islamaumaroc

وثيقة لم تنشر عن نضال الملك والشعب.

  عبد الهادي التازي

336 العدد

عندما حجب الاستعمار عام 1932 الشهادة العالمية عن الطلبة المغاربة: علال الفاسي، عبد العزيز بن إدريس، وإبراهيم الكتاني، وتدخل جلالة السلطان سيدي محمد بن يوسف لإنصاف المظلومين.
لا بد من العودة إلى أحداث 1930 عندما صدر ظهير (مرسوم ملكي) يحمل تاريخ 17 ذي الحجة عام 1348 – 16 ماي من عام 1930... هذا الظهير الذي عرف في التاريخ بالظهير البربري، والذي كان يرمي إلى تجريد الحكومة المغربية من سيادتها على القبائل البربرية! وهكذا شطر المغرب شطرين؛ يعتمد أحدهما في أحكامه على الشرع الإسلامي، بينما يحتكم الشطر الآخر إلى "الأعراف" التي ما أنزل الله بها من سلطان!!
هنا هاج المغاربة على المرسوم، وعرفت فاس على الخصوص عددا من المظاهرات والتجمعات التي كانت تصحب عادة بالكلمات الساخنة، ضد صدور ذلك الظهير المشئوم! وقد أدت كل تلك الانتفاضات إلى تجمع تم يوم 22 غشت 1930 في دار المجلس البلدي، حيث انتخب عشرون فردا يقومون بتحرير عريضة المطالب التي سترفع للعاهل المغربي السلطان سيدي محمد بن يوسف (محمد الخامس)، كما يقومون كذلك بتحرير خطاب يرفعونه إلى جلالته مع تلك المطالب على ما يؤكده المرحوم الحاج الحسن بوعياد في مذكراته عن الحركة الوطنية والظهير البربري..
وبالفعل، انتخب في اليوم الموالي 23 غشت أعضاء الوفد الذي سيرفع العريضة والمطالب لصاحب الجلالة، وكانوا عشرة، على رأسهم السيخ عبد الرحمن بن القرشي...
وفي يوم 26 غشت 1930 سافر الوفد المنتخب إلى الرباط باستثناء السيدين محمد علال الفاسي، ومحمد بن الحسن الوزاني بحجة تذرعت بها الإدارة، وهي أنهما سجنا معا في القضية البربرية!!...
وقد تمت يوم 27 غشت 1930 المقابلة مع جلالة الملك سيدي محمد الذي اغرورقت عيناه بالدموع – على حد تعبير الفقيد علال الفاسي، في كتابه الحركات الاستقلالية – وهو يستمع إلى الشيخ ابن القرشي عندما كان يقدم لجلالة الملك ملخص الخطاب المرفوع إلى سدته العالية:
"... إن القبائل البربرية كانت من أول شرائح الأمة المغربية تسارعا إلى اعتناق الإسلام...، بل كان منهم أعوان لها وأنصار في مختلف الجهات والأقطار منذ عهد الفاتح الأكبر...، مولانا إدريس... يجريهم في معاملاتهم على مقتضى الشريعة... وكان الأمراء الأجلة كيوسف بن تاشفين – وهو من صميم البربر – ينشر دعوة الإسلام ومعالمه...، واقتفى أثره في ذلك من بعده من ملوك البربر كالموحدين وبني مرين حينا بعد حين... إلى أن أظهر الله الدولة السعدية الشريفة القرشية، فاتبعت تعاليم من سبق لهذا الميدان...، ثم أشرقت شمس الدولة العلوية... فأيدت كذلك شؤون الشريعة المحمدية، وسلكت بالناس من رعيتها العرب والبربر المحجة البيضاء... وشدوا عضد القضاة والعلماء بقبائل البربر...".
وهنا يأتي الخطاب بطائفة من أسماء القضاة والعلماء والمؤرخين، من مثال أبي سالم العياشي 1090 – 1679، وأبي العباس المجلدي 104-1683، وأبي علي اليوسي 1102- 1691، وأبي عبد الله المجاصي 1103 – 1692 ومحمد الصغير اليفرني 1155 – 1742.
وتختم الرسالة بالتأكيد على أن الدول المتعاقبة على الحكم في المغرب كانت جميعها تتمثل بقول الله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم...) وقوله تعالى: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا...).
"ومن المعتقد في جناب مولانا المنصور بالله دام مجده وأعلاه، التمسك بشريعة جده عليه السلام، ولذلك نرجو ونأمل من جنابكم الشريف التفضل بتلبية هذه المطالب... إلخ... إله...،. وقد كانت الرسالة تحمل تاريخ 28 ربيع النبوي الأنور 1349 – 23 غشت 1930.
والمهم أن الوفد عاد لمدينة فاس ليبشر المنتخبين بأن جلالة السلطان "سينظر في مطالبهم، وأنه سيجيبهم، ولا يكون إلا ما فيه الخير".
وإذا ما رجعنا إلى الوثائق الوطنية، فسنجد أن المطالب المقدمة مع العريضة المشار إليها، تتضمن – على ما ورد في المجلد الثالث من مذكرات المرحوم محمد بن الحسن الوزاني:
أولا: احترام نفوذ جلالة السلطان أيده الله بالإيالة الشريفة، وتثبيت سلطته الدينية والدنيوية، وذلك بجعل بالولاة المخزنين – من قضاة، وقواد، وباشاوات، ومحتسبين، ونظار، وأمناه الأملاك – مسئولين أمام الحكومة الشريفة..
ثانيا: إصدار ظهير مولوي يجعل سائر الحواضر والبوادي خاضعين لحكم الشريعة الإسلامية.
ثالثا: تنظيم المحاكم الشريفة وإصلاحها وتولية الأكفاء فيها سواء الشرعية منها أو محاكم الباشوات والقواد والمحتسبين، وتعميمها في سائر القطر المغربي لا فرق بين حواضره وبواديه.
رابعا: توحيد برنامج التعليم في سائر المدارس التي تؤسس لتعليم الأهالي، سواء في المدن أو القبائل، وتعميم اللغة العربية التي هي لغة القرآن فيها، وتعميم تعليم الدين الإسلامي.
خامسا: احترام اللغة العربية لغة البلاد الدينية والرسمية في الإدارات كلها بالإيالة الشريفة، وكذلك في سائر المحاكم، وعدم إعطاء أي لهجة من اللهجات البربرية أي صفة رسمية، ومن ذلك عم كتابتها بالحروف اللاتينية.
سادسا: إيقاف حركة المبشرين على اختلاف جنسياتهم ومذاهبهم، ومنعهم من التجول بالقبائل والحضور في الأسواق والمواسم، ونشر أي شيء يمس بكرامة الإسلام وحرمة النبي صلى الله عليه وسلم بأي نوع من أنواع النشر.
سابعا: لا تعطي أي إعانة من ميزانية الدولة الشريعة أو ملك من أملاك المخزن الشريف للجمعيات التبشيرية من الساعين في تشييد الكنائس أو منتديات التبشير في أطراف البلاد المغربية.
ثامنا: عدم السماح للمبشرين بإحداث ملاجئ للأيتام واللقطاء، ومدارس صناعية وعلمية للبنين والبنات، والإنفاق على ذلك من المال المعد للمصالح العامة وأموال جماعة المسلمين، كما هو مقرر في الشريعة الإسلامية، أما ما سبق تأسيسه، فإما أن تقوم به الحكومة الشريفة، وإما أن يقفل، وعلى أي حال لا ينبغي أن يبقى تحت نفوذ المبشرين.
تاسعا: لا يعين الرهبان والمبشرون للتدريس في مدارس الحكومة أو لإدارتها.
عاشرا: عدم التعرض لفقهاء المكاتب والمشارطين بالقبائل، وإعطاء الحرية للوعاظ والعلماء وشيوخ الطرق الصوفية للتجول بالأنحاء المغربية يقصد تعليم الناس أحكام دينهم، وحثهم على إقامة شعائره..
حادي عشر: إسقاط جوازات التنقل بداخل الإيالة المغربية التي يحصل بها بعد الحضري عن البدوي، ويتعذر بذلك تفقيه الأمة في الدين، والاكتفاء عند التنقل بورقة التعريف الشخصية.
ثاني عشر: اعتبار جميع السكان الموجودين بالبلاد المغربي، ما عدا الأجانب، تحت رعاية مولانا السلطان وسلطته، خاضعين لمحاكم الشرعية والمخزنية التي تؤسس باسمه الشريف، وكذلك اعتبار جميع المغاربة، ما عدا اليهود، مسلمين بمعنى أنه لا توجد ملة ثالثة للمغاربة الوطنيين.
ثالث عشر: منح العفو العام عن جميع المسجونين والمنفيين في سبيل هذه القضية، وعدم التعرض لكل من خاض فيها".
أوردنا كل هذا لنعرف جيدا مضمون الرسالة التاريخية التي نذكر بها اليوم أبناءنا...
وأريد قبل أن أقدم تعريبا لتلك الرسالة الحاسمة، أن أذكر هنا أن الرسالة – على ما أعتقد – حررت بلغة عربية فصيحة، وقام بتحويلها إلى اللغة الفرنسية أحد التراجمة المحلفين...، وقد حاولت أن أعتقد أن الذي قام بترجمتها هو السيد محمد بن الحسن الوزاني، لكن عدم تعرضه لها ي مذكراته... جعلني أتحفظ في هذا "الاعتقاد"...
ولا أغفل بعد هذا أن أذكر بأن هذه الوثيقة "فلتت" لعدد من الباحثين الأجانب، الذين تحدثوا عن تطورات قصية الظهير البربري، وفي صدر هؤلاء البروفيسور شارل أندري جوليان، الذي كان على مقربة منها في أرشيف "الكي دورسي"، هذا إلى إهمالها أيضا من لدن المؤرخين المغاربة...
فماذا عن ظروف رسالة الاحتجاج المرفوعة إلى باريز؟ وهل إن الاحتجاج ثم قبل الاتصال بالقصر الملكي بالرباط؟
الواقع أن علماء الشباب، وخاصة منهم الذين ناهضوا السياسة البربرية، تعرضوا لكل أنواع الضغط والقمع، وهكذا جندت قوى لشر للنيل منهم، تارة بالقدح في كفاءتهم، وتارة أخرى بالنيل من سمعتهم، وكان من أثر هذا أن حرمت جماعة منهم من الاعتراف بشهادتهم العلمية، بالرغم من نجاحهم في الامتحانات النهائية...
لقد وقفت على رسالة رسمية في أرشيف رئاسة المجلس العلمي لجامعة القرويين مرفوعة إلى وزير العدلية محمد الرندة تحت عدد 41 وبتاريخ 27 ذي القعدة 1349 – 15/04/1931 جوابا عن خطاب منه لرئيس المجلس العلمي في أعقاب احتجاج السيد علال الفاسي على صنيع الإدارة الفرنسية، وقد جمد هذا الجواب في المندوبية الفرنسية بفاس حتى 18 ذي القعدة من اسنة الموالية عام 1350 (26 مارس 1932)، وهذا نص الرسالة:
"وبعد، فقد وصلني كتابكم عدد 1297 بأن الفقيه السيد محمد علال الفاسي أخبر بأنه كان امتحن للدخول في العلمية بالقرويين، وبقي ينتظر إعلامه، وأنه بعد إنهاء ذلك للعلم الشريف أسماه الله وأدام علاه أمر بالاستفهام عن الحقيقة والإخبار بمن نجح في ذلك، ليجري المتعين فيه بحول الله، فليكن في علمكم أن امتحان المخبر المذكور ومن معه من باقي الأفراد السبعة صحيح...".
والقصد بالسبعة إلى الفقهاء محمد الصديق العلوي، ومحمد إبراهيم الكتاني، وعبد العزيز بن إدريس، ورشيد الدرقاوي، ومحمد بن محمد (فتحا) بوطالب، ومحمد بن محمد مزور.
وقد قوبل تدخل العاهل بارتياح زائد من لدن علماء الشباب، الأمر الذي يفسره مبادرتهم للاحتفال بعيد العرش في منزه أبي الجنود يوم السبت 29 رجب 1352-18 نونبر 1933، أي قبل صدور القرار الوزيري بالاحتفال بعيد العرش في 26 أكتوبر 1934.
لقد كان تدخل جلالة السلطان محمد بن يوسف في ذلك الوقت – تعبيرا صريحا عن تضامن العاهل الشاب مع العلماء الشباب! وهذا ا كان دافعا لهؤلاء على أن "يتحركوا" من أجل الحصول على حقوقهم، سيما بعد أن أقدمت الإقامة العامة يوم 19 شتنبر 1932 على عمل طائش، وهو تحرير عقد التزام في شأن "استتابة" أولئك العلماء، حيث وجهت الدعوة إلى ثلاثتهم: علال الفاسي، عبد العزيز بن إدريس، وإبراهيم الكتاني، لإعلان التوبة! وكان ذلك صباح الخميس 15 شعبان 1381 – 14 دجنبر 1932 !! على ما رددته مجلة "مغرب Maghreb " الباريزية، عدد أبريل 193.
وقد دفع هذا بالثلاثة إلى تحرير رسالة صارخة إلى رئيس الوزراء ووزير الشؤون الخارجية الفرنسية بباريز: دلاديي.
لقد حررت الرسالة المذكورة بتاريخ 30 يناير 1933، ويذكر فيها الثلاثة معالي الرئيس بالحيف الذي وقع عليهم، مشيرين إلى الرسالة المؤرخة ب: 27 ذي القعدة 1349هـ (15 أبريل 1931) التي تعترف بنجاحهم، وأن إدارة المراقبة الفرنسية التي كانت الواسطة بين المجلس العلمي ووزارة العدلية، جمدت توجيه الرسالة!!، ثم تقول هذه الرسالة الاحتجاجية:
"لقد كان امتعاضنا عظيما لما استدعانا المراقب الفرنسي ذات يوم، وقدم لنا اقتراحا غريبا يقضي بإلزامنا "التوبة" من استنكارنا للسياسة البربرية، حتى نحصل بذلك على الشهادة التي استحققناها".
ثم تقول الرسالة: "وزيادة على ذلك، فنحن نعتبر هذا الطلب إصرارا من الإقامة العامة على سياستها البربرية، واستهزاءا برغائب الأمة التي أعلنتها بواسطة وفدها الأمين الذي انتخبته وبعثته لجلالة الملك، ولهذا نسمح لأنفسنا أن نجدد لمعاليكم احتجاجنا القوي على كل ما جاء في صيغة "التوبة"، وخاصة النقط التالية:
1- امتعاضهم من تدخلنا في القضية البربرية، مع أننا أبناء جامعة دينية، والقضية البربرية قضية دينية.
2- مساومتنا في بيع ذمتنا، وخيانة مبادئنا.
3- إرادة إلزامنا بالتعهد بعدم التدخل في الشؤون الحكومية، مع أننا – كمغاربة – لنا الحق أن نتدخل في شؤون بلادنا كيفما كانت مظاهرها!
ويختم الاحتجاج هكذا: "ونتذمر من سلوك سياسة الاضطهاد المتبعة في هذه البلاد، والتي ليس من شأنها أن تحافظ على شرف فرنسا، ولا أن تعمل على إعلاء ذكرها بين الأوطان، وقد كان بودنا أن نخابر المندوبية الفرنسية بفاس، ولكننا متيقنون أن غاية ما سنقول هو أن الأمر صادر عن صاحب الجلالة، أيده الله، مع أننا نعلم يقينا أن جلالة السلطان بريء من كل هذه الأعمال، وبريء من الموافقة على كل ما يخالف روح الإسلام، وكرامة المغرب بصفته أمير المؤمنين وسلطان البلاد...".
ونرى من المفيد أن نأتي على الترجمة الكاملة لهذه الرسالة التي تكون في نظرنا عنصرا عاما جدا في ملف الرسالة التي تكون في نظرنا عنصرا هاما جدا في ملف الظهير البربري، بل إننا نعتبرها من الحركات الفاعلة لحمل الإقامة العامة الفرنسية على القيام "بتعديل" الظهير البربري بما ورد في مرسوم ثامن أبريل 1934 أيام المقيم هنري بونصو (H. PONSOT) أي بعد أربع سنوات من ارتكاب هذا الخطأ السياسي الفادح...

تقول الرسالة المحررة بفاس يوم 19 يناير 1933:
إلى معالي رئيس المجلس الوزاري
وزير الشؤون الخارجية بالجمهورية الفرنسية
- باريز -
معالي الوزير،
يشرفنا أن نحيطكم علما بالأحداث الآتية:
نحن الموقعون أسفله:
1- محمد علال الفاسي،
2- عبد العزيز بن إدريس،
3- إبراهيم الكتاني،
القاطنون بفاس
لقد خضنا منذ نحو من ثلاث سنوات غمار امتحانات الدراسة النهائية لجامعة القرويين الإسلاميون، وإن المجلس العلمي للجامعة الذي أعلن نجاحنا الفائق في تلك الامتحانات عبر عن تأييده بالإجماع لإدماجنا في إطار العلماء، يعني في إطار الأساتذة الأكفاء للتدريس في تلك الجامعة، وفي جميع فروعها...، وطبقا للقوانين الجاري بها العمل تم التسجيل لهذا النجاح من طرف المجلس العلمي الذي أكد كفاءتنا وأهليتنا للتعليم في رسالة موجهة لوزارة العدل والتعليم الإسلامي مؤرخة في 27 ذو القعدة لوزارة العدل والتعليم الإسلامي مؤرخة في 27 ذو القعدة 1350 (14 أبريل 1930)، وكان لابد أن تبعث هذه الرسالة من المسئولين في الجامعة إلى الإدارة المركزية بالرباط عن طريق سلطة الحماية بمدينة فاس، وقد أرسلت فعلا هذه الرسالة بواسطة المكتب الجهوي للشؤون الأهلية ليرفعها للرباط، لكن هذا المكتب قرر – لأغراضه الخاصة – أن نؤجل إرسالها للعاصمة.
وإلى جانب هذا كيف تتصورون، السيد الرئيس، درجة شعورنا بالامتعاض الشديد والسخط العارم، ونحن نستدعي ذات يوم للمجلس العلمي بالجامعة، ليقدم لنا اقتراح غريب ومهين إلى التنازل عن معارضتنا للسياسة البربرية التي تنعتها بعض النشرات بأنها عمل عظيم (Chef d’oeuvre) على حد تعبير جريدة (الطان) الفرنسية (27 ماي 1930)، تلك السياسة التي تخطط لها الإقامة العامة مع حليفتها "النصرانية" المستوردة إلى بلادنا على يد الحماية، لتجعل منها أداة للتفريق بين المواطنين، وبالتالي لتحطيم سمعة وعمل الجمهورية الفرنسية التحريري...
إن وزارة العدل، المنفذة – في الواقع – لإرادة مديرية الشؤون الأهلية التعسفية، طلبت من مجلس جامعة القرويين، قبل أن يعلن عن نجاحنا أن يفرض علينا التوقيع على نص يعبر عن اعتذارنا وندمنا فيما يخص موقفنا من السياسة البربرية، ولكي نعرف مصدر هذا النص، يكفي أن نلاحظ أنه بدون شك، حرر أصليا بلغة بعيدة كل البعد عن لغتنا العربية! وربما صدر هذا النص ليعرض في المستقبل على كل مرشح "متهم" بجريمة "نقد السياسة البربرية"!..
وفيما يلي ترجمة حرفية لذلك النص المعروض علينا:
"أستنكر بصفة قاطعة جميع الأفعال والأحداث المتعلقة بموقفي فيما يخص قضية الظهير الشريف، الخاص بالعرف البربري: الموقف الذي لا يناسب شخصية مثلي، فأعتذر وأقسم قسما صريحا أنني لا أتخذ موقفا مثل هذا طوال حياتي، وأقسم قسما صادقا إنني سوف أتخذ أمام المخزن (الحكومة) موقفا يمتاز بالطاعة (...)".
وقدم هذا النص يوم 15 شعبان الأخير 1351 أي 14 دجنبر 1932 على الساعة 10 صباحا، وأكد لنا من جديد مجلس الجامعة أنه ما زال يعترف بنجاحنا في الامتحانات، وبحقنا الواضح في نيل شهادة نهاية الدراسة العليا...، فرفضنا بطبيعة الحال، التوقيع على ذلك النص المهين، الجائر والصادر عن مصلحة الاستعلامات والمخابرات التي ليس لها حق التدخل في تسيير جامعة القرويين، التي تعتبر صرحا من صروح الإسلام الذي وعدتنا فرنسا باحترامه...
لا شك أن هذا الاقتراح يمثل مسا بحقوقنا (...)، ويمثل هذا النص مسا بشرفنا وبكرامتنا، وهو يشخص ضغطا على حرية الفكر، ودعوة شاملة لخيانة مبادئنا مقابل امتيازات مادية !
فلهذا، يجب علينا أن لا نخفي عليكم، يا معالي الوزير، أن مثل هذه المحاولات الاستبدادية والتعسفية تبين لنا أن الإقامة العامة، ما زالت تهين مشاعر الأمة المغربية، وتتغافل عن المطالب الشرعية لشعبنا المرفوعة لصاحب الجلالة السلطان بواسطة الوفد المنتخب المحترم الذي قصده بالرباط...
ولهذا، فإننا نجدد أمامكم، يا معالي الوزير، رفضنا المطلق لما جاء في ذلك النص المذكور، واحتجاجنا ضد النقاط التالية:
1- اعتقالنا مرتين اثنين بدون سبب وبدون أن نقدم إلى أي محكمة.
2- توبيخنا لأننا تدخلنا – بصفتنا طلابا في جامعة دينية – في القضية البربرية التي تمس الإسلام، وتمس كرامة ديننا وشريعتنا المبنية على احترام الإسلام، كما تمس شرف الثقافة العربية والوحدة الوطنية المغربية.
3- عدم الاعتراف بحقنا في الاندماج في سلك الأساتذة.
4- الخلط بين قضيتين اثنين لا علاقة بينهما: اعتقالنا السياسي، وشخصيتنا الجامعية والثقافية.
5- محاولة الضغط على ضمائرنا ودفعنا إلى خيانة مبادئنا مقابل مصالح مادية، وهذه هي المحاولة التي تبرهن على عدم إقرار شخصيتنا المغربية، وتمس بشرفنا الشخصي.
6- أن يفرض علينا أداء القسم لكي نتجنب التدخل في القضايا الحكومية في القوت الذي نرى فيه لزاما علينا أن نهتم كمغاربة، بجميع شؤون بلادنا...
7- الموقف المستمر للمسئولين فيما يخص السياسة البربرية التي تمس عواطف أمتنا وإرادة شعبنا.
إن هذه السياسة سوف تقابل من شعبنا بكل رفض...، وإن هذه المواقف التعسفية المضرة ببلادنا لتستحق الرفض اللامتناهي من طرف جميع المغاربة، ومن طرف العالم الإسلامي بصفة عامة، هذا العالم الذي يعبر عن تضامنه معنا، والذي يسعى في الحفاظ على كرامته، وعلى الدفاع عن الحقوق المشروعة.
إن السياسة البربرية تمثل الوجه الحقير للسياسة المتبعة مع الأهالي بالمغرب، هذه السياسة التي تعاني أيضا من معارضة الفرنسيين الواعين أصحاب الغيرة على سمعة بلادهم، التي تعاني يوما عن يوما من العواقب الخطيرة لمثل هذه الأغلاط.
ونحن واثقون بتشبثكم بالعدالة (...)، ونحن على علم بالمبادئ العليا التي تميز سياستكم العامة (...) من أجل الدفاع عن الشرف الوطني الفرنسي، في إمبراطوريتنا الشريفة، وهذه السياسة تستحق غضب شعبنا الذي يتعرض اليوم للاضطهاد والإهانة.
فاسمحوا لنا – يا معالي الوزير – أن نبلغكم هذه الأحداث، معبرين عن ثقتنا في تشبثكم بروح الإنصاف والعدل، وبوطنيتكم الحقة التي ستدفعكم لأخذ القرارات اللازمة من أجل وضع حد نهائي لهذه المناكر التي نتعرض لها نحن وزملاؤنا بجامعة القرويين.
إن الرأي العام المغربي، قلق بسبب هذه الأحداث، وهو يسعى لحل جميع المشاكل الدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية من خلال إلغاء هذه السياسة الأهلية الفاشلة، وهـذا العمـل الرائـع « Chef d’œuvre » كما ينعتنوها!، ويسعى كذلك لتدشين عهد جديد مبني على الحق والعدل والحرية والتعاون الحق والمشاركة المتبادلة بين بلدينا من أجل العمل الذي ينتظره الجميع، والذي تعرقله القرارات الإدارية التي تكرس الأخطاء، بالرغم مما تتأكد منه من أن هذه السياسة من شأنها أن تعقد القضايا، وتساعد على خلق البلبلة في مجموع علاقاتنا، وهو الأمر الذي تتحمل السلطات وحدها مسئوليته.
وقد كان في إمكاننا أن نبلغ هذه الاحتجاجات إلى الإقامة العامة بالرباط، لولا أننا على يقين من أن جهودنا ستضيع سدى...، وأنهم سيحاولون إقناعنا بأن القضية تخضع "لللإرادة الملكية" التي نعرف مسبقا أنها بريئة من كل ما من شأنه أن يمس جانب الإسلام، أو يكون تهديدا لكرامة الإمبراطورية المغربية.
ومع عبارات احترامنا وثقتنا الكاملة، فإنه يشرفنا – معالي الرئيس – أن نجدد تقديرنا وإكبارنا لشخصيتكم النبيلة".
وبعد، فتلك لقطات من تاريخ المغرب الحديث، تعمدت ترديدها في هذه المناسبة إحياء للذاكرة، وقد كانت الرسالة المرفوعة بالأمس إلى باريز والمتحدث عنها اليوم، كانت مدفونة في باطن الأرض قبل أن يسلمني إياها الأستاذ الراحل السيد إبراهيم الكتاني، وقد حرصت على أن أحتفظ بصورة منها في تأليفي عن "تاريخ جامع القرويين المسجد الجامعة وتبصيرا للناس، وذكرى لمن كان يهتم بتاريخ النضال الوطني، من أجل الهوية المغربية، التي تتمثل في المبدأين الاثنين: اللغة والعقيدة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here