islamaumaroc

[كتاب] بنية الفكر الديني في الإسلام، لـ ه.ا.جب

  دعوة الحق

35 العدد

لا مراء أن الاستشراق قد زود العالم الغربي برافدين أحدهما واسع ضحل يمد أوربا وغيرها بضلال مقبول والآخر ضيق ولكنه صاف يسقي رواده معرفة أمينة وتفهما صادقا للإسلام والمسلمين، فلكل من هذين الرافدين- كما يرى الأستاذ اردين كالفيرلي- مجال خاص بين الشعوب الغربية، ففي الطبقات الدنيا تشيع الأكاذيب والمبالغات عن الإسلام والتعصب على المسلمين، وبين الطبقات المثقفة تجد الحقيقة في ذاتها ولذاتها مجالها الواقعي.
من هنا غدا الاستشراق في نهاية التحليل ينوس بين اتجاهين متنابذين الأول يدرس –من خارج- خصائص التفكير الديني في الإسلام دراسة قائمة على أحكام سابقة مبشرة وأفكار فطيرة تتكشف عن سوء نية في امتلاك ثقافة متعصبة، والثاني يبين أعمال الفكر الحيادي في استمراره الموصول لدراسة الحقيقة الإسلامية- من داخل- وبتحايث وتماس مباشرين بالبيئة الإسلامية.
في هذا الاتجاه الثاني سار أمام المستشرقين المعاصرين الإنجليز: السير هاملتون ا.ر. جيب واضع كتاب: بنية الفكر الديني في الإسلام. ومن النافع هنا قبل أن نفرغ مضمون الكتاب، أن نشير إلى التصدير القيم الذي صنعه أستاذنا الدكتور عادل العوا ليوشح به صدر الترجمة العربية، فهو محاولة منظمة اعتمدت الاستقراء التاريخي لتعريف الدين وتحليل الفكر الديني في إطار نزعتين متباينتين: النزعة الاعتقادية والنزعة العلمية والتاريخية وضرب أمثلة دالة على وجهات النظر المختلفة.
فمن الموقف الأول موقف النزعة الاعتقادية يستدعي الدين تعريفا بأنه (وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخير بالذات) وثابت أن منحنى التفكير الديني في الإسلام خلال سياقه التاريخي يعتمد التفات المفكرين المسلمين من الغزالي إلى ابن تيمية ومحمد عبده وأبي الأعلى المودودي إلى تعريف الدين بأنه وضع إلهي بالضرورة ومعطى صادر عن الأعلى إلى الأدنى.
أما الموقف الثاني موقف النزعة العلمية والتاريخية فيمكن تعريف الدين بأنه (وضع اجتماعي يتميز بوجود طائفة من الأفراد تربطهم شعائر منظمة، وإيمان بقيمة مطلقة مقدسة تقيم صلة بين الفرد وبين قدرة روحية متعالية على الإنسان قد تكون متعددة أو واحدة هي: الله).
والخطوط الكبرى للنزعة العلمية والتاريخية في دراسة الفكر الديني هي أولا جملة معطيات علم النفس في البحث عن الناحية الدينية ووصف الهيجانات الدينية  والظواهر النفسية التي ترافق التجربة الدينية وهي ثانيا جماع الآراء الصادرة عن علم الاجتماع باعتبار أن أي دين هو استجابة لحاجات إنسانية صحيحة، ووجود الدين دليل على وجود حاجة إلى التدين، فالدين إذن له وظيفة اجتماعية تنبع من مجموع التصورات الجمعية لكل مجتمع.
بهذا الاعتبار يبدو الدين في ثوب اجتماعي نسيجه الحوادث الاجتماعية والتصورات المركبة المترسبة في الضمير الجمعي المشترك، وبتعبير آخر أن علم الاجتماع والمدرسة الاجتماعية الفرنسية بالذات تلح على أن الدين وضع اجتماعي في الدرجة الأولى –لا وضع إلهي كما تريد النزعة الاعتقادية- وضع تصنعه الضرورة الاجتماعية ولذا ينفرد المجتمع بميزة فذة هي صهر الإرادات الفردية في إرادة مركبة من مجموع الإرادات ومفارقة لها في ذات الوقت فيغدو المجتمع في آخر الأمر: ينبوع القيم كل القيم ومصدر الدين في شتى أشكاله وأنماطه.
فهل يعني هذا أن المجتمع هو خالق الدين؟
بين أن التعريف الاجتماعي يباين مباينة فاصلة التعريف الاعتقادي من جهة أولى ويعارض معطيات علم النفس ومذهب تاريخ الأديان من جهة ثانية- ففي اعتقادنا من الوجهة النفسية – أن الإنسان بما يحتاز من وعي لفكرة الله يستجيب لشعور ديني ذاتي يضفيه عمليا على مختلف أشكال الدين، فالدين في بنيته يتبدى أول ما يتبدى في حلة شعور ديني فردي موصول بإحساس الإنسان بتبعيته لقوة عليا أو بإدراكه الفطري الخاص بالسببية والصعود إلى سبب أخير أعلى أو بحدسه اللانهائي أو بزهده في العالم.. وكل هذه عوامل يرجع إليها أصل الدين.
أما ما يحيط ذلك الشعور الديني من ظروف تاريخية معينة محددة وأوضاع اجتماعية مواتية فذلك لمنح فرص أمام الدين ليستطيع أن يبرز كعامل هام في حياة الإنسان.
وبتعبير آخر أن أصل الدين هو حاجة إنسانية فردية منبجسة من عاطفة دينية ذاتية ولكن في مرحلته النهائية مرحلة التوحيد أصبح سلوكا منظما مسوقا للإنسان من الأعلى إلى الأدنى معطى من الإرادة الإلهية للقضاء على ضلال الشرك والتعدد، يساعد على ذيوع هذا السلوك وتثبيت السمات الرئيسية فيه درجة استعداد المجتمع لتقبله وتنفيذه.
وجماع القول: أن مضمون التصدير الذي بذل في إبرازه الدكتور العوا جهدا مشكورا يتفتق عن عرض للصفات المقومة للدين كوضع إلهي من جهة-وكوضع اجتماعي من جهة أخرى.
ولا بأس من الإشارة إلى أن عمل الأستاذ العوا يهدف إلى رسم القاع الثقافي الذي نبتت في تضاعيف خطوطه الكبرى دراسة الأستاذ المؤلف جيب ووضع إطارين احدهما للنزعة الاعتقادية والآخر للنزعة العلمية التاريخية في تعريف الدين، ومن الجلي أن هاتين النزعتين هما بالأصل نزعتان ثقافيتان –الأولى شرقية والثانية غربية- وقد التقتا في تفكير فلسفي عميق ومعاناة جدية لصعاب المسائل في فكر الأستاذ جيب تتلامحان في هذا الكتاب المركز أيما تركيز المكثف أعظم تكثيف كتاب: بنية الفكر الديني في الإسلام.
يقول الأستاذ جيب: (كتبت هذه الفصول لا لأجل التقرير بل لأجل التحريك غرضها البحث وأكثر اهتمامها بمواد البحث ووسائله، فموضوع البحث كما يدخل في الحياة الفكرية العاطفية في كل طبقة منتمية إلى الإسلام بشرط ألا نتناسى جميعا أنها خاضعة لسيادة المبادئ الأساسية التي وضعت في القرآن الكريم ص 57)
والبحث في مناحي الفكر الديني الإسلامي والاتجاهات الأصيلة في استمراره والمواقف الفكرية المتفاعلة في صلبه، يستدعي دراسة فينومنولوجية تتخطى تنوع المذاهب والحوادث الطارئة على الدين الإسلامي وتضعه بين قوسين –من أجل التوغل إلى صميم الدين وبنيته وتحليل المواقف الدينية الإسلامية والمنابع التي منها تستمد والمفاهيم التي تحدد تفكير المسلمين بوجه عام في موضوع الإله، وفي كيفية تصورهم العلاقات بين العالم اللامرئي والعالم المرئي.
ولهذا جاء مضمون الكتاب مشحونا بالأفكار المركزة العميقة تتوزعها أربعة فصول على صعيد التحليل والمناقشة: 1) العامل الإحيائي 2) محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم 3) الشريعة واللاهوت 4) التصوف.
1 – ففي الفصل الأول يحاول أن يدرس الإسلام من حيث أنه تجربة دينية فذة لا تماثلها تجارب دينية أخرى تتبدى أحيانا في موقف حدس الدين وأحيانا في موقف تعقل الدين فإذا كانت العاطفة أكبر من العقل نتج التصوف وإذا كان العقل أكبر من العاطفة نتج اللاهوت، فهناك ثنائية قائمة بين الحدس الديني والعقل اللاهوتي، بين الإيمان وتعقل الإيمان، بين إيمان العجوز التي ترى أن الله في السماء وإيمان المعتزلي العقلي الذي يرى أن الله في كل مكان وليس في مكان وهذه الثنائية لا تتجلى في التضاعيف التاريخية التي شملت النمو الديني الإسلامي وحسب، بل إنها تتصل كذلك بالوضع الداخلي في الإسلام على اعتباره دينا حيا حاضرا.
ولا بد لتفصيل شامل أن نعود إلى حيث نما الإسلام في أحضان مجتمع إحيائي من نوع خاص هو مجتمع الجزيرة العربية القديم بتأثير اللامرئي على المرئي وإضفاء روح وحياة على كائنات وقوى خفية ولا ريب أن الإسلام لم يصدر صدورا ضروريا عن هذا المجتمع بل كان الإسلام بالدرجة الأولى ثورة على الإحيائية العربية غير أن هذه الثورة أبقت على أشياء بدت أنها توافق روح الإسلام، فالحج القبائلي كان أوج العبادة في الوثنية فأبقى عليه الإسلام ولكنه غير معناه وغايته.
ورغم ترسب معطي الاحيائية العربية في القاع العقائدي للإسلام فقد نشأت في البيئة الإسلامية بعد فترة الغزو الإسلامي الأول مناقشات كلامية أحدثت ضربا من التوازن في التفكير الديني الإسلامي بتغليب العقل على الخرافة وترجيح الجانب العقلي على الجانب الانفعالي فكان رد الفعل نمو التجربة الحدسية في حقل التصوف الإسلامي لمعارضة التفكير اللاهوتي ولإحياء العقائد القديمة وطقوس الجاهلية «ص 71» من جديد، كما أن الإسلام وجد في آسيا الوسطى والهند وأندونسية وإفريقية إحيائية قديمة موروثة فلم يستطع القضاء عليها تماما وما تزال حتى اليوم مواقف إسلامية مختلطة اختلاطا معقدا بمواقف إحيائية مما أدى إلى تفهم الدين الجديد على ضوء الدين القديم بالضرورة.
2) وفي الفصل الثاني: محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن –يحاول المؤلف أن يربط معطيات الإحيائية العربية القديمة بالدعوة المحمدية التي تجلت في تنقية مفهوم الله في الجاهلية من الغموض وظلام الخرافات وإحلال الإله الوحيد خالق السموات والأرض ومن فيهما وما بينهما محل إله الجاهلية وإقامة بناء ضروري يتجه من الأعلى إلى الأدنى، من تصور الله على أنه الآمر الناهي إلى الإنسان المخلوق المدعو لتنفيذ الأمر والنهي بالانتقال من الشعور بالخوف والاحترام إلى الشعور بالتقوى والإجلال والوعي بالله.
تلك هي الرسالة التي حملها القرآن الكريم إلى الجيل الأول من المسلمين والأجيال اللاحقة كلها
فإلى من يوجه القرآن حديثه؟ يجيب الأستاذ جيب: أن القرآن ليس بكتاب لاهوت لأن اللاهوت تأويل الكون تأويلا فلسفيا عقليا ص 89. ولكنه كتاب يعتمد بالدرجة الأولى التخيل الديني ولا يعتمد العقل لا بالدرجة الثانية ص 90-فكان الدين الحقيقي أن يحيا الإنسان عقائده عمليا دون أن يسأل عن ماهية تلك العقائد.
3) وبجانب القرآن الكريم يبدو الحديث الشريف ناقلا إلى الأجيال التابعة صورة محمد صلى الله عليه وسلم: الإنسان والنبي في وجوده المليء بالتجارب الحية الرائعة صورة (لم تصبح البتة صورة نمطية اصطلاحية وربما لن نشتط إذا قلنا أن تأجج هذه العاطفة الشخصية نحون الرسول الحبيب هو منذ زمن بعيد أكثر العناصر حيوية في دين الجماهير الإسلامية ص94) تشهد بذلك جملة القصائد والمدائح النبوية والأناشيد والألحان التي نظمها المتصوفة على شرف الرسول تجعل جميعها تعلق المسلمين قاطبة بشخصية محمد صلى الله عليه وسلم.
4) واضح الآن أننا انتهينا مما يطابق عصر الرسول والصحابة بتبيان أن القرآن يعرض تجربة محمد صلى الله عليه وسلم الحدسية من جهة ويعتبر من جهة أخرى الينبوع الذي يرجع إليه المسلم دائما لينعش رؤيته الروحية (فهو لا ينطوي على عرض فلسفي أو عرض منسق في مجال العقيدة ص 97) فيبدو من هنا، المجتمع الإسلامي مجتمعا أخلاقيا يعتمد أخلاق الوحي الصادرة عن إيمان غير معقد قائم على الحدس الديني، ولكن سرعان ما شرع ذلك المجتمع يتوسع بدخول مؤمنين كثيرين وحدوث مسائل اجتماعية وأخلاقية الحث على إعطاء حلول لها عاجلة، وكانت هذه المسائل قد أوحت باعتماد «الأحاديث» والإجماع والقياس والرأي والاجتهاد، فدعا كل هذا إلى أن تستمد الشريعة الإسلامية عناصرها من نتاج التأمل وتقوية ناحيتها العملية «الفقه» بتنظيم الحياة الاجتماعية على ضوء الدين دون تمييز سافر بين ما هو واجب نحو الله وواجب نحو الناس ودون فصل بين ما هو روحي وما هو زمني ولكن تطور التفكير الديني لم يقف عند هذا الحد بل ظهر ضروريا أن ينتهي إيمان الناس البسيط الساذج إلى إيمان معقد قائم على تعقل الدين وفلسفته فجاء اللاهوت أو علم الكلام دفاعا عن العقيدة الإسلامية بأساليب منطقية وبرزت فرق دينية حاولت أن تدافع عن العقيدة الإسلامية من وجهة نظرها الخاصة غير أن الأستاذ جيب يعتقد أن : (العصر لم يكن بعد قد بلغ من النضج حدا يظهر معه اللاهوت. وثمة حقيقة راهنة هي أن نمط الفكر الحدسي يعجز عن المحاكمة اللاهوتية وكان لا بد أن يتعلم بعض المسلمين على الأقل المنطق والفلسفة قبل إنشاء لاهوت إسلامي بالمعنى الدقيق ص 106) خاصة (وأن خطر البراعة العقلية لا ينشأ عن استعمال الذكاء بل عن الغلو في استعماله ص 105) ولكن يبقى مع ذلك اللاهوت واللاهوت السني بالخصوص هو العمود الفقري للشريعة الإسلامية رغم إصابته (بضعف في بعض الأحيان لتساهله مع النزعات الصوفية أو مع نظريات وحدة الوجود ص 109).
فهل مذهب التباين والتوحيد المطلق –سواء على أساس عقلي معتدل أو مفرط – يثير صعابا فلسفية أن الأستاذ جيب يؤكد ذلك إذ أن بنية الفكر الفلسفي التي ورثها الإسلام عن اليونان تقصر في الواقع عن تفسير التوحيد ميتافيزيائيا مما يؤدي إلى الاهتمام بالشكل دون المضمون، والصيغ المنطقية دون المسائل الدينية الحقيقية، وعلى هذا فإن السعي لفلسفة العقيدة الإسلامية (لم يدفع في الوقت عينه إلى الغلو والمبالغة وحسب بل انتهى أخيرا إلى التشويه حين نسي، أو أبعد بدون تمييز، بعض العناصر التي توجد في آن واحد في القرآن وفي الإدراك الحدسي للأمة ص 115).
وبتعبير آخر أن مذهب التباين الصارم والتوحيد المطلق إذ ينمي نظرية التعالي عن الإنسان ويحذف كل اتصال بين الله والإنسان (بشد منابع التجربة الدينية) ويجفف الحدس الديني بصرامته العقلية. لا بد إذن أن يخلق رد الفعل ضروري ضد التأويل العقلي.. فجاءت الحركة الصوفية.
5) طبيعي أن ينمو التصوف الإسلامي بالتدريج ففي القرن الأول كان المجتمع العربي الإسلامي مجتمعا أخلاقيا مثاليا يقبل الأمر والنهي بإيمان بسيط دون أن يسأل السؤال الفلسفي: لماذا؟ وكيف؟ ثم بدأ اتجاه الشريعة باتساع النشاط العقلي اتساعا متزايدا وتبعه اتجاه علم الكلام والتفلسف في الدين وأخيرا جاء التصوف كرد فعل طبيعي وضروري يضاد تجميد التجربة الدينية في قالب عقلي، جاء على شكل زهد أولا وفي ثوب مذهبي فلسفي ثانيا، فالتصوف الإسلامي في صميمه نفحة عبقة من نفحات القرآن، وتطلع مباشر إلى الحقائق الدينية ولكن التصوف الإسلامي في ذاته تطور من موقف الزهد والجمع بين الشريعة والحقيقة إلى موقف التصوف الفلسفي المبني على إلغاء مقولات التوحيد وإدخال نظريات فلسفية إشراقية كنظريات حلول اللاهوت في الناسوت واتحاد الذات الإلهية ووحدة الوجود أو حضور العالم في الله وهما واحد.
وهذا أقصى مرحلة في تطرف التصوف مما أدى إلى غلو وشذوذ في الفكر الديني في الإسلام وإصابة الإسلام بضرر بالغ في جوهره (إلى انحراف التصوف عينه عن معناه الروحي الأول ودخول الخرافات في حركات التصوف الشعبي فأصبح من العسير تمييز الصوفي الحقيقي عن الصوفي المشعوذ، كما قوى التعلق بالأشخاص أكثر من التعلق بالأفكار مما ساق إلى (اتباع تعاليم فرد واحد اتباعا أعمى ص 128) وإلى تقديس الشيخ والاعتقاد بعصمته ونوال بركته بإطاعة أوامره.
ورغم كل هذا استطاع التصوف أن يجذب نداؤه الصوفي شعوبا كثيرة استهواها ما في التصوف من انجذاب نحو الله بل أن الأستاذ جيب يؤكد أن الفضل في استمرار الوجود الإسلامي عائد إلى الجماعات الصوفية ص 122 بل أن علماء السنة أنفسهم بسبب بقائهم حيث هم في عزلتهم –هكذا يعتقد المؤلف- منحوا – التصوف سانحة الانتشار في حركات جماعية
إلا أنه حدث في القرن التاسع عشر رد فعل معاكس تغذى بتيارين متضادين أحدهما يتمثل في الحركة الوهابية وأنصار القديم والآخر يمثل أهل التجديد وأنصار التجديد- محمد عبده في مصر وسيد أمير ومحمد إقبال في الهند.
وفي اعتقاد المؤلف أن التيارين اسرفا في نزع البذور الحسنة من قلب الدين الإسلامي وتجميد العاطفة الدينية بل إنهما أفسحا المجال (لخرافات جديدة هي أعظم ضررا وأمضى ابادة ص 135) خرافات تعشش في صلب المدينة الأوربية وتفوق كثيرا خرافات التصوف، وهنا يتربص الخطر بتجفيف ينابيع الدين ذاته.
فإذا نضبت التجربة الدينية في الإسلام فماذا سيكون مصيرها في الإسلام وفي العالم إطلاقا؟ إن مجرد إثارة هذا السؤال الذي أثاره المؤلف ليدل بقوة على عمق المشكلة.

مناقشـــة
من هذا العرض السريع الذي قدمناه يتبين أن أستاذنا الدكتور عادل العوا زين صدر الترجمة العربية بتصدير هام بين فيه تعريف الدين من وجهة نظر النزعة الاعتقادية عبر سياق تاريخي-فكري يبدأ من التهاوني إلى أبي الأعلى المودودي المعاصر، وقيمة هذا التصدير في نظرنا –ليس في وضع تعريف جامع مانع للدين الإسلامي بالخصوص بل في إسهام كل من الغزالي وابن تيمية ومحمد عبده وأبي الأعلى في إنماء التفكير الديني في الإسلام بلك ما يملكه كل منهم من استعداد شخصي وتفكير ذاتي وموقف خاص أمام مسائل الدين بالإضافة إلى تنوع معطيات العصور التي برز فيها أولئك المفكرون من علوم وثقافات.
بيد أن الأستاذ العوا بما بذله من جهد مشكور قد قدم للمكتبة العربية ترجمة أمينة لكتاب تتركز فيه أفكار المستشرق الكبير هـ جيب الذي تفهم روح الإسلام عن قرب- غير أن لنا بعض الملاحظات في هذا التفهم لكوننا مسلمين وتهمنا عقيدتنا من جهة أولى ولأننا نعتقد أن منطق الحروب والخصومة والتوتر الأرعن من صميم الحياة المادية لا من صميم الأديان، وفي القرآن الكريم آية سامية يتفتق مضمونها عن مبدأ رائع في المساواة في الاعتقاد الديني: لا إكراه في الدين –فالجدل بالتي هي أحسن أجدى على صعيد النقاش الفكري من الجدل المتطرف من جهة أخرى:
فأولا: نعتقد أن قول المؤلف في الفصل الأول أن الإسلام جاء لينظم الإحيائية العربية ويراقبها، هذا القول فيه إطلاق لأن الإسلام في جوهره ثورة جارفة على كل إحيائية عربية كانت أو غير عربية قديمة أو جديدة، وهنا يجب كذلك أن نفرق بين ما هو عادات اجتماعية وما هو طقوس دينية إذ أن المؤلف نظر –على ما يظهر- إلى بعض العادات الاجتماعية على اعتبار أنها طقوس دينية.
وثانيا: نرى أن الشعور الديني لم يكن قويا إلى الدرجة التي تسمح بتصلب في المواقف الدينية فالمقاومة التي بذلها العرب لمواجهة الإسلام جاءت على أساس اعتبارات اجتماعية كالمحافظة على المركز الاجتماعي والسعي وراء الشهرة أكثر مما جاءت على أساس ديني، والعربي كان يؤمن بالصنم ولكنه كان ينفر منه إذا لم يحقق غرضه بل ربما أكل معبوده المصنوع من التمر إذا جاع وهذا دليل على فراغ الشعائر العربية من معناها وقيمتها.
وثالثا: يرى المؤلف: (أن القرآن الكريم مثله مثل كتب الأنبياء في العهد القديم إنما يتكلم لغة الشعر ص 91) ويعتمد في المكان الأول الحدس الديني ولكن القرآن يلح على ناحيتين: ناحية العقل وناحية القلب ويتحدث حديثا موجها إلى العاطفة والعقل معا فطبيعة القرآن الكريم تدعو إلى التفلسف وإثارة أسئلة فلسفية غاية في العمق.
ورابعا: نقول أن حضور علم الكلام في التفكير الديني الإسلامي كان طبيعيا ان في الإسلام أو في كل دين ففي مرحلة أولى يكون إيمان بسيط بلا فلسفة وفي مرحلة ثانية يبدأ الناس يتفلسفون ويتعقلون دينهم، وعلم الكلام الإسلامي جاء نتيجة أسباب داخلية أهمها القرآن الكريم والاستقرار الحضاري والظروف السياسية وأسباب خارجية أبرزها وجود عناصر تدعو إلى إثارة مسائل دينية من ديانات مختلفة، ودفاع الفرق الدينية وخاصة المعتزلة عن الإسلام والرد على المخالفين، فعلم الكلام إذن لم يقف حجر عثرة أمام مرونة الدين الإسلامي كما يدعي المؤلف، ونحن نوافق المؤلف على أن الغلو في استعمال العقل ومحاكمته في الأمور الدينية يؤدي إلى تجميد تلك الأمور ذاتها فالدين كما يقول الأستاذ أحمد أمين يتطلب شعورا حيا أكثر مما يتطلب قواعد منطقية إلا أن استعمال العقل باعتدال هو الطريق السوي لتفهم الدين.
وأخيرا فإننا نرى في التصوف إسلاميا كان أو مسيحيا أو هنديا تجربة حية فردية في حدود الذاتية يدعو إليها الإسلام في مجال لا يتعدى مبدأ التباين الفاصل بين الله والإنسان أما أن تكون تلك التجربة هي قوام الحياة الدينية في الإسلام فإننا لن نستطيع رسم خطة مضمونة لمستقبل الإسلام لأن الإسلام هو أولا وبالذات تقرب إلى الله عن طريق التدبر والحدس معا وسائق لذوي العقول والقلوب جميعا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here