islamaumaroc

يا بني لقد اخترت لك من الأسماء الحسن

  محمد بن عبد العزيز الدباغ

336 العدد

اقتبست عنوان هذا المقال من خطاب وجهه المغفور له محمد الخامس إلى ولده الأمير مولاي الحسن قال فيه:
"يا بني، لقد اخترت لك من الأسماء الحسن، لأربط بين حاضر البلاد وماضيها القريب والبعيد، وليكن لك في جدك المولى الحسن خير إسوة وأعظم قدوة"(1) .
ولا شك أن هذا الإيحاء المرتبط بالاسم الشخصي قد واكبته تربية رشيدة كانت تهدف إلى تكوين شخصية قادرة على تحمل المسؤولية حينما يصل إليها بكل ما تتطلب المسؤولية من حزم وعمل وتدبير، وإخلاص وإيثار وتفكير.
ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بالاطلاع على المواقف التي كانت متجلية في سياسة المولى الحسن الأول، من حيث حرصه على نشر التعليم، ومسايرة التطور الحاصل في أوربا، وعدم التفريط في الأصالة المرتكزة على الكتاب والسنة، وعدم التساهل فيما يتعلق بحماية المقدسات الدينية والوطنية، وتشجيع الصناعات التي لها ارتباط بإعداد الجيش المغربي إعدادا صالحا يمكنه من حماية الحدود، ونشر الأمن بين الناس.
ونحن لو تتبعنا مواقف أمير المؤمنين الحسن الثاني نصره الله في الكفاح الوطني، وفي تثبيت كيان الدولة المغربية لرأيناه يتصف بكل المواصفات التي كان يتحلى بها الحسن الأول. فلقد حرص كل الحرص على تحرير البلاد المغربية من براثين الاستعمار، وناصر القضية الوطنية في كل مراحل وجوده، سواء في مرحلة شبابه قبل أن يتقلد مسؤولية ولاية العهد في تاسع يوليوز من سنة 1957 أو بعدها(2) ، أو حينما اعتلى عرش أسلافه الكرام(3) .
وهذا يدل على أن الأبعاد التي كان يتوقعها محمد الخامس من ولده قد تحققت، وأن المنهاج الذي سطره له حين اختار له هذا الاسم قد آتى كله، خصوصا وأن المؤهلات الذاتية قد انسجمت مع تلك الأهداف المتوخاة حيث وجدته يمتاز بقوة الذكاء، وسرعة الفهم، وبعد النظر سواء في المجال الفكري، أو في المجال السياسي.
وقد كانت ثقافته القانونية وثقافته الدينية والأدبية من أقوى الوسائل التي جعلته إذا تكلم أقنع، وإذا تحدث أبدع، وإذا خطب أفاد، وإذا كتب أجاد، يشهد بذلك كل من تشرف بلقائه، أو أصغى إلى مداخلاته في المحافل الدولية، أو إلى توجيهاته القيمة التي يرسلها إلى المسئولين عن بعض الندوات التي تقام في المغرب حول كثير من القضايا التي لها ارتباط بحماية الفكر، وحماية الكيان الوطني؛ ففيها ترى كيف ينسجم اللفظ مع المعنى، وكيف يتعايش العقل مع الوجدان، فلا تجد بعد الاستماع إليها إلا قلوبا مطمئنة، ونفوسا متآخية، وعزما على تحقيق الأمن الفكري، والأمن الاقتصادي، والأمن السياسي، والأمن الديني، الشيء الذي يتعذر على كثير من الناس أن يصلوا إليه، وما ذلك إلا توفيق من الله، وهبة ربانية لا يمنحها إلا لمن رضي عنهم من عباده المخلصين.
ولا شك أن إبراز هذه الشمائل في "عيد الشباب" يعتبر من أهم الأسس التربوية التي ينبغي الإفصاح عنها أمام المواطنين المغارة وأمام الشباب منهم خاصة، نظرا لكونها صالحة لتكون منهاجا يقتدون به، وإسوة يسيرون على منوالها، فلا حياة لأمة دون وعي شبابها، ودون حرصهم على العلم والفضيلة، ودون تحصينهم بروح العزة والشهامة، ودون استفادتهم من سيرة الأبطال ومن سلوك المتقين.
ونحن حينما اقتبسنا عنوان هذا المقال من خطاب المغفور له محمد الخامس كنا نهدف إلى حفز الهمم، وإلى الحث على دراسة سيرة كل من الموصي والموصى به، لأنهم جميعا يحملون في أنفسهم قوة قارة على أن تهز أريحية كل من يطلع على ما بذلوه من أجل المغرب، سواء في الميدان السياسي، أو في الميدان العلمي. فمن من المغاربة لا يتذكر ما قام به "الحسن الأول" من أجل المعرفة حينما وجه إلى الخارج عددا من الشباب الحازم في بعثات مختلفة لتلتقي العلوم الطيبة والهندسية والعسكرية(4) .
ومن منهم لا يتذكر ما واجه به مشكلة الحماية الأجنبية، حفظا للهوية المغربية وحفظا للوحدة الوطنية(5) .
ومن منا ينسى ما قام به "محمد لخامس" من أجل نشر العلم، وتوعية المواطنين بضرورة إشراك المرأة في التعليم لما لها من التأثير العملي في التوجيه والتربية، ومن ينسى جهاده المواصل، وتضحيته من أجل الدفاع عن حوزة الوطن؟ فهو قد آثر المنفى على الاستسلام، وآثر العزة على الهوان، وأذكى – بسبب ذلك – روح المقاومة في شعبه الوفي الذي لم يأل جهدا في الكفاح والفداء إلى أن أرجع إلى العرش ظافرا منتصرا.
ومن منا لا يجد في مواقف الحسن الثاني ما يدعو إلى الإعجاب بقوة هذا الملك العظيم؟ الذي يفكر تفكيرا متزنا، ويخطط للمستقبل تخطيطا مبنيا على معادلات موفقة، ويحرص كل الحرص على الوحدة الوطنية بكل جد، وعلى استرداد الأراضي التي ما زالت في قبضة الاستعمار، والعمل على الاعتراف الدولي بأراضينا الجنوبية الصحراوية، كما نراه حريصا على تحسيس المواطنين بضرورة الانكباب على تلقي العلوم العصرية بكل اختصاصاتها، وأن يضاف ذلك إلى التعليم الديني، وإلى مقومات التعاليم الإسلامية، ولا أدل على ذلك من اهتمامه بشؤون المعرفة الإسلامية والإنسانية من خلال الدروس الرمضانية التي يستدعى لها جلة من العلماء من مختلف القارات، لا فرق فيها بين إفريقيا وأمريكا وأوربا، وكلها تسير في ضرورة مواكبة، وإبراز قيمة الإسلام في المجال الحضاري والثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وهو في الوقت ذاته يعطي مفهوما للثقافة المعاصرة لتي يجب أن تكون هادفة إلى إعداد الإنسان بوسائل العمل، وأن تكون مساعدة له على استغلال الطاقات الموجودة في العالم لتعينه على الشغل، واكتساب الرزق، والاستغناء عن التبعية الاقتصادية التي تحول بين بعض الدول والازدهار. 
ويمكن الاستدلال على ذلك بفقرة نختارها من "خطاب العرش" لسنة 1996، قال فيها حفظه ما يأتي(6) :
"ولن يتأتى لنا إنجاز ما نصبو إليه من إصلاحات إلا إذا ساير تعليمنا متطلبات التحول الذي يفرضه العصر، فالغاية من التعليم لم تعد التثقيف وحده، بل بالأخص الإعداد والتكوين للإسهام في الإنتاج، وهذا الغرض، علينا أن نؤهل له من الآن أجيالنا، لما قد يظهر من حاجيات بعد عقد أو عقدين، أي أن على برمجتنا أن تساير تطور المعرفة بما يلزم من المرونة ومسابقة الابتكارات.
ومن ناحية أخرى لقد أعطينا تعاليمنا لإعداد مخطط اقتصادي واجتماعي يولي للأنشطة القطاعية للاقتصاد الوطني ولا صلاحات التعليم والإدارة ما يلزم من التناسق، سواء من حيث المدى لزمني، أو على مستوى التوزيع الجغرافي".
ولا ريب أن هذا الخطاب المبين للمنهاج الذي يجب اتباعه في التعليم لإعداد المواطن النافع هو ضرورة ملحة تدعو إليها المصلحة العليا لبلاد، وهو في الوقت ذاته سيكون لا محالة محميا بالتعاليم الإسلامية التي تهدف إلى تهذيب السلوك، وتقوية التعاون بين الناس، وتدعو إلى الإحسان والتواصل، والتسامح والتكافل.
وتلك هي السمات الواضحة في خطاب جلالته، وفي الأهداف العامة التي يرجوها من إصلاح التعليم، وهي امتداد للطموحات التي كانت عند "الحسن الأول" والتي كان يدعو لها ويشجعها، ويبين محتواها في خطاباته، وظهائره، ووصاياه ، والتي كان يدعو عماله لنشرها بين المواطنين، كما كان يدعو علماء البلاد لشرحها، وتبيان أهدافها، سواء داخل المساجد، أو بواسطة رؤساء الزوايا والربط، وهي نفس الطموحات التي يسعى أمير المؤمنين "الحسن الثاني" نصره الله لتعميمها، وإعداد الوسائل الكفيلة لجعلها منهاجا قابلا للتطور، مواكبا للتقدم العلمي والتقني في العالم؛ إذ من المعلوم أن لا حياة مع ركود، ولا تقدم مع جمود، فالحركية الدائمة، والعمل المتواصل، والحرص على الاستفادة من معطيات العصر في كل المجالات هي: المقومات الضرورية لترشيد الأعمال الاقتصادية، وتقويم الأعمال الاجتماعية، وهي تندمج في روح التربية العامة التي ينبغي أن يتصف بها المواطن المغربي لأنها تنسجم مع تاريخه، ومع عقيدته، ومع تعاليمه الإسلامية، التي تدعو إلى التسلحبالفضيلة، والتسلح بالعلم، وإلى استمداد المعرفة والحكمة ينما وجدت.
وليس المراد بالتعلم، كما قال أمير المؤمنين "الحسن الثاني" رعاه الله، مجرد التثقيف، وإنما الغاية أن نوظف المعرفة لمصلحة الفرد والجماعة، نجعلها سبيلا للاكتفاء الذاتي وسلما لازدهار البلاد في المجال الصناعي والفلاحي والتقني، ووسيلة للإبداع والاختراع، وطريقا إلى تقوية الإنتاج ليكون لنا سوق في الساحة الدولية؛ وبذلك نشارك في الإنتاج العالمي، وفي التعاون الاقتصادي، فنضيف إلى الاستيراد إصدارا، وإلى الاستهلاك إنتاجا، وتلك سياسة سديدة وتربية مفيدة لها أبعادها في تثبيت الشخصية المغربية وحماية الكيان الوطني. 

 (1) الجزء الأول من كتاب صدر عن وزارة الأنباء والسياحة بمناسبة إسناد ولاية العهد لسمو الأمير مولاي الحسن (صفحة:9).
 (2) يوافقه من التاريخ الهجري يوم الاثنين 30 من ذي القعدة عام 1357. وفي ذا اليوم وجه الملك محمد الخامس على أمواج الأثير خطابا إلى ولي العهد، وأطرى فيه جده ومثابرته وتفانيه في العمل لخير شعبه ووطنه (انظر الكتاب الذي أنجزه الأستاذ عبد الوهاب ابن منصور مؤرخ المملكة تحت عنوان: "الحسن الثاني حياته وجهاده ومنجزاته" ص: 185.
 (3) أعلنت تولية جلالته بصفة علنية رسمية يوم الجمعة 3 مارس 1960 وإلا فهو قد أصبح ملكا بصفة شرعية إثر وفاة والده رحمه الله يوم الأحد 26 فبراير من نفس السنة.
 (4) يمكن الاطلاع على هذه البعثات بتفصيل في كتاب "إتحاف أعلام الناس" لعبد الرحمن ابن زيدان (الجزء الثاني – صفحة: 465).
 (5)انظر ذلك بتفصيل في كتاب "مشكلة الحماية القنصلية بالمغرب من نشأتها إلى مؤتمر مدريد سنة 1880م" تأليف: عبد الوهاب ابن منصور (المطبعة الملكية – 1977).
 (6) الحسن الثاني ملك المغرب: إنبعاث أمة (الجزء الواحد والأربعون صفحة: 61).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here