islamaumaroc

تعاليم الرسل بين أتباعهم

  دعوة الحق

35 العدد

ليس التاريخ إلى أحداثا منتظمة في حلقات من الزمن، يشرف الزمان شرفها ويتضع بضعتها، فيكون زمان خيرا من زمان بالأعمال النافعة للإنسانية الواقعة فيه، كما تكون نفس أزكى من نفس حيث يكون عنصرها خالصا ومتمخضا للخير، أو يكون الخير غالبا على بقية صفاتها، فإذا أشرقت في الزمان نفس خالصة بعنصرها للجمال والكمال الإنساني، وتجلت بأفعالها لخير الإنسانية، فذلك الزمن من خير الأزمنة أو هو خيرها على الإطلاق، والمكان الذي تنبعث منه إشعاعاتها النورانية لهداية البشرية وخيرها هو خير الأمكنة، وهذا هو المقياس المناسب لخير الزمان وشرف الإنسان، وإلا فالزمان المنسوب لحركات الفلك في ذاته ليس فيه جزء أشرف من جزء كما أن الإنسان لا يفضل أخاه من جهة حقيقته المحدودة بالحياة والنطق والمنساقة للفناء والموت. وعلى هذا كانت أزمنة بعثة الرسل والأنبياء مشارق أنوار، ومطالع أسرار، ومنابع إرشاد وهداية، ومهابط خيرات وبركات إلاهية، ينبئك عنها قول الله لسيدنا نوح «اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك» إلى ما قاله عيسى في مهده: «إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي، ولم يجعلني جبارا شقيا، والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا».
كما قال الله في حق نبيه محمد: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين». وقال أيضا: «هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله.» وقال في أخلاقه: «وإنك لعلى خلق عظيم». وهكذا فضلت أمم الأنبياء وقت اتباع تعاليم أنبيائها على الأمم لم تتمسك بتلك الهداية.
وعلى ذلك قال رسول الله في حق أصحابه المحافظين على شريعته وعهده:خير القرون قرني ثم الذي يلونهم ثم الذي يلونهم فلم يجاوز كل هذا صحائف التاريخ التي كتبها الأنبياء بتعاليمهم وسيرهم وأعمال أتباعهم بين البشر. وإذا تكلمنا على ذكرى ميلاد المسيح فإننا معشر المسلمين نؤمن به كرسول من أولي العزم جاء داعيا لتوحيد الله ولشريعة الإخاء والمحبة بين البشر وقد أثمرت دعوته حتى غمرت قلوب أتباعه الحقيقيين الصفات التي ذكرها الله في قوله: «وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون».
ومن هذا السياق الذي ألمعنا إليه يتضح أن للإسلام والمسيحية هدفا مشتركا يجب أن يتعاون عليه المسلمون والمسيحيون وهو العمل لخير الإنسانية ونشر السلام في الأرض ما اشترك الإسلام والمسيحية في أن كلا منها مبني على الأسس القويمة التي تحفظ المجتمعات البشرية من الانهيار والانحلال كنظام الأسرة ومكارم الأخلاق من الصدق والوفاء والمواساة والإسعاف والإحسان وما إلى ذلك.
وقد أصبح هذا التعاون لازما أمام تفشي الإلحاد والمبادئ الهدامة التي استفحل أمرها في أوربا وأخذت تغزو البلاد الإسلامية بتيارها الجارف. وقد استهوت المادة والشهوات كثيرا من نفوس المسيحية فتركت تعاليم المسيح وراءها ظهريا ورتعت في حماة الشهوات وميدان إرضاء الغرائز ونشأ المذهب الوجودي قبل إعلانه رسميا بين أحضان الهادمين لتعاليم المسيح فبعثت الجاهلية الأولى حية تسعى في الزمان الذي يسمونه بعصر النور والعلم ناشرة ما تلقفه أهل الجاهلية الأولى من مذهب المادية العمياء القائلة ما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر وتبع هذه الميول الفاسدة حب الجاه والرئاسات والمال إلى درجة العبادة والتقديس، فخرجت الجحافل مدججة بالسلاح وبالحديد والنار تغزو الأمم الضعيفة المطمئنة بغية المال والسيطرة ضاربة عرض الحائط بمبادئ العدالة والقيم الأخلاقية ومرتكبة شر أنواع الظلم والعدوان من قتل الأبرياء وتكثير الآيامى وتشريد اليتامى إلى ما ينتشر من مخزيات وموبقات من خمور وقمار وفجور ولهو ومجون وقضاء على البقية الباقية من رصيد روحي وحياء ومروءة بين المستضعفين: فأين المفر من مخزيات الاستعمار ومن رواسبه وسمومه في النفوس والأفكار؟ وكيف الخلاص من تقاليده المادية الضارة في أمم عاشت بروحانية طاهرة، حلقت بها  نفوسها في أوج القناعة والرضى والاطمئنان وسلامة القصد وراحة الضمير؟ فأصبحت الأمم الشرقية بهذا التعدي والاستعمار الأوربي البغيض فاقدة لاستقلالها السياسي وفاقدة للتحرر الاقتصادي، وفاقدة لشخصيتها الفكرية والاجتماعية، بل أصبحت في خطر يتهدد عقيدتها الدينية. فكان لزاما على مختلف طبقات الأمة أن تكافح للخلاص وتحطيم كل هذه القيود، فتعاونت جميعها في مغربنا على الخلاص السياسي حتى وقع الاعتراف بالاستقلال رسميا، وأحرز بعضه ولا زالت للاستعمار ذيول نرجو الله أن يعين على تطهير البلاد منها في القريب. وقد أصبحت الرغبة في التحرر الاقتصادي والفكري وإحياء مقومات الأمة وتقاليدها الصالحة في الحياة بعد هذه النكبات المختلفة التي تشغل بال أكبر المسؤولين وبال المفكرين المصلحين في هذا البلد الأمين، إذ يصعب على أية أمة من الأمم أن تنسلخ من تقاليدها ومقوماتها لتتقمص تقاليد غريبة عنها، كما يريد أن يلبسها هذا اللون من الحياة بعض المشايعين للاستعمار أو خلفاؤهم في هذه الديار، لأن هذه الحياة الغربية ستجعل الأمة بعيدة عن تقاليدها وروحانيتها الشرقية التي استقرت أوضاعها فيها منذ قرون وأجيال، وكانت رأسا فيها بأمجادها وتاريخها وفتوحاتها وصلاتها المتعددة بأمم الشرق من رحم وعقيدة وتشريع ولغة وأخلاق وتقاليد، وفي وقت انسلاخ الأمة عن كل هذه المقومات تريد تلك الفئة الشاذة أن تجعلها ذنبا تابعا لأروبا، وأمة دخيلة عليها، ولصيقة فيها، فتتبرأ الأمة من شقيقاتها الشرقية والعربية وتصبح عالة على أوربا في كل مقوماتها وهذا ما لا يريده لهذه الأمة مخلص لأمته ودينه ووطنه.
وهذه الحالة الناذرة بالخطر هي التي بعثت عاهل المغرب مولانا محمد الخامس نصره الله على توطيد دعائم الصداقة مع دول الجامعة العربية بواسطة سفراء المغرب بالرحلة الميمونة التي قام بها بطل تحرير المغرب بنفسه في أول العام المنصرم إلى تلك الدول ودرس قضايا الإسلام والعروبة معهم عن كثب، ومن المناسب هنا التنويه بحملة التعريب الإداري الواسعة التي تقوم بها الحكومة المغربية وعلى رأسها جلالة الملك.
وإننا لنرجو أن يتخذ في القريب العاجل سياج من الاحتياطات تحفظ القيم الروحية وأرصدة المغرب الروحية من الانهيار كما تتخذ الوسائل الاقتصادية لحفظ كيان المغرب الاقتصادي وبذلك يمكن المغرب أن يحتفظ بجميع مقوماته معنويا وروحيا واقتصاديا وتصبح دولة لها وزنها التام في الميزان الدولي العام.    

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here