islamaumaroc

رعاية الإسلام للشباب.

  يوسف الكتاني

336 العدد

نترقب دوما وباستمرار مناسبة حلول عيد الشباب، لنستلهم من طموح جلالة ملكنا وقيادته الحكيمة لعزم والحزم، والقوة والبأس، والسياسة والحكمة، والهدى والرشد، والحلم والفضل، ولنعود إلى قيم الإسلام ومبادئه فنقتبس الدروس والعبر، والمنهج الرشيد في تربية شبابنا وسياسته وقيادته.
فإلى الحسن الثاني في عيد ميلاده الجديد أسمى تهنئة، وأكبر تحية، وأعظم الأماني بطول العمر، والصحة والتوفيق في قيادة الأمة، والسير بها إلى مدارج الكمال بما يرضي الله عز وجل.
إن من فضل الإسلام على البشرية أن جاءها بمنهاج شامل كامل قويم، لتربية النفوس، وتنشئة الأجيال، وتكوين الأمة، وبناء الحضارة، وإرساء قواعد المجد والمدنية، مما كان من شأنه إنقاذ الإنسانية التائهة، وتصحيح مسارها، وإرجاعها إلى الطريق المستقيم.
وإذا كان لكل أمة ثروة تعتز بها، ورصيد تدخره لمستقبلها، وقوة تبني عليها مجدها ونهضتها، فإن في مقدمة الثروة في دولة الإسلام شبابها الذي يعتبر الدعامة الأساسية في المجتمع، والفئة الحية فيه، والأمل المرتجى على الدوام.
ولا أعتقد أنه يوجد دين سابق الإسلام ورسول الإسلام، الذي جعل منه دعامة للمجتمع، وقوام الأمة، وعنصر القيادة والدعوة والحكم، وهيأه للميادين كلها، ودفعه إلى المجالات كلها، واعترف بقوته، وباهى أعماله، واعتبره محط العناية الكبرى ومركزه الرعاية العظمى، حتى جعل فئة الشباب أعظم فئات الأمة جميعا، يؤكد ذلك ويثبته ما وضعه الرسول الكريم للشباب من مناهج وقيم أخلاقية، وما سنه من مبادئ سامية، تكون عقيدة الشباب، وتضمن له التنشئة الصالحة، وتحفظ عليه نضارة الحياة، وصحة البدن، وقوة العزيمة، وتمنحه سلامة التفكير، وصلابة الإرادة، وقوة الشخصية، مما يجعله فردا صالحا لنفسه ولمجتمعه ولسائر المؤمنين.
ولا نعلم أمة من الأمم قديمها وحديثها، اعتنت بشبابها ورعتهم، وهيأت لهم ما يجعلهم ما يجعلهم رجالا أكفاء أقوياء مثل دولة الإسلام، ورسول الإسلام، حتى إننا نجد أركان دولته قامت على أكتافهم وبجهودهم، دعاة وعلماء، حكاما وأمراء، وقواد جيوش، ممن يمتلئ تاريخ السيرة بصفحاتهم المشرقة، وأعمالهم الخالدة.
ومن هنا كان للشباب في ديننا الإسلامي مكانة عالية، ومركز أساسي، لأن على سواعده تنهض الأمم، وبهمته تسمو وتعلو، وبعمله تتقدم الشعوب، وتبلغ ذروة المجد والحضارة.
من أجل ذلك اهتم القرآن المجيد، والنبي الكريم، والصحب والرواد من سلف الأمة بالشباب أعظم اهتمام، واعتني بهم أكرم عناية، فقد عرض كتاب الله لمراحل حياة الإنسان، واعتبر مرحلة الشباب مرحلة البأس والقوة فقال:
(الله الذي خلقكم من ضعف، ثم جعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة، يخلق ما يشاء، وهو العلي القدير)(1) .
كما بين القرآن الكريم بأن الشباب هم الفئة الواعية التي تسارع إلى دعوة الخير والحق، وإلى محاربة الرذائل والنقائص في كل زمان ومكان، متى كانت هذه الفئة على صلة بربها، مرتبطة به، وقد ضرب الأمثلة على ذلك بالأنبياء عليهم السلام، وفي مقدمتهم إبراهيم الخليل أبو الأنبياء، عندما أعطى المثل لقومه في الدفاع عن الحق، ونكران الباطل، فتصدى – وهو في ريعان شبابه – لكشف زيف وضلال ما يعبدونه من أصنام، واتخاذها أربابا من دون الله، فحطمها وكسرها غير عابئ بباطلهم، فحماه الله ووقاه حينما ألقوه في النار، التي انقلبت بردا وسالما على إبراهيم كما قال تعالى: (... قال من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، قالوا: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم، قالوا: فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون، قالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم، قال: بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم إن كانوا ينطقون)(2) .
وكذلك كان الأمر مع شباب الإيمان من الأنبياء والمرسلين، مثل: لوط، وإسماعيل، ويوسف، وموسى، في القصص الرائعة التي أوردها القرآن دليلا قويا على مسارعة الشباب إلى نصره دعوة الحق، والدفاع عنه، إلى أن نصل إلى رسولنا الكريم، الذي كان في شبابه القدوة الصالحة، والأسوة الحسنة، والنموذج الحي لكل من يريد الحياة الفاضلة بعيدا عن اللهو والمجون، متصفا بالمروءة والصدق، متمسكا بالشرف والفضيلة حتى لقلب ب: "الأمين الصادق" عليه الصلاة والسلام.
وقد حصر العلماء سن الشباب وحدوده ما بين فترة البلوغ إلى سن الأربعين على أكثر تقدير، وهي فترة الفتوة والقوة والنشاط، والارتفاع والزيادة، وقمة اكتمال الطاقة والقدرات الإنسانية العضلية، والنضج الفكري، وفورة التفاؤل والحيوية، والتطور والطموح، والمغامرة والاستهانة بالصعاب.
ومن هنا اهتمت الأمم بتربية أبنائها، والعناية بشبابها، ليكونوا رجال المستقبل، ومناط الأمل والرجاء في تحمل المسؤوليات، وتولي القيادة والريادة.
وتتوزع مسؤولية رعاية الشباب في الإسلام جهتان:
- الأسرة باعتبارها نواة المجتمع وأساسه، ومنبع الأولاد ومدرستهم الأولى، وهي التي توجهه التوجهة التي تصنعه وتكونه، لأن "المولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما أكد الرسول عليه السلام، وفي ظلها يرتبط برباط مقدس، كي تستقر نفسه وعواطفه، ويرتبط بعلاقة وثيقة مع أفراد أسره وأعضاء مجتمعه.
والجهة الثانية التي ترعى الشباب هي الدولة، ترعاه بالتعليم التقويم والتوجيه، في المدرسة، والشارع، والنادي، ومختلف مجالات الحياة.
وقد رعى الإسلام هذه المسؤولية حق رعايتها، وخص الرسول الكريم الشباب بما لم يخص به فئةأخرى، خاصة وأنهم كانوا الفئة المؤمنة بدينه، والمبادرة لنصره.
لقد كان عبد الله بن عباس ردف رسول الله على راحلته ذات يوم، وكان شابا حدثا، وأراد أن يفتح له طريق التقدم والتفوق، فرسم له ولشباب المسلمين الخطوط الأساسية، التي تعتبر المثل الأعلى له، حتى يكون قويا مجدا، مؤمنا مفيدا، ولا يكون إمّعة متواكلا متخاذلا، وقد خاطبه رسول الله قائلا:
"اسمع يا غلام، أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك"(3) .
لقد كان الرسول وخلفاؤه من بعده، يخص الشباب بالتوجيه الدائم، والعناية المستمرة، ويفقهه في دينه، ويعلمه أدب الإسلام، ويوجهه إلى التقوى والعمل الصالح الذي يفيده ويفيد أمته ومجتمعه.
يقول الرسول مخاطبا الشباب:
"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة – القدرة – فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء – وقاية –(4) ".
كما كان الرسول عليه السلام يتعهدهم بالتعليم والتربية، والتهذيب والتوجيه، فقد روى الإمام البخاري عن عمر بن أبي سلمة قال: كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصفحة – الإناء – فقال: يا غلام "سمّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك"(5)  كما روى أنس بن مالك عن الرسول الأكرم كيف كان يعلم الشباب الطعام والجلوس على المائدة، قال أنس: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك"(6) . وذلك تأكيد للتوجيه الإلهي في القرآن الكريم:
(يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون)(7) .
كما كان الرسول يحبب للشباب أنواع الرياضات لتصح أجسامهم، ويستقيم عودهم، ويصبحوا قادرين على الجهاد في سبيل الله، وتحمل أعباء الحياة، ولذلك كان يحثهم على الجري، وركوب الخيل، والسباحة، والرمي، وكان الرسول نفسه يتسابق مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
ولقد مر على جماعة من الشباب وهم يتدربون على الرماية فقال لهم:
إرموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا، إرموا وأنا مع بني فلان، فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:
""ما لكم لا ترمون؟ قالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ قال: إرموا فأنا معكم كلكم"(8) .
بمثل هذا التوجه الحكيم، والقدوة الحسنة، والمثل الصالح، استطاع الرسول في فترة وجيزة أن يجعل من شباب المسلمين شيعته وأنصاره، وعدته في الجهاد، ودعاته إلى الدول والأمم، وفقهاء الأمة وقراءها، ويجعل منهم المشاعل التي أنارت الطريق، وفتحت الفتوح، نذكر منهم المشاعل على سبيل المثال علي بن أبي طالب، الذي شارك في معركة "بدر" وهو دون العشرين، وخالد بن الوليد الذي أُمّر على الجيش وهو في عنفوان شبابه.
كما رأينا الرسول يختار مصعب بن عمير، وهو الشاب الذي لم يتجاوز الثلاثين من عمره، فيبعثه سفيرا له، ويولي أسامة بن زيد وهو لم يبلغ العشرين من عمره قيادة جيش المسلمين، وتحت إمرته الصحابة والقراء والفقهاء(9) .
ويكلف عبد الرحمن بن أبي بكر وهو في الغار أن يجمع له أخبار قريش، ويستطلع خطها وأحوالها، وينقلها إليه.
وفي غزوة بدر أعطى الرسول الراية لعلي بن أبي طالب وكان في سن الشباب، وفي هذه المعركة حمل الغلمان السلاح متصدين لجبابرة الكفر، ورؤوس الشرك، قال عبد الرحمن بن عوف: إني لفي الصف يوم "بدر"، إذ التقت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه: يا عم، أرني أبا جهل، فقلت: يا ابن أخي، ما تصنع به؟ قال: عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه!! وقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله، قال: فما سرني أني رجلين مكانهما، فأشرت لهما إليه، فشدا عليه مثل الصقرين، فضرباه حتى خر صريعا على الأرض بين الحياة والموت، لتستريح الأرض من شره إلى الأبد...
وقد استشهد البطلان الشابان في المعركة، ووقف رسول الله على مصرعهما، يدعو لهما، ويذكر صنيعهما...(10)
كما أعطى الرسول راية القيادة لزيد بن ثاب في "تبوك" وهو في العشرين من عمره، وأعطاها لجعفر بن أبي طاب في "مؤته" وهو في سن الثالثة والثلاثين، وأعطاها لأسامة بن زيد وهو في السابعة عشرة من عمره، هؤلاء هم الشباب الذين صنعهم الإسلام، ورباهم الرسول، ليكونوا قادة الأمة، وعناصرها الحية، على هدى القرآن الذي وصف الشباب الحي وصفا جميلا ليبقى هذا الوصف شعارا للشباب المسلم في كل زمان فقال تعالى:
(إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى)(11) .
وأكد الرسول الكريم هذا الوصف وهذا النموذج الحي من شباب المسلمين، وبين أنهم أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله فقال:
"إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله... الحديث"(12) .
ولقد وصف هؤلاء الشباب الذين رباهم الرسول الكريم على يديه، وتعهدهم بالتعليم والتهذيب، أبو حمزة الخارجي، وافتخر بصحتهم وصفاتهم فقال:
"تعيرونني بأصحابي، وتقولون إنهم شباب. وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شبابا؟ شباب والله مكتهلون في شبابهم، عمية عن الشر أعينهم، بعيدة عن الباطل أرجلهم، قد نظر الله إليهم في جوف الليل منثنية أصلابهم بمعاني القرآن، إذ مر أحدهم بآية فيها ذكر النار شهق، كأن زفير جهنم في أذنيه، قد وصلوا كلال ليلهم بكلال نهارهم، أنضاء عبادة، قد أكلت الأرض جباههم وأبدانهم من كثرة السجود، ناحلة أجسامهم من كثرة الصيام وطول القيام، مسقلون ذلك في جنب الله، موفون بعهد الله، حتى إذا رأوا سهام العدو قد فوقت، ورماحه قد شرعت، وسيوفه قد انتضيت، وبرقت الكتيبة بصواعق الموت، استهانوا بوعيد الكتيبة لوعيد الله، فمضى الشباب منهم قدما حتى أخلفت رجلاه على عنق فرسه، قد زملت الدماء محاسن وجهه، وعفر الثرى جبينه، وأسرعت إليه سباع الأرض، فكم من عين في منقار طير طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خشية الله.

* الشباب والرفض:
من أهم ظواهر المجتمع العصري اليوم ظاهرة الرفض عند الشباب، رفض كل شيء، عدا الإقبال على المتع واللهو، وإذا كان بعض الناس يتوهم أن للدين دورا في ظاهرة الرفض فإنهم مخطئون، لكون ظاهرة الرفض هذه متعددة الجوانب والعوامل، بسبب المادية التي تطغى على العصر، والتي جعلت الإنسان في حياته أشبه بالآلة، بسبب إعراضه عن الدين وقيمه وأخلاقه، وبخاصة في أوربا، وبنقص التوجيه الاجتماعي والتربية الدينية أيضا(13) .
إن شباب اليوم يعاني من الثغرات المذهلة في عصرهم معاناة شديدة من تكاثر مطالبهم وتعقدها، من غير أن يجدوا الفرصة الملائمة لتلبيتها وتحقيقها، ومن هنا يصعدون موجات تمردهم على المجتمع، متمثلا في سلطة التقاليد، خاصة عندما يفقدون مناهج التربية الواعية المسئولة، وأساليب التوجيه الروحي، مما ينبغي أن يتوفر لشبابنا فيملأ فراغهم، ويستوعب طاقاتهم، ويزيل قلقهم وحيرتهم.
إن ظاهرة الرفض عند الشباب مشكلة عالمية لا تقتصر على أوربا وأمريكا فحسب، بل تنتشر في أغلب مناطق العالم ودوله، نتيجة عصر المادة وحضارة الآلة.
إن هذا الأمر يختلف بالنسبة للعالم الإسلامي الذي ما زالت قيم الإسلام ومعالمه تحكم المسلمين وتوجههم، وتملأ كيانهم، وتحيي ضمائرهم، بالرغم من بعد أكثر الدول الإسلامية من تحكيم الشريعة وتطبيقها في أغلب مجالات حياتهم، وأن ارتباط المسلمين بقيم دينهم، وتشبثهم الدائم بعقائدهم، هو طوق النجاة في حياتهم، وهو الملاذ والسبيل إلى صلاحهم، وعودتهم إلى قيمهم.
ومن هنا لا ينبغي معالجة الرفض بالرفض، فالشباب حين يسرفون في طلب الحرية ولو بالفوضى، وفي انتزاع الحقوق بالتمرد إنما يعبرون عن رغبتهم في رفض ما يفرض عليهم، مما يجب تلافيه باعتماد مناهج للتربية والتعليم، مؤسسة على تعميق العقائد الإسلامية طوال مراحل التعليم كلها في نفوس أبنائنا وشبابنا، وعلى تقديم المصلحة العامة على الخاصة مهما تكن بواعثها ودواعيها، وعلى احترام القيم العليا للإسلام، والاستنارة بها في سيرتنا وسلوكنا، على أن يمتد هذا التوجيه والسلوك من المدرسة والجامعة إلى الإذاعة والتلفزة، والصحيفة، والمجلة، والكتاب، والنادي، والشارع وغيرها ليقع التكامل في التوجيه والتربية، فذلك كله ضروري لتكوين شباب حي يقظ حذر، يحيا ويعمل لصالحه وصالح مجتمعه ودينه، وذلك ما وجه إليه الرسول الكريم في هذا الباب، وهو ما ينبغي أن نتأسى به ونحن نضع النظم، ونخطط لتربية شبابنا وتكوينهم، لنضمن بذلك القضاء على ظاهرة الرفض، بتفهم نفسيات الشباب، ومراعاة الوسائل المجدية لتنمية طاقاتهم، وإغرائهم بتعزيز القيم الذاتية الفكرية والفنية والروحية، بالمناهج الصالحة، والقدوة الحسنة، والتوجيه السديد، وبالتي هي أحسن، إنقاذا لهم من التيه والضياع، مصداقا للهدي النبوي الكريم بقوله:
"اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك"(14) .
وقوله عليه السلام:
"لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه. وعن علمه ماذا عمل فيه؟"(15) .
وهو التوجيه نفسه الذي سلكه الفاروق عمر رضي الله عنه عندما قال موجها:
"خاطبوا أولادكم على قدر عقولهم، فإنهم ولدوا لزمان غير زمانكم".
وحبذا لو التزم العلماء والمربون والمسئولون هذا التوجيه الإسلامي الحكيم، الخالي من التعقيد والجفاء، المبسط الصحيح، القائم على العقيدة الصحيحة، والتربية الإسلامية، والمواجهة الصادقة للواقع، والذي يستطيع وحده اليوم كما فعل بالأمس، أن يغمر عقول الشباب وقلوبهم بقيم الإسلام الطاهرة وتوجيهاته السديدة، التي تعيد الشباب إلى طبيعته السمحة، وتغمره بالعطاء والخير والجمال.

* الشباب والصحوة:
في غمرة صحوة الإسلام التي تعم مشارق الدنيا ومغاربها، متجاوزة حدود دول الإسلام وشعوبه، نلاحظ بوضوح أن هذا البعث الإسلامي الجديد يستقطب فئة الشباب أكثر ما يستقطب، وآية ذلك هذه لمعاناة التي يحياها اليوم شباب الإسلام من مقارنته بين الحياة التي يحياها والسيرة التي يسير عليها، وبين ما رسم له دينه الحنيف من حياة سليمة جادة، وسلوك مستقيم، وهكذا يعيش شبابنا اليوم بين التساؤل والاستفهام الذي طغى على حياته الحالية، والذي هو في آن واحد، دليل على الصحوة، وسبب من أسبابها.
هل الإسلام دين الحياة يجمع بين المادة والروح؟
أم هو دين عبادة وعقائد يقف في وجه كل انفتاح؟
وهل هو دين يلاءم بين حياة الناس ومعاشهم وبين العمل لآخرتهم؟
وهل يمكن المسلم أن يعيش حياته بكل جوانبها وفي جميع مجالاتها؟
ونبادر إلى التنبيه – جوابا على هذا التساؤل والاستفهام – وتطمينا لشبابنا – بأن الإسلام دين الفطرة جمع بين الروحانية والمادية، أي بين لدين والدنيا مصداقا لقوله تعالى:
(وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا. وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد    في الأرض، إن الله لا يحب المفسدين)(16) .
وبين الروحانية المغرقة، والمادية المفرطة، تبرز الفطرة الإسلامية وسطا بين هذا وذاك، وذلك ليتميز الإنسان عن الحيوان، وحتى لا يهمل المسلم حياته ولا مهمته في المجتمع، يؤكد ذلك ويوضحه الرسول الكريم بقوله:
"إن لجسدك عليك حقا... الحديث"(17) .
إذن ما و موقف الإسلام من ظاهر "الخنفسة" و"الهيبة" التي تغشى العالم اليوم؟
وما هو موقفه من ارتداء الشباب القمصان المشجرة، وإطالة الشعر، وتعليق السلاسل في الأعناق، واللجوء إلى العري التعري وغيرها من مظاهر الميوعة والانحلال في ما يعرف اليوم؟
وما هو موقف الإسلام من الموسيقى والغناء والرقص؟
أو ما هو موقفه من الترفيه والترويح عن النفس في أوقات الفراغ؟
ونحب أن نؤكد حقيقة الإسلام قبل الجواب على تساؤل واستفهام شبابنا، بأنه دين الواقع والحقيقة، يعامل الناس ويخاطبهم بمختلف الخطابات الشرعية على أنهم بشر، لهم غرائزهم وطبائعهم التي تقتضي: الفرح والمرح، كما تقتضي: الأكل والشراب وغيرهما من أنواع الاستمتاع، الاستمتاع بالطيبات، كما أكد ذلك القرآن الكريم بقوله:
(قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق)(18) .
ولم يرد الحق لعباده أن يكونوا في تعبد دائم، وجد صارم، وأن يديروا ظهورهم لمنع الحياة وطيبات الدنيا، وأن يتركوا دنياهم لآخرتهم، فإن هذا ليس من الإسلام في شيء، يؤكد ذلك الحوار الممتع الذي جرى بين الرسول الكريم وحنظلة ابن أيمن، وأبي بكر رضي الله عنهما، كما أخرجه مسلم في "صحيحه":
قال حنظلة الأسيدي:
لقيني أبو بكر وقال: كيف أنت يا حنظلة؟
قلت: نافَقَ حنظلة !!
قال: سبحان الله، ما تقول؟
قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند الرسول صلى الله عليه وسلم، عافسنا (لاعبنا) الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا !!
قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقي مثل هذا !
قال حنظلة: فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قلت: نافق حنظلة يا رسول الله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟
قلت: يا رسول الله ! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، ونسينا كثيرا !
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده: إنكم لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ! ساعة وساعة (وكرر هذه الكلمة) – ساعة وساعة (ثلاث مرات)(19) .
أما الجواب على تساؤلات الشباب فإننا نؤكد أن الإسلام ليس له زي خاص، أو لباس معين، وإنما اشترط الإسلام ستر العورة بالنسبة للرجل من السرة إلى الركبة، واجتناب كل ما يحدد العورة، أي اللباس المتفق مع الفطرة.
وبالنسبة للمرأة ينبغي التزامها بالحجاب، وهو ستر جسدها بأكمله ما عدا الوجه والكفين، بملابس لا تكون ضيقة تحدد أجزاء جسمها، أو مفتوحة تظهر الجسم للفتنة والابتذال، أي مراعاة الحشمة، وعدم إبداء الزينة فيما ترتدي من ثياب، وألا يتشبه كل الجنسين بالآخر، فذلك صاحبه ملعون كما قال عليه السلام:
"أربعة لعنوا في الدنيا والآخرة وأمنت الملائكة، رجل جعله الله ذكرا فأنث نفسه وتشبه بالنساء، وامرأة جعلها الله أنثى فتذكرت وتشبهت بالرجال، والذي يضل الأعمى، ورجل حصور – أي مبالغ في حبس نفسه عن الشهوات – ولم يجعل الله حصورا إلا يحيى بن زكرياء" .
على كل من الجنسين أن يلتزما بآداب الإسلام في لباسهما، ويبتعدا فيه عن الريبة والقيل والقال، وما لا يتفق مع البيئة العامة ومجتمعهما.
أما اتخاذ الشعر وتطويله إلى المنكبين، فذلك هو سنة الرسول وعمله طوال حياته، شريطة تسريحه وترجيله، وتنظيفه وتطييبه، فإن الرسول الكريم لم يحلق شعره إلا في عام الحديبية، وفي عمرة القضاء، وحجة الوداع، ولم يقصره إلا مرة واحدة.
وسئل الإمام أحمد عن الرجل يتخذ شعرا فقال: سنة حميدة.
يؤكد ذلك ويثبته أن رجلا دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ثائر الشعر واللحية، فأشار إليه آمرا له بإصلاح شعره ولحيته، ففعل ثم رجع فقال له: :أليس هذا خير من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان"(21)(20) .
أما التختم بخواتيم الذهب، وتعليق السلاسل، فذلك كله من البدع الواردة علينا ممن يدينون بغير ديننا، وهي حرام، لما فيها من الترفيه والتعالي، والكبرياء والغرور.
الترفيه عن النفس:
ومن باب تكامل الإسلام جمعه بين الدين والدنيا، والحرص على عدم التفريط في أحدهما على حساب الآخر، مصداقا لقوله عليه السلام: "ليس خيركم من ترك دنياه آخرته، ولا آخرته لدنياه، حتى يصيب منهما جميعا، فإن الدنيا بلاغ الآخرة، ولا تكونوا كلا على الناس"(22) .
وفي هذا الباب كان الرسول الكريم يبش ويبتسم للناس، ويداعب ويمزح ولا يقول إلا حقا، ويتعوذ من الهم والحزن قائلا: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن"(23) .
ويداعب صاحبه، ويحب السرور وما يجلبه.
ومما روي في مزاحه أن امرأة عجوزا جاءته قائلة: يا رسول الله، أدع الله أن يدخلني الجنة، فقال لها: يا أم فلان، إن الجنة لا يدخلها عجوز، وانزعجت المرأة وبكت ظنا منها أنها لن تدخل الجنة، فلما رأى ذلك منها بين لها غرضه من قوله: إن العجوز لن تدخل الجنة عجوزا، بل ينشئها الله خلقا آخر، فتدخلها شابة بكرا، وتلا عليها قوله تعالى: (إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا غربا أترابا)(24) .
فلا بأس على المسلم أن يمزح ويمرح بما يشرح صدره، ويخفف عنه متاعب الحياة ومشاقها، حتى لا تصدأ النفوس، ولا تعمى القلوب وتمل، فإنها تحيا بالترويح عنها كما حدث الرسول الكريم: "روحوا القلوب ساعة فساعة"(25) .
فالمزاح مشروع في ديننا، شريطة ألا تكون أعراض الناس وأقدارهم هدفا له، ولا حب إضحاك الناس وسيلة للكذب والبهتان.
وهناك ألوان من اللهو الحلال شرعها الرسول للمسلمين ترفيها عنهم وترويجا، ليكونوا أكثر نشاطا، وأشد عزيمة، في حياتهم وأعمالهم وعباداتهم.
ومن ذلك:
* مسابقة العدو، وهي من الرياضيات المحببة في الإسلام، وقد مارسها النبي نفسه مع زوجته عائشة حيث كان يسابقها تطييبا لنفسها، وتعليما أصحابه، كما أشرنا إلى ذلك آنفا(26) .
* ومن ذلك المصارعة، فقد صارع النبي صلى الله عليه وسلم "ركانة" وكان مشهورا بقوته، فصرعه النبي أكثر من مرة(27) .
* ومن ذلك اللعب بالسهام والحراب (التصويب) وقد كان الرسول يمر على أصحابه في حلقات الرمي فيشجعهم قائلا: إرموا وأنا معكم"(28) . وبقوله: "عليكم بالرمى فإنه خير من لهوكم"(29) .
ومن سماحة الرسول في هذا الباب فيما أخرج الإمام البخاري عن أبي هريرة قال:
بينما الحبشة يلعبون عند النبي صلى الله عليه وسلم بحرابهم، دخل عمر فأهوى إلى الحصباء فحصبهم بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعهم يا عمر"، وقد كان هذا في المسجد والنبي يستر عائشة بردائه لتنظر إلى لعبهم.
* ومن ذلك ألعاب الفروسية كما قال عليه السلام "إرموا واركبوا"(30) .
* ومنه السباحة والرماية كما قال عمر: علموا أولادكم السباحة والرماية، ومروهم ليثبوا على ظهر الخيل وثبا"(31) .
ومن ذلك الصيد لما فيه من المتعة والرياضة والاكتساب، وغيرها من أنواع الرياضات والمتع البريئة النافعة.

* الإسلام والموسيقى والغناء:
إن الفرح والحزن من خصال النفس الإنسانية، ومما ركب فيها من معان، حيث يستجيب ما في داخل تلك النفس من الأعضاء، التي تنفعل بأسباب السرور والفرح من خارجها، فتظهر آثارهما على البدن من ابتسام الثغر وبشاشة الوجه.
ولما كان الفرح من المعاني الفطرية التي تنطوي عليها النفس، فقد أتاح الإسلام لذلك المعنى أن يأخذ حظه من بواعث السرور، بما ينتزع صاحبه من حالة التجهم الدائم، والكآبة المستمرة، حتى لا يقع فريسة الأمراض النفسية، وضحية الحزن والضيق.
يدل على هذا المعنى قوله تعالى:
(قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)(32) .
وقد شرع الإسلام للفرح مظاهر:
- منها ما أباحه م نضرب الدف للزواج، ولقدوم الغائب، كقوله عليه السلام: "أعلنوا النكاح ولو بالدف"(33) .
- ومنا الوليمة للعرس، والعقيقة للمولود، واللهو البريء في الأعياد، ولبس الجديد، والتوسعة في الأكل والشرب وغيرها.
والحكمة من تقرير ذلك تجلية ملكات النفس بما يرفه عنها، حتى لا تكل من استمرار العمل، أو تمل من استدامة العبادة، ولتستطيع المواصلة والمداومة، فقد أخرج الإمام البخاري، عن عائشة رضي الله عنها، أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة، ما كان معهم من لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو"(34) .
وقال ابن العباس فيما رواه ابن ماجة في "سننه": زوجت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أهديم الفتاة؟ قالوا: نعم، قال أرسلتم معها من يغني؟ قالت: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الأنصار قوم فيهم غزل، فلو بعثتم معها من يقول: أتيناكم فحيانا وحياكم"(35) .
وعن عائشة أن أبا بكر رضي الله عنه دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى (في عيد الأضحى)، تغنيان وتضربان، والنبي صلى الله عليه وسلم متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن وجهه وقال: دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد"(36) .
وقد خصص الإمام الغزالي في كتابه "الإحياء" فصلا كاملا للسماع والطرب، ذكر فيها أحاديث غناء الجاريتين، ولعب الحبشة في المسجد، وتشجيع النبي لهم بقوله: "دونكم يا بني أرفدة".
وقول النبي لعائشة: "تشتهين أن تنضري" ووقوفه معها حتى تمل وتسأم، ولعبها بالبنات مع صواحبها، ثم قال: فهذه الأحاديث كلها في "الصحيحين"، وهي نص صريح في أن الغناء واللعب ليس بحرام.
وذلك ما أكده ابن حزم ردا على من حرموا الموسيقى والغناء قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"(37) ، فمن نوى باستماع الغناء عونا على معصية الله فهو فاسق، وكذلك كل شيء غير الغناء، ومن نوى ترويح نفسه ليقوى بذلك على طاعة الله، وينشط نفسه بذلك على البر، فهو مطيع محسن، وفعله من الحق، ومن لم ينو طاعة ولا معصية فهو معفو عنه.
غير أن هناك قيود ضرورية في هذا الباب، وهو ألا يكون الغناء بألفاظ نابية تخدش الحياء، أو تحرض على الإثم، أو تدعو إلى الفحش والخيانة، أو إذا اقترن بأشياء محرمة، كتداول الخمر في المجلس، أو ظهور امرأة أجنبية لترقص، فإن هذا محرم لأن مقام النعمة هو الشكر، ولا يتلاءم مع فضل الله ورحمته بالمرء أن يقابل إحسان الله إليه بمخالفة أحكام دينه.
* كيف ينبغي أن يكون شباب الصحوة:
ونحمد الله أن جعلنا من جيل الصحوة ومن دعاتها، وجنودها وأبنائها، هذه الصحوة التي تعتبر ظاهرة صحية في العالم الإسلامي، وعلامة إيجابية نحو التجدد، واليقظة، والتضامن، القائم على معالم الإسلام وحقائقه، وعلى الرجوع إلى ينابيعه الأصلية، وأسسه الثابتة التي فيها النجاة لا للمسلمين فحسب بل للإنسانية كلها، لإنقاذها من متاهاتها وضلالاتها، إلى الحق والخير والعدل والرشد.
لقد أصبح شبابنا اليوم في حاجة إلى أن يتعلموا ويعرفوا حقائق دينهم، وسيرة رسولهم، وتاريخهم، حتى يكون لهم القدوة والأسوة، ويعرفوا أن دينهم دين التجديد والتطور، وأنه صالح لكل زمان ومكان.
ولذلك فشبابنا محتاج إلى استمالة واعية، تبصره بما ينبغي أن يكون عليه، من دون تنقص لمواهبه وقدراته وهو في مرحلة تكوينه، وذلك بتوجيهه إلى التعلق بكتاب الله، وسنة رسوله، وقيم الإسلام التي تجعله يقيم حياته على الفضيلة والحق والخير.
ومحتاج أن يعرف أن الشباب الحي، هو الذي يحجز نفسه عن فعل ما يذم أو يخل بالمروءة، فيتقي الزلات، ويبتعد عن السلبيات، وذلك يدعونا إلى تقويمه بالقدوة قبل القولة، وبالتعهد الدائم، والتوجيه الرشيد، وسبيلنا إلى ذلك هو نشر المفاهيم الإسلامية الأصيلة، وتحريرها من التشويه والخلافات اللاحقة بها، وتنقية وسائل الإعلام مما لحق بها، مما لا يتفق مع مبادئ الإسلام وروحه، بالإضافة إلى بث وعي إسلامي ذاتي قائم على الكتاب والسنة، يكون عاملا فعالا لإعادة شباب المسلمين إلى جادة الحق وطريق الصواب، فيبتعد عن السلبيات، ويترفع عن النقائص، ويدفعه إلى القيام بدوره الأساسي في المجتمع الإسلامي، الذي يعيش صحوته الكبرى في طريقه إلى التغيير والتجديد.
وخير ملاذ في هذا المجال هو العناية بتربية الشباب، وذلك بإصلاح مناهج التعليم وتقويمها، بما يوفر تربية عقله ونفسه وبدنه، ليكتمل توازن حياته، وبما يربيه على الولاء للدين الحنيف مما يقضي على الفراغ الروحي، الذي هو سبب ما تعانيه الإنسانية كلها من مشاكل، وإن المسؤولية الكبرى في التكوين والتوجيه، يتحملها رجال التربية والتعليم لتكوين الشخصية الإسلامية في ظل العلم والحضارة، خاصة وقد كان الإسلام هو الذي كيف حضارة العالم، وأصلح مسارها بالجمع بين الدين والعلم لأول مرة في التاريخ، وبفضله بقي الاعتقاد بوجود الله حتى في المجتمعات غير الإسلامية، وازدهرت سائر العلوم والفنون، وتفتح الفكر الإنساني للابتكار والاختراع(38) .
ولن ينجح التعليم إذا فصل عن التربية، لن تنجح التربية إذا لم تستند إلى عقيدة الأمة ودينها الإسلامي.
ولذلك ينبغي أن نسلح شبابنا بسلاح التربية الدينية، ونلقنهم أصول العقيدة الإسلامية، وتاريخ سلفهم العريق في الدين والمدنية، ونحبب إليهم الإيمان ونزينه في قلوبهم، وننمي شعورهم بإطلاعهم على محاسن الإسلام وخصاله الحميدة، ونغرس في قلوبهم رسالته العامة، وما أتى به من إصلاح، ودوره في إنقاذ البشرية كلها، وتحصينه من كل التيارات المنحرفة، بجعل مادة الإسلام ودراسة الفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية مادة أساسية، في سائر أطوار التعليم من الحضانة إلى الجامعة.
إننا في حاجة ماسة إلى روح جديدة تسري في وجدان المجتمعات الإسلامية، حتى تستجيب لدواعي الصحوة، ولتستعيد مكانتها، وذلك بإعادتها الاتصال الروحي والإسلامي الذي كان يسري منذ القرن الأول وحتى القرون الماضية، ولا شك أن ذلك رهين بالقدوة الحسنة، والسلوك الجماعي الرشيد.
وعلى الشباب أن لا يروا من الحياة إلا جانب اللهو فيها، فإن الله قد ميز شباب المسلمين عن غيرهم، بأن جعلهم أصحاب رسالة ومبادئ وقيم، عليهم أن يتشبثوا بها، ويسيروا عليها، لتستقيم الحياة باستقامتهم، وتزكو سيرتهم بالصالحات، وتسام من الشائبات.
وإن أجمل ما نختم به، رسالة قيمة للفيلسوف الإسلامي الملهم محمد إقبال، إلى شباب الإسلام يقول فيها:
"المسلم المثالي هو الذي يمتاز بين أهل الشك والظن بإيمانه وعقيدته، وبين أهل الجبن والخوف بشجاعته وقوته الروحية، وبين عباد الرجال والأموال والأصنام، بآفاقيته وإنسانيته، وبين عباد الشهوات والأهواء والمنافع، بتجرده وتمرده على موازين المجتمع الزائفة، وقيم الأشياء الحقيرة، وبين أهل الأثرة والأنانية بزهده وإيثاره وكبح نفسه، ويعيش برسالته ولرسالته، ذلك المسلم الحق، الذي مهما اختلفت الأوضاع وتطورت الحياة، لا يزال يؤمن بالحقيقة الثابتة التي لا تتغير ولا تتحول، هذا الشاب المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار، بل خلق ليوجه العالم، ويملي عليه إرادته، لأنه صاحب الرسالة، وحامل العلم اليقين، فليس مقامه مقام التقليد والاتباع، بل مقام الإمامة والقيادة، وإذا تنكر له الزمان، وعصاه المجتمع، لم يكن له أن يستسلم ويخضع، ويضع أوزاره، ويسالم الدهر، بل عليه أن يثور عليه، وينازله، حتى يقضي الله في أمره، بذلك يرد الأمر إلى نصابه، ويقيم عوج الدهر الغشوم، ويصلح الفاسد"(39) .

(1)سورة الروم – الآية: 54. 
(2) سورة الأنبياء – الآية: 59-63.
(3)رواه الإمام أحمد في "المسند" – مسند ابن عباس 1/293.
(4) أخرجه الإمام البخاري في "صحيحه" – كتاب النكاح 6 /117.
(5) أخرجه البخاري في "صحيحه" – 7/88 ومسلم في "الصحيح" – وأحمد في "المسند" 4/26-2 / 460 وفي "المشكاة" ح: 2/46.
(6)  رواه الترمذي ح 2698 والمنذري في "الترغيب".  
(7) سورة النور – الآية: 27.
(8)  أخرجه البخاري في "صحيحه" – كتاب الجهاد والسير – باب التحريض على الرمى: 3/226 و 227. 
(9) دروس من بدر: بحث للدكتور يوسف الكتاني.  
(10) أخرجه البخاري في "صحيحه" – كتاب المغازي – باب قصة غزوة بدر : 5/11.
(11) سورة الكهف – الآية: 13. 
(12)أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين – صحيح البخاري – كتاب الزكاة: 2/116. 
(13)معالم الشريعة الإسلامية: للدكتور صبحي الصالح / ص: 241.
(14) رواه أحمد في "مسنده" عن ابن عباس – فتح الباري: 11/235 و"المستدرك" 4/306. 
(15) رواه الطبراني في "لمعجم الكبير": 11/102.
(16)  سورة القصص – الآية: 77. 
(17) أخرجه البخاري في "صحيحه" – كتاب الأدب – باب حق الضيف: 7/3. 
(18)  سورة الأعراف – الآية: 30.
 (19)أخرجه مسلم في "صحيحه" – الحديث 2107.
 (20) رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 8/242، والهيثمي في "مجمع الزوائد": 8 /103، والمنذري في "الترغيب" 3/103.
 (21) انظر "التمهيد" لابن عبد البر: 5/50 و"مورد الظمآن" للهيثمي، و "مشكاة المصابيح" للتبريزي. 
 (22) أخرجه ابن عساكر من أنس. 
 (23)  أخرجه البخاري في "صحيحه" 4/23، وأبو داود في "سننه" والترمذي ح 3484، والنسائي في "سننه" 8/ 457 و 45 
(24)الحديث / أخرجه عبد بن حميد والترمذي، والآيات 35 – 37 من سورة "الواقعة".
 (25) رواه أبو داود عن ابن شهاب مرسلا.
 (26)  رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، والنسائي عن عائشة 1/636.
 (27) رواه أبو داود.
 (28) أخرجه البخاري: 3/226 – 227 و 4/45 و 179، والمسند 4/50.
 (29) رواه البزار والطبراني بإسناد جيد.
  (30)رواه الطبراني بإسناد جيد – ورواه أحمد في "المسند" 4/144 والترمذي في "سننه"، ح 1637.
 (31) سيرة عمر بن الخطاب لابن الجوزي.
 (32) سورة يونس - الآية: 58.
 (33) رواه مالك في "الموطأ" وأخرجه البخاري في "الصحيح".
 (34) أخرجه البخاري في "صحيحه" – ورواه الزبيدي في "الاتحاف": 6/493 والألباني في "الزفاف": 94.
 (35) رواه أحمد في "المسند" 3/391، وابن ماجه في "سننه"، والبيهقي في "السنن" الكبرى: 7/289.
  متفق عليه.
 (36) أخرجه البخاري في "صحيحه" – ب"اب كيف كان بدء الوحي": ½.
 (37) كتاب "مجمع البحوث الإسلامية" 1391 / 1971 مقال الأستاذ عبد الله كنون.
 (38)  مجلة الأزهر – الجزء العاشر – السنة 36 (ذو الحجة 1384/ابريل 1965) ص : 1048 و 1049 .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here