islamaumaroc

منهج الدكتورة عائشة عبد الرحمان -بنت الشاطئ- من خلال كتابها "التفسير البياني "

  عبد المجيد معلومي

العدد 335 محرم-صفر 1419/مايو-يونيو 1998

* البيان لغة:
قال ابن فارس: الباء والياء والنون أصل واحد وهو بعد الشيء وانكشافه، وللبيان في المعاجم عدة معاني، مردها عند التأمل إلى الفصاحة واللسان، وأصله الكشف والظهور والتعمق في النطق.
والبيان في الاصطلاح:
يرى البلاغيون أن البيان علم قائم بذاته، فهو كما عرفه القزويني: "علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه،(1)  والبيان كما يقول الجاحظ لم يكن أوفر حظا من الضبط في الفهم من البلاغة، حيث يقوم بالتفريق بينهما، فاعتبر البيان قاصرا على درجة البلاغة لأن البلاغة كشف وإبلاغ، ويتضح ذلك من خلال قوله:
"والبيان اسم جامع لكل شيء.... وإن مدار الأمر والغاية التي يجري إليها القائل والسامع، إنما هو الفهم والإفهام، فبأي شيء بلغت الإفهام، وأوضحت عن المعنى، فذاك هو البيان في ذلك الموضع".(2)
فليست العبرة في البيان الإطلاع على اللغة، وعلى مفردات اللغة وغريبها وشواذها، بل العبرة هو كيفية إيصال معنى هذه المفردات إلى الناس، وهذا ما يؤكد عليه المنفلوطي في قوله:
"ليس البيان ميدانا يتبارى فيه اللغويون والحفاظ أيهم أكثر مادة في اللغة وأوسع اطلاعا على مفرداتها وتراكيبها وأقدر على استظهار نوادرها وشواذها ومترادفها (...)، فتلك أشياء خارجة عن موضوع البيان وجوهره، أما البيان فهو تصوير المعنى القائم في النفس تصويرا صادقا، يمثل في ذهن السامع كأنه يراه ويلمسه لا يزيد على ذلك شيئا".(3)  
فالبيان إذن بمفهومه الواسع، هو المنطق الفصيح الموضح للمعنى توضيحا يجعل السامع يفضي إلى الحقيقة بسهولة، وهذا هو المعنى الأسمى للبيان.
والسؤال المطروح: هل يمكن اعتبار الإشارة والعلامة والحال عناصر تندرج تحت البيان أم لا؟
قال الباقلاني (أما حسن البيان، فالبيان على أربعة أقسام: كلام وحال وإشارة وعلامة، ويقع التفاضل في البيان، ولذلك قال الله تعالى: الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ.‏ خَلَقَ الْإِنسَانَ.‏ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)(4) ،(5) 
أما لفظ البيان فقد تكرر في القرآن ثلاث مرات:
1- قال تعالى:  هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ.(6) 
2- قال تعالى: خَلَقَ الْإِنسَانَ.‏ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ.(7)
3- قال تعالى: ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ.(8)
والبيان عند اللغويين يدل على الانكشاف والوضوح، وأطلقوه على الفصاحة والألسن، وقالوا: فلان أبين من فلان، أي أفصح منه وأوضح بيانا، ولكن إطلاق البيان على الفصاحة والألسن ليس هو الأصل في الاستعمال، وإنما أطلق عليهما لما فيهما من الاقتدار على الكشف والإبانة على المعاني والخواطر الكامنة في النفس.
والبيان من العلوم التي نشأت بتأثير الدين، حيث كان له دخل واضح في نشأتها وتطورها وتنوع مباحثها، قال أحمد بدوي: "وكان البيان العربي من أهم ما اعتمد عليه في خدمة العقيدة الإسلامية، لأنه يعمل على إبراز ما في القرآن الكريم، وهو كتاب العقيدة الأكبر، وآيتها المعجزة في وجوه الجمال التي يمتاز بها، ويبين سر الإعجاز الذي به يمتاز كلام الله عن كلام البشر، سواء من ناحية مقاصده أو من ناحية أساليبه من حيث تأديتها والعبارة عنها".(9)  وأسلوب القرآن معجز، وإنه ليس من تأليف الرسول صلى الله عليه وسلم كما يدعي أعداء الإسلام، وإنه نزل بلسان عربي مبين، قالت الدكتورة عائشة بنت الشاطئ: "وقد شغلتني قضية الإعجاز البياني دون أن أتجه إليه قصدا، فأثناء انشغالي بالتفسير البياني والدراسات القرآنية، تجلى لي من أسراره الباهرة ما لفتني إلى موقف العرب من المعجزة القرآنية في عصر المبعث، ووجهني إلى محاولة منهجية في فهم عجزهم عن الإتيان بسورة من مثله، وقد تحداهم والعربية لغته ولغتهم والبيان طوع ألسنتهم، وهم بلا ريب قد أدركوا من أسرار إعجاز البيان ما أيأسهم من محاولة الإتيان بلفظ يقوم مقام اللفظ فيه، أو أن يأتوا بآية على غير الوجه الذي جاءت به في البيان المعجز".(10)
ولهذه الأسباب اتسعت دائرة الدراسات البيانية، لأن معرفة هذا العلم تعد ضرورة لأهل الشريعة، لأن مأخذ الأحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين، غير أن هؤلاء على الرغم من كونهم أهل فصاحة وبلاغة وبيان فإنهم بحكم الظرفية التي وجدوا فيها والتي لم تكن تحتاج إلى المحسنات البديعية وغيرها، وعرف البيان تطورا في العصور التي جاءت بعدهم، يقول ابن خلدون:
"إن علم البيان حادث في الملة، ومعناه أن تنظيم البحث في الأدب والكلام في عناصره وما يسمو به وما ينحط كان جهدا جديدا لا عهد للعرب به في جاهليتهم ولا في العصر الإسلامي، لأن البيان كان من العلوم التي تولى غرسها المسلمون في سبيل فهم كتابهم والدفاع عنه، وكان نماؤه بعد ذلك - وتشبعت مباحثه بتأثير الدين".(11) 
ويمكن القول بأن التفسير البياني على الخصوص، والإعجاز البياني على العموم نشأ في ظل الصراعات المذهبية والخصومات الكلامية منذ القرن الثالث الهجري.
والتفسير البياني للدكتورة عائشة بنت الشاطئ لا يخدم مذهبا غير كتاب الله، وكيف لا يتسنى لها هذا والإعجاز البياني في علوم القرآن يأخذ منها الوقت الطويل، سواء في الجامعات أو في الندوات والمؤتمرات، بالإضافة إلى أنها اعتادت سماعه من القرآن الكريم منذ صغرها، قالت الدكتورة عائشة:
"ذلك أنني نشأت في بيت علم ودين ألفت منذ الصغر أن أصغي بكل وجدان إلى هذا القرآن في تأثر وخشوع، لكني لم أع بيانه حق الوعي إلا بعد تخصصي في دراسة النصوص واتصالي باللغة العربية، فكنت كلما ازددت تعمقا في الدرس وفهما للعربية وقفت مبهورة أمام جلال هذا النص المحكم".(12) .
إن الدكتورة عائشة بنت الشاطئ تحرص في محاولتها هذه على أن تخلص للغة النص القرآني وتفهمه من روح العربية مستأنسة من كل لفظ، وفي كل حركة ونبرة بالأسلوب القرآني نفسه محتكمة إليه وحده - عندما يعظم الخلاف - على هدي التتبع الدقيق لمعجم ألفاظه مع التدبر الواعي لدلالة سياقه والإصغاء المتأمل إلى إيحاء التعبير في البيان المعجز. إن دراسة بنت الشاطئ واشتغالها بالتفسير كان غاية إخبار عن محاولتها التي تتماشى مع مضمونها بمذهب السلف، والدكتورة لم تكن مجددة سوى على مستوى المنهج تبعا لتطور المعارف والأساليب وطرق البحث العلمي حيث تقول: "فالقرآن هو مناط الوحدة الذوقية والوجدانية لمختلف الشعوب التي اتخذت العربية لسانا لها، ومهما تتعدد لهجاتها المحلية وتختلف أمزجتها وتتباين أساليبها الخاصة في الفن القولي يبقى القرآن الكريم في نقاء أصالته، كتابها القيم الذي تلتقي عنده هذه الشعوب العربية على اختلاف لهجاتها وأفكارها وتفاوت تأثرها بالعوامل الإقليمية".(13) 
إن تفسير الدكتورة عائشة بنت الشاطئ الذي يحمل عنوان "التفسير البياني للقرآن الكريم" يقع في جزئين، ظهرت الطبعة الأولى سنة اثنتين وستين وتسع مائة وألف ميلادية (1962) إلى جانب مؤلفات أخرى نالت بها الدكتورة أستاذ كرسي للغة العربية وآدابها بجامعة عين شمس.
جاء هذا الكتاب• كثمرة لمجهود مشترك بين عائشة عبد الرحمان وأستاذها الخولي، لقد سطرت الدكتورة لكتابها أهدافا، في مقدمتها خدمة كتاب العربية الأكبر، وإبراز أسراره البيانية المعجزة عبر دراسة منهجية بعيدة عن شطط التأويلات، على أن تأتي بعده مجموعة أغراض أخرى لا تقل أهمية عنه وإنما تخدم الغرض الرئيسي، وهو أن الدراسة المنهجية لنص القرآن يجب أن تحظى بالأولية. فالمشتغلون باستنباط الأحكام والتماس المقاصد لا مفر لهم من التفقه في أسلوب القرآن والاهتداء إلى أسراره البيانية التي تعين على إدراك دلالته، إذ هم أرادوا فعلا بلوغ تلك المقاصد، وليس معنى هذا أن الذين اشتغلوا بالمقاصد قبل عصرنا لم يكونوا منهجيين وفي منأى عن فهم القرآن، ولكنها الدعوة إلى التجديد وفق معطيات العصر والتماس الأحكام التي تتماشى مع روح الدين الإسلامي إيمانا بقوانين الحياة وسنن التطور.
فالتفسير البياني للدكتورة عائشة بنت الشاطئ يعد محاولة لدراسة منهجية للقرآن الكريم في جو إعجازه البياني، تقوم على فهم القرآن وفق منهج استقرائي، لهذا نجدها تقول في مقدمة كتابها: "وما أعرضه هنا ليس إلا محاولة في هذا التفسير البياني للمعجزة الخالدة، حرصت فيها ما استطعت على أن أخلص لفهم النص القرآني فهما مستشفا من روح العربية ومزاجها مستأنسة في لفظ بل في كل حركة ونظرة بأسلوب القرآن نفسه، ومحتكمة إليه وحده، عندما يشتجر الخلاف، على هدي التتبع الدقيق لمعجم ألفاظه والتدبر الواعي لدلالة سياقه والإصغاء المتأمل إلى إيحاء التعبير في بيان معجز".(14)
 اختارت الدكتورة لهذه الغايات سورا قصارا، أغلبها من السور المكية، ملاحظة فيها وحدة الموضوع، حيث العناية بالدعوة الإسلامية في مراحلها الأولى وتثبيت أصولها الكبرى.
وتنبغي الإشارة إلى أنه على الرغم من طول المدة الفاصلة بين صدور الجزء الأول والثاني من الكتاب، فإن هذا الأخير مشى على نفس الضوابط التي حددت في الأول. تقول الدكتورة عن الجزء الثاني من كتابها: "والمنهج المتبع هنا، هو الذي خضعت له فيما قدمت من قبل بضوابطه الصارمة، التي تأخذنا باستقراء اللفظ القرآني في كل مواضع وروده للوصول إلى دلالته، وعرض الظاهرة الأسلوبية على نظائرها في الكتاب المحكم، وتدبر سياقها الخاص في الآية والسورة، ثم سياقها العام في المصحف كله التماسا لسرها البياني"!
أما أسلوب تفسيرها الناتج عن الازدواجية في شخصيتها التي تتوزع بين الشخصية الأدبية والدينية. ونتيجة لذلك يصعب دراسة خصائصها الأسلوبية، هل تدرس داخل مؤلفاتها الأدبية أم مؤلفاتها العلمية الدينية بمعزل عن الجانب الأدبي، والواقع أنه لا مفر لنا من هذا الأخير، وتبقى الإطلالة مهمة على إنتاجاتها الأدبية، لأن مؤلفاتها - ولا سيما الروايات والقصص - هي تصوير لحياتها الصوفية.
وأدب بنت الشاطئ يتميز بنغمة حزينة، وذلك راجع إلى مجموعة عوامل، منها على الخصوص فقدان الأم في سن مبكرة كما يعطي أدبها صورة الأنثى في مختلف صورها، فهي ابنة بيئتها، فانعكس ذلك على أسلوبها بشكل قوي، يضاف إلى هذه الأحداث عامل أهم منها، وهو حفظ القرآن في سن مبكرة والاشتغال به.
كل هذه العوامل دفعت بنت الشاطئ إلى أن تضاعف من مجهوداتها، فكتبت تفسيرها بمنهجية جديدة تلتمس من خلالها تحريره من التأويلات التي تقف حاجزا أمام يقظة فكرية، فوضعت حدودا لمن أراد الاشتغال بهذا العلم، وفرقت بين الفهم الذي لا يعذر منه أي قارئ للقرآن وبين التأويل الذي لا يتقدم إليه إلا من هضم علوم التفسير فتقول: "يبدو أننا في حاجة إلى أن نضع الحدود الفاصلة بين ما يباح وما لا يباح من تأويل كلمات الله في كتاب الإسلام، بين حق كل إنسان في أن يفهم القرآن لنفسه وبين حرمة تفسيره للناس لا نبيحه لغير ذوي الدراية به".(15)  ثم تسترسل قائلة: "إن التفسير يقدم للناس فهم المفسر للنص القرآني، وغير متصور أن يتصدى لتفسير أي نص من لا دراية له بأسرار لغته ودلالته، وهذا من المسلمات البديهية في النصوص بوجه عام يفهمها من شاء كيفما شاء، ولكن تفسيرها للناس والفتيا بها مقصور على ذوي الفقه به والاختصاص".(16)
وذكرت المؤلفة في تفسيرها أقوال كل من ابن قيم الجوزية والحاكم النيسابوري والطبري والزمخشري والشيخ محمد عبده في مسألة تقديم الضحى على الليل أثناء تفسيرها لسورة الضحى، وكما تعرضت أيضا لاختلافهم في لفظة (سجى)، فمنهم من ذكر أنه الليل كله، وهو أيضا ساعة من ساعات النهار، وهو صدر النهار، فعمدت إلى استعمال المألوف للغة في لفظة الضحى حيث تقول:
"اللغة قد عرفت الضحى وقتا بعينه، وبه سميت صلاة الضحى لوقعها فيه"(17)  كما اعتمدت على المعاجم اللغوية حيث يقال: ضحى فلان غنمه إذا رعاها وقت الضحى، وضحى بالشاة ذبحها يوم النحر، وهي أيضا الأضحية.
كما ردت الدكتورة أقوال كل من الزمخشري والحاكم وأبي بكر الرازي بخصوص تأويلاتهم وبحثهم عن السبب في القسم بالضحى، حيث ذهب بعضهم إلى أن السبب كون الضحى يوازي الليل كله من حيث هو ساعة من النهار، فكذلك كان محمد صلى الله عليه وسلم يوازي جميع الأنبياء أو كما هو الحال عند تأويلات الإشاريين بأن الضحى وجه محمد صلى الله عليه وسلم، والليل شعره، أو الضحى هم ذكور أهل بيته، والليل إناثه، إلى غيرها من التأويلات، ولكن الدكتورة تبعد كل هذه الأقوال التي لا يرضاها البيان القرآني ولا تقبلها العربية إذ تقول: "القسم بالضحى والليل إذا سجى، هنا بيان لصورة حسية وواقع مشهود، يمهد لموقف مماثل غير حسي ولا مشهود هو فتور الوحي بعد إشراقه وتجليه".(18)
وذهب الزمخشري إلى تأويل آخر إذ يقول: "أقسم بالضحى لأنها الساعة التي كلم فيها موسى عليه السلام، وكانت موعدا لمعارضة السحرة".(19) 
وردت الدكتورة هذا القول أيضا معتمدة على ترتيب النزول بحيث يستبعد أن يكون الوحي قد خاطب النبي صلى الله عليه وسلم في آية الضحى بما تفسره آيات نزلت بعدها بزمن طويل من نزول الأولى، وهذا منطقي، خصوصا وأن الزمخشري لم يعتمد على حديث ولا على تناسب وإنما هو تأويل مفترض فقط.
وتعرضت الدكتورة أيضا لأقوال المفسرين، فيما يخص تأويلاتهم في تحديد مدة إبطاء الوحي في سورة الضحى حيث حددها كل من الرازي والحاكم في اثني عشر يوما، أو خمسة عشر أو خمسة وعشرين أو أربعين، وهذا اضطراب في تحديد المدة، فردت عائشة هذه الأقوال فقالت: "إذ يغنينا عن مثل هذا سكوت القرآن نفسه في تحديد فترة الوحي باليوم أو بالشهر ولو كان البيان القرآني يرى حاجة إلى هذا التحديد ليزيد في اليقين النفسي لما أمسك عن ذلك التحديد".(20)  وهذا صحيح لأن العبرة ليست في ذكر سبب الإبطاء وتحديد مدته بقدر ما هي في جوهر الموقف دون الالتفات إلى جزئياته وتفاصيله.
هذا نموذج لأمثلة قليلة من أقوال المفسرين أبانت عن خصائص التفسير البياني وكشفت هشاشة بعض التأويلات التي لا تستند على دليل ديني أو لغوي.
إن طريقة بنت الشاطئ في نقد الأقوال هي استحضار اللفظة والتماس الدلالة اللغوية الأصيلة في مختلف استعمالاتها الحسية والمجازية لهذه اللفظة، ثم تخلص للمح الدلالة القرآنية باستقراء كل ما في القرآن من صيغ اللفظ، دراسة سياقها الخاص في الآية أو السورة، وبعد ذلك تعرض أقوال المفسرين في اللفظة، وتقبل منها ما يقبله النص، متحاشية ما أقحم في كتب التفسير من مدسوس الإسرائليات وشوائب الأهواء المذهبية وبدع التأويل، محتكمة في الأخير إلى الكتاب المبين المحكم في التوجيه الإعرابي والأسرار البيانية.
أما فيما يخص أسباب النزول: فالمؤلفة تذكر جميع المرويات كأسباب لنزول الآية من غير ترجيح، مستأنسة بها من حيث هي قرائن نزول الآية، سالكة فيها مسلك القاعدة الأصولية المعروفة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
كما اعتمدت الدكتورة على علم المناسبة وهذا ما صرحت به في كتابها: "والأصل في منهج هذا التفسير - كما تلقيته عن أستاذي - هو التناول الموضوعي الذي يفرغ لدراسة الموضوع الواحد فيه، فيجمع كل ما في القرآن منه ويهتدي بمألوف استعماله للألفاظ والأساليب، بعد تحديد الدلالة اللغوية لكل ذلك (...) وهو منهج يختلف والطريقة المعروفة في تفسير القرآن سورة سورة، يؤخذ اللفظ أو الآية فيه متقطعا من سياقه العام في القرآن كله، مما لا سبيل معه إلى الاهتداء إلى الدلالة القرآنية لألفاظه، أو لمح ظواهره الأسلوبية وخصائصه البيانية".أ   
واضح من خلال النص أن الدكتورة ترفض النظرة التجزيئية لألفاظ القرآن، وتؤكد أن ألفاظه بينة محكمة متناسبة المعاني والمطالع والمقاطع.
وقبل أن أعطي أمثلة من الكتاب الخاصة بالتناسب، أرى من الواجب تحديد هذا العلم والتأليف فيه.
والمتتبع لتاريخ إعجاز القرآن يلاحظ أن البحث فيه سار في اتجاهين: اتجاه ينتصر للمعاني والتراكيب وخصائصها، وبأحوال الإسناد التي تختلف تبعا لمقتضياته، ويرى أن تركيب المعاني في النطق ما هو إلا صورة لتركيب المعاني في النفس، ويمثل هذا الاتجاه علماء الأشاعرة، في حين ينتصر الاتجاه الثاني للألفاظ ويعنى بصياغتها وحسن اختيارها، اعتقادا منه أن بلاغة القرآن تكمن في هذا الجانب ويمثل هذا الاتجاه علماء المعتزلة.
نشأ البحث في إعجاز القرآن وترعرع في جو الخلاف والخصومة العنيفة حول قضية اللفظ والمعنى، فكانت هذه النظرة التجزيئية سببا في إغفال جانب هام من بلاغة القرآن هو وحدة البناء التي تجعل السورة محكمة متناسبة من حيث المعاني والمباني، فالتناسب لم يحظ باهتمام العلماء في ظل هذه الخصومات وإن وردت إشارات نادرة في تفسيراتهم ومؤلفاتهم، من أمثال فخر الدين الرازي وابن عربي.
قال بدر الدين الزركشي: "وقد قل اعتماد المفسرين بهذا العلم لدقته".(21)
وإن كان علم المناسبة قد ظهر منذ أوائل القرن الرابع الهجري، حيث كان أول من عمل على نشره ببغداد أبو بكر النيسابوري المتوفى سنة 324هـ.
ولكن التأليف فيه لم يظهر إلا في أواخر القرن الثامن، حيث ألف ابن الزبير الغرناطي المتوفى سنة 807هـ كتابه المسمى: "البرهان في ترتيب سور القرآن"، وألف بعده برهان الدين البقاعي كتابا سماه "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور"، وهناك مؤلفات في هذا العلم لجلال الدين السيوطي وهي:
1- "الأصالة والتنزيل".
2- "تناسق الدرر في تناسب السور".
3- "مرصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع".
هذه المؤلفات المعدودة تشهد على قلة التأليف في هذا النوع من علوم القرآن.
ومن الغريب أن علماء الإعجاز الذين يهتمون ببلاغته لم يولوا لهذا العلم ما يستحق من العناية مع أن شطرا كبيرا من نظمه وبلاغته إنما هو في التحام أجزائه وتناسب معانيه.
إن مصطلح التناسب - مصطلحا بلاغيا - يحمل الدلالة على حسن العلاقة القائمة بين الأجزاء والعناصر التي يتألف منها المقطع من الكلام أو السورة.
ووصف القرآن بأنه أحسن الحديث يشير إلى أن بلاغته لا تنحصر فقط في تناسب معانيه بل تشمل مبانيه وألفاظه وتركيب الأصوات فيه.
لهذا رفضت الدكتورة عائشة التفسير الذي يتناول القرآن سورة سورة، ويبقى اللفظ متقطعا من سياقه العام، وما اختيارها لسور قصار إلا دليل على اعتمادها على هذا العلم:
"من الملاحظ البيانية في هذه السور، أن آياتها قصار وهذا القصر ملحوظ فيه القوة والجزم، بما يلقى في نفس السامع من جدية الموقف الحاسم وخطره، بحيث لا يحتمل الإطالة والتأني".(22) 
وهذه السور هي الذاريات، التكوير، الانفطار، الانشقاق، الغاشية، والقارعة، التكاثر، العاديات، الفجر، النازعات، النبأ، المرسلات، القيامة، الحاقة، الواقعة، وغيرها.
وبذلك تؤكد الدكتورة عائشة على ربط السور وتناسبها من حيث الموضوع الذي تعرض له انطلاقا من تناسب المعاني، هذا الترابط يتضح أكثر من خلال تناولها لآية سورة العصر إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ،‏ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ?(23)  حيث تقرر أن هذه السورة مسؤولية الإنسان الاجتماعية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وربطت هذه السورة بآيات أخرى كمثل قوله تعالى كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وكقوله تعالى الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (24) ،(25)  ثم تعرض إلى مقابلة هذه الآيات مع سور أخرى كقوله لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ. كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (26)  وقوله تعالى يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.(27)        
وبعد أن تنتهي من ذكر هذه المقابلة تقف منوهة بهذه الشريعة قائلة: "هيهات لشريعة وضعية أن ترقى بالإنسان إلى مثل هذا المستوى من تحمل مسؤوليته الاجتماعية التي يجعلها مناط الخير والإيمان وعاصما من الخسران والهلاك"(28)  وهنا يتضح أكثر رفضها لذلك التفسير المتقطع واهتمت بوحدة الموضوع.
أما أسلوب كتابها "التفسير البياني" فهو أسلوب يغلب طابع اليسر والسهولة واللين والوضوح وعدم الأخذ فيما سكت عنه القرآن من تلك التأويلات المذهبية، سالكة في ذلك مسلك السلف الصالح، وهذا ما صرحت به في كتابها: "وهذا هو مجال المحاولة التي أقدمها اليوم في فهم إعجاز القرآن البياني لا أجحد بها جهود السلف الصالح في خدمة كتاب الإسلام تفسيرا وإعرابا وبلاغة، وقد زودتني بمعالم هادية على الطريق الذي سرت فيه من حيث انتهت جهودهم".(29) 
أما المصادر التي اعتمدت عليها الدكتورة عائشة عبد الرحمان في تفسيرها فهي كما يلي:

* مصادر التفسير
- جامع البيان لابن جرير الطبري المتوفى سنة 310 هـ
- مفاتيح الغيب لفخر الدين الرازي المتوفى سنة 606 هـ
- تفسير غرائب القرآن لنظام الدين النيسابوري على هامش الطبري.
- الكشاف للزمخشري المتوفى سنة 538هـ.
- تفسير جزء عم للإمام محمد عبده المتوفى سنة 1323ه÷.
- نظم الدرر في تناسب الآيات والسور لبرهان الدين البقاعي.
- مجمع البيان للطبرسي
- تفسير الجلالين لجلال الدين محمد بن أحمد المحلى وجلال الدين عبد الرحمان بن أبي بكر السيوطي.
- التبيان في أقسام القرآن لابن قيام الجوزية.

2- علوم القرآن
- الإتقان في علوم القرآن للسيوطي.
- الإعجاز القرآني للجرجاني.
- التيسير لأبي عمرو الداني.

3- مصادر السنة
- صحيح البخاري المتوفى سنة 256 هـ.
- صحيح مسلم المتوفى سنة 197 هـ
- موطأ الإمام مالك المتوفى سنة 297 هـ.
- سنن ابن ماجه المتوفى سنة 275هـ.

4- مصادر السيرة النبوية:
- السيرة النبوية لابن إسحاق المتوفى سنة 151 هـ.
- سيرة ابن هشام.
- عيون الأثر لابن سيد الناس المتوفى سنة 734 هـ.

5- معاجم اللغة والنحو
- المفردات للراغب الأصفهاني.
- معاني القرآن للفراء.
- الجمل الكبرى للزجاج.
- مغنى اللبيب لابن هشام.
- الفروق لأبي هلال.
- لسان العرب لابن منظور.
- الصحاح للجوهري.
- القاموس المحيط للفيروزآبادي.
- أساس البلاغة للزمخشري.

6 إسلاميات:
- من هدي القرآن في أموالهم: للأستاذ أمين الخولي.
                    
(1)- الإيضاح للقزويني، ص 326.
(2)  - البيان والتبيين للجاحظ، ج 1 ص 54-55.
(3) - النظرات لمصطفى لطفي المنفلوطي، ج 3 ص 8.
(4)  - إعجاز القرآن للباقلاني، ص 288.
(5)  - سورة الرحمان، الآيات: 1 إلى 4.
(6)  - سورة آل عمران الآية 33.
(7)  - سورة الرحمان الآية 4.
(8)  - سورة القيامة الآية 19.
(9) - البيان العربي، لأحمد بدوي طبانة ص 12.
(10)  - الإعجاز البياني، للدكتورة عائشة بنت الشاطئ ص 11.
(11)  - مقدمة ابن خلدون، ص 15.
(12)  - التفسير البياني لعائشة بنت الشاطئ 1/14
(13) -  التفسير البياني للدكتورة عائشة بنت الشلاطئ 1/15.
• - ظهر الجزء الثاني من الكتاب سنة 1986م.
(14)  -التفسير البياني، 1/7.
! -  التفسير البياني، 7/2.
 (15) - القرآن والتفسير العصري، للدكتورة عائشة بنت الشاطئ ص 45.
(16)  - نفس المرجع، ص 46.
(17)  - التفسير البياني، 1/29 تفسير سورة الضحى.
(18)  - التفسير البياني، 1/3.
(19)  - كتاب "الكشاف"، للزمخشري، 4/136.
(20)  - التفسير البياني، 1/36.
أ – التفسير البياني، للدكتورة عائشة، 1/18.
(21)  - البرهان في علوم القرآن، للزركشي، 1/36.
(22)  - التفسير البياني للدكتورة عائشة 1/79.
(23)  - سورة العصر الآية 3.
(24)  - سورة آل عمران الآية 110
(25)  - سورة التوبة الآية 112.
(26)  - سورة المائدة الآيتان 78/79
(27)  - سورة التوبة الآية 67.
(28)  - التفسير البياني 96/2.
(29)  - الإعجاز البياني للقرآن الكريم للدكتورة  عائشة ص 151.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here