islamaumaroc

دور العنصر البشري في عملية التنمية من خلال أقوال صاحب الجلالة الملك السحن الثاني

  عبد اللطيف الشاذلي

العدد 334 ذو الحجة 1418/ أبريل 1998

أصبحت مسألة "الموارد البشرية" تستأثر منذ بضع سنوات باهتمام عدد من المختصين، سواء على مستوى تدبير الموارد، أو على مستوى مردوديتها أو على مستوى حقوقها. وقد توجه هذا الاهتمام العلمي في مرحلته الأولى إلى المقاولات، ثم أصبح منهجا في تحليل مفاهيم النهضة والتنمية. وأخذ العنصر البشري، بما يمثله من مهارات ومقدرات ومعارف، يعتبر استثمارا وتوظيفا بعد أن كان يعتبر مجرد عنصر تكلفة. وتعود الدارسون على أن يأخذوا بعين الاعتبار العلاقة بين دوافع الفرد في العمل ومردوديته، سواء على مستوى نفسيته أو ظروف عمله أو محفزاته.
 فإلى أن حد تمكن دراسة خطب جلالة الملك من الوقوف على الدور الذي خصصته البلاد للعنصر البشري في عملية بناء المغرب غداة الاستقلال ؟
 نلاحظ أولا أن مصطلح "العنصر البشري" أو "الموارد البشرية" لم ترد في خطب جلالة الملك باللفظ المتداول اليوم. واقترن" عند الحالة الوحيدة لاستعماله، بمفهوم ولفظ التكوين. وهكذا جاء في رسالة جلالة الملك إلى المتناظرين في المؤتمر الإفريقي لتنمية الموارد البشرية، المنعقد بطنجة : "إن تنمية الطاقات البشرية بإفريقيا تستحق لكم عن افتتاح أشغال مؤتمركم حول تنمية الموارد البشرية بإفريقيا وخاصة ما يتعلق منها بميدان التكوين واستكمال تكوين الأطر. (1)
 وكيفما كان الحال، فإن جلالة الملك ربط باستمرار بين مفهوم "الموارد البشرية" أو "الأطر" وبين عملية التنمية. وعندما يستعمل جلالته لفظ التنمية فهو يعني بها معنى واسعا يشمل كل ما يهم حياة الإنسان المغربي، فجلالته يقول : "إذا كان ما نستهدف من تحقيق تنمية شاملة ونتوخى من خلق نهضة واسعة [...] قصد توفير الحياة الكريمة  لأفراد شعبنا [...] فإن جهودا موازية تبذل في ميادين أخرى بدون انقطاع على أن تلحق بالمواطنين فائدتها، وتعود عليهم بالخير عائدتها. ومن البديهي أن السعادة المنشودة والكرامة المأمولة لا تتأتيان بمجرد سد الرمق وكساء جسم وإحراز مسكن، ولكنهما تتمثلان، بالإضافة إلى ما سلف، في انبساط رواق العدل وانتشار الثقافة والتعليم وخلو الحياة مما يكدر صفوها من علل وأدواء". (2)
 تمكن دراسة الفكر الحسني في مجال مكانة العنصر البشري من الوقوف على الأهداف التالية :
 أول هذه الأهداف وأسماها، المحافظة على المكتسبات وتنميتها وتكريسها. وفي هذا الإطار يقول جلالة الملك : "إن رسالة الجيل الذي أولانا الله قيادته يجب أن تستهدف هدفين : أولاهما الحفاظ على الرصيد الموروث بدعم بناء الاستقلال وتحصينه، وثانيهما تحقيق المعاني النبيلة والأهداف البعيدة للاستقلال بضمان حرية الوطن والمواطنين وصيانة كرامة الأمة جمعاء. إن هذين الهدفين سيظلان محور كفاحنا وفلسفة حكمنا". (3)
 ويعود صاحب الجلالة إلى هاته الفكرة في مناسبة ثانية يقول فيها جلالته : "إن الأمجاد التي أقام آباؤكم معالمها وشيدوا صروحها تقتضي منكم الإبقاء عليها والمحافظة. وعليكم المعول في بناء صروح جديدة لمفاخر طريفة تضاف إلى أمجادنا التليدة". (4)
 أما الهدف الثاني فيتمثل في بناء صرح الاستقلال ويعطي جلالة الملك هذا الهدف قوية ويفصل في محتواه تفصيلا دقيقا، فيقول جلالته : "فلم يخرج المغرب إلا ليدخل في معركة جديدة. فالثورة إذن مستمرة والمعركة متواصلة، معركة استكمال وحدة المغرب الترابية واستعادة أجزائه السلبية [...] معركة تتميم تحرير المغرب اقتصاديا واجتماعيا والقضاء على التخلف في كافة أشكاله". (5)
 ويحدد جلالة الملك الهدف الثالث، حيث تسمو نظرة جلالته إلى اعتبار النهضة والتنمية مسؤولية كل فرد من أفراد المجتمع. يقول جلالته : "إذا كانت أعمالنا كلها [...] متوخية نشر اليسر والرخاء وتعميم السعادة والهناء [...] فإن مباشرة هذه الأعمال تشكل معركة مستمرة لا يتأتى خوضها بنجاح إلا إذا شعر كل فرد منا بأنه مطالب بالإسهام فيها بالنصيب الموفور وأحس إحساسا بليغا بأن إسهامه هذا خليق بأن يفضي بالمعركة إلى الغاية المؤملة ويصل بها إلى الشأو المنشود". (6)
 أما الهدف الرابع فيبرز بوضوح في فكر جلالة الملك، فهو المتمثل في جعل الإنسان المغربي غاية كل مجهود تنموي، يقول جلالته : "إن كل عمل اقتصادي لا يرمي من ورائه الفرد أو الميسر إلى تكوين الإنسان والرفع من مستواه يكون عملا ناقصا". (7)
 وتكتمل نظرة جلالة الملك إلى الموضوع حين يصل تفكيره، حين يحدد جلالته كهدف خامس في المصلحة العامة، إذ ليس المقصود الفرد في حد ذاته، بل من خلاله مجموع الأفراد المكونين لجماعة المغاربة. وفي هذا الصدد يقول جلالته : " الغاية مما نباشره من إصلاحات هو توفير الرخاء لرعايانا الأوفياء وتقوية النسيج الاجتماعي الذي بدونه قد يفقد المغرب سمعته الخاصة، كأمة متماسكة متلاحمة". (8)
 إن تحقيق هاته هي الأهداف اقتضى من بلادنا مجهودا كبيرا ومشتركا. وإن متابعة دقيقة لأقوال صاحب الجلالة تمكن من جهة من الوقوف على ذلك التطور، ومن جهة ثانية من رصد المراحل الكبرى لعملية التنمية.
• المرحلة الأولى : مرحلة التوعية بدور العنصر الشاب : 1959 – 1963.
 تبدأ هذه المرحلة بمقارنة بسيطة تعمد إلى استغلال كل مناسبة، لمخاطبة الشباب بوجه خاص، لإعطاء التوجيه والإرشاد. يقول جلالة الملك : "إن عالمنا المعاصر لفي أمس الحاجة إليكم، فهو في حاجة إلى فكركم السليم وقوة إيمانكم وصفاء مشاعركم. فأنتم أيها الشباب تمثلون ضمان المستقبل وأنتم نواة سعادة البشرية. أنتم بناة مجد ورفاهية البلاد. أنتم يا شباب المغرب خاصة، أمل أمتنا العزيزة وقوتها الحية وعنصر بناء مجدها". (9)
ثم ينتقل الفكر الحسني إلى مستوى أعلى للتذكير بواجب الفرد إزاء المجموعة التي ينتمي إليها، صغيرة كانت أو كبيرة. يقول جلالته : "إن على الشباب مسؤوليات متنوعة تعظم تارة وتصغر أخرى [...] فكما أن الشباب مطالب بالعمل لمصلحة وطنه الكبير وتحقيق الأهداف القومية الكبرى، يطالب بالعمل لخير مدينته وقريته ولتحقيق الأهداف الصغيرة والقريبة، إذا من مجموع الأعمال المحلية والإقليمية يتكون البناء الكبير ويتحقق الانسجام في الأمة". (10)
 ويتوجه جلالة الملك بصورة مباشرة إلى عموم المواطنين فيقول : "وسيبقى المعول بعد الله عليك في بناء مستقبلك وتشييد صرح نهضتك، فالحكومات مهما حسن تفكيرها وكثرت وسائلها المادية والأدبية التي بين أيديها، لا تستطيع تحقيق الخيرات وبلوغ الأهداف إلا بمعاضدة ومؤازرة شعوبها". (11)
 يتدفق الفكر الحسني في أواخر هاته المرحلة بالتوجه المباشر إلى الشباب، مبينا في نفس الآن سبب ذلك التوجه : "إن معظم سكان المغرب في سن باكر، فأزيد من نصف السكان لم يبلغوا بعد سن العشرين [...] وهي ظاهرة [...] تبعث على التفاؤل والاطمئنان على المستقبل. إذ من شأنها أن تمكننا من طاقات بشرية تساعدنا على استثمار أراضينا وخيراتنا بصفة أوسع وأجود وأثمن وأفيد [...] والمغرب محتاج إلى هذه الطاقات، محتاج إلى جمع شبابه". (12)
• المرحلة الثانية : الربط بين التكوين والمردودية : 1964 – 1973.
 وتسجل بداية هاته المرحلة تأكيد جلالة الملك على مفهوم رد الدين والاعتراف بالجميل. فإذا كان تكوين الأطر يستجيب للنظرات السابقة الذكر فإنه يكلف الدولة تكلفة تلزم المستفيد منها برد الجميل، وفي هذا الصدد، يتوجه جلالة الملك إلى أول فوج متخرج من المدرسة المحمدية للمهندسين قائلا : "لئن صرفت الدولة جهدا ملحوظا في هذا الميدان، وبذلت من التضحيات والنفقات لتثقيفكم وإعدادكم الشيء الذي لا يستهان به، فلأنها راغبة أكيد الرغبة في أن ساهموا بالنصيب الأوفر في البناء والتشييد، وتعبثوا ما أوتيتم من مواهب وخبرة ونشاط فيما ستضطلعون به من أعمال [...] وحري بكم وبسواكم من الذين تكونهم الدولة [...] أن تتجه المساعي لتحقيق ما نبتغيه لوطننا العزيز من تقدم موصول في سائر الميادين". (13)
 وإذا كان هذا الخطاب موجها إلى المهندسين خريجي المدرسة المحمدية، فقد انتقل الفكر الحسني إلى مرتبة أعلى ليعمم الحكم على جميع المؤسسات. يقول جلالته : "إن الغاية التي يهدف إليها كل مجتمع بإقامة مؤسسات للتربية هي تهذيب النفوس وتثقيف العقول وتكوين رجال يستطيعون بفضل هذا التهذيب وهذا التثقيف أن ينفعوا أنفسهم والمجتمع الذي يعيشون فيه. فالمؤسسات والمعاهد والجامعات التي تنشئها الدولة يجب أن تضطلع بهذه المهمة أتم اضطلاع وأكمله، وتوفر للأمة عددا من الرجال الذين يمكن أن يفيدوا في شؤون شتى من حياتها [...] ولن تكون هذه الخبرة ذات شأن، وهذه المعرفة ذات قيمة، إلا إذا ترتب عنها نمو الفرد واستعداده لمساهمة مجدية في إرضاء الحاجات والمتطلبات التي يفرضها تطور الأمة ورقيها وازدهارها". (14)
 وهكذا بدأ الفكر الحسني يثير مسألة التوفيق بين التكوين والحاجات الفعلية للمجتمع. ينطلق التفكير من ملاحظة جلالته سرعة وتيرة النمو الديموغرافي : "إن النسل يتزايد عندنا في المغرب بمعدل 350 ألف نسمة في السنة [...] المدارس لن تستوعب 350 ألف تلميذ الذين هم في سنة الدراسة، وليس لنا حل ثان إلى أن نعيد [...] عملية المدرسة". (15)
 وبعد أن بين جلالته الانعكاسات المالية لهذه العملية، يؤكد أن المشكل الأساسي هو التالي : "هل نكون الجيل المصلح أم إنما نكون أساسا مثقفين سيصبحون غدا في زمرة العاطلين [...] هو مشكل مراجعة الإطارات المغربية حتى تكون الملايير التي تقدر بالعشرات والتي نصرفها على التعليم مطابقة لما ننتظره من جيلنا وشبابنا". (16)
 ويمكن أن نبرز في هذه المرحلة الميزات التالية : فهي مرحلة السعي نحو العناية بالجانب الأخلاقي في التكوين. فبقدر ما يلح جلالة الملك على حاجة البلاد لأطر كفأة "لا شك أنكم عالمون بالمشاكل العويصة التي تتخبط فيها بلادكم، أهمها عدم توفرنا على الأطر اللازمة لحل هذه المشاكل، ولإحلال الفنيين المغاربة محل الفنيين الأجانب [...] هؤلاء الفنيين المغاربة الذين تعلق عليهم آمال كبرى"،(17) بقدر ما يلح جلالته على أن يشمل هذا التكوين كل الجوانب يقول جلالة الملك : "إن تكوين الأطر ليس وحده المشكل الأساسي، بل هناك مشكل آخر لا يقل عنه أهمية، هو التكوين الخلقي الذي يجب أن يعتنقه جميع المتخرجين منكم". (18)
 أما الميزة الثانية فتظهر في الاهتمام بمجالات الهندسة والتكنولوجيا يربط جلالة الملك بين هذه الميزة وبين التنمية : "إن النهضة بالنسبة لبلدنا تعنى قبل كل شيء التقدم الاقتصادي الكفيل برفع مستوى شعبنا ماديا وأدبيا، بيد أن هذا التقدم الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق بإحصاء دقيق لجميع مواردنا ومقدراتنا بتكوين إطارات قادرة على استثمار هذه الموارد وتلك المقدرات [...] لقد أصبحت جميع الأمم شاعرة بالدور الفعال الذي يقوم به العلماء والمهندسون [...] ذلك أن كل بلد لا يملك الرصيد الكافي من التقنيين، محكوم عليه أن يبقى بمعزل، لا ينتظم في تيار الحياة العصرية". (19)
 أما الميزة الثالثة فتتمثل في استنهاض همم عموم المغاربة : "فلا يمكن أن نتوقع نجاحا لأعمالنا ونأمل فوزا بأمانينا الشاملة لميادين مختلفة [...] إلا إذا كنا جميعا مؤمنين بجدوى ما نقدم عليه من أعمال وما نقبل عليه من إنجاز، إيمانا صادقا لا يعتريه على تراخي الأيام فتور ولا نقصان، وكان بيننا من التظافر والتضامن والتآزر والتعاون ما يؤمن للجهود المبذولة والكفايات المعبأة والمواهب المجندة، التناسق والانسجام والتكافل والوئام، والإفضاء في نهاية المطاف إلى الغاية المتوخاة والغرض المقصود الذي هو الانطلاق من التخلف إلى النماء". (20)
 ويؤكد جلالته نفس التوجه في مناسبة أخرى حين يقول : "وإذا كانت أعمالنا كلها، ما تم منها وما سيتم إن شاء الله، متوخية نشر اليسر والرخاء وتعميم السعادة والهناء لجيلنا وللأجيال الصاعدة [...] فإن خوضها بنجاح إلا إذا شعر كل فرد منا بأنه مطالب بالإسهام فيها بالنصيب الموفور، وأحس إحساسا بليغا بأن إسهامه هذا خليق بأن يفضي بالمعركة إلى الغاية المؤملة ويصل بها إلا الشأو المنشود". (21)
 تتمثل الميزة الرابعة في تمكين الشباب من المساهمة الفعلية في التسيير عن طريق إحداث نظام الخدمة المدنية، يقول جلالته : "وبهذه الوسيلة سنتيح لجيش عرمرم من شبابنا أن يتعرف على مشاكل البلاد وشؤون المواطنين ويقارن بين المتطلبات والإمكانات ويفرق بين الحقائق والأوهام [...] ولا ريب أن هذه الطريقة هي الأقوم الطرائق [...] لتحقيق الإنعاش الذي نطلبه والتقدم الذي نرغب فيه". (22)
• المرحلة الثالثة : تخطيط الموارد البشرية : 1974.
 أهم خصائص هذه المرحلة أنها تناولت مسألة الموارد البشرية  من منظورين : منظور التخطيط الطويل الأمد، ومنظور القيمة الذاتية للعنصر البشري، لا كأداة للتنمية، بل كعنصر من عناصر التنمية. ويركز جلالته هذا المنظور في الكلمات التالية : "فتساؤل المغربي عن مصيره التعليمي هو تساؤله كيف سيكون المغربي رجل القرن الواحد والعشرين [...]، فإذا نحن انطلقنا من هذا المنطلق نجد أن المغرب من الدول النامية التي لم تتحكم في معطياتها الاقتصادية لكونها لم تكتشف لحد الآن ما هو ضروري لها، أو لأنها تشتكي – والمغرب من ضمنها – من عجز في الأطر والرجال وفي المكونين. وأظن أن هذا هو السبب الحقيقي [...] فالغنى الحقيقي هو الرجل والعنصر البشري". (23)
ويتأكد هذا المنحنى الجديد في الفكر الحسني، حيث نقف عليه في كل مناسبة متعلقة بمستوى البلاد ومستقبلها. وهكذا يقول جلالته : "قررنا [...] أن نعطي الأسبقية لثلاثة ميادين، دون أن نغفل ميادين أخرى بالطبع، الميدان الأول ما في البحر من سمك وخيرات في الأعماق، الميدان الثاني ما في الأرض من خيرات فلاحية وجوفية، الميدان الثالث تكوين الرجل المغربي الذي يجب أن يصبح عنصرا اقتصاديا". (24)
 ويقول جلالته في مناسبة أخرى : "المغربي – ولله الحمد – له أولا الطاقة الأولى، والرقم واحد، هي الطاقة البشرية ونحن في تخطيطاتنا وسياستنا سنركز على هذه النقطة لأن الطاقة البشرية هي أساس لكل دولة أن لا تكون في المؤخرة حينما يصل الركب العالمي في نهاية القرن". (25)
 ويلح جلالته مرة ثالثة على نفس المعنى قائلا : "ذلك أن الطاقة البشرية – قلتها وأكررها اليوم – هي الكنز الثمين وأغلى كنز عندنا نحن المغاربة، لأن من الطاقة البشرية يمكن انتظار كل خير ورفاهية". (26)
 إلا أن قيمة العنصر البشري عند جلالة الملك لا تنصب على قيمته المطلقة في حد ذاته، بل يشترط التكوين لإعطاء هذا العنصر قيمته الفعلية. يقول جلالته : "التعليم اليوم هو أداة للتجهيز، تجهيز الإنسان البشري علميا وخلقيا". (27)
 ويؤكد جلالته نفس الفكرة في مناسبة ثانية فيقول : "إن تكوين الإنسان سيظل أحد اهتماماتنا الرئيسية الثابتة، وسيتم إعداد خطة لإصلاح التعليم وتكوين الأطر بغية جعل الطرق لتحصيل المعارف ملائمة لمتطلبات القرن الحادي والعشرين". (28)
 ويعود جلالته إلى نفس الفكرة قائلا : "وكنت دائما – شعبي العزيز – أقول لك ومازلت أقول، لأن هذا اعتقادي الراسخ والعميق : إن الكنز الأول الذي نملكه ورأس المال الأرجح والأحسن الذي بين أيدينا هو قبل لك شيء البشر المغربي والمواطن المغربي [...] علينا أن نعلم أن طبيعة الرهان وأصناف نوعيته قد تغيرت اليوم، لأن العالم يسير نحو الرقي في الميدان التقني والعلمي والفكري. الشيء الذي يحتم علينا أن نساير هذا الرهان في جميع أصنافه وفي جميع نوعياته". (29)
 ويقول في مناسبة ثانية : "لقد رأينا منذ بداية العهد أن أحد العوامل الرئيسية في البنية الاقتصادية هو العامل البشري، حيث نجد أنفسنا – الحمد لله – أمام نتائج حميدة وثمينة، نحمد الله عليها، ونشكره على نعمته التي وهبنا إياها، وهي الثروة البشرية". (30)
 إن أهم ما يلاحظ هنا هو إلحاح صاحب الجلالة على أن العنصر البشري هو المقصود بالتنمية، وغايتها. وفي هذا المجال، يقول جلالته : "ذلك العنصر الذي يبقى دائما هو من بدايتها إلى نهايتها العنصر البشري". (31)
وتتجلى المكانة المرموقة التي يضع فيها صاحب الجلالة "العنصر البشري" في ربطه بالسيرورة التاريخية للبشرية عامة.
يستشهد صاحب الجلالة برسالة بعث بها الرئيس "جورج واشنطن" إلى السلطان سيدي محمد بن عبد الله، يقول الرئيس جورج واشنطن ما معناه : إن بلدي فقير [...] وقد خرج لتوه من الحرب منهك القوى. لكننا واثقون في قدرات شعبنا وفي عطاء أرضنا. ويعقب جلالته على هذا المقطع قائلا : "لقد كانت هذه الإرادة في جعل الإنسان العنصر الأساسي للحضارة والتنمية نهجنا في كل الأوقات منذ عدة قرون [...] إن المغرب الذي يعيش في محيط متميز اعتمد دائما ولا يزال على ثروته البشرية". (32)
 ويؤكد جلالته : بعد تساؤله عن مؤهلات المغرب للنجاح : "أقول أولا إن العنصر البشري المغربي هائل وممتاز وفي أعلى  المستويات". (33)
 وهكذا نلاحظ كيف يستغل صاحب الجلالة كل مناسبة للتذكير بأن البشر هو غاية التنمية يقول جلالته : "إن لقاءكم هذا جدير بالاعتبار والاهتمام [...] المنصب في آن واحد على البحوث والجامعة والمقاولة، والربط بينها للنهوض بكل عنصر فيها وإحكام تآزرها، في نطاق عمل ملتزم شريف، مصدره وغايته الإنسان، وهو التنمية". (34)
وكخلاصة عامة، فإن جلالة الملك يعتبر أن أساس العمل التنموي هو الإنسان المغربي وأن غاية التنمية هي توفير الظروف المثالية لعيش ذلك الإنسان.
 إن الملاحظة التي تبرز بكل وضوح من هذه المواقف أن المكانة التي يضع فيها جلالة الملك الإنسان المغربي، مكانة تأخذ بعين الاعتبار أصالة هذا الإنسان المغربي، فمورد التقدير وأساس الاعتزاز أن الإنسان المغربي أثبت عبر العصور خصائصه ومزاياه. وينتج عن هذا الموقف بكيفية منطقية ضرورة ترسيخ هذه الأصالة بواسطة التعليم ثم إعطاؤها دفعة جديدة إلى الأمام للمزيد من توفير أسباب النهضة والنمو، ولا يكون هذا ولا ذاك إلا بالعلم.
 ويرى جلالته أن هدف العملية التعليمية هي تكوين الإنسان المغربي، حتى يصبح عنصرا اقتصاديا فعالا، يقوم بدوره في رفع مستوى الأمة وضمان أمنها الغذائي والإسكاني والثقافي وغيره. ويظهر بوضوح إصرار جلالته على أن يكون التعليم هدفا لخدمة البشر، حيث يؤكد هذه الفكرة في العديد من المناسبات، فها هو جلالته يقول : "الفنية التي لا تستهدف رفع المستوى الشعبي ولا تسخر نفسها للمساهمة لتحقيق الإزدهار الجماعي فنية عقيمة، والعلم الذي لا ينفع ولا ينتفع به محكوم عليه بالشلل والجمود"،(35) وينتج عن هذه النظرة موقف مبدئي آخر هو أن التعليم الذي هو على هذه الدرجة من الأهمية بالنسبة لتكوين الانسان المغربي وتحقيق سعادته ورقيه، يكون من الواجب الاعتناء به وبتلقينه، ومن الواجب من جهة ثانية أن يكون لدى الشعب نفسه اقتناع بأهمية عنصر العلم في التقدم. يقول جلالته : "إننا لنرى أن خير عدة يعتد بها رعايانا ليكونوا مواطنين صالحين ويقدرون على تحقيق التنمية بعقول نيرة وسواعد قوية هي أن يكرعوا من حياض العلوم ومناهل الفنون، ويستوعبوا الثقافات ويسايروا موكب التطور السائر باستمرار"،(36) وتتركز هذه النظرة في موقف ثابت مشكلة ركنا أساسيا في السياسة المغربية.
 لكن نظرة الاهتمام وإيلاء الأهمية والرعاية مما يوليه جلالته للعنصر البشري وللشباب منه بصفة خاصة لا تكتمل دون إدراك تام من قبل الشباب للمسؤولية التي عليه أن يحتملها، فليس الهدف من عملية التعليم هو مجرد تخويل شهادة، ويكون من بين عوامل تعويد الشباب على الإدراك الواقعي السليم، إشراكه في الحياة العملية لوطنه.
 وهكذا تتلاقى هذه المبادئ الثلاثة في تفاعل جدلي يؤثر كل واحد منها على الآخر، ويستفيد كل طرف منها من باقي الأطراف. فالأصالة ليست غاية مطلقة ولا مظهرا جامدا للنبوغ المغربي، بل هي منطلق نموذجي يعمل الإنسان المغربي على تحسنه باستمرار، تلافيا لكل نكوص أو ركود أو تقهقر، ولا يكون ذلك إلا بإعطاء الأولوية للعلم والتكنولوجيا، وهما مظهران من مظاهر أصالة المغرب وركنان من أركان نهضته، ولا يكون للأصالة ولا للعلم معنى ولا وجود متصور إلا بوضعهما في خدمة رقي الإنسان المغربي وسعادته، فيكون تفصيلنا لهذه المكونات الثلاث : الأصالة والعلم والإنسان مجرد تمييز نظري تقتضيه ضرورة التحليل، وإلا فهي في الفكر الحسني عناصر متلازمة متفاعلة.

(1)  خطاب جلالة الملك بمناسبة انعقاد المؤتمر الافريقي لتنمية الموارد البشرية. بطنجة بتاريخ 9 شعبان 1392 (18 شتنبر 1972) ألقاه السيد الحاج أحمد حنيني نائب الوزير الأول ووزير العدل الأمين العام للحكومة بأمر من جلالة الملك. في : خطب وندوات، ج : 4، ص : 357.
(2)  خطاب جلالة الملك بمناسبة الذكرى السادسة لجلوس  جلالته على عرش أسلافه المنعمين، بتاريخ 21 ذو القعدة 1386 (3 مارس 1967)، في : خطب وندوات، ج : 3، ص : 155.
(3)  نفس المصدر ص : 141.
(4)  خطاب جلالة الملك بمناسبة عيد الشباب بتاريخ 20 ربيع الأول 1386 (9 يوليوز 1966) خطب وندوات، ج : 3 ص : 66.
(5)  خطاب جلالة الملك بمناسبة بمناسبة الذكرى التاسعة لثورة الملك والشعب، بتاريخ 18 ربيع الأول 1382 (20 غشب 1962)، في : خطب وندوات، ج : 2، ص : 128.
(6)  خطاب جلالة الملك بمناسبة الذكرى الثانية عشرة لجلوس جلالته على العرش، بتاريخ 28 محرم 1393 (3 مارس 1973) في : خطيب وندوات، ج : 4، ص : 418.
(7)  خطاب  جلالة الملك بمناسبة الذكرى الخامسة والأربعين لميلاد جلالته، بتاريخ 17 جمادى الثانية 1394 (8 يوليوز 1974) في : خطب وندوات، ج : 5، ص : 81.
(8)  خطاب  جلالة الملك بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين لجلوسه على العرش، بتاريخ 13 شوال 1416 (3 مارس 1996) في : انبعاث أمة، ج : 41، ص : 60.
(9)  كلمة صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن إلى الشباب المغربي في ذكرى ميلاد سموه بتاريخ 10 يوليوز 1959، في : خطب وندوات، ج : 1، ص : 384.
(10)  خطاب  جلالة الملك بمناسبة الذكرى الثانية والثلاثين لمولد جلالته بتاريخ 6 صفر  1382 (9 يوليوز 1962) في : خطب وندوات : ج : 2، ص : 121.
(11)  خطاب  جلالة الملك بمناسبة عيد العرش، بتاريخ 7 شوال 1382 (3 مارس 1963)، في : خطب وندوات، ج : 2، ص : 121.
(12)  خطاب  جلالة الملك بمناسبة عيد الشباب بتاريخ 17 صفر 1383 (9 يوليوز 1963)، في : خطب وندوات، ج : 2، ص : 272.
(13)  خطاب صاحب  الجلالة  بمناسبة تخرج الفوج الأول من المهندسين من المدرسة المحمدية بتاريخ 14 صفر 1384 (25 يونيو 1964) في : خطب وندوات، ج : 2، ص : 411.
(14)  توجيهات صاحب الجلالة في مشكلات التخلف والنمو التي تعترض بلادنا بتاريخ 17 ذي الحجة 1384 (20 أبريل 1965) في خطب وندوات، ج : 2 ص : 515.
(15)  خطاب جلالة الملك إلى الأمة بتاريخ 17 صفر 1385 (17 يونيو 1965) في : خطب وندوات، ج : 2، ص : 550.
(16)  المصدر نفسه.
(17)  خطاب صاحب الجلالة بالمدرسة المحمدية للمهندسين بتاريخ 29 صفر 1385 (29 يونيو 1965) في خطب وندوات، ج : 2، ص : 555.
(18)  المصدر نفسه.
(19)  كلمة صاحب الجلالة بالمدرسة المحمدية للمهندسين بمناسبة توزيع الشهادات على الطلبة المتخرجين، بتاريخ 15 ربيع الأول 1386 (4 يوليوز 1966) في : خطب وندوات، ج : 3، ص : 60.
(20)  خطاب  جلالة الملك بمناسبة الذكرى السابعة لجلوس جلالته على عرش أسلافه المنعمين، بتاريخ 3 ذو الحجة 1387 (3مارس 1968) في: خطب وندوات، ج : 3، ص : 294.
(21)  خطاب  جلالة الملك بمناسبة الذكرى الثانية عشرة  لجلوس جلالته على العرش بتاريخ محرم 1393  (3مارس 1973) في: خطب وندوات، ج : 4، ص : 418.
(22)   رسالة ملكية إلى الوزير الأول بشأن تعبئة الشباب المتخرجين من الجامعات، بتاريخ 12 ربيع الثاني 1393 (16 ماي 1973) في : خطب وندوات، ج : 4، ص : 452.
(23)  كلمة صاحب الجلالة في افتتاح المناظرة الوطنية للتربية والتعليم، بتاريخ 17 شوال 1400  (28 غشت 1980)، في : خطب وندوات، ج : 6، ص : 535.
(24)  خطاب صاحب الجلالة في افتتاح المجلس الأعلى للإنعاش الوطني والتخطيط، بتاريخ 23 جمادى الثانية 1401 (28 أبريل 1981)، في خطب وندوات، ج : 7 : ص : 71.
(25)  خطاب صاحب الجلالة في افتتاح أشغال أيام الإقلاع الاقتصادي والتنمية الاجتماعية، بتاريخ 12 جمادى الثانية 1402 (7 أبريل 1982)، في خطب وندوات، ج : 7 : ص : 274.
(26)  خطاب صاحب الجلالة في حفل تخرج الفوج الحادي عشر للمدرسة الجوية بمراكش، بتاريخ 16 شوال 1402 (6 غشت 1982) – في خطب وندوات، ج : 7، ص : 327.
(27)  خطاب صاحب الجلالة في ممثلي النقابات والمسؤولين عن قطاع التعليم بتاريخ 16 جمادى الأولى 1405 (7 فبراير 1985)، في خطب وكلمات، ج : 8، ص : 215.
(28)  رسالة صاحب الجلالة إلى الوزير الأول ، بتاريخ 13 رمضان 1407 (12 مايه 1987) في خطب وندوات ج : 9 ص : 290.
(29)  صاحب جلالة الملك في موضوع امتحانات الباكالوريا، بتاريخ 20 شوال 1407 (17 يونيه 1987) في خطب وندوات ج : 9، ص 290.
(30)  توجيهات ملكية لأعضاء الهيأة الوزارية، بتاريخ 21 جمادى الأولى 1408 (12 يناير 1988) في : خطب وندوات، ج : 10، ص : 13.
(31)  خطاب صاحب الجلالة في اجتماع أعضاء أكاديميات وزارة التربية الوطنية وأعضاء مجالسها الاستشارية، بتاريخ 29 جمادى الثانية 1408 (18 يبراير 1983) في خطب وندوات ج : 10 ص : 30.
(32)  كلمة صاحب الجلالة في مقر جمعية المستثمرين الأمريكيين، بتاريخ 14 شوال 1415 (15 مارس 1995) في انبعاث أمة ، ج : 40، ص : 125.
(33)  كلمة صاحبي الجلالة في وفد عن الاتحاد العام لمقاولات المغرب، بتاريخ 5 ذو القعدة 1416 (25 مارس 1996) في انبعاث أمة ، ج : 41، ص : 103.
(34)  رسالة ملكية إلى المشاركين في اللقاء المغربي الفرنسي حول تقييم البحث ونقل المعارف بين الجامعة والمقاولة في المغرب بتاريخ 29 ذو القعدة 1416 (18 أبريل 1996) انبعاث أمة ، ج : 41 ص : 148.
(35)  خطاب جلالة الملك بمناسبة عيد الشباب يوم الخميس 28 صفر 1384 (9 يوليوز 1964)، انبعاث 9 : 172.
(36)  خطاب جلالة الملك بمناسبة عيد العرش يوم الجمعة 21 ذي القعدة 1386 (3 مارس 1976)، انبعاث 12 : 78.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here