islamaumaroc

المؤهلات العلمية والقيادية لمؤسس الدولة العلوية السلطان مولاي محمد بن الشريف.

  أحمد بزوي الضاوي

العدد 334 ذو الحجة 1418/ أبريل 1998

 I – مقدمة :
 إن الدارس لتاريخ الدولة العلوية الشريفة، وظروف وملابسات النشأة والتطور، يقف على حقيقة أساسية، ألا وهي قيامها على تقوى من الله تعالى، وبإرادة الفئة المتبصرة من أبناء الأمة المغربية، التي كانت تنشد الخير للبلاد والعباد، ومن ثم، فإن هذه الدولة الشريفة رسمت لها أهدافا لم تحد عنها طوال تاريخها المجيد، والتي يمكن إجمالها فيما يلي :
1. تجديد دين الأمة، بإحياء ما اندرس منه، ورد الفاعلية والإيجابية لتعاليمه السمحة.
2. توحيد الأمة وجمع شملها.
3. الرفع من شأن الأمة، وتحقيق الرفاهية الاقتصادية لكل أبناء الأمة.
4. تحرير الثغور الإسلامية وعمارتها.
 بل إن أسلاف هذه الأسرة الماجدة لم يظلوا مهمتين بالدفاع عن حوزة المغرب، وصون كرامته، والذود عن حياضه، فحسب، وإنما جعلتهم همتهم العالية، وإحساسهم بالمسؤولية، يفكرون في بلاد المسلمين، وفي الشعوب الإسلامية أينما كانت، فها هو مولاي علي الشريف جد الملوك العلويين، يترك سجلماسة بقصد الجهاد في بلاد الأندلس. يقول الأفراني في النزهة : "ومولانا المعروف بالشريف، ومنه تكاثرت فروع المحمديين، وكان رجلا صالحا، مجاب الدعوة، كثير الأوقاف والصدقات، حاجا مجاهدا، ذا همة سنية، وأحوال مرضية... رحل إلى عدوة جزيرة الأندلس برسم الجهاد مرارا". (1)
 والسلطان مولاي محمد بن الشريف، ومولاي رشيد قضيا حياتهما في حل وارتحال من أجل وحدة المغرب، والسلطان مولاي إسماعيل، ومولاي محمد بن عبد الله عملا على تحرير الثغور الإسلامية، التي ظلت فترة طويلة من الزمن ترزخ تحت نير الاستعمال الغاشم، ومولانا محمد الخامس ضحى بعرشه، وبأسرته، وبحياته، وبكل ما يملك من أجل حرية وانعتاق أمته. ومولانا الحسن الثاني – أدام الله عزه ونصره – منذ أن ولاه الله تعالى أمر المغرب، وهو يسعى جاهدا إلى استكمال الوحدة الترابية، بحكمة وأناة، ومن غير ما ملل ولا ضجر.
 إننا كلما قرأنا تاريخ السلاطين العلويين الأماجد، كلما تبين لنا ما كانوا يتمتعون به من فكر ثاقب، ومواقف محمودة، وتصرفات مرضية، جعلت الأمة تلتحم بهم. كما أن البحث في تاريخ هذه الدولة الشريفة، يبرز بوضوح أن تاريخ المغرب حافل بالمآثر العظيمة، والمواقف الجليلة، وأن علماء المغرب قد أثروا الفكر الإسلامي، وأن سلاطين المغرب قد شاركوا – بل كان لهم القدح المعلى – في اغتناء هذا الفكر. فالأسرة العلوية الشريفة لها باع طويل في مجال العلم، مما يجعلنا نقول صادقين إنها أسرة عالمة، فجدهم مولانا الحسن الداخل – رحمه الله – كان رجلا عالما، يقول في حقه صاحب النزهة : كان رجلا صالحا ناسكا، له مشاركة في العلوم، وخصوصا علم البيان، فإنه كانت له فيه اليد الطولى". (2)
 والسيدة خناثة بنت الشيخ بكار (تـ : 1159 هـ) جدة السلطان سيدي محمد بن عبد الله، من النساء العالمات، ذكرها شيخنا سيدي عبد الله كنون – رحمه الله – في كتباه "النبوغ المغربي". فقال "كانت فقيهة عالمة، بارعة أديبة، خيرة دينة، لها كتباة على "الإصابة في معرفة الصحابة" لابن حجر". (3)
 وسيدي محمد بن عبد الله (تـ : 1204 هـ) كان من العلماء المشاركين، بل كان محور الحركة العلمية في عصره، حتى إنه وصل درجة الاجتهاد، ففتح الله على يديه بابه بعد أن أغلق جهلا، وكذلك الشأن بالنسبة للسلطان مولاي سليمان (تـ : 1238 هـ) والسلطان مولاي الحسن (تـ : 1311 هـ) والمولى عبد الحفيظ (تـ : 1330 هـ) وغيرهم من أعلام هذه الأسرة الشريفة العالمة المجاهدة.

 II – النسب الشريف :
 نص الناصري في "الاستقصا" أن المولى محمد بن الشريف هو أول ملوك الدولة العلوية الشريفة، كما أشار إلى نسبة الشريف المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، "إعلم أن نسب هذه الدولة الشريفة العلوية من أصرح الأنساب، وسببها المتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم من أمتن الأسباب، وأول ملوكنا كما سيأتي – هو المولى محمد ابن الشريف بن علي الشريف المراكشي بن محمد بن علي ابن يوسف، بن علي الشريف السجلماسي بن الحسن بن محمد بن حسن الداخل، ابن قاسم... ابن محمد النفس الزكية، ابن عبد الله الكامل، ابن الحسن المثنى، بن الحسن السبط، بن علي وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا ذكر هذا النسب الذي حقيق بأن يسمى سلسلة الذهب عند جماعة من العلماء، كالشيخ أبي العباس أحمد بن أبي القاسم الصومعي، والشيخ أبي عبد الله محمد العربي بن يوسف الفاسي، والعلامة الشريف أبي محمد عبد السلام القادري في كتابه "الدرالسني فيما بفاس من النسب الحسني" وغيرهم.
 قال أبو عبد الله الفاسي في المرآة : "إن الشرفاء الذين لا يشك في شرفهم بالمغرب كثيرون.... كشرفاء تافيلالت من الحسنيين أيضا المحمديين.... وعن شيخ الجماعة الإمام أبي محمد عبد القادر الفاسي – رحمه الله- أنه قسم شرفاء المغرب بحسب القوة والضعف إلى خمسة أقسام، ومثل للقسم الأول المتفق على صحته بأصناف منهم، هؤلاء السادة السجلماسيون. وقال الشيخ أبو علي اليوسي – رحمه الله - : "شرف السادة السجلماسيين مقطوع بصحته... وبالجملة فإن شرف هؤلاء السادة السجلماسيين مما لا نزاع في صراحته، ولا خلاف في صحته عند أهل المغرب قاطبة بحيث جاوز حد التواتر بمرات". (4)
والملاحظ أن الناصري ينقل عن الأفراني في "النزهة" من غير أن يشير إلى ذلك، مع فارق بسيط، وهو تعديل ترتيب الفقرات، فما جعله الناصري خلاصة وخاتمة، اتخذه الأفراني مقدمة. (5)
 وأصل الشرفاء العلويين "من ينبع النخل من أرض الحجاز، قالوا : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقطع جدهم علي بن أبي طالب أرض ينبع، فاستقرت ذريته وتناسلت إلى هذا العهد". (6)
 وأول من دخل من الشرفاء العلويين المغرب هو الحسن الداخل، ويقرر الأفراني أن دخوله للمغرب كان "أواخر المائة السابعة، وكان حينئد من أبناء الستين ونحو ذلك، وتوفي – رحمه الله – قبل انقضاء المائة المذكورة، وذكر بعضهم أن دخوله كان ستة أربع وستين وستمائة، قال الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن هلال كان دخوله في الدولة المرينية، ذكره من "منسكه"، وعلى هذا، فيكون دخوله في دولة أبي بكر عبد الخالق المريني".(7)
 وأثبت الأفراني في نزهته "روايتين في سبب دخول الحسن الداخل المغرب، الأولى أن الأشراف قبل قيام الدولة العلوية، كان قد نالهم التقتيل والتعذيب، مما جعل الشرف يكاد ينقرض بالمغرب، وحتى من بقي من الشرفاء، فإنه ينكره دفعا لما قد يناله بسبب من مكروه، حتى إذا قامت دولة بني مرين ردت الاعتبار للشرف والشرفاء".
 "ولم يكن ببلاد سجلماسة أحد من الأشراف، فأجمع رأي أعيانهم وكبرائهم على أن يأتوا بمن يتبركون به من النسب الشريف، فقيل إن الذهب يطلب في معادنه، والياقوت يجلب من مواضعه، وإن بلاد الحجاز هي مقر الأشراف، وصدف جوهر ذلك النسب، فذهبوا إليه، وأتوا بمولانا الحسن، فأشرقت شمس النبوة على أهل سجلماسة، وضاءت أرجاؤها حتى قيل إن مقبرة أهل سجلماسة هي بقيع أهل المغرب. وليس لأهل سجلماسة مزية أعظم من هذه المزية". (8)
 والرواية الثانية تتمثل في أن أهل "سجلماسة لم تكن تصلح الثمار ببلدهم، فذهبوا للحجاز بقصد الإتيان برجل من أهل البيت، فأتوا بمولانا الحسن المذكور، فحقق الله رجاءهم". (9)
 ونخلص مما سبق إلى أن المصادر التاريخية التي أرخت لمولانا محمد بن الشريف، كلها تقرر شرف نسبه، واتصال ذلك النسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

 III – شخصية السلطان مولاي محمد بن الشريف :
 هو السلطان مولاي محمد بالفتح،(10) أبو البشائر ابن أبي الأملاك والسلاطين، المولى الشريف بن علي الحسني الينبوعي السجلماسي. (11)
 ولم تذكر المصادر التي أرخت له تاريخ ولادته، واكتفت بالنص على أنه أكبر أبناء مولاي الشريف، يقول صاحب "الاستقصا" : "فأما مولى محمد فولد له المولى علي الشريف المراكشي... والمولى علي هو جد الملوك أيضا... وولد للمولى علي الشريف تسعة من الولد، المولى الشريف اسما، وكانت ولادته سنة سبع وتسعين وتسعمائة، وهو جد الملوك... وكان المولى الشريف أفضلهم وأشرفهم، وله رحمه الله عدة أولاد كلهم نجوم زاهرة، ذوو همم باهرة، منهم المولى محمد – بفتح الميم – وهو أكبرهم، والمولى الرشيد، والمولى إسماعيل، وهؤلاء الثلاثة، ولو الأمر بالمغرب على هذا الترتيب". (12)
 وصفة صاحب الدرر البهية "بالعلم والعمل،(13) ومعنى ذلك أنه كان يتأول في حياته حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من عمل بما علم ورثه الله عام ما لم يعلم". كما وصفه ب : "التوقيعات العجيبة، والمراسلات الغريبة".(14)
 لكننا للأسف الشديد لا نجد بالمصادر التي أرخت لحياته إشارة إلى تربيته، وإلى الكيفية التي حصل بها العلم، ويمكننا معرفة ذلك انطلاقا من كتب التراجم المغربية، فهي تعتبر وثيقة أساسية في هذا المجال، ونحن نعتمد هنا وثيقة هامة أثبتها الشيخ القادري (تـ : 1187 هـ) في آخر كتابه "التقاط الدرر" وعنونها بـ "المقصد الثالث : مقروءاتنا على أشياخنا بأسانيدها إلى مؤلفيها، وأئمتهم – رضي الله عنهم – "فهذه الوثيقة تعتبر نموذجا لطريقة التدريس واكتساب العلم في القرنين الحادي والثاني عشر، حيث يبين فيها العلوم التي حصلها، وعلى من تلقاها، وكيف كان يتلقاها، مع النص على مسيرته العلمية، التي يبدأ الحديث عنها انطلاقا من صباه حيث يذكر أنه قرأ مقدمة الشيخ ابن أجروم في النحو، ثم ألفية ابن مالك، ورسالة ابن أبي زيد القيرواني، والعروض اعتمادا على نظم أبي عبد الله الخزرجي. وأما البلاغة فعمدته فيها تلخيص المفتاح، ثم عكف على دراسة الجوامع في الأصول، والتفسير، وصحيح البخاري والموطأ، والمنطق. وبعد تحصيل هذه العلوم، انتقل لدراسة الفقه، فبدأ بدراسة مختصر خليل، ثم انتقل إلى دراسة التصوف، ولم يشر القادري إلى حفظ القرآن الكريم باعتبار ذلك أمرا بديهيا.
 وانطلاقا من هذا النموذج الذي قدمنا، يمكننا القول : إن طريقة مولانا محمد بن الشريف في تحصيل العلوم، لم تخرج عن هذا الإطار.
 وأثبت الضعيف في تاريخه رسالة جوابية، بعث بها مولاي محمد بن الشريف إلى الشيخ محمد الحاج الدلائي، وفيها يشير مولاي محمد إلى تربيته الحربية، مما جعله لا يجزع من الحروب، ولا يهاب مواجهة الرجال، ومقارعة الشجعان : "فالله يعلم أن هذه المراودة ليست منا جزعا ولا وجلا، ولا لفرط الاهتمام بكم من حياء أو خجل، وما نبصركم عند التناوش والهراش إلى كما يطير حول المصابيح من التهافت الفراش، وأما الحروب الصعبة الصعاب، نشأنا في غمراتها قبل البلوغ، لنا من قديم خلقت، ومنكم ثلاثا طلقت، وبأعناقنا عشقا علقت". (15)
 أما أوصافه الخلقية والخلقية، فإن المصادر التي اعتمدناها تسعفنا بمادة جيدة، نستطيع أن نكون بها صورة ضافية عن خلقة مولاي محمد بن الشريف، فقد كان – رحمه الله - : "قويا أبدا لا يقاوم في المصارعة، وحكي أنه في بعض حصاره، لتابوا عصامة جعل يده في بعض ثقب القصر، وصعد عليها ما لا يحصى من الناس كأنها خشبة منصوبة، أو لبنة مضروبة". (16)
 ويأتي على رأس أوصافه الخلقية، الإيمان والتدين والورع، ويظهر لنا ذلك جليا من خلال محاورته لأعضاء السفارة التركية، الذين أتوا للتفاوض معه في شأن الحدود المغربية، وقد دعوه إلى الاحتكام إلى الشريعة  الإسلامية، يقول ابن زيدان في الإتحاف : "ولما قدموا على المترجم ثانية قالوا له : لم يكن لنا علم بما في الكتاب، ولو اكتفينا به ما رجعنا إليك، نحن جئناك لتعمل معنا شرع جدك، وتقف عند حدك، وبالغوا في وعظه, واستعطافه إلى أن أخذته قشعريرة، وعلاه سلطان الحق فأذعن له، وقال : والله ما أوقعنا في هذا المحظور إلا شياطين العرب، انتصروا بنا على أعدائهم، وأوقعونا في معصية الله، وأبلغناهم غرضهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وإني أعاهد الله تعالى أن لا أتعرض بعد هذا اليوم لبلادكم ولا لرعيتكم بسوء". (17)
 ومن الصفات التي كان يتصف بها السلطان مولاي محمد بن الشريف، صفة الشجاعة والإقدام، يقول الناصري : "وكان المولى محمد شجاعا مقداما، لا يبالي بالعظائم، ولا يخطر بباله خوف الرجال، ولا يدري ماهي النكبات والأوجال". (18)
 وشهد له بذلك خصومه فقد "وصفه أهل الدلاء في بعض رسائلهم بما لفظه : هو الأجدل التي لا تئوده هموم الليالي، ولا حرارة قيض المصيف، أشهب على قنة كل عقبة، لا يقنعه المال دون حسم الرقبة". (19)
 وشهد له بذلك الأتراك، يقول عثمان باشا في رسالة وجهها إلى مولاي محمد ابن الشريف : "وأما الشجاعة الغريزية، فقد علمنا أن لكل منها بالمعين سبحانه أوفى وأوفر نصيب".(20)
 ووصفه والده مولاي الشريف في قولته الشهيرة التي قالها بعد أن تمكن علي بوحسون من القبض عليه عن طريق الحيلة والخديعة : "ولكن تركت لكم الأسد الأخدع محمد، وتركت لكم الأسود". (21)
 ويقول في حقه الضعيف : "كان أقوى الناس نجدة وشهامة وزعامة". (22)وأثبت القادري الوصف نفسه في "التقاط الدرر". (23)
 ونظفر في تاريخ الضعيف بوصف فريد لمولانا محمد بن الشريف في ساحة الوغي، ونستخلص من ذلك الوصف صفتي الشجاعة والوفاء، وأكرم بهما من خصلتين يقول الضعيف : "ولم يثبت أبو علال إلى الحرب الطويل، ومولاي محمد قد تسابقت إليه الفرسان، وكلهم يقول : هذا فلان بن فلان، وحيل  بينه وبين الجند، وليس معه إلا عضده والزند، فانضم إليه من قومه رجلان، فرموه بالبندق فعميت عين فرسه، وانقطع عذار لجامه من لسع الغوال، وحملات الكماة والأبطال، فصار يقاتل باليمين والشمال، ويصول صولة الأسد على الرجال، وفرقوا بينه وبين صاحبيه الإثنين، وتسابق في صعيد "القاعة ومن جريه متعلقا بصاحبيه خوفا أن يقتلا ... وقد قتل الشيخ محمد القاسم، ونجي ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم...". (24)
 ويصفه الوالي التركي بعلو الهمة، والحلم والحماسة، والجود. (25)
 وكان رحمه الله "سخيا جوادا حتى إنه أعطى الأديب الشهير، المتقدم في صناعة الشعر الملحون أبا عثمان سعيد التلمساني نحوا من خمسة وعشرين رطلا من خالص الذهب، جائزة له على بعض أمداحه فيه". (26)
 وله صفات قيادية نجملها في الأمل والعزيمة، والاعتقاد في نصرة الله – عز وجل – للشرفاء العلويين، وإظهارهم على غيرهم ولو بعد حين، ونستخلص ذلك من نص رسالة جوابية بعثها مولاي محمد إلى عثمان باشا، ومما جاء فيها : "وقولكم أبذل الجهد في نزع البربر من الأمصار، ليس ذلك مني قلة أعوان ولا أنصار، ولا من صم آذان أو عمي بصائر وأبصار، وإنما العاقل لا يتعب فيما لا يفيده، وما فاتنا من الكرامات يدركنا الأخ أو الإبن أو الحفيد".(27) ويؤكد ذلك في رسالة يرد فيها على محمد الحاج الدلائي، وهي الأخرى تفصح عن بعد نظره، وعن الأمل العريض واليقين في النصرة الظهور : "وأيم الله لئن نظم فينا الديان شمل الديوان، حتى تعاين أنت وبنوك وذووك ما تبنيه لنا البنون والإخوان من المجد المخلد مدى الأزمان، ولقد حدث السادات أهل السريرة أنه ستدور عليكم من الدوائر المبيدة، أتطمعون في النجاة بعد ترويعكم الشرفاء والشريفات، والعابدين والعابدات النظيفات". (28)
 ومن صفاته القيادية الحزم، وبين أيدينا نصوص كثيرة تثبت هذه الصفة منها هذا النص الذي أورده الضيف في تاريخه : "وبقيت الدار التي فيها المال، ثم إن بعض أصحابه تسوروا عليها من فوقها، ودخلوا عليها فصاروا يأخذون التبر فيملأون به الكنانات و المكاحيل مكان البارود، وعزموا على الهروب عنه، فتفطن لهم أخوه مولاي الحفيد، ففتش البعض منهم فوجد ما وجد عندهم من التبر، ففتك بهم مولاي محمد، وقتل منهم الثمانين رجلا إذ خانون العهد". (29)
 ونصرته للمظلومين والمستضعفين تعتبر من أعظم شمائل مولاي محمد بن الشريف، يقول في رسالة جوابية، بعث بها إلى الوالي التركي على الجزائر : "وآل تلمسان ما أثارهم إلى جوركم من الأموال والبنين، مع مكابدتهم جمرة الصبر على مسير السنين.... وإنما تعديكم هو الذي شجع الطباع إلى أن عادت الضباع سباعا". (30)
 إن هذه المقومات الشخصية، والمؤهلات العلمية والقيادية لمولاي محمد، جعلته يكون مؤهلا لتأسيس الدولة العلوية من جهة، ومن جهة أخرى مؤهلا لإقرار الوحدة الوطنية.

(1)  نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي : محمد الصغير بن الحاج بن عبد الله الوفراني النجار، المراكشي الوجار، صحح عباراته التاريخية السيد هوداس ص : 293 مكتبة الطالب. الرباط بدون تاريخ.
(2)  نزهة الحادي، ص : 291 – 292.
(3)  النبوغ المغربي في الأدب العربي : ذا عبد الله كنون، ج : 1، ص : 291 دار الكتاب اللبناني بيروت ط III 1395 هـ / 1975 م.
(4)  المرجع نفسه : ج : 1، ص : 298
(5)  كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى : أبو العباس أحمد بن خالد الناصري ج : 7 ص : 3 / 4 تحقيق ذ. جعفر الناصري، وذ. محمد الناصري. دار الكتاب، الدار البيضاء، 1956 م.
(6)  نزهة الحادي : ص : 287 / 298.
(7)  الاستقصا : ج : 7، ص : 4 / 5 ، ويراجع كذلك نزهة الحادي، ص : 287.
(8)  النزهة : ص : 288 / 289.
(9)  المرجع نفسه : ص : 290
(10) المرجع نفسه : ص : 289
(11)  الاستقصا : ج : 7، ص : 15، وكذلك الإتحاف لابن زيدان، ج : 3، ص : 129.
(12)  إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس، مولاي عبد الرحمن بن زيدان ج : 3، ص : 129 ط I، 1349 هـ / 1931 م.
(13)  الاستقصا : ج :7، ص : 12.
(14)  الإتحاف : ج : 3، ص : 130.
(15)  تاريخ الضعيف (تاريخ الدولة السعيدة) : محمد الضعيف الرباطي، ص : 17، تحقيق : الأستاذ أحمد العماري. دار المأثورات – الرباط – ط I 1406 هـ / 1986 م.
(16)  الإتحاف : ج : 3، ص : 129. والاستقصا ج : 7 ص : 31، ونزهة الحادي، ص : 302.
(17)  الإتحاف : ج : 3، ص : 134
(18)  الاستقصا : ج :7، ص : 134.
(19)  الإتحاف : ج : 3، ص : 130.
(20)  تاريخ الضعيف : ص : 21، و الاستقصا : ج :7، ص : 24.
(21)  تاريخ الضعيف : ص : 21، و الاستقصا : ج :7، ص : 24.
(22)  تاريخ الضعيف : ص : 11.
(23)  التقاط الدرر، ومستفاد المواعظ والعبر من أخبار وأعيان المائة الحادية والثانية عشر، محمد بن الطيب القادري (تـ 1187 هـ). " : 163، تحقيق : الأستاذ هاشم العلوي القاسمي. منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت. ط I 1403 هـ / 1983 م.
(24)  تاريخ الضعيف : ص : 12 / 13.
(25)  الاستقصا : ج :7، ص : 23.
(26)   الإتحاف : ج : 3، ص : 130. و الاستقصا : ج :7، ص : 31.
(27)  تاريخ الضعيف : ص : 26.
(28)  المرجع نفسه : ص : 16
(29)  المرجع نفسه : ص : 8. والاستقصا : ج : 7، ص : 28.
(30) تاريخ الضعيف : ص : 25.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here