islamaumaroc

ابن الحاج العبدري والرحالة العبدري

  عبد السلام الهراس

العدد 335 محرم-صفر 1419/مايو-يونيو 1998

منذ عشر سنوات قرأت البحث العلمي التربوي: "ابن الحاج العبدري"، إعداد الدكتور عبد الغني عبود، وهو باحث في الأدب الأندلسي له آثار جيدة، وقد قرأت هذا البحث المنشور بمكتب التربية العربي لدول الخليج المجلد الثالث ص 323-359.
وقد لاحظت لأول وهلة أن البحث قد خلط بين شخصيتين اثنين:
أحدهما اشتهر بابن الحاج.
والثاني بالعبدري.
فالأول كما جاء في أول البحث:
هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد، العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج، وهو المشهور بكتابه الفذ "المدخل"، حتى إنه إذا أطلق كتاب "المدخل" فلا يتبادر إلى الذهن غيره، وقد سماه "المدخل"، وهذا هو الذي ترجم له ابن فرحون في "الديباج المذهب".
وقد أورد الباحث الكريم مصدرا آخر لابن الحاج الفاسي المتوفي بالقاهرة سنة (737 هـ)، لكنه أضاف مرجعين حديثين وهما "معجم المؤلفين" لكحالة و"فهرس الفهارس" للحافظ عبد الحي الكتاني فقال: ويسميه صاحب "معجم المؤلفين" محمد بن محمد بن علي بن أحمد الحاحي العبدري أبو عبد الله، ويرى أن أصله من بلنسية وسكن بلدة حاحة..."
وبذلك يضيف صاحب "المعجم" إلى العبدري: الحاحي نسبة إلى حاحة، وفي "فهرس الفهارس": "الحيحي"، كما يضاف إلى ذلك بطبيعة الحال...العبدري: ابن الحاج العبدري (ص 323-324).
والواقع والحقيقة أن أن العبدري الحاحي أو الحيحي هو غير ابن الحاج الفاسي المتوفى بمصر سنة 737 هـ
فالأول: صاحب "المدخل" وهو صوفي سني، متأثر بشيخه أبي محمد بن أبي حمزة.
أما الثاني: فهو صاحب الرحلة، وهي مشهورة، نشرها أولا الأستاذ الكبير محمد الفاسي رحمه الله سنة 1968، وقد قدم لها بمقدمة ضافية صحح فيها أخطاء وأوهام بعض المؤرخين من العرب والمستشرقين، منهم "بونس بويجس Pon Biogus" الاسباني الذي جعله بلنسيا، وقد تابعه "بروكلمان" ومحمد بن أبي شنب رحمه الله وجرجي زيدان الذي اعتمد في كتابه عن الأدب العربي على "بروكلمان" اعتمادا كبيرا، ونال به جائزة في حين حجبت عن مصطفى صادق الرافعي الذي ألف كتابا أصيلا لم ينقله عن غيره.
يقول الأستاذ الكبير محمد الفاسي رحمه الله:
ومن هذه الأوهام أيضا ما رجحه بروكلمان، في مقالة عن ابن الحاج هذا، في دائرة المعارف الإسلامية (ط الأولى – الجزء الأول ص 70) من كونه ولد العبدري صاحب "الرحلة"، وهو أمر لا أصل له من الصحة، إذ صاحب "المدخل" من أهل فاس ولا علاقة له برحالتنا؛ انظر مقدمة "الرحلة" (ث-ح).
واسم الرحالة هو:
"محمد بم محمد بن علي بن مسعود العبدري"، ويضاف إليه "الحاحي" أو "الحيحي" كما هي نسبة المغاربة، وحاحة قبيلة مشهورة قرب مدينة الصويرة بالجنوب المغربي، وهو بذلك غير ابن الحاج الفاسي.
ولعل هذا الخلط قد تسرب من اشتراك الرجلين في النسبة إلى بني عبد الدار، فكلا الرجلين "عبدري" إلا أن المشهور بهذه التسمية هو الرحالة.
أما صاحب "المدخل" فاشتهر بابن الحاج، والعبدري الرحالة اشتهر في بعض المصادر بابن المعلم أيضا. (رحلة العبدري الجزء الأول ص 50. تحقيق ودراسة الأستاذ زين العابدين بنطاهر – رسالة ماجيستير- مرقونة كلية الآداب – فاس).
وكما اشتهر ابن الحاج بالفاسي اشتهر العبدري "بالمراكشي" لقرب قبيلته منها ولكونه تولى القضاء بها، ومراكش كانت عاصمة علمية أيام المرابطين والموحدين واستمرت إلى أيام الاستعمار الفرنسي للمغرب.
ولم يقع أن اشتهر "العبدري" بابن الحاج إطلاقا، ثم إن تاريخ وفاة ابن الحاج منصوص عليها في حين يظل تاريخ وفاة العبدري خاضعا فقط للتقدير.
وقد قدر باحث شاب من خيرة طلابنا اضطلع بتحقيق "الرحلة" ودراستها وبناء ترجمة صاحبها قدر أن وفاته قد تكون وقعت بعيد سنة 741، اعتمادا على ما ورد في "فهرسة" أبي زكرياء يحي السراج أبي عبد الله بن حياتي، واعتمادا أيضا على ما ورد في "فهرسة" المنتوري الأندلسي من إجازته لأبي القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان (أنظر الجزء الأول الدراسة ص 258-260، للطالب زين العابدين المذكور سابقا).
وبناء على هذا الخطأ والخلط بين الرجلين نسب لابن الحاج الفاسي كتاب "الرحلة والفهرسة وأخبار" هي للعبدري الرحالة (ص 336)، وإن لم يول الباحث كبير عناية "للرحلة" وما ورد فيها من أفكار وملاحظات وأوصاف، فقد حظي كتاب "المدخل" بأكبر اهتمام، مما يجعل هذه الدراسة خاصة بابن الحاج "الفاسي" لا "العبدري الحاحي" المراكشي.
وكنت أود لو فصل الباحث القول في هذه الشهرة (ابن الحاج)، مبينا أن الكثيرين من المغاربة والأندلسيين عرفوا بهذه الشهرة، وما تزال أسر مغربية تحمل هذا اللقب ومن أبرزها عائلة "ابن الحاج السلمي" المعروفة بعراقتها في العلم والفضل والنبل والشرف، وقد أدركت بعض كبار علمائها بفاس.
جاء في كتاب "رياض الورد فيما انتمى إليه هذا الجوهر الفرد"  لمحمد الطالب بن حمدون ابن الحاج السلمي (ص 81) تعريف موجز ببعض من اشتهر بابن الحاج من غير السلميين، ومنهم التجيبي، وهم كثير، والأموي، والأنصاري، والنميري، والمعافري، والأزدي، والإدريسي، والعيسوي، والعامري، والتلمساني، والعمراوي، والزموري، واللورقي، والقرطبي، والعبدري صاحبنا الفاسي.
والملاحظ أن مصادر ترجمة ابن الحاج قليلة جدا، قد لا تتعدى خمسة، وعلى قلتها فإن ما ورد فيها شحيح أو ضئيل، وربما كان بعضهم ناقلا عن بعض، وكان الأجدر بالمصادر المصرية أن تحتفل بالرجل وتهتم به لأنه توفى بها، وما يدريك لعل ثمة مصادر مخطوطة تحدثت عن الرجل لكن لم يقع الاطلاع عليها!!...
وقد خصه البحاثة الأديب الكبير الأستاذ عبد الله كنون بترجمة خاصة في سلسلته "ذكريات مشاهير المغرب"، وقد أفاد إفادة عظيمة واستخرج ترجمة حسنة بها زيادات واستنتاجات هامة، سواء ما يتعلق بأسرته أو بشيوخه أو بتلامذته، كما حلل كتابه "المدخل" واقتصر منه على قضايا تربوية هامة، وأبرز موقف الرجل أيضا من بعض البدع السائدة في عصره وإنكاره لها، وذمه للتعصب المذهبي، وذلك أثناء كلامه على آداب المدرس.
إن ترجمة ابن الحاج التي عقدها له أستاذنا الشيخ عبد الله كنون، رغم اختصارها، ما تزال إلى الآن تحتفظ بقيمتها ومكانتها العلمية الكبرى في الدراسات المغربية، وهي جديرة بإعادة نشرها والعمل على تحقيق مقترحه المفيد حول تخريج أحاديث "المدخل" وتبين صحيحها من سقيمها، لما في ذلك من خدمة جليلة لقارئ هذا الكتاب، على غرار ما فعله الحافظ العراقي مع كتاب "الإحياء".
وبعد: فإن الباحث الكريم قد يكون وقع فيما وقع فيه لأن الجهة التي كلفته بكتابة ترجمة ابن الحاج وآرائه التربوية هي التي اضطلعت بتوفير الجذاذات العلمية المحتوية على المصادر والمعلومات لترجمة ابن الحاج وآرائه وأفكاره، ولعل الخطأ وقع من هناك.
والذي جعلني أظن هذا الظن أن تلك الجهة نفسها أوكلت إلي تحرير ترجمة ابن رشد "الحفيد" وآرائه التربوية وتكلفت بتزويدي بكل ما يتعلق بمعلومات عن الرجل ترجمة ونصوصا لأفكاره... ولما تسلمت تلك الجذاذات وجدتها تخلط بين ابن رشد "الجد" وابن رشد "الحفيد"، فاستغنيت عن تلك الخدمة العلمية وشمرت عن ساعد الجد لأتحمل مسؤولية البحث من ألفه إلى يائه، ولولا أني أعيش مع الأندلس وعلمائها وأعلامها وتراثها لارتكبت حماقة علمية لا تغتفر، وذلك اعتمادا على علم غيري.
وأحمد الله أني وقفت لاكتشاف ابن رشد المربي، زيادة على كونه فقيها كبيرا وطبيبا عظيما وفيلسوفا فذا.
ومما أنعم الله به علي أني أضفت إلى بحثي المنشور في نفس الكتاب من "أعلام التربية العربية الإسلامية" أفكارا تربوية جديدة لابن رشد "الحفيد" استخرجتها من بعض زوايا كتابه الهام "بداية المجتهد" ومن مقدمة اختصاره "للمستصفى" للغزالي.
ومما سيفيدني أكثر إن شاء الله الترجمة العربية الكاملة والدقيقة لكتابه "شرح جمهورية أفلاطون"، الذي ما يزال محفوظا عند اليهود بالعبرية، وقد ترجم إلى الإنجليزية مرتين، ويضطلع بهذه الترجمة أخي العلامة الدكتور حسن الشافعي الذي بشرني بهذه البشرى الهامة أثناء زيارتي له بكلية دار العلوم بالقاهرة أواخر السنة الماضية.
هذا وقبل أن أختم الموضوع أود أن أنصح كل باحث مبتدئ مثلي أن يتمثل دائما بالقاعدة الجليلة الواردة في قوله تعالى "وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً" [الإسراء: 36].
وأرجو إصلاح ذلك الخطأ الوارد في البحث المذكور، مع تحياتي الأخوية للباحث الكريم الذي عرفناه أكثر تحريا ودقة في أبحاثه الأخرى التي كان يعتمد فيها على نفسه، ولكل جواد كبوة، ولكل سيف نبوة، والكمال لله وحده. 
                 
 (1) -  قام بحقيقه والتقديم له: الأستاذ الدكتور جعفر ابن الحاج السلمي التيطاوني.
بالمناسبة فإن  هذا الكتاب هو أول كتاب سنقوم بتحقيقه ضمن مشروع اشتركنا في وضعه  أنا والإخوان الشيخ سعيد أعرب حفظه الله. والأستاذ أحمد المكناسي رحمه الله، غير أن وفاة أخينا أحمد أوقف هذا المشروع، وانتقلنا أنا وأخي  الأستاذ سعيد إلى تحقيقات أخرى كما هو معلوم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here