islamaumaroc

ونراك يا حسن الخصال مجددا [افتتاحية]

  عمر بنعباد

336 العدد

في تاسع يوليوز من كل سنة يعيش المغرب فرحة ذكرى وطنية مجيدة، وتتجدد فيها مناسبة عزيزة، هي ذكرى عيد الشباب المجيد، الذي يخلد ذكرى ميلاد رائد الأمة المغربية وباعث نهضتها الحديثة، أمير المؤمنين، وحامي حمى الوطن والدين، جلالة الحسن الثاني، حفظه الله وأيده بالنصر والفتح المبين.
فهذه الذكرى منذ إنشائها في عهد المغفور له جلالة محمد الخامس طيب الله ثراه، والاحتفال بها لأول مرة في مطلع الاستقلال سنة 1956م، وهي تكتسي باستمرار طابعا متميزا من مظاهر المسرة والابتهاج والحبور والانشراح.
وكيف لا، وهذه الذكرى الغالية – كمثيلاتها من الذكريات الوطنية المجيدة، تشير إلى دلالات كبيرة، ومعاني كثيرة، ورصيد عظيم من تاريخ المغرب الحافل بالأمجاد.
ذلك أن المواطن المغربي يستشعر فيها أولا ويستحضر ذلك العهد المقدس والولاء المكين، والحب الصادق، والرباط القوي المتين الذي يجمع بين الملك وشعبه الوفي، وبين العرض ورعيته المتماسكة على مدى أجيال وقرون.
ويستشعر كذلك أثناءها ذلك الاهتمام الذي يلقاه شباب الأمة من عاهله المفدى، ومن أولي الأمر في بلده، وما يتطلبه من عناية أكثر، ويجده من رعاية أكبر وتوجيه أحسن وأكمل، وتمجيد لعطائه المفيد وعمله البناء، وتجديد لإرادته وعزمه بهدف مواصلة السير الحثيث نحو تحقيق المزيد من الآمال الكبيرة في مجالات العلم والعمل، والتنمية والصلاح، والعيش الكريم، والإحساس بالمسؤولية الكبيرة الملقاة على الشباب.
وهي إلى جانب ذلك مناسبة طيبة، تنتقل بذاكرة المرء المغربي وتعود به إلى الظرفية التي ولد فيها صاحب الذكرى المحتفى بها، حيث كان المغرب يرزح تحت نير الاستعمار وسلطته الغاشمة، وأخذ يستيقظ وينتبه ويتحرك للانعتاق والتحرر من ربقة المستعمر وقبضته المتحكمة إذ ذاك.
وتذكره بالنشأة الطيبة والتربية الصالحة التي تلقاها وتنشأ عليها جلالة الحسن الثاني منذ طفولته ونعومة أظفاره على يد مربيه الأول وأستاذه الأكبر، والده المنعم، جلالة محمد الخامس رضوان الله عليه، وعلى يد صفوة من خيرة العلماء المتمكنين، والأساتذة المبرزين في مختلف العلوم الإسلامية، والمعارف الإنسانية، مما كان له أكبر الأثر في التوجيه والتثقيف والتكوين، وصقل مواهب الذكاء والنبوغ، والنباهة والعبقرية التي امتاز بها جلالته، وجعلته يتفوق في كل العلوم والفنون التي يدرسها.
ومنذ تفتحت عيناه، وتفتق ذهنه الوقاد وفكره الثاقب على واقع البلاد، وهو في زهرة عمره ومقتبل شبابه كان الساعد الأيمن والعضد القوي لجلالة والده في خوض غمار معركة التحرير ضد الاستعمار، والنضال من أجل استعادة حرية المغرب وعزته وكرامته المعهودة له عبر تاريخه الحافل المديد.
تلك المعركة التي كانت لها واجهات متعددة، وجوانب متنوعة، واستمرت بين المد والجزر حوالي ثلث قرن من الزمان، بلغت فيه أوجها وأشدها حين تجرأ الاستعمار على المساس برمز السيادة المغربية، وضامن وحدتها واستقرارها، وأقدم على نفي محمد الخامس مع أسرته الكريمة عن وطنه، وإبعاده عن عرشه، فانتفض الشعب الأبي انتفاضة عارمة، وتواصل الجهاد وحمى النضال وفاء لملكه وعرشه حتى عاد محمد الخامس من المنفى معززا مكرما، حاملا لشعبه وبلده بشارة انتهاء عهد الحجر والحماية، ومشعل بزوغ فجر الحرية والاستقلال، وتحقق بذلك وعد الله بالنصر لعباده الصالحين المجاهدين في سبيله إعلاء كلمة الحق والدين، في كل مكان وحين، مصداقا لقوله المبين: (وكان حقا علينا نصر المومنين).
ويتحرر المغرب وينال استقلاله وحريته سنة 1955 بفضل جهاد محمد الخامس ومواقفه الصامدة الحازمة، وعودته المظفرة، وموازاة ولي عهده له، والتفاف الشعب المغربي بأجمعه حول ملكه المفدى وعرشه العلوي المجاهد. ويأخذ جلالة محمد الخامس في وضع الأسس المتينة لبناء المغرب الجديد المستقل، والمؤسسات الدستورية والاقتصادية والاجتماعية التي تكفل له دوام التقدم والاستقرار، حتى اختاره الله إلى جواره الكريم، فالتحق بربه راضيا مرضيا، مجاهدا مطمئنا.
وتسلم بعد الأمانة العظمى، وتحمل المسؤولية الكبرى خلفه البار ولي عهده ووارث سره، ورفيقه في الجهاد والكفاح جلالة الحسن الثاني، فواصل الرسالة والجهاد الأكبر لبناء المغرب الحر الناهض، وتحديث مؤسساته الدستورية والإدارية، وتجديد شبابه وحيويته في كل المجالات، فحمل جلالته مشعل ذلك الجهاد ولواءه بإيمان ويقين، وصبر وثبات وحزم وتبصر، ومكن عهده الحسني المبارك المغرب من تحقيق نهضة شاملة، وبلوغ آمال ومطامح كبيرة في سائر الميادين، والتوفيق بين الأصالة والمعاصرة، والحفاظ على الثوابت والمقدسات الدينية والوطنية، المتجلية في الحفاظ على الدين وقيمه المثلى، وشعائره وأخلاقه الفاضلة، وعلى اللغة العربية وآدابها وقواعدها في مختلف المدارس والمعاهد والكليات، وعلى السيادة الوطنية والوحدة الترابية، ونظام الملكية الدستورية القائم على البيعة الشرعية الإسلامية، والضامن لصيانة جميع تلك المقدسات الدينية والوطنية الراسخة، ولمعالمها البارزة الشامخة، وآثارها الوفيرة الخالدة، التي نجد من بينها ومن أبرزها في أواخر هذا القرن العشرين تنظيم جلالة الحسن الثاني للمسيرة الخضراء المظفرة التي استعاد به المغرب أقاليمه الجنوبية بالصحراء المغربية، وتشييده لأعظم معلمة إسلامية بالمملكة المغربية السعيدة، والمتمثلة في مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، وتحديث الدستور لمواكبة الحياة المعاصرة في مجال الديمقراطية المتجدد والحريات العامة، وملائمتها لما تقتضيه المصلحة العليا للأمة والبلاد، ويحقق لها الإسراع بالنهضة الاقتصادية والتنمية الاجتماعية، وهى على مشارف مطلع القرن الواحد والعشرين.
وهي أعمال جليلة ومنجزات عظيمة رأت النور في عهده الميمون، وتحققت في ظله الوارف، وتواصلت مع المواقف والأعمال الجليلة التي اضطلع بها جلالته منذ شبابه، ويضطلع بها بعد أن ولاه الله مقاليد الأمور بهذا المغرب العزيز، لخير أمته ووطنه، مما يضيق عنه مقام هذه الافتتاحية، ومحاولة الإشارة إلى جميعه، ويستحضره كل من عاش فترة الجهاد والنضال الذي قام به العرش والشعب المغربي بكل فئاته يدا بيد لنيل الحرية والاستقلال، ويعايش اليوم ويشاهد بأم عينيه ما تحقق بعد الاستقلال إلى الآن، وعلى مدى أربعين سنة، من إنجازات ومسيرات متواصلة وتنميات عظيمة في كل المجالات، رفعت من شأن المغرب وزادت من رصيده الاجتماعي والتاريخي والحضاري بين أمم الدنيا وشعوبها.
كما يجده ويلمسه اليوم من لم يعايش ويشاهد ذلك الظرف التحريري من الشباب والمثقفين المعاصرين، حين يرجع إلى تلك المؤلفات القيمة الخالدة التي تتضمن الأقوال الحكيمة، والأعمال العظيمة التي نهض بها جلالته واضطلع بها لصالح بلده ونصرته لقضايا العروبة والإسلام، مثل كتاب "التحدي"، وكتاب: "ذاكرة ملك"، اللذين ألفهما صاحب الجلالة أعزه الله، وكذا كتاب انبعاث أمة، الذي يصدر كل سنة عن مديرية الوثائق الملكية على مدى أربعين سنة متتالية، وما يسجله كل جزء من تلك الموسوعة الكبيرة، ويتضمنه من منجزات حسنية جليلة، تعززت بها مكانة المغرب، ورفعت سمعته بين باقي البلاد في العالم، وجعلته قبلة الأنظار، ومحط الآمال، والوقوف  إلى جانب الحق، ومعه أينما كان، وموضع الاستشارة والتقدير والاعتبار.
ولعل مما يشير إلى مغزى الاحتفال بذكرى عيد الشباب المجيد، وما ترمز إليه، ويتحقق فيه من منجزات، ويحسن به ختم هذه الافتتاحية قول بعض الأدباء الشعراء في مثل هذه المناسبة الثمينة:

يا باني الأمجاد والأوطان
                شهد الزمان لكم بأعظم شأن

لكأنكم في المكرمات وفي الندى
                فيض تدفق من لدى الرحمان

تعلي وتنشي في البلاد قواعدا
                يغدقن خيرات مدى الزمان

كرست عمرك في الشباب مناضلا
                لله درك من فتى الفرسان

ونراك يا حسن الخصال مجددا
                وعد الشباب بغير ما نسيان


- الاحتفاء بذكرى المولد النبوي الشريف:
وإذا كان الشعب المغربي المسلم يعيش بهجة هذه الذكرى الوطنية المجيدة بكل ما تحمله وترمز إليه من أهداف نيلة ومرامي شريفة، وآمال ومطامح عريضة، فإن من حسن المناسبة أن يتزامن ذلك مع ذكرى إسلامية عظيمة ومناسبة دينية جليلة في تاريخ الإسلام وحياة المسلمين، إنها ذكرى المولد النبوي الشريف، ذكرى مولد محمد بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه، تلك الذكرى التي يستحضرها العالم الإسلامي ويحتفي بها في كل أقطاره في شهر ربيع الأول من كل عام.
فقد شاء الله تعالى، وهو العليم الحكيم، أن يختم نبوة الأنبياء ورسالة المرسلين، وأن يرفع ذكر الأمة العربية وشأنها بين الأمم والناس أجمعين، وأن يكون بلدهم الأمين منطلقا لرسالة الإسلام ودينه الحنيف الخالد، فكان فيهم وفي بلدهم مولد هذا النبي الكريم، ومبعث هذا الرسول الصادق الأمين، مصداقا لقوله تعالى في التذكير بتلك النعمة العظمى والمنة الكبرى، والخصوصية الفضلى: (لقد من الله على المومنين إذ بعث منهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)، وقوله سبحانه: (ما كان محمدا أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله وخاتم النبيئين، وكان الله بكل شيء عليما).
وكيف لا يحتفي المسلمون بهذه الذكرى الإسلامية العطرة، وبفضل هذا النبي الكريم وبعثته المحمدية، وجدت أمة الإسلام والإيمان، وتكونت دولته المؤمنة المجاهدة إعلاء كلمة الله، والمخلصة في طاعتها وعبادتها لله رب العالمين، هذه الأمة الإسلامية التي أراد بها الحق سبحانه خيرا، فأنقذها من ظلام الجهل والكفر والعصيان، وهداها بنور الدين والعلم والمعرفة والإيمان، وجعل منها الأمة الوسط، وخير أمة أخرجت للناس تامر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتومن بالله، ويجعل منها أمة عزيزة مهيبة، وأرشدها سبحانه إلى وسائل ذلك وتحقيقه، فأمرها بالحفاظ على الوحدة واجتماع الكلمة، والتمسك بالكتاب والسنة، ونبذ كل خلاف أو شقاق يؤدي إلى الفرقة أو إضعاف الأمة، فقال الله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة)، وقال سبحانه: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)، وقال جل في علاه: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي، عضّوا ليهما بالنواجذ)، "تمسكوا بهما حق التمسك قولا وعملا".
ولذلك فإن هذه الذكرى الدينية العطرة كلما أقبلت على الأمة الإسلامية، وحل شهرها المبارك، إلا وتكون مناسبة إسلامية متجددة تدعو المسلمين جميعا إلى التشبث بمبادئ الدين وأحكام شرعه الحكيم، والأخذ بها في شؤون الدنيا والدين، وتطبيقها في الحياة العملية والواقعية وفي تعامل المسلمين بعضهم مع بعض، بروح من الإخاء والصفاء الصادق، استنادا إلى كتاب الله وسنة رسوله، والسيرة النبوية الطاهرة، وسيرة السلف الصالح من هذه الأمة، فإن المسلمين اليوم أحوج ما يكونون إلى الرجوع لهذه الأصول والاهتداء والاستنارة بها، ليعرف المسلم كيف يجمع بين العمل لدينه ودنياه، وكيف يوفق السعي لهذه الحياة الأولى وأخراه، بعيدا عن كل تشدد أو غلو في الدين، وعن أب إفراط أو تفريط في هذا الجانب أو ذاك، وأن من خصائصه هذه الأمة المحمدية ضمن خصوصياتها البارزة المتعددة خصوصية التوسط والاعتدال، مصداقا لقول الله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا، لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا).
وسلوك ذلك النهج النبوي القويم يرسخ طاعة الله وطاعة رسوله في حياة المسلم وعمله، ويثبت محبة الله ومحبة رسوله في قلب المومن وسلوكه، ويجد لها حلاوة في فؤاده ونفسه ومشاعره، ويصل بها إلى مغفرة الله ورحمته ورضوانه ونعيمه ودرجة المقربين، مصداقا لقول الله رب العالمين: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم، والله غفور رحيم)، وقول النبي صلى الله عليه سلم: "من أحبني أطاعني، ومن أطاعني كان معي في الجنة".
فبارك الله في حياة أمير المومنين جلالة الحسن الثاني، وأمد في عمره لخير بلده وللإسلام والمسلمين، وأعاد على جلالته هذه الذكريات الدينية والوطنية متمتعا بموفور الصحة والعافية، والهناء والسعادة، وأقر عينه يولي العهد المبجل، صاحب السمو الملكي الأمير الجليل سيدي محمد، وصنوه الممجد، صاحب السمو الملكي الأمير السعيد مولاي رشيد، وحفظه في كافة أسرته الملكية الشريفة، إنه سبحانه سميع مجيب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here