islamaumaroc

الشباب ذخر الأمة ومستقبلها

  عبد السلام الهراس

336 العدد

الشباب أعظم استثمار وأنفس ادخار تدخره الأمم لضمان ازدهار مستقبلها، فهو واسطة بين الطفولة والكهولة، وهو صلة الوصل الحيوية بينهما.
وإذا أريد معرفة مصير أمة من الأمم فإن ذلك يتأتى من خلال النظر إلى واقع شبابها: تربيتهم، وأخلاقهم، وثقافتهم، ومستوى خبرتهم بالعلم والحياة، ومدى نضج عقولهم، فإن كانوا في المستوى اللائق بمصرهم وعصرهم من الأخلاق والعلم وحب الواجب والتضحية بالحقوق والشوق إلى الترقي والنهوض والاهتمام بالمصالح وإيثارها على المصالح الخاصة، فاعلم أن مستقبل هذه الأمة سيكون مزدهرا عظيما، والعكس بالعكس.
وقد توقع أحد الكتاب المفكرين الروس بانحلال الاتحاد السوفياتي وبانهياره لما شاهد عليه شباب روسيا من انهماك في الملذات، وانصراف عن القيام بالواجب، وشيوع الرذيلة والمخدرات بينهم ونضوب الحماس لوطنهم، والولاء لحزب الدولة، والاستهانة بمبادئه، وسوء الظن بقيادتهم.
والرسالات والدعوات الإصلاحية قامت دائما على أكتاف الشباب، واعتمدت على سواعدهم ونشاطهم وحماسهم مع ارتباطهم بحكمة الشيوخ ورزانة الكهول:
فإبراهيم عليه السلام كان فتى عندما نظر في الكون، وتأمل في حياة قومه العاكفين على أصنام لا تنفع، ولا تضر، ولا تأكل ولا تنطق، فراغ عليهم ضربا باليمين(1) .
وإسماعيل كان شابا يافعا عندما قال له أبوه: (يا بني، إني أرى في المنام أني أذبحك)، فأدرك أن الأمر وحي من الله، وأن والده صادق في رؤياه، فلم ينسق مع نزق الشباب، ولا أهواء النفس، ولم يؤثر حياته على أمر الله، وإنما بادر في طاعة ورضى وامتثال واطمئنان نفس إلى الجواب المنتظر (يا أبت افعل ما تومر ستجدني إن شاء الله من الصابرين)(2) .
وقبلهما نوح عليه السلام الذي لبث في قومه يدعوهم إلى دين الله ألف سنة إلا خمسين عاما، وهي المدة التي كانت قبل بعثته، يفهم هذا الفرق بين العام الذي هو مجرد حول زمني والسنة التي هي حول، لكن فيها معاناة وشدائد.
ويوسف عليه السلام كان غلاما عندما ألقاه إخوته في الجب وسيق إلى سوق النخاسة، فكان من نصيب العزيز وزوجه.. كان غلاما آية من آيات الله في الجمال، فراودته التي هو في بيتها فاستعصم ولم يغلتم "لم تغلبه شهوته" قائلا: (معاذ الله، إنه ربي أحسن مثواي)(3) .
وعلمه من تأويل الأحاديث ومكن له في الأرض، وآتاه حكما وعلما؛ وعندما عرفه إخوته واعترفوا بخطئهم قال لهم: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم)(4) .
ولما تحققت رؤيته ازداد تقربا إلى الله وعبودية، وسأله سبحانه أن يتوفاه مسلما ويلحقه بالصالحين.
وموسى عليه السلام رأى ما رأى من انحراف الفراعنة وطغيانهم وتألههم فرفض عبادتهم، وآثر شظف العيش والهجرة على ما كان عليه فيه من نعيم، واستطاع أن يقطع مفاوز ومهامه حتى وصل إلى (مدين)، حيث سقى للفتاتين الضعيفتين أمام ازدحام الرعاء على العين؛ وقد لاحظت الفتاتان قوة هذا الشاب وأمانته وحياءه، فكانت له المصاهرة مع أبيهما، واستقر هنالك مدة أقصى الآجلين ليرحل بأهله نحو مصر، وحيث ينزل عليه الوحي في صحراء سيناء، وقد عانى ما عانى مع بني إسرائيل، ومع ذلك صبر عليهم حتى فاز على فرعون فوزا مبينا.
وعيسى عليه السلام آتاه الله الحكم صبيا، ودعا إلى رسالة الله وهو شاب في ظروف قاسية: بين جبروت الرومان، ومكر بني إسرائيل ومقاومتهم.
وأهل الكهف كانوا فتية آمنوا بربهم وزادهم هدى.. فكانوا أشد إيمانا، وأقوى عقيدة ويقينا، فلم يستسلموا للقهر والطغيان، فآثروا اعتزال القوم في الكهف حتى يحكم الله.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم عرف بالطهر والعفاف والأمانة، وسمو الخلق منذ صباه وشبابه حتى إنه دعي "بالأمين" من جميع أهل مكة، وقد أهله ذلك ليحتكم إليه في رفع "الحجر الأسود" وليتجر في مال خديجة رضي الله عنها التي تزوجته وهو في أوج شبابه، فظل وفيا لها حتى بعد وفاتها.
وقد استجاب له كثير من شباب قريش ويثرب والقبائل: كمصعب بن عمير، وعلي بن أبي طالب، وعمار ابن ياسر.
ومن أوائل من أسلم من الأنصار الشاب إياس بن معاذ قبل الوفد الأول، والعقبة الأولى، والعقبة الثانية، كما يروي ابن إسحاق، فما كان من عرف أمره أنه مات مسلما، ولكنه كان يخفي إسلامه.
ثم كان شباب من الخزرج والأوس سئموا الفتنة بينهم، وفنوا لتآمر اليهود لتأريث العداوة بين الأشقاء، وقد لاحظ العباس رضي الله عنه في العقبة الثانية، حيث حضر البيعة، أن جل هؤلاء أحداث لا يعرفهم.
ومن السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله، شاب نشأ في عبادة الله.
وكثير من قادة الفتوحات الإسلامية والعلوم والآداب كانوا من الشباب، وتركوا وراءهم ثروات هامة في مجالات البطولة والفكر والعلم.
والعالم الإسلامي معظمه من الشباب والأطفال، وهذه ثروة عظيمة من الموارد البشرية الخامة، والطاقة الآخذة في التحول، وهي من حيث المبدأ تبشر بمستقبل عظيم لو استطعنا أن نركب مع هذا العنصر الأساسي الموارد الطبيعية، والوعاء الزماني (أي الوقت الذي يعيش فيه الشباب)، وصياغة ذلك كله على أساس العقيدة السليمة والدين الذي هو عصمة أمرنا.
وليس بمستحيل أن تتحول هذه الطاقات الجبارة في الروح والفكر والجوارح في أمد وجيز إلى المصدر الهائل لقوى التحريك للإقلاع الحضاري الإسلامي، واختصار المسافات، وتجاوز المعوقات، واستسهال المصاعب، وطي المسافات، ومنافسة الأقوياء في ميدان التسابق العلمي، والتنافس التكنولوجي، كما يقع في الميدان الرياضي.
وقد بشر الله الأمة الإسلامية بأن زينة الله الطيبات من الرزق هي في الحقيقة للذين آمنوا في الحياة الدنيا إذا ما وفروا لها شروط امتلاكها، ومارسوا قوانين التحكم فيها، والاستحواذ على قوانينها، وحافظوا على مكتسباتها وصانوها من التلف والتفلت من بين أيديهم، كما وقع لأسلافهم بعد أن كانوا سادة العالم.. إنها أساسا لهم في الدنيا لكنها ليست خالصة، إذ ينافسهم فيها غيرهم ممن لسوا على دينهم، أما في الآخرة فهي خالصة لهم دون غيرهم بفضل الله ومنه وكرمه ورحمته. قال تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هي للذين آمنوا خالصة يوم القيامة)(5) .
وقد بين الله المنهج السوي والصراط المستقيم لسعادة الدارين.. وبين سبحانه أن الكفار مهما امتلكوا من وسائل التقدم والحضارة والقوة فإنهم لن يسبقوا قدرة الله، أو يسبقوا المسلمين المؤمنين، إنهم لا يعجزن.. فليس لهم أن ينفردوا دون المسلمين بالقوة والتقدم، الله قادر على إهلاكهم وتأخيرهم، وإبطال قوتهم، وسلبهم تقدمهم المادي، كما أن المسلمين يستطيعون أن يسابقوهم ويسبقوهم إذا ما أعدوا لهم ما استطاعوا من الإعداد في ميدان القوة، وهي تشمل العلوم والصناعة والآداب وغيرها، ووحدة الصف، والتربية الراقية، والتوجيه السديد، والآداب الرفيعة، والأخلاق الكريمة، والخلال الحميدة، كما تشمل الميدان العسكري المعير عنه برباط الخيل.
وليس المراد من السبق الاعتداء والظلم وإنما الردع وإرهاب العدو، قال تعالى: (ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون، وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم، الله يعلمهم)(6) .
وفي قراءة: (ولا تحسبن الذين كفروا...).
ومن أهم ما يجب أن تنصب عليه جهود الإعداد هي القوى البشرية، ولب القوى قوة الشباب.
فإعداد الشباب يبدأ منذ ولادتهم وطفولتهم، حتى إذا شبوا كانوا على أتم الاستعداد والوعي للبناء والتشييد بما ربوا عليه من الفضائل والشيم الكريمة، وتحصيل العلوم، وقوة الإرادة، وحسن الإدارة وقوة الانضباط، وجميل الظن بالقيادة وأفراد الأمة، وجمال القدوة، إذ هم قدوة للجيل الصاعد بعدهم.. فإذا اتسق الإعداد وتواصلت التربية والإرشاد، وتكاملت المناهج، وشملت مناحي التأثير والتوجيه مناخات التثقيف والتكوين فإن الأجيال – منذ طفولتها – تتوارث همم المسؤولية، وروح التنافس في حسن، وتحسين الأداء، والقيام بالواجبات قبل التمتع بالحقوق، والإيثار والتضحية في سبيل المصلحة العامة.
وليكون عيد الشباب آثاره المرجوة يجب الإسراع بالتجاوب الشامل والواعي مع النداء المولوي لكريم بإشاعة الأجواء القرآنية النورانية في مجال الطفولة والشباب، ذكورا وإناثا، تحفيظا وترتيلا، وتربية وتثقيفا، من الكتاتيب إلى أعلى التخصصات العلمية والأدبية، لأن القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة كفيلان بصياغة الشباب صياغة تؤهله للاضطلاع بالأعباء التي يستجوبها الإقلاع الحضاري.
والحقيقة أن هذا التجاوب بدأ – والحمد لله – في المدن التي كانت قد أهملت مصدرنا العظيم في التربية والإنشاء والتكوين، ونلاحظ أن هذا الوعي سرى قويا بين الآباء والأمهات والأبناء، وبين الأغنياء والفقراء.
وأحب أن أسجل للتاريخ أن الجهات الرسمية، وفي مقدمتها وزارة الأوقاف، تسارع دائما إلى المساندة والتشجيع، ماديا ومعنويا..
ومتى التقت الإرادات والعزائم القوية، وحسنت النيات الصالحة، وتحقق الإخلاص لله وحده، فإن النتائج دائما تكون عظيمة..
ومما يجدر تسجيله أيضا أن بالمغرب بداية نهضة لطلب العلوم الشرعية، وقد رأينا – والحمد لله – الآثار الطيبة لذلك، وشاهدناه ونحن أحياء، وكل يوم تنمو هذه الظاهرة الطيبة، وبنموها نلاحظ انتشار روح الوسطية والاعتدال والتسامح.. وليس بمستبعد أن يكون القرن الخامس عشر هو قرن النهضة الإسلامية، إذ تستعيد الأمة الإسلامية مكانتها بين الأمم.
(إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المومنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا)(7) .
(وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون).

(1)  انظر: سورة الأنبياء: 51/72.
(2) سورة الصافات: 102.
(3)  سورة يوسف: 102.
(4)  سورة يوسف: 92.
(5)  سورة الأعراف: 32.
(6)  سورة الأنفال: 59-60.
(7)  سورة الإسراء: 9.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here