islamaumaroc

الخطاب الملكي السامي الذي وجهه الملك الحسن الثاني إلى الأمة المغربية بمناسبة الذكرى 37 لتربعه على عرش أسلافه.

  الحسن الثاني

العدد 334 ذو الحجة 1418/ أبريل 1998

 بمناسبة عيد العرش المجيد، وحلول الذكرى السابعة والثلاثين الميمونة لتربع مولانا أمير المومنين صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأيده على عرش أسلافه المنعمين، وجه – جلالته رعاه الله – خطابا ملكيا ساميا إلى الأمة المغربية، وذلك صباح يوم الثلاثاء 4 ذي القعدة 1418 هـ / موافق 3 مارس 1998، من رحاب القصر الملكي العامر بالرباط.
 وكان جلالته – دام علاه – أثناء إلقائه للخطاب الملكي السامي محفوفا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير الجليل سيدي محمد، وصنوه السعيد صاحب السمو الملكي الأمير المجيد مولاي رشيد.
 وفيما يلي النص للخطاب الكامل للخطاب الملكي السامي الذي نقل مباشرة على أمواج الإذاعة وشاشة التلفزة.
شعبي العزيز :
 تتوالى أعياد العرش التي تخلد فيها ذكرى من أعز ذكرياتك وأسناها وأحفلها بقيم الوطنية وأغناها، فيزداد بتواليها عمقها في وجدانك وحضورها في ذاكرتك وترسيخها ضمن تقاليدك وتحفيزها لمشاعر وطنيتك. ومثلما تتوالى الفصول فتزيد الشجرة الثابتة عمقا في الجذور وسموقا في الفروع وإيناعا للثمار، فكذلك تتوالى هذه الذكرى المجيدة فتزداد معها – شعبي العزيز – إنجازا لمطالبك وتحقيقا لرغائبك، وإضافة لمكاسبك. وازداد من جهتي بتواليها تفانيا في خدمتك وسهرا على أمنك وطمأنينتك وحدبا على مصالحك وقيادة مسيرتك، فلا نطوي أنت وأنا صفحة سنة مليئة بالإنجازات والمكاسب إلا نشرنا أخرى متحفزين لملئها بما يحقق المزيد من تطلعاتك وطموحاتك.
 لقد جرت عادتنا عند تخليد ذكرى اعتلائنا عرش أسلافنا الأماجد أن نجعلها مناسبة أثيرة نستحضر فيها أحوال الأمة مستخلصين العبرة مما حققته بلادنا خلال السنة الفارطة من بناء وتشييد، وما واجهته من صعوبات وإشكالات وما خامرها من آمال وتطلعات. كما أنا فرصة سانحة تتوق فيها شعبي العزيز إلى اطلاعك على رؤيتنا لشؤون بلادنا والتفكير معا فيما ينبغي أن يشرع في إنجازه انطلاقا من تقييمنا لمواردنا وإمكاناتنا محددين في نفس الوقت موقفنا من التحولات العميقة التي تؤثر في محيطنا الجهوي والعالمي.
 وكما تعمل شعبي العزيز، فإننا منذ ولانا الله أمانة قيادتك ظللنا دائبين في خدمتك لا ندخر جهدا في سبيل تسريع خطاك في مضمار التقدم والارتقاء، وتوسيع مجال حرياتك العامة والخاصة، وإلاء شأنك بين الأمم المتشبثة بالقيم الحضارية المرموقة في تقاليد الديموقراطية وحقوق الإنسان والعمل الدؤوب من منطلق مسؤوليتنا الكبرى كضامن لوحدتك الترابية غير متوازنين في العمل على استكمالها.
 وقد استطاع المغرب ولله الحمد بفضل تعبئتك وتجندك وراء قيادتنا والتجاوب مع إرادتنا الثابتة أن يتدارك خلال جيل واحد التخلف الذي كان يعثر خطاه وأن يستكمل مقومات تقدمه وتحقيق تطور ملموس كما وكيفا.
 إن الحيوية التي حباك الله بها شعبي العزيز، والتي عرفت دائما كيف تستثمرها وبخاصة في مرحلة الشدة لتبرهن على أنك قادر على تحويل الصعوبات إلى محفزات للنجاح، وكنت تدرك على الدوام إنه لا يمكنك الاعتماد على غير مواردك الذاتية من أجل التخفيف من ضغوط الظرفية غير الملائمة واحتواء مصاعب العجز المادي مهما كان مصدره كما عرفت كيف تتأقلم في ملتقى الثورة التكنولوجية وعولمة الاقتصاد مع منعطفات لا مندوحة عن مواجهتها.
 إن الاهتمام الذي ما فتئ يشغل بالنا، ويشحذ عزيمتنا على مدى العقود الأربعة الماضية، هو العمل على تحقيق تطور متوازن لبلادنا، وذلك بتفعيل جميع مجالات حياتنا من اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية، وقد تمكنا معتمدين على أن يجمعنا وإياك من تواؤم روحي ورؤية واقعية متبصرة من أن نجنب المجتمع المغربي أن شكل من أشكال المخاطرة والمجازفة، وذلك بقيادته نحو الهدف الذي توخيناه طورا بعد طور ومرحلة إثر مرحلة في سبيل تجديد كيانه كأمة معتزة بأصالتها مزودة بنظام ومن القيم المنفتحة على التجارب الأخرى والعناصر الوافدة التي من شأنها إغناء رصيدنا الوطني.
 وانتهاجا منا لهذا القويم والاختيار الحكيم، ما فتئنا نأخذ بعين الاعتبار وعلى مدى هذه العقود التطور الحاصل في مجتمعنا المغربي ومتطلبات هذا التطور في سياق عالمي يجيش بمختلف التيارات والتحولات والمتدافعة، الأمر الذي جعلنا ندأب على استشرائك وبخاصة عن طريق الاستفتاء كلما تعلق الأمر بتعديل أو مراجعة دستورية تحريا للوقوف على رأيك، واعتمادا على حسن اختيارك في كل شأن يتعلق بمصيرك، وهكذا تمكنا دونما توان ولا تسرع م أن نزود المغرب ببنية متكاملة من المؤسسات في جميع المستويات ابتداء من الجماعة وانتهاء بالبرلمان مرورا بالإقليم والجهة، فأصبح من الآن فصاعدا بإمكان كل المنتخبين أن يباشروا شؤون الجماعات والشؤون العامة التي خولوا التفويض في مباشرتها من لدن ناخبيهم، إن المشروع الذي كنا نسعى إليه، والمتبلور في ترسيخ المركزية وعدم التمركز في إطار الجهوية من ناحية، وفي إشراك القوى الحية المنتجة في آليات التشريع من ناحية ثانية، وذلك من خلال إحداث غرفة ثانية للبرلمان هو المشروع الذي تحقق في نهاية المطاف على النحو الذي نرتضيه.
وعلى مدى هذا المسير الحثيث ظل الشركاء السياسيون من أحزاب ونقابات وسلطات عمومية متعاونين في جو من التراضي والحوار، وبكل صدق وتفان من أجل اعتماد منظومة من النصوص من بينها القانونان التنظيميان المتعلقان بانتخاب وتأليف غرفتي البرلمان. ومدونة الانتخابات وقانون الجهة فهذه النصوص التشريعية الجديدة فضلا عن كونها رصيدا ومرجعا للقانون العام المغربي فإنها تشكل تجاوبا كليا مع المبادئ الأصيلة للديموقراطية.
وهكذا وطبقا لما توخيناه وقررناه معا، نكون قد وفرنا إطارا جديدا يمكننا من تحقيق تطابق متكامل بين تعلقنا الثابت بأصالتنا من جهة وبين اختيارنا الوطيد للإندماج في المعاصرة من جهة أخرى ولم يبق الآن أمام الطاقات التي تتوافر عليها شعبي العزيز، إلا أن تنطلق في خدمة بلدك وأنت كامل الثقة بالنفس، وأن تدفع بها إلى الأمام بخطى حثيثة متجاوبا مع الواقع الموضوعي وهذا الواقع وإن لم يستوعب كل طموحك الذي هو طموحي فإنه كفيل بأن يحقق كل ما يمكن تحقيقه لشعب اختار أن يتطور وفق وتيرة العصرنة التي تلائمه متجنبا دائما مزالق التهور والاندفاع من جهة ومتافديا الانغلاق من جهة أخرى.
وهكذا يمكن لجميع قواك الحية منذ الآن وبدون استثناء أن تتنافس بكل أهلية وجدارة في مجال استحقاق التناوب السياسي في إطار ملكية دستورية ضامنة للعدل والإنصاف ساهرة على المصالح العليا للأمة.
وكما سبق لنا أن أعلنا ذلك حين تنصيبنا للبرلمان الجديد فقد قمنا بوحي من ضميرنا وما وصلنها إليه من يقين ووفق ما يخوله إيانا الدستور باختيار وزير أول ليباشر تشكيل الحكومة الجديدة تجسيدا لرغبتنا في تحقيق التناوب السياسي الذي من شأنه أن يكون عنصرا مهما في تجديد صرحك الديموقراطي لأنه ينبع من جوهر نظامك الملكي الدستوري بحكم أن الملك يعلو على كل السلط والفئات والتيارات السياسية وباعتبار الجالس على العرش أبا للجميع حزبه الأمة برمتها، فهو الذي يسهر على أن يكون التباري مفتوحا أمام جميع التيارات السياسية، كي تتنافس بفضل التناوب لبلورة الاختيارات الكبرى التي يحددها الممثل الأسمى للأمة. ومن نافلة القول التذكير بان هذا التناوب الذي وعدناك به، والذي هو اليوم واقع ملموس ليس غاية في حد ذاته، ولا ينبغي أن يكون كذلك. لذا ننتظر من حكومتنا المقبلة أن تنكب على مهامها المنوطة بها بكل تفان ومثابرة، وكذلك الشأن بالنسبة لما ننتظره من البرلمان ومن مجموع القوى الحية في وطننا العزيز، وهي قوى مدعوة لتعبئة ذاتها لرفع تحديات عالم يعرف تحولات عميقة من أجل كسب رهان النهوض الاقتصادي والتنمية الاجتماعية لهذا الوطن.
وفي هذا الاتجاه ننتظر أيضا من الأحزاب السياسية كإطار للتعبئة بالدرجة الأولى، تحمل رسالتها وتعاطي مسؤوليتها الدستورية هذه المسؤولية التي لا تنحصر فقط في كونها تمثيلية، بل هي بالأساس مسؤولية تأطيرية أي تكوين أنصارها. تكوينا يؤهلهم لممارسة الحياة الديموقراطية في الاتجاه الذي يقوى أسس الاستقرار الاجتماعي والأصالة المغربية. ومن تم يتعين أن تترك الديماغوجية المكان للبيداغوجية. وذلكم هو المسعى اللائق بالنخبة المغربية التي لا يخامرنا شك في أنها على استعداد للتباري بكل ما أوتيت من فطنة ومهارة لتكون أهلا للثقة والأمل للذين نعلقهما على قدرتها ومؤهلاتها.
شعبي العزيز :
إن المغرب أخذ بنظام ديموقراطي جد متقدم قد غدا مدرسة سياسية بالنسبة لشعوب أخرى تطمح إلى استكمال آليات بناء غد أفضل.
فالمؤسسات التي استكملتها اليوم تعتبر نموذجا يحتذى ولم تكن أي واحدة منها ثمرة الصدفة أو التسرع فقد تحرنا أن يكون منهجا في تحقيق تطورك السياسي بمثابة تفاعل ذاتي مع أصالتك، وتنمية جماعية يسودها التماسك والتسامح والعمل في توافق وطمأنينة ومن هذا المنظور يمكن إدراك الدوافع التي كانت منعنا لنظام الحزب الوحيد منذ الدستور الأول ولماذا أتحنا لك شعبي منذ الوهلة الأولى ممارسة التعددية الحزبية. ولماذا تابعنا معك التعاطي لبيداغوجية سياسية بناءة أكثر من أي نهج آخر، من أجل إقرار نظام التراضي والاشتراك الجماعي في خلق ثقافة سياسية جديدة.
 شعبي العزيز :
 إذا كانت السنة التي ودعناها، قد تميزت بما هيمن عليها من منافسات انتخابية، فإنها قد امتازت أيضا بمواصلة عملية الإصلاح والإنجاز في الميدانين الاقتصادي والاجتماعي، حيث تم اتخاذ ما يلزم من التدابير لجعل الاقتصاد المغربي يتابع مسيرته بخطى حثيثة ثابتة، وهو ما يسر تحقيق عدة نتائج إيجابية منها احتواء عجز الميزانية في النطاق الملائم وترسيخ التوازنات الداخلية والخارجية، وتراجع البطالة في المجال الحضري والارتفاع المجدي للاستثمارات الخارجية التي بدأت في التدني صارت تحظى بتدبير أقوى من شأنه أن يمكن من مواجهتها بحزم وفعالية.
 وبما أن تجربة تحويل جزء آخر من الديون إلى استثمارات خاصة، قد تم تجديدها مع كل من فرنسا وإسبانيا، فإننا ندعو حكومتنا أن تضاعف الجهود في نفس الاتجاه لحمل شركائنا التقليديين على مسايرة هذه التجربة.
 ومن جهة أخرى، فقد انطلق في آخر السنة الفارطة برنامج تأهيل المقاولة المغربية، وهو البرنامج الذي يهدف بالأساس إلى تحسين الإطار المؤسساتي وتقوية البنيات التحتية وتنمية الموارد البشرية، وإنعاش الشغل والصادرات والجودة، وإننا لننتظر في هذا الصدد من الشركاء الثلاثة الذين يعود إليهم أمر هذا التأهيل، ونعني المقاولات والأبناك والسلطات العمومية أن يتحمل كل منهم مسؤولية بحزم وعزم. فعلى المقاولات أن تبذل جهدا أقوى لتحقيق إنتاج أوفر جودة وأشملها وعليها أيضا أن تحرص على شفافية حساباتها، وأن تنفتح على المساهمة لتحسين رأسمالها. كما على الأبناك من جهتها أن تأخذ بعين الاعتبار المعدل الحقيقي للفائدة الناجم عن التحكم في التضخم المالي ليعود هذا التحكم أيضا بالأثر الحميد على الاستثمار ويساهم في تنشيط النمو وإنعاش الشغل.
 وعلى المغرب لكي يندمج اندماجا مجديا في الاقتصاد الدولي أن يعتمد في استراتيجيته التنموية على الآليات الحديثة التي تمكن من إعادة انتشار الأموال، وأن يطورها كي يستعين بها على اجتناء الادخار الداخلي، واستجلاب رؤوس الأموال الأجنبية، بيد أنه من اللازم الحرص على أن توجه الموارد الخارجية إلى الاستثمار المنتج لا إلى أسواق المضاربة ذلكم أنه إذا كانت الإعانة المشروطة قد هددت في الماضي الاستقلال السياسي للدول، فإن دفق الأموال من أجل المضاربة، قد يهدد اليوم وجودها. أننا هنا أمام ظاهرة تخيف الجميع، وطالما لم يتم توافق دولي حولها، فإن علينا أن نحترس من آثارها حتى لا نفاجأ بما لا يرضي. على أن المغرب لوطيد العزم على متابعة الجهود من أجل تحسين ظروف استقبال الشركاء الأجانب، وهو سعيد بما برهنوا عليه تجاهه من ثقة في السنة الماضية باستثمارهم لأكثر من مليون دولار.
 شعبي العزيز :
 إنه باستمرار الرعاية البانية لنا وتوالي نعمها علينا. سيكون الموسم الفلاحي الجديد بحول الله موسما جيد الأثر على معدل النمو للناتج الداخلي العام، الذي لا يزال رهين التقلبات المناخية، ولتخفيف وطأة هذه التقلبات على فئة الفلاحين التي ما فتئنا نشملها بكامل عطفنا وحدبنا حرصنا على معالجة ما ألم بها من خيبة وضيق خلال السنة الماضية.
وهكذا قررنا أن نتخذ الإجراءات الملائمة لحل معضلة المديونية التي تثقل كاهل فئات واسعة منها، وأن يتم بحث التوجه الذي يجب إعطاؤه للتنمية الفلاحية، وقد أدت هذه الإجراءات إلى تدعيم المتأخرات من القروض المستحقة للصندوق الوطني للقرض الفلاحي، بالنسبة لما يفوق ربع مليون من الفلاحين حتى يتمكنوا من الاقتراض مجددا. كما أن بحث التوجه الفلاحي أسفر بدوره عن وضع مشروع أولي لقانون يرمي إلى ضمان الأمن الغذائي للبلاد واستقرار الدخل بالنسبة للفلاحين وتقوية الإنتاجية والتنافسية للمنتوج الفلاحي والحفاظ على الموارد الطبيعية من أجل استدامتها. وإننا لننتظر من حكومتنا أن تتخذ ما يلزم من التدابير لترجمة هذا التوجه على أرض الواقع.
 ومن جهة أخرى، فإننا عازمون على التصدي لكل عوامل الاختلال التي قد تقف حجر عثرة في سبيل تقدم المجتمع المغربي نحو الارتقاء. لذا، فإننا مصممون على إصلاح وتقوية الإدارة حتى تنهض بدورها كجهاز في خدمة الصالح العام ملتزمة سبيل الحزم والترشيد، أنها مطالبة في مناخ ترجع الكلمة الفصل فيه هي الإنتاجية أن تكون في آن واحد أقل تكلفة وأقوى مردودية، كما أننا نهدف إلى إصلاح جهازنا القضائي لتمكينه من القيام بدوره كعامل أساسي يساهم في تعميق الديموقراطية في المجتمع المغربي، وتقوية تماسكه وتطهير المناخ الاقتصادي، لذا يجب أن يكون هذا الجهاز قادرا على مسايرة التحولات الجارية متشبتا تشبتا متينا بقيم النزاهة والاستقلال التي ضمناها له دستوريا.
 وانطلاقا من وعينا بما يتطلبه الاقتصاد المفتوح، فإننا لن ندخر جهدا كي يصبح اقتصادنا ضمن الإطار الشمولي السائد اقتصادا منافسة وأقوى إنتاجية، بيد أن طموحنا في هذا المجال، لن يقف عند تقوية الاقتصاد الإنتاجي وحده، بل سيهدف في نفس الوقت وبالأساس إلى إقامة نموذج للتنمية يكون عاملا من عوامل التناسق الاجتماعي، وحافزا من حوافز التضامن ووازعا للتوزيع العادل لثمار النمو ووسيلة للحد من الفوارق، وسبيلا للمحافظة على سلامة المحيط الذي نعيش فيه.
 ومن أجل بلوغ هذه الأهداف، فإننا سنسعى من وراء استراجيتنا إلى التحكم في ما يعانيه الواقع المغربي من الظواهر المسببة للفوارق الاجتماعية أعني بذلك التكاثر السكاني والهجرة القروية، وتمركز الإنجازات الاقتصادية بالساحل الأطلسي، هذا التمركز الذي ما فتئ حلى الآن يولي ظهره للجهات الأخرى، وعليه، فإننا سنحرص على أن تتمكن كل جهة من جهات المملكة سواء بالشمال أو الجنوب، من أن تصبح مستقطبة للتنمية مؤهلة لاستقبال النشاطات المنتجة الموفرة لفرص الشغل. وبذلك سنتمكن من فك العزلة عن البوادي والتوصل إلى التوازن السكاني، وتقوية قدرة العالم القروي على مقاومة التقلبات المناخية.
 وإننا لننتظر من حكومتنا المقبلة أن تتخذ في المجال الاجتماعي تدابير فعالة ترمي إلى استمرار وتوسيع وتعميق سياسة توجيه الموارد، ومنها الاعتمادات المرصدة في صندوق الموازنة للفئات التي تحتاج إليها حرصا على أن يؤول ما تقوم به الدولة من مجهودات إلى المستهدفين الأحق بها.
غير أن الدولة والحالة على ما هي عليه، لن يكون بإمكانها القضاء على جميع أنواع العجز الاجتماعي إلا بالاعتماد على المساهمة المتحمسة للفعالين الاقتصاديين والاجتماعيين. وفي هذا السياق نسجل بارتياح نزوع هؤلاء الفاعلين إلى تطبيق مبدأ الشراكة سواء بين الجماعات المحلية والوزارات المختصة أو بين هذه الوزارات وبعض مكونان المجتمع المدني. وأن المجال المفتوح أمام هذا النوع من التعاون لمجال واسع جدا، حيث يمكن أن يشمل البنيات الأساسية والمشاريع التربوية والثقافية والاجتماعية، وما الاتفاقات التي تم بها إبرامها بين الوزارة المعنية والجماعات المحلية لإنشاء فضاءات مجهزة للمقاولات وتلك التي بمقتضاها ستشارك منظمات غير حكومية في عمليات محو الأمية إلا أقوى دليل على ما للمواطنين من استعداد كبير لخدمة الصالح العام.
 لذلك، وتجاوبا مع هذه الرغبة المحمودة التي تهيمن على نفوس رعايانا الأوفياء، وحثا منا لنزوعهم الطبيعي على تظافر الجهود لتحقيق الرفاه للجميع، أدركنا أنه آن الأوان لإقامة نوع جديد من التعاون بالاعتماد على إحدى الركائز الإسلامية للتضامن الاجتماعي ألا وهي الزكاة الركن الثالث من أركان الإسلام.
 ولست في حاجة، شعبي العزيز، إلى تذكيرك بأن أعما ل الخير بالنسبة للإسلام، من واجب روح التكافل، فيه أعمال ذات وظيفة اجتماعية عظمى هدفها التخفيف من المعاناة وإغاثة المحتاجين وتحسين أحوال ذوي الخصاصة والتقليص من الفوارق الاجتماعية. ولست في حاجة إلى تذكيرك بأنه ما من إنتاج أو تملك إلا ولهما بعد ديني وحضاري بالنسبة للمسلم، فالقرآن الكريم، يقرر أن الثروة لا تطلب لتكدس أو تكنز، ولكن لينتفع منها المجتمع كله.
 ومن نفس المنطلق، يجدر بنا أن نذكر أيضا بأن العمل لم يكن يعتبر مجرد سعي لتحقيق مكسب مادي وحسب، وإنما كان ينظر إليه كذلك على أنه قيمة اجتماعية تسمح للمواطن بأن يعلب الدور الذي يرفع شأنه وسط بيئته، لذا لم نفتأ نولي إنعاش الشغل الأولوية المطلقة، وقد مكنت التدابير المتخذة أخيرا طبقا لتعليماتنا من تخصيص ألفين وخمسمائة منصب مالي لفائدة الشبان الحائزين على دبلوم السلك الثالث. وبموازاة ذلك، وفضلا عن التكوين المهني المتناوب، فإن برنامجا خاصا يطبق على مدى أربع سنوات قد تم البدء في إنجازه لتيسير التحاق عشرين ألفا من الشباب بالمقاولات سنويا. أما ما يتعلق بالتشغيل، في الوسط القروي، فقد تم إعداد برنامج جد مشجع لإدماج خريجي المدارس الفلاحية في الحياة العملية. وهكذا سيتمكن هؤلاء الشباب من اقتناء وإعداد وتجهيز الأراضي الفلاحية التي يقع عليها اختيارهم، وذلك عن طريق دعم مالي ملائم وقليل التكلفة. كما أن مضاعفة الجهد لصالح السكن الاجتماعي ستؤدي إلى اتخاذ تدابير جديدة لتشجيع المبادرة من لدن العائلات والمنعشين العقاريين حتى يتيسر لهذا القطاع أن يقلص ما لحق به من عجز، الأمر الذي سيترتب عليه أيضا خلق العديد من فرص الشغل.
 ومهما يكن المجهود المبذول، الذي يبذل في هذا المجال، فإنه سيظل ناقصا إذا لم يدعمه تكوين جيد للشباب يؤهلهم للاعتماد على أنفسهم قبل كل شيء ومن تم كان انشغالنا الكبير بضرورة إصلاح نظام التعليم الذي لم يعد يساير متطلبات العصر. ومن الآن فصاعدا يجب أن تصبح إشكالية التشغيل وحاجيات سوق العمل مندرجة في صلب سياسات التربية والتكوين وذلك على مستوى الطورين الثانوي والعالي لقد أصبح من الواجب تكوين المتعلم ابتداء من السل الأساسي التكوين الذي يؤهله للتمرس بالتقنيات والمهن التي تعده للحياة العملية دون إغفال تلقينه في نفس الوقت مبادئ المسؤولية والقيم الخلقية والوطنية التي تهيئه ليصبح مواطنا متشعبا بقيم أمته، متحليا بفضائلها، واعيا ما له من حقوق وما عليه من واجبات، ولهذا أصبح من الضروري القيام بمجهود جماعي في إطار المجلس الأعلى للتعليم، هذه المؤسسة الدستورية التي سنعمل على تفعيلها بعد أن نتوصل باستنتاجات اللجنة المختصة التي سنكونها عما قريب.
 ومن جهة أخرى، من الضروري إذا ما أردنا أن نقوم بعمل جاد وهادف متناسق في مجال الإنعاش الاقتصادي والاجتماعي أن نحدد اختيارات المغرب وأولوياته. وهذا ما جعلنا نعلن عن نيتنا باستئناف العمل بالتخطيط في صيغة جديدة من شأنها أن تنسق أعمال كل الفاعلين لتوجيه نشاطهم وجهة متكاملة.
 شعبي العزيز :
 في خضم هذه الانشغالات آنفة الذكر، لم يتوان المغرب في تأكيد تشبثه بقواعد القانون الدولي، وبفضائل التعاون المتعدد الأطراف كخيار طوعي، واقتناع راسخ عمادهما اثنا عشر قرنا من التقاليد التي جعلت مملكتنا ملتقى للتوافقات المثمرة.
 إن تشبثنا بالشرعية الدولية، ينبع أيضا من أملنا في كون القانون سينتهي آجلا أو عاجلا إلى فرض نفسه على ضمائر كل المتعنتين، وقد رعينا هذا الأمل الذي كرسنا له جهودنا وجعلنا منه قوام عملنا الدؤوب لصلاح السلم والأمن العالميين.
 بيد أن منطقة الشرق الأوسط للأسف الشديد لا تزال تشهد انهيار الأمل الذي انبثق من اتفاقيات "أوسلو" بالنسبة لهذه المنطقة وذلك بفعل إصرار الحكومة الإسرائيلية على التنكر لكل ما أخذته على نفسها من التزامات وتماديها في غطرسة من شأنها تعريض مواطنيها، وكل شعوب المنطقة لتوترات خطيرة فلا المرونة الحميدة التي أبدتها السلطة الفلسطينية تحت قيادة أخينا الرئيس ياسر عرفات، للدفع بعملية السلم ولا نداءات الأمم الصديقة في الاتحاد الأوربي، ولا العمل الدؤوب للولايات المتحدة الأمريكية، لا هذا ولا ذاك قد نال من سياسة التعنت التي تنهجها الحكومة الإسرائيلية، وإننا لعلى يقين من أن هذه السياسة ستبلغ نهايتها آجلا أو عاجلا وأنها بدل أن تخدم المصالح الحقيقية للشعب الإسرائيلي فإنها لا تعمل إلا على التأخير المنذر بالمخاطر لاستحقاق مقدور لا محالة في المجرى الثابت للتاريخ.
 وعلى صعيد آخر، فإننا سنظل حريصين أشد الحرص على تشجيع كل المبادرات التي تنحو منحى توسيع التعاون بين أمم منطقة شرقي وجنوبي البحر الأبيض المتوسط.
 وإننا لجد مسرورين للمبادرات المتخذة، مؤخرا والرامية إلى تمكين الأمة العربية من تشكيل منطقة واسعة للتبادل الحر.
 وبموازاة ذلك فقد سهرنا على تعميق وتوسيع تعاوننا مع الاتحاد الأروبي الذي تربطه ببلادنا اتفاقية شراكة منذ فبراير 1996، وفي هذا الإطار سعدنا خاصة باستقبال كل من رئيس الجمهورية الإيطالية ورئيس الجمهورية البرتغالية  كما حل ببلادنا في زيارة عمل الوزارة الأول لكم من إسبانيا والبرتغال وفرنسا وكذا رئيس البنك الأروبي للاستثمار، وقد كان بلدنا حريصا في هذا السياق من المشاورات على تحقيق قصى ما يمكن من الاستفادة من علاقاته الطيبة بدول الشمال كما اغتنم كل الفرص للدفاع عن مشاريعه سواء أكان ذلك في إطار العلاقات الثنائية أو على صعيد المتابعة مع اللجنة الأروبية أو في نطاق تتبع مسلسل برشلونة.
 وبما أن بلدنا ظل مرتبطا على الدوام بجيرانه في الجنوب بروابط الصداقة والأخوة والتعاون فقد شهدت السنة المنصرة تكثيفا في المشاورات واللقاءات الأخوية مع عدة رؤساء دول وحكومات إفريقية. حيث سعدنا باستقبال أصحاب الفخامة السيد الحاج عمر بونغو رئيس جمهورية ليبريا والسيد دونيس ساسو نغيسو رئيس جمهورية الكونغو، وخلال نفس السنة عرفت مبادلاتنا التجارية مع هذه المنطقة قدرها خمسون بالمائة مشكلة بذلك تحولا ذا دلالة خاصة في تعاوننا مع هذه المنطقة التي تشدنا إليها وشائج تاريخية من التعاطف والتضامن.
 شعبي العزيز :
 إننا مع اهتمامنا الدائب بشؤون تنميتك وإعلاء شأنك بين الأمم فقد ظللنا بحكم مسؤوليتنا التاريخية والدستورية ساهرين على ضمان حوزة وطنك واستكمال وحدته الترابية بالطرق السليمة انطلاقا من تشبثنا الراسخ بالشرعية الدولية. وهذا الخيار هو الذي جعلنا نقبل إجراء استفتاء تأكيدي في أقاليمنا الجنوبية لإنهاء مشكل مفتعل هدفه الحيلولة دون استكمال المغرب لوحدته الترابية.
 ولا يخامر الشك كل ذي بصيرة في حسن مال هذه الاستشارة التي سيشكل فرصة لتأكيد البيعة التاريخية التي تربط سكان هذه الأقاليم بعرشنا. ويمكننا أن نؤكد لك رعايانا الأوفياء ضحايا الابتعاد القسري أنهم سيتمكنون قريبا من العودة إلى الحضن الدافئ والحنون لوطنهم الأم.
 وفي هذا الصدد فإننا سنحرص على ألا يحرم أي واحد من أبنائنا وبناتنا المنحدرين من الأقاليم الجنوبية المتوافر فيهم أحد معايير تحديد الهوية الموضوعة من قبل الأمم المتحدة من حقه المشروع في التسجيل في لوائح الإحصاء وإن إطار مدونة السلوك الخاص بالعمليات الجارية ليلزم جميع الأطراف بعدم افتعال أي عراقيل من شأنها الحيلولة دون الأعمال النزيهة لتلك المعايير.
شعبي العزيز :
إن بلدك المغرب كما قلت لك دائما شجرة كريمة مليئة بالحيوية، متينة البنيان، وافرة الظلال. وهو ما فتئ يبهر الجميع بقدرته على التكيف مع أي ظرفية صعبة. وليس لديه ما يخشاه على هويته الوطنية في عالم يزداد تفككه كل يوم وتضيع فيه الخصوصيات فقد وهبه الله شعبا موحدا وقيما راسخة ومناخا أفضل يستجيب لخصائصه وتطلعاته.
 إن التقدم المذهل للتكنولوجيا قد أدخل العالم في مرحلة نمو مكثفة يطبعها التعقد والتسارع وصعوبة التوقع، فكل المعطيات تخضع في عالم اليوم للتغيير بما في ذلك الاقتناعات الراسخة وأنماط التمثل لدرجة أن عملية صنع القرار ضمن وضعيات مستجدة صارت جد صعبة إن لم نقل ممتنعة ضمن محيط مطبوع بتصدع الأنماط المعتادة للضبط. بيد أن كل هذه التحولات لا يمكن أن تنسينا أن المغرب ذو عراقة في التاريخ وأن أمته الوسط مطبوعة بالاعتدال وافرة الثقة بالنفس مؤمنة بمؤهلاتها الذاتية وبقدرتها على حسن استعمال قاعدة الحوار والتوافق التي استوعبت كامل فضائلها هذه الفضائل التي تلقيناها بالممارسة والقدوة المثلى عن والدنا جلالة المغفور له محمد الخامس، طيب الله ثراه، ففي مدرسته المجاهدة تربينا وبأخلاقيته النبيلة تحلينا وبحكمته وعلى نهجه سرنا فجعلنا من مسيرته التحرر والوحدة والارتقاء التي شرعنا لشعبه مسيرة متواصلة تتجدد أهدافها وتزداد مكاسبها وتتوالى انتصاراتها، فالله ندعو المنيبين الخاشعين أن يثيبه على ما قدمه لشعبه الثواب المأمول لعباده المخلصين وأن يقعده معقد صدق مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
 وبهذه المناسبة ننوه كل التنويه بقواتنا المسلحة الملكية وبقوات الدرك والأمن والقوات المساعدة المرابطة في ثغورنا الصحراوية القائمة بواجبها في السهر على أمنها وطمأنينة رعايانا بين أرجائها فإنها جديرة بهذا التنويه حرية بالإشادة على رباطة جأشها وانضباطها ووفائها للمقدسات التي أقسمت على الولاء لها والتفاني في الدفاع عنها.
ولا يفوتنا في هذا المقام أن نتذكر البطولة والاستشهاد التي وقفها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا فنقف خاضعين أمام أرواح شهدائنا الأبرار الذين كتبوا بدمائهم في سبيل هذا الوطن الغالي صفحات المكرمات والفخار وضحوا بكل عال ونفيس لكي يظل وطنك شعبي العزيز، بلد الحرية والأحرار متبوثا مكانه اللائق به بين الدول ذات العزة والهيبة والوقار.
اللهم أنك تعلم أنني ما ادخرت جهدا في سبيل إسعاد شعبي والرقي به في مراقي التقدم الذي يتطلع إليه ولا غفوت عن واجب من واجباتي في حياطته بالأمن والطمأنينة ولا توانيت في تحقيق رائبه وإنجاز مطالبه ولا في الحدب على بعيده وقريبه مقيمه ونازحه ولا وهنت عزيمتي وإرادتي في مواصلة قيادته نحو الأعز والأرقى لما يصبو إليه فأعنى اللهم على مواصلة هذا المسعى وتحقيق هذا المرتجى، واجعل اللهم الأواهر التي تشدني إلى شعبي عروة وثقى وسياجا محكما لا يطوله وهن ولا يعلوه مرتقى محققا لإسعاده واتقائه صادق مسعاي مسددا على نهج الحق في خدمته كل خطاي أخذا بيدي لتحقيق ما ترضاه لديني ودنياي متقبلا بفضلك خالص دعائي ونجواي : (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب).
صدق الله العظيم
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here