islamaumaroc

ما ظنك باثنين الله ثالثهما

  عمر بنعباد

العدد 335 محرم-صفر 1419/مايو-يونيو 1998

يسير الزمان وفق إرادة الله ومشيئته في نظام الكون وحياة الإنسان، فيتعاقب الليل والنهار، وتتوالى الأيام والشهور والأعوام، ويحمل كل شهر عربي مميزاته وخصائصه الدينية وذكرياته الإسلامية، ومن بينها وفي مقدمتها شهر المحرم الحرام الذي هو أول شهور العام في التاريخ الإسلامي الهجري.
فبحلول مطلع هذا الشهر المبارك، وبزوغ هلاله وإشراق طلعته يكون العالم الإسلامي قد ودع عاما هجريا بما له وما عليه، واستقبل عاما آخر جديدا بنظرة جديدة متفتحة، وآمال متفائلة، ومطامح عريضة واسعة في مختلف الميادين والمجالات.
ومن ثم فإن المسلم كلما استقبل عاما جديدا من حياته العابرة إلا وكان بالنسبة له محطة يقف عندها وقفة للتدبر والتفكر، ومساءلة النفس ومحاسبتها عن كيفية مرور سنة انصرمت من الحياة، وهل قام فيها بما هو واجب عليه، ومطلوب منه تجاه ربه وتجاه العباد، وما هي الأعمال الإيجابية البناءة التي قام بها، وترضي الله ورسوله وضمير الإنسان وأسهم بها في دعم صرح مجتمعه المسلم والدفع به خطوات إلى الأمام في مضمار الإنتاج الفكري والعطاء العلمي والعملي، والنهوض الاجتماعي والحضاري لصالح بلده وأمته الإسلامية جمعاء.
كما أنه حين يستقبل مطلع هذا الشهر من كل عام يستحضر كذلك أول ما يستحضر ذلكم الأمر الجليل والحدث العظيم الذي جعل المسلمين يتخذونه مبدءا لتاريخهم الإسلامي الهجري، إنه حدث الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة، وأزكى السلام.
فقد كانت هذه الهجرة المحمدية، بوحي من الله تعالى، وإذن منه لنبيه المصطفى الأمين، وكانت مرحلة ثانية من مراحل الدعوة الإسلامية في عهد النبوة والرسالة، اقتضتها مشيئة الله وحكمته البالغة ليتحقق فيها من إتمام الرسالة ونشر الإسلام وتقوية جانب المسلمين وإعزارهم، واطمئنانهم ما لم يتحقق في المرحلة المكية السابقة.
وقد تهيأ الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه الهجرة، واتخذ لها من الوسائل المشروعة والأسباب المطلوبة، بعد التوكل على الله والاعتماد عليه سبحانه ما كفل لها التوفيق والنجاح، ويسر لها النصر والفلاح، وتجلت فيها عناية الله بنبيه الكريم، وعصمته ووقايته لرسوله من شر الكافرين بما ظهر فيها من معجزات لهذا الرسول الأمين المحفوظ بالسبع المثاني والقرآن العظيم، بطل معها كيد الكائدين ومكر الماكرين، وسلم فيها النبي وصاحبه من كل شر أثيم.
فلقد خرج النبي صلى اله عليه وسلم من بيته ليلة الهجرة على تلك الجماعة المشركة التي تجمعت حول منزله، لتنفيذ خطتها الدنيئة الماكرة، فأعمى الله أبصارهم، ولم يروا شيئا، وتبعه جماعة من كفار قريش، يقتفون أثره بعدما تأكدوا من خروجه وهجرته لعلهم يدركونه، وساروا حتى وصلوا إلى الغار الذي يعثرون على مبتغاهم، وكانت تلك اللحظة دقيقة وحرجة، اشتد فيها جزع أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وخوفه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال كلمته المأثورة التي سجلتها كتب السنة الصحيحة، وخلدتها كتب السيرة النبوية الطاهرة: "يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا". فأجابه النبي عليه الصلاة والسلام إجابة الواثق من ربه، المطمئن إلى حفظه وتحقيق وعده بالنصر لنبيه قائلا في ذلك:
"ما ظنك باثنين، الله ثالثهما؟" (أي لا خوف عليهما ولا جزع عليهما من البشر)، إذ كان حفظ الله ولطفه الخفي معهما حاضرا وواقيا.
وهذا ما حكاه الله تعالى، وخلده في كتابه العزيز بقوله المبين: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين" وقوله جل علاه: "إلا تنصروه فقد نصره الله، إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا، والله عزيز حكيم".
ويخرج النبي صلى الله عليه وسلم مع صاحبه أبي بكر الصديق، بعد انقطاع الطلب عنهما من الكفار، وبعد مكثهما ثلاثة أيام بلياليها في الغار، واطمئنانهما إلى سلامة الطريق، ويواصل مسيره إلى المدينة المنورة حتى وصلها ودخلها في يوم تاريخي مشهود، اهتزت له المدينة بفرح أهلها الأنصار، وأهليهم من النساء والصبيان، واستقبالهم للنبي صلى الله عليه وسلم، ولمن معه من صحابته المهاجرين بمنتهى الحفاوة والاستبشار.
فالتقى الأنصار والمهاجرون في المدينة، وتعاونوا على نصرة النبي عليه الصلاة والسلام، وتآزروا على إعزاز دين الإسلام وتحقيق الاطمئنان والاستقرار لكافة المسلمين، وتقوية جانبهم من أنصار ومهاجرين.
وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم في وضع الأسس الأولى والدعائم القوية لبناء المجتمع الإسلامي المومن المتماسك ودولته القوية الآمنة، فأسس أول مسجد في الإسلام، هو مسجد "قباء" بضواحي المدينة وأعقبه ببناء "مسجده النبوي" داخل المدينة، وآخى بين الأنصار والمهاجرين، ووضع ميثاقا لتنظيم العلاقة والتعامل بين المسلمين مع بعضهم، وبينهم وبين غيرهم من الناس الآخرين.
وهكذا تواصلت في المدينة المنورة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم للناس إلى الدخول في دين الله، وتبليغه رسالة ربه إلى كافة الخلق أجمعين بنزول القرآن المبين، وتوالى جهاده مع صحابته الأبرار، الذين بذلوا النفس والنفيس، وجاهدوا في الله حق جهاده، يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله، حتى فتح الله على نبيه وعلى المسلمين معه مكة المكرمة، وأصبحت دار الإسلام إلى يوم الدين، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وصار كذلك وغيرها من البلاد التي وصلها الإسلام في عصر النبوة وانتشر منها بعده في عهد الخلفاء الراشدين وصارت بلاد إسلام وأمان، واطمئنان للمسلمين، وبلاد توحيد وعبادة لله رب العالمين إلى يوم الدين، مصداقا لقول الله سبحانه: "وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا"، وقوله سبحانه في آخر ما نزل من كتابه العزيز: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" وقوله جل علاه: "واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون".
وإذا كان المسلم يستحضر ذكرى الهجرة النبوية مع مطلع شهر المحرم من كل عام، بجميع ظروفها وملابساتها، وما تحقق فيها وبعدها من معجزات وفتوحات، فإنه ينبغي أن يستخلص في نفس الوقت من هذه الذكرى الجليلة ومثيلاتها من الذكريات الإسلامية الخالدة ما ينبغي استخلاصه، وأن يستفيد منها ما يمكن استفادته من حكم وأسرار ربانية، وعبر ومواعظ نافعة، وذلك بأن يكون المسلم في أي موقع أو مسؤولية دنيوية يتحملها على استمساك دائم بعقيدته الإسلامية، وعبادته الخالصة لله تعالى والتخلق بأخلاق الإسلام ومثله العليا، والنصح في عمله الذي يقوم به ويناط به، وفي تعامله مع غيره من الناس.
كما ينبغي أن يكون له إحساس قوي وشعور مستمر بآمال بلده، وبمطامح أمته المسلمة، وبهمومها واهتماماتها، وظروفها وأحوالها، وأن يشاركها في كل ذلك مشاركة قلبية روحية، ومشاركة عملية إيجابية، بما آتاه الله ويسره له من مكانة ومسؤولية، وجعله بين يديه من إمكانات مادية ومعنوية، وأن يحس بتضامنه معها، وأنه عضو من أعضائها وجزء لا يتجزأ منها، لما يدعو إلى الفرح من أحوالها وأوضاعها ويتألم لعكس ذلك مما يراه أو يسمعه يضرها أو ينال منها، أو يمس بأي بلد منها في وحدته وكرامته أو في نمائه واستقراره، وأن يستشعر أن كل عام يمر من حياة المسلم وأمته المومنة المجاهدة الناهضة، إلا وتكون الحاجة ماسة أكثر إلى المزيد من النضج والوعي برسالته في الحياة، وإلى المزيد من بذل المجهود، ومضاعفة العمل الصالح البناء، على كافة الأصعدة والمستويات من أفراد وجماعات، في عصر متلاطم الأمواج، متلاحق الأحداث، سريع التطورات والتكتلات والتقلبات الاقتصادية والإنجازات التقنية المدهشة، والابتكارات العلمية العجيبة، وأن يدرك عن إيمان واقتناع وبصيرة أن الأمة الإسلامية أمة واحدة، تجمعها وحدتها الدينية، وأخوتها الإيمانية، مهما تباعدت أقطارها، وتعددت شعوبها، وتنوعت ألسنتها وألوانها، وتجمعها كذلك وحدة المقاصد الحكيمة، والأهداف النبيلة، والغايات الشريفة، والمرامي البعيدة المتمثلة في نصرة الدين، وإعزاز الإسلام والمسلمين، وتقوية جانبهم في جميع الميادين بكل الوسائل الممكنة، وفي كل مكان وحين، وفي توحيد الصف، وجمع الشمل والكلمة مصداقا وتحقيقا لقول الله رب العالمين: "وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون"، وقوله سبحانه: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا "، وقوله تعالى: "ولله العزة ولرسوله وللمومنين"، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به بعدي لن تضلوا أبدا كتاب الله وسنتي"، وقوله: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى عنه، والمومن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم".
وعسى أن تكون هذه المبادئ ومثلها الفاضلة الإسلامية راسخة في نفس ومشاعر كل مسلم ومسلمة، ماثلة للعيان في مجال النظر والفكر والتطبيق والعمل، حاضرة مع المسلم في كل مناسبة دينية، وفي كل الأوقات والأحوال، فتكون له هداية ونورا، وصلاحا ونبراسا، وتوفيقا ونجاحا، وسعادة وفلاحا، وتمكينا في الدين وترسيخا، ونصرا عزيزا وفتحا مبينا.
"ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here