعة" وهو لذلك ينكر الفتنة الناشئة عن الشقاق والعصيان.
ولا غرو أن يسير المغرب على هذا السلوك الذي يستمده من موقعه كبلد مسلم، حمل لواء الدعوة الإسلامية في مختلف العصور، ونشرها في أرجاء أوربا، وخاصة في بلاد الأندلس، وبثها في ربوع القارة الإفريقية عبر صحرائه العزيزة المسترجعة التي كانت الجسر الذي عبر منه الإسلام إلى إفريقيا، لينشر فيها قواعد إيمانية، أخلاقية قويمة، ويقيم فيها حضارة الإسلام عقيدة سلفية، وأحكاما ربانية، ومذهبا مالكيا، ووجدانا صوفيا، فكانت الصحراء لذلك صلة الوصل، وهي الصلة التي لا يجوز أن تقطع، لأنها صلة لتاريخ، وصلة الرحم، وصلة البيعة التي عقدها آباؤنا بالمغرب، شماله وجنوبه لملوك هذه الدولة العلوية الشريفة، التي أحيت أمجاد المغرب، وحافظت على كيانه، ودافعت عن حدوده، وحاربت الاستعمار، وحققت الاستقلال، ووضعت حدا لنهاية الحجر والحماية، ونظمت المسيرة الخضراء إلى الصحراء، ووضعت بذلك حدا لاستعمار هذا الجزء الغالي من الوطن، كما وضعت من قبل حدا للوجود الفرنسي في الوسط، وحدا للاستعمار الاسباني في الشمال، وآلت على نفسها أن تحرر سبتة ومليلية والجزر الشاطئية بشمال المغرب، ليكتمل بذلك شمل الوحدة، وتنهار سدود التمزيق والشتات.
والمغرب عندما يرفع شعار "البيعة" لملوكه في نطاق إثبات الوحدة الوطنية طبقا لحكم محكمة العدل الدولية في الموضوع، إنما يستعمل مصطلحا من مصطلحات الفقه السياسي الإسلامي، كما فهمه المسلمون من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وكما نص عليه القرآن، وتحدثت به الرواية الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكما تمثل ذلك في سيرة الرسول الأعظم نبي الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام، الذي كانت سيرته تطبيقا عمليا للقرآن.
ففي الحديث الصحيح أن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: "كان خلقه القرآن".
وقد أثنى رب البرية على خلاقه إذ قال: (وإنك لعلى خلق عظيم)، وجعله الحق سبحانه إسوة وقوة للمؤمنين، فقال سبحانه: (لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا).
ولذلك تضمنت سيرته أبلغ الدروس وأعظمها في ميادين الإيمان، والجهاد، والصبر، والتضحية، والصدق، والإخلاص، والوفاء بالعهد، وغيرها من الصفات التي تقتضي محبته ومناصرته.
وقد عقد القاضي عياض السبتي في كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" (الجزء 2، ص: 24)(1)  فصلا في علامة محبة النبي صلى الله عليه وسلم، قال فيه:
"اعلم أن من أحب شيئا آثره وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقا في حبه، وكان مدعيا، فالصادق في حب النبي صلى الله عليه وسلم من تظهر علامة ذلك عليه، وأولها: الاقتداء به، واستعمال سنته، واتباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه، في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه، وشاهد هذا قوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله).
وإيثار ما شرعه وحض عليه على هوى نفسه وموافق شهوته...، ومنها (من علامات محبته): محبته لمن أحب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هو بسببه من آل بيته وصحابته من المهاجرين والأنصار، وعداوة من عاداهم، وبغض من أبغضهم...
وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحسن والحسين: "اللهم إني أحبهما، فأحببهما" وقال: "من أحبهما فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أبغضهما فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله.
فالسيرة النبوية تؤثر في المتعلم والمتأدب حب الاتباع، فتراه لذلك مؤثرا للنبي وصحابته وآل بيته الكرام، معظما قدرهم، تمسكا بسيرة النبي وهديه، معتصما بحبل الله، منتظما في سلك الجماعة، ملتزما "ببيعة" من ولاه الله الأمر، مسترشدا في هذا بما تدل عليه السيرة في مجال البيعة التي أخذ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم كقاعدة للطاعة والولاء والجهاد، وتوحيد الكلمة، ورص الصفوف، وهو ما نجده في عدد من فصول السيرة النبوية العطرة التي تتضمن المثل الأعلى للاقتداء والاحتذاء.
ونحن نقف على أول فصل من هذه الفصول في "العهد المكي" حين كانت بيعة العقبة الأولى، والثانية، فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم في قريش،وعلن بدعوته، واستعمل كل وسائل الاقتناع لاستمالة قومه للإيمان، لكن هؤلاء كذبوا وأعرضوا عن دعوته وآذوه وسخروا منه، ورشقه أهل الطائف بالحجارة، وحاصر كفار قريش عشيرته بالشعب، فاضطر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن يعرض نفسه على القبائل التي كانت تتوافد إلى البيت الحرام كل سنة للحج، يتلو عليهم كتاب الله، ويدعوهم إلى توحيده.
وفي السنة الحادية عشرة من البعثة عرض نفسه على القبائل، شأنه في كل عام، فبينما هو عند العقبة (موضع بين مكة ومنى ترمى عنده جمرة العقبة) لقي رهطا من الخزرج، قال: أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم، قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه، فداهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فلما كلم الرسول هؤلاء النفر ودعاهم إلى الإسلام نظر بعضهم لبعض، وقالوا: تعلموا والله إنه النبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا له: إنا تركنا قومنا ولا قوم، بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم، قد آمنوا وصدقوا(2) .
فكان هذا بداية إسلام الأنصار.
فلما كان العام المقبل قدم من الأوس والخزرج اثنا عشر رجلا، عشرة من الخزرج واثنان من الأوس، فاجتمع بهم صلى الله عليه وسلم، وبايعوه على "بيعة النساء"، أي على نمطها في الشروط التي بايع عليها النساء في اليوم الثاني من فتح مكة، وقد روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه خبر هذه المبايعة، فقال: "كنا اثني عشر رجلا، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا، فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه". قال: "فبايعناه على ذلك. (رواه البخاري ومسلم).
وكانت هذه هي بيعة العقبة الأولى.
وكانت بيعة العقبة الثانية في موسم العام التالي، حيث قدم وفد من الأنصار بعدما فشا الإسلام في المدينة، وكانوا ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين، واجتمعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب عند العقبة، ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، فتكلم القوم، وقالوا: خذ منا لنفسك ولربك ما أحببت، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلا عليهم القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم"، فأخذ البراء بن معرور بيده، فقال: نعم، والذي بعثك بالحق نبيا، لنمنعك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة (أي السلاح كله)، ورثناها كابرا عن كابر.
وقال أبو الهيثم بن التيهان: "يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها، (يعني اليهود)، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: "بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم"، وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومهم بما فيهم، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، فلما تخيرهم قال للنقباء: "أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي".
وكان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور، ثم بايع القوم كلهم(3) .
فالبيعة كما نرى من خلال أحداث العقبة الأولى، والثانية عهد موثق على الإيمان والوفاء، وتضمنت بنود العقبة الثانية شرط النصرة والجهاد لإعلاء كلمة الله، وهي كلها ضرورية لقيام الدولة، فالدولة الإسلامية مرتبطة بالعقيدة، وهذا يتضمن وجود قاعدة عريضة من المؤمنين بالعقيدة، تعيش على أرض هي قاعدة الدولة الجغرافية، وهي مرتبطة بالقائد الذي تذعن له الأمة، وتأتمر بأوامره، وتعمل بأحكامه.
ولهذه الدولة من ناحية العقيدة، والواقع طابع الاستمرار والدوام، فالإسلام رسالة الله إلى العالمين، والتاريخ الإسلامي شاهد على ضرورة الدولة، وعلى دوامها "بالبيعة" لمن يلي أمر المسلمين في مختلف العصور.
وبانعقاد البيعة الأخيرة، هاجر الرسول إلى المدينة، وأسس أول دولة إسلامية بها، وكانت هذه الدولة نواة الكيان الإسلامي الذي امتد بعد ذلك شرقا وغربا، ولا يزال يشتد بمن يدخل من الناس في دين الله أفواجا.
وبادر الرسول صلى الله عليه وسلم بمجرد استقراره بالمدينة إلى وضع معالم دولة الإسلام الفتية، وهي تتمثل في بناء مسجده بالمدينة، وفي المؤاخاة بين المسلمين، وفي كتابة وثيقة دستورية تنظم الحياة الداخلية بين المسلمين، وتنظم علاقاتهم مع اليهود، وهي كلها نظم سياسية ذات أهمية في استقرار الأوضاع ونمو المجتمع المدني في ظل الإيمان والعدالة والتكافل الاجتماعي.
فالمسجد دعامة أساسية للمجتمع الإسلامي، فهو مؤسسة للعبادة والتعليم وهو فضاء للشورى والدعوة، وهو جال رحب للتآخي والمحبة، وتمتين أواصر التعاون ولتفاهم، وفيه كانت تعقد أولوية الجهاد، وفي أروقته كان القضاة يحكمون ويستمعون للخصوم، وهو جامعة للعلوم والمعارف الشرعية العقلية، والعقلية واللغوية والاجتماعية وغيرها من العلوم والمعارف. ولقد كان الصحابة المهاجرون تركوا أموالهم وراءهم، إما لعدم قدرتهم على حملها معهم إلى مهاجرهم الجديد، وإما لكون الكفار قريش نزعوها منهم، فصاروا فقراء محتاجين للمواساة، فآخى الرسول بينهم وبين الأنصار، وكان هذا التآخي حقيقة عملية لا مجرد شعار، وعاد هذا بالنفع على المجتمع المدني كله، إذ أصبح المسلمون كلهم إخوة في الدين، يقوي بعضهم بعضا، متعاونين في السراء والضراء، متفرغين للذود عن العقيدة، ومواجهة تحديات الكفر والشرك والضلال. 
وجاءت الوثيقة التي كتبها الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة دستورا، يؤكد أن المسلمين من قريش ويثرب أمة واحدة، وأنهم يتكافلون فيما بينهم ويتناصرون، وأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، وأن لليهود دينهم، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ (يهلك) إلا نفسه.
وهكذا نرى الرسول صلى الله عليه وسلم يترجم "البيعة" إلى أعمال ومؤسسات سياسية عملية، تظهر فضائل الإسلام على مستوى مجتمع دولة الأمة التي كانت خير أمة أخرجت للناس.
ونقف بعد بيعتي العقبة الأولى والثانية على فصل ثان من فصول البيعة في سيرة الرسول من خلال وقائع "صلح الحديبية" فد خرج الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه المؤمنون الذي كان عددهم يقرب من ألف وأربعمائة رجل، قاصدين مكة معتمرين، وأراد الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه الرحلة أن يفهم المشركين أنه لا حق لهم في احتكار المسجد الحرام وصد المسلمين المؤمنين برب البيت عنه.
وعندما علمت قريش بالأمر، خرجوا عن بكرة أبيهم لمنع المسلمين من دخول مكة، وسار الرسول والمسلمون حتى بلغوا الحديبية، وبركت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تبرح مكانها، فقال المسلمون: خلأت القصواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما خلأت وما لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم، إلا أعطيتهم إياها، ثم أمر الناس أن ينزلوا حيث انتهى بالناقة المسير.
ويبدو من هذا الكلام النبوي الشريف أن الرسول كان يريد السلم، ويحب إقناع قريش بحق المسلمين في عبادة الله، وأداء شعائر العمرة، ولهذا قبل الدخول معها في مفاوضة لحل الأزمة، بعث عثمان بن عفان إلى مكة لمحاورتهم في الموضوع، وأثناء وجود عثمان بمكة انتشر الخبر بأنه قد قتل.
ولما بلغت هذه الشائعة مسامع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نبرح حتى نناجز القوم، ودعا الناس إلى بيعته، فبايعوه على الموت في سبيل الله، وتسمى هذه البيعة "بيعة الرضوان"، وقد ذكرها القرآن في سورة الفتح، إذ قال: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة، فعلم ما في قلوبهم أنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا، ومغانم كثيرة يأخذونها، وكان الله عزيزا حكيما).
وفي هذه البيعة يقول القرآن الكريم في نفس السورة:
 (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه فسنوتيه أجرا عظيما).
قال سيد قطب في تفسير الآية: (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه) معناه: أن الناكث هو: "الخاسر كل جانب، هو الخاسر في الرجوع عن الصفقة الرابحة بينه وبين الله تعالى، وما من "بيعة" بين الله وعبد من عباده إلا والعبد فيها هو الرابح من فضل الله، والله هو الغني عن العالمين، والعبد هو الخاسر حين ينكث وينقض عهده مع الله، فيتعرض لغضبه وعقابه على النكث الذي يكرهه ويمقته، فالله يحب الوفاء، ويحب الأوفياء)(4) .
وكانت نتيجة بيعة الرضوان ربحا كبيرا للمسلمين، فقد ظفروا بالسلم، وعقدوا الصلح على دخول مكة في السنة المقبلة، وكان هذا الصلح مقدمة فتح مكة في السنة الثامنة.
وكان "صلح الحديبية" في مصلحة الإسلام والمسلمين، وكانت هذه عاقبة سياسية السلم التي تمسك بها الرسول وطبقها في عام الحديبية، امتثالا لقوله سبحانه:
(وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله).
وقد عقد ابن قيم الجوزية في كتاب زاد المعاد(5)  فصلا بديعا خصصه لبيان الحكمة في إيثار الرسول صلى الله عليه وسلم السلم على الحرب، وأخذه بطريق المفاوضة والمطاولة ما لا يؤخذ بالقوة، وآثر البيعة في الانتصارات الإسلامية: فقال: منها (أي من تلك الحكم) أن هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح، فإن الناس أمن بعضهم بعضا، واختلط المسلمون بالكفار، ونادوهم بالدعوة، وأسمعوهم القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وظهر من كان مختفيا بالإسلام، ودخل فيه في مدة الهدنة من شاء الله أن يدخل، ولهذا سماه الله "فتحا مبينا...".
وحقيقة الأمر أن الفتح في اللغة فتح المغلق، والصلح الذي حصل مع المشركين بالحديبية، كان مسدودا مغلقا حتى فتحه الله، وكان من أسباب فتحه صد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت، وكان في الصورة الظاهرة ضيما وهضما للمسلمين، وفي الباطن عزا وفتحا ونصرا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى ما وراءه من الفتح العظيم، والعز والنصر من وراء ستر رقيق، وكان يعطي المشركين كل ما سألوه من الشروط التي لم يحتملها أكثر الصحابة ورؤوسهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم ما في ضمن هذا المكروه من محبوب:
(وعسى أن تكرهوا
                 شيئا وهو خير لكم).
وربما كان مكروه النفوس إلى
                محبوبها سببا ما مثله سبب

فكان يدخل على تلك الشروط دخول واثق بنصر الله، وأن تلك الشروط واحتمالها هو عين النصرة، وهو من أكبر الجند الذي أقامه المشترطون، ونصبوه لحربهم، وهم لا يشعرون، فذلوا من حيث طلبوا العز، وقهروا من حيث أظهروا القدرة والفخر والغلبة، وعز رسول الله صلى الله عليه وسلم وعساكر المسلمين من حيث انكسروا لله، واحتلموا الضيم له وفيه.. ثم ذكر سبحانه بيعتهم لرسوله وأكدها بكونها بيعة له سبحانه، وأن يده تعالى كانت فوق أيديهم، إذ كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك، وهو رسوله ونبيه، فالعقد منه عقد مع مرسله، وبيعه بيعته، فمن بايعه فكأنما بايع الله، ويد الله فوق يده، وإذا كان الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله فكأنما قبل الله، وقبل يمينه، فيد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بهذا من الحجر الأسود، ثم أخبر أن ناكث هذه البيعة إنما يعود نكثه على نفسه.
وتمثل بيعة النساء للرسول صلى الله عليه وسلم في مكة بعد الفتح فصلا آخر من فصول البيعة في السيرة النبوية، ومشهدا رائعا من مشاهدها، فقد اجتمع الناس لمبايعته صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة لله ورسوله، فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء، فيهن هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان، متنقبة متنكرة لما كانت صنعت بحمزة رضي الله عنه، فقال لهن: تبايعنني على ألا تشركن بالله سيئا، فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما أخذته على الرجال، وسنؤتيكه، قال: ولا تسرقن، قالت: والله إن كنت لأصيبن من مال أبي سفيان الهنة والهنة، وما أدري أكان ذلك حلالي أم لا؟ فقال أبو سفيان وكان شاهدا: أما ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حِلّ. فقال عليه الصلاة والسلام: وإنك لهند بنت عتبة: قالت: أنا هند بنت عتبة، فاعف عما سلف عفا الله عنك، قال: ولا تزنين، قالت: وهل تزن الحرة، قال: ولا تقتلن أولادكن، قالت: قد ربيناهم صغارا، وقتلتهم يوم بدر كبارا، فأنت وهم أعلم، فضحك عمر من قولها حتى استغرب، قال: ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، فقالت: إن إتيان البهتان لقبيح، ولبعض التجاوز أمثل، قال: ولا تعصينني في معروف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: بايعهن واستغفر لهن الله، فبايعهن عمر (رواه ابن إسحاق وابن جرير).
وهذه البيعة هي التي يذكرها القرآن في سورة الحشر(6) ، إذ يقول سبحانه: (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيدهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف، فبايعهن واستغفر لهن الله، إن الله غفور رحيم).
ويستفاد من بيعة الرسول للنساء مساواتهن للرجل في تحمل مسؤوليات المجتمع الإسلامي، وممارسة الحقوق السياسية من البيعة للإمام، وغير ذلك من المسؤوليات.
ويستفاد منه حلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعة صدره في خطابهن، وصفحه عمن أساءت إليه، وإعراضه عن إحياء أحداث الماضي حلما منه وكرما.
وهكذا ينبغي أن يكون شأن خلفائه صلى الله عليه وسلم في العفو والصفح والتجاوز عن الأخطاء والهفوات، فقد قال عليه الصلاة والسلام مخاطبا أهل مكة: "اذهبوا أنتم الطلقاء"، والنساء شقائق الرجال في الأحكام: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة، والله عزيز حكيم).
وهكذا نرى فصولا من السيرة النبوية تعرض علينا صورا من "البيعة" التي صارت ركنا ركينا من أركان العلاقات بين الراعي والرعية في الإسلام، إذ هي أساس الطاعة لولي الأمر، وهي بذلك ركن السيادة في الدولة الإسلامية، وهذا هو ما استخلصه فقهاء المسلمين في فقه السياسية الإسلامية، وقد تناولوه من جانبين:
جانب مدلول البيعة لغة واصطلاحا.
وجانب وجوب نصب الإمام، فالبيعة في اللغة، الصفقة على إيجاب البيع، وعلى المبايعة والطاعة، وقوله صلى الله عليه وسلم: "ألا تبايعوني عن الإسلام؟" هو عبارة عن المعاقدة والمعاهدة، كأن كل واحد باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه، والكلمة في "لسان العرب" لابن منظور تعني العقد والإعراب عنه والطاعة بالفعل، وهو في معنى قوله تعالى:
(إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون، وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم).
ومعنى البيعة في الاصطلاح الشرعي هو إعلان الرضا بالخليفة(7) ، فهي ليست كما يتوهم البعض انتخابا أو تفويضا أو توكيلا بالخلافة، وإنما هي الموافقة على الأمر الواقع، والتسليم به.
وقد عرّف ابن خلدون "البيعة" بأنها العهد والطاعة، كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يسلم إليه النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين، لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر، على المنشط والمكره.
وكانوا إذا بايعوا الأمير، وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيدا للعهد، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري". (انتهى كلام ابن خدون).
وقد ذهب الفقه الإسلامي إلى وجوب الإمامة، وأنها ضرورية لبقاء الدين، وحفظ مصالح المسلمين وعلى هذا جميع أهل السنة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج، وأن على الأمة – كما ذكره ابن زم – الانقياد لإمام عادل يقيم في الناس أحكام الله، ويسوسهم بالشريعة المطهرة، ومصدر الإمامة عنده نصوص الكتاب والسنة، ومقتضيات العقل والاجتماع، وهو ما ذهب إليه الإمام الغزالي في كتاب "الاقتصاد في الاعتقاد"(8)  حيث يقول:
"الدنيا والأمن على الأنفس والأموال لا تنتظم إلا بسلطان مطاع... تشهد له مشاهدة أوقات الفتن بموت السلاطين والأئمة، وأن ذلك لو دام ولم يتدارك بنصب سلطان آخر مطاع دام الهر، وعم السيف، وشمل القحط، وهلكت المواشي، وبطلت الصناعات، وكان كل غلب سلب، ولم يتفرغ أحد للعبادة والعلم إن بقي حيا، والكثيرون يهلكون تحت ظلال السيوف، ولهذا قيل: "الدين والسلطان توأمان"، فالغزالي يرى ضرورة وجود إمام يحقق الأمن، والاستقرار، والنمو الاقتصادي والاجتماعي للأمة، ويحذر من الفتن التي تنشأ عن خلو المجتمع من إمام يفرض على الناس سلطانه، ويمنع المفسدين من أعمال الشغب، والنهب، وإراقة الدماء، ويعمل على إقامة الدين الذي تذهب حرمته بسبب عدم وجود سلطان يذود عن الملة، ويلزم الأمة بأحكام الشريعة.
وقد علل ابن تيمية ضرورة وجوب الإمامة بمصلحة الخلق، وفي هذا يقول في كتاب "السياسة الشرعية"(9) :
"يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، فالواجب اتخاذ الإمارة دينا وقربة يتقرب بها إلى الله..".
وقد ذهب المؤلفون في موضوع الأحكام السلطانية إلى أن الخلافة تنعقد أصلا بوجهين:
أحدهما: باختيار أهل الحل والعقد.
والثاني: بعهد الإمام من قبل.
وقد نسخت طريقة الولاية بالعهد إلى من يخلف الإمام كل طريقة أخرى، وبهذا صار المعهود إليه يسمى وليا للعهد، وكان الملوك يتحرون أن يأخذوا عهدا للناس بالبيعة له بعدهم في حياتهم، بعد مشاورة أهل الحل والعقد في ذلك، وهي الطريقة التي ارتضاها المغاربة نظاما للبيعة وولاية العهد منذ عهد الأدارسة.
ويستخلص مما يذكره الفقهاء في موضوع طبيعة "البيعة" أنها عقد وعهد، وهي ليست مجرد عقد اجتماعي على نحو ما ذهب إليه الفيلسوف الفرنسي (روسو) في تحليل طبيعة السلطة، وإنما هي عقد وعهد فعليان ينشآن بالصيغ الشرعية الإرادية التي تدل عليهما، ويسجل مضمونهما بالحفظ في الذاكرة العامة للأمة، وفي وثائق "البيعة" التي يحررها العدول، ويوقع عليها أهل الحل والعقد، ويحتفظ بها كما يحتفظ بوثائق المعاملات.
ويحتمل هذا العقد، وهذا العهد وجود شروط للطرفين المتعاقدين يؤكدان به أهمية العقد، ومضمون العهد ليكون ذلك أدعى إلى تظافر الجهود لإنقاذ محل التعاقد، والمبادرة لإنجاز ومغالبة الأوضاع التي تتسم بالخطورة وعدم الاستقرار.
وكل عقد وعهد يجب الوفاء به في الإسلام، لاسيما إذا كان ذلك العقد والعهد مما ينتظم به أمر الخاص والعام، ويعلو به أمر الإسلام، ويعظم به شأن دولة المسلمين، يدل على ذلك الكتاب والسنة.
فمن الأدلة علية من الكتاب قوله سبحانه وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)، وقوله تعالى:
 (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها، وقد جعلتم الله عليكم كفيلا)، ويقول: (وأوفوا بالعهد، إن العهد كان مسؤولا).
والدليل على ذلك من السنة قوله صلى الله عليه وسلم: "من كره من أميره شيئا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية".
وروى الإمام البخاري في "صحيحه" عن نافع قال: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده، ففال: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غررا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله، ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا تابع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه.
وهكذا يتبين من خلال أحكام هذه الجولة في معالم السيرة النبوية الطاهرة، ومن خلال أحكام الفقه الإسلامي:
أن "البيعة" نظام لولاية الحكم في الإسلام، وأنها ركن السيادة فيه، تنشأ عنها آثارها المتمثلة في وجوب الطاعة لولي الأمر، ونفاذ أحكامه وأوامره، بما له من سلطة روحية وزمنية على رعاياه، وأنها عقد وعهد، وأنه يجوز فيها اشتراط كل ما يضمن مصالح الأمة، ويفي بحقوقها، ويدفع عنها كل ضرر.
وأن "الإمامة" خلافة عن الرسول عليه الصلاة والسلام، ولذلك يلزم الإمام تنفيذ أحكام الله، ويلزم الرعية السمع والطاعة، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأن البيعة يلزم الوفاء بها كضرورة الوفاء بجميع العقود والعهود، وإخلاف العقد والعهد، خاصة على مستوى البيعة جرم كبير وفساد عظيم.
وقد بايع أهل المغرب من تطوان شمالا إلى الكويرة جنوبا، ومن الرباط إلى الحدود الشرقية للمغرب ملوك الدولة العلوية الشريفة، وتواترت كتب أهل المغرب، ووفودهم إليهم، معبرين عن الطاعة والولاء والبرور والوفاء، وكان هؤلاء الملوك يرحلون في بعض الفترات إلى بعض أقاليم المملكة لأخذ العهد على الوفاء والولاء وجمع شمل الكلمة، وكان أهل الصحراء سباقين في هذا المجال، لما كانوا يمتازون به من غيرة وطنية وحمية دينية، وقد رحل إليهم ملوك هذه الدولة مؤكدين عليهم عهود "البيعة" ومواثيقها من لدن عصر مولاي إسماعيل بن الشريف إلى عصر ملكنا المعظم، أمير المؤمنين وسبط النبي الأمين جلالة الملك الحسن الثاني، الذي زار مدينة العيون، وتقبل "بيعة أهل الأقاليم الصحراوية" محددة، مؤكدة – كما فعل أسلافهم من قبل – على عهد أسلافه الكرام، وهي بيعة يسري مفعولها على مستوى مواجهة خصوم الوحدة الترابية للمملكة، الذين غرهم السراب، وأضلتهم الأوهام، وغفلوا عن حقائق التاريخ، وما للبيعة من خصائص الإلزام والالتزام، وسيسري مفعولها كذلك على مستوى الاستفتاء التأكيدي إن اضطر المغرب إلى إجرائه، حيث سيؤكد سكان هذه المنطقة الجنوبية، ومعهم سكان المغرب كله، مغربيتهم وبيعتهم لملوك المغرب الكرام على الدوام، ويضعون بذلك حدا لمناورات المرتزقة وأطماع ساداتهم المؤطرين لبدعتهم، والمروجين لخدمتهم، الكارهين لما حقق المغرب من انتصارات تقدم في ظل عاهله المفدى أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني، الذي كافح إلى جانب والده الملك الراحل محمد الخامس – طيب الله ثراه – من أجل تحقيق الحرية والاستقلال والوحدة. والذي يبني السدود، ويحمي الحدود، ويحقق للدولة أمنها ورخاءها وازدهارها، والذي بنى معاهد العلم وشجع البحث العلمي، وشيد المساجد والمستشفيات والقناطر، والذي يواصل مسيرة تحرير فلسطين، ومساعدة المسلمين في أنحاء المعمور.
فنسأل الله تعالى أن يحفظ أمير المؤمنين ويبقيه ذخرا للوطن والدين، ويبارك في ولي عهده الجليل سيدي محمد، وصنوه مولاي رشيد وسائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنه سميع مجيب.

(1)  الشفا: للقاضي عياض – الجزء 2، الصفحة 24.
(2)  عيون الأثر: لابن سيد الناس / الجزء: 3، الصفحة: 156.
(3)  تاريخ الطبري: (2: 363).
(4)  في ظلال القرآن: للسيد قطب / ج: 26-ص: 103.
(5)  زاد المعاد: لابن الجوزية / ج: 2، ص: 130.
(6)  سورة الحشر: الآية: 12.
(7)حضارة العرب: للدكتور مصطفى الرافعي / : 114.
(8)  كتاب: الاقتصاد في الاعتقاد: للإمام الغزالي / ص: 364.
(9)  كتاب: السياسة الشرعية: لابن تيمية / ص: 161.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here