islamaumaroc

وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا

  عمر بنعباد

العدد 334 ذو الحجة 1418/ أبريل 1998

في أشهر الحج من كل عام تتعلق قلوب المسلمين بالبقاع المقدسة، وتتوق نفوسهم وأفئدتهم إليها لأداء فريضة الحج وسنة العمرة، وللصلاة في المسجد النبوي، وزيارة الروضة النبوية الشريفة.
ولا غرو في ذلك، فالحج عبادة عظيمة في الإسلام، ومناسبة دينية يتجدد اجتماع المسلمين فيها كل عام، وتعتبر ملتقى إسلاميا سنويا كبيرا، تؤدى فيه تلك العبادة باعتبارها ركنا من أركان الدين، وقاعدة من قواعده الخمسة التي بنى عليها، وتجب في حق من توفرت له الاستطاعة المطلوبة لأدائها، مصداقا لقول الله تعالى : (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : بني الإسلام على خمس، وذكر منها فريضة الحج، وقوله : (يا أيها الناس إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا).
وهذه العبادة في الإسلام – كباقي العبادات والشعائر الدينية الأخرى – لها مكانتها الخاصة وثوابها الكبير عند الله تعالى، يتضح ذلك من خلال قول النبي صلى الله عليه  وسلم : "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"، وقوله : "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
وهي – إلى جانب ذلك تنطوي على حكم وأسرار، إذ فيها كذلك تتجلى عبودية العباد لله، وإخلاصهم وطاعتهم، وخضوعهم لربهم الذي خلقهم ورزقهم، وتكرم عليهم بنعمة الإسلام وهداية الإيمان. مصداقا لقوله تعالى : (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)، وقوله سبحانه خطابا لنبيه إبراهيم عليه السلام حين أتم بناء البيت الحرام، وطهره للطائفين والقائمين والركع السجود : (وأذن في الناس بالحج يأتوك  رجالا وعلى كل ضامر ياتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات..).
وهي أيضا مناسبة جليلة تبرز تلك الوحدة الإسلامية القائمة بين المسلمين في عقيدتهم وعباداتهم الصحيحة وأخلاقهم الكريمة، ويتجسم فيها التقاء المسلم بأخيه المسلم، وتقوية أواصر الإخاء والتواصل، وتمتين روابط التعارف والتعاون، وغرس روح المحبة والفضيلة والثقة بينهم، مهما بعدت الديار وشط المزار، وتنآت الأقطار والأمصار، ومهما اختلفت اللغات والأجناس والألوان، فهم أمة واحدة بفضل الإسلام ودينه الحق، وشريعته الربانية، وأحكامه السمحة، مصداقا لقول الحق سبحانه : (وإن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاعبدون) وقول جل علاه : (وتعانوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)، وقوله سبحانه : (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير)، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : "لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح".
وهي – إلى جانب ذلك مناسبة دينية مباركة، تتاح فيها الفرصة للتعبير للمسلم عن اهتمامه بأخيه المسلم أينما كان وحيثما كان، وعن إحساسه وشعوره بما يعيشه المسلمون من أوضاع وأحوال، فيها ما يبعه على التفاؤل والانشراح والارتياح، وفيها ما يبعث على الانقباض والتأسف والألم.
وهي أن المسلم حين يلقي نظرة على خريطة البلاد الإسلامية ويتأمل واقعها المعيش من خلال ما يسمعه ويقرأه ويراه يجد أن بعض البلاد منها تعاني ظروفا صعبة، حيث تمر في حياتها المعاصرة بأزمات شديدة، وتقاسي متاعب وملمات مضنية ومنهكة، إما من جراء حصار جائر وظالم مفروض على هذا البلد المسلم أو ذاك، أو من جراء اعتداءات غاشمة على بعض البلاد الإسلامية وتتعرض لها من قوة طاغية دخيلة عليها، كما هو الشأن في قضية المسلمين الأولى. قضية فلسطين السليبة، وما يلقاه أهلها وأبناؤها من اعتداء عليهم ومساس بحقوقهم وكرامتهم وحريتهم المشروعة، واحتلال لأراضيهم من طرف إسرائيل وعنصريتها البغيضة المتغطرسة.
وإما أن يكون ما تعانيه بعض البلاد الإسلامية من هموم وملمات ناتجا عن خلافات داخلية بينها، ونزاعات طائشة متشددة مع بعضها، لا تخضع لشرع ودين، ولا تحتكم لعقل ومنطق سليم، ولا لمصلحة عليا للأمة، ولا لندآت الخير والإصلاح والدعوات المتكررة التوفيقية، بقدر ما تخضع لأسلوب التشدد والانتقام والسير مع الهوى ونزعات الشيطان، فتسبب في كل يوم في إزهاق أرواح بريئة وترويع نفوس آمنة مطمئنة، وإضاعة أموال محتاج إليها في النهوض بحاجات البلاد، وتنميتها وتقويتها، وتترك وراءها ما تتركه من مآسي وآلام وأضرار، ومصائب وهموم وأحزان، مما يجعل منها أحوالا غير عادية ولا مرضية، لا يقرها شرع ولا قانون، ولا يسمح بها شعور إنساني. ولا ضمير حي بشري.
وهي أوضاع إن كان يفرح لها أعداء الإسلام، ويتخذونها مطية للطعن فيه وتشويه صورته، وتزييف حقيقته، والحكم على أمته بالجهل والتقهقر، فإنها تبعث على الأسى والحسرة والألم في نفس كل مسلم ومسلمة، وتترك الاشمئزاز منها في أعماق كل مومن ومومنة وتقض مضجعة وتشغل باله، وتأخذ من اهتمامه ووقته، ومن فكره وراحته، خاصة من جعلهم الله في موقع المسؤولية العظمى، وأناط بهم الأمانة الكبرى، والحرص على إصلاح الأمة الإسلامية وإسعاد بلادها في الدين والدنيا، من ملوك ورؤساء بلاد الإسلام، ويتمنى مخلصا وصادقا لو أن المتسببين في تلك الخلافات والشقاق والنزاعات عادوا إلى رشدهم، واحتكموا إلى دينهم و مصلحة وطنهم، وجلسوا إلى الحوار البناء، واعتبار المصلحة العامة للبلاد فوق كل مصلحة أخرى، حتى يعود السلم والاطمئنان إلى تلك البلاد، ويعيش أبناؤها وأهلها على روح من الإخاء والصفاء، والتضامن والاستقرار بدل الخلاف والاقتتال،  وحتى يسعد ويهنأ معهم، كل المسلمين ويشاركهم الشعور بنعمة الأمن وصلاح الأحوال، فإن الله تعالى يقول : (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم، واتقوا الله لعلكم ترحمون)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم"، وقال : "المسلم للمسلم كالجسد إذا اشتكى تمنه عضو تداعى منه سائر الجسد بالسهر والحمى، وكالبنيان يشد بعضه بعضا".
ومن ثم، فإن من شأن المسلم والمفروض فيه، وهو يعيش هذه المناسبة الدينية العظيمة ويحياها : مناسبة الحج الأكبر والوقوف بعرفة، سواء كان ممن كتب لهم الحج هذه السنة، أو ممن يوجدون في مختلف الأقطار الإسلامية، أن يستحضر واقع المسلمين بكل ظروفه وأحواله و قضاياه، وأن يسأل الله لهم النصر والفتح، والرشد والأمن أينما كانوا وحيثما كانوا، وأن يطفئ ما بينهم في بعض البلاد من خلاف وفرقة، وشقاق وفتنة، حتى يعودوا إلى الصفاء والإخاء، وينهضوا بما يجب عليهم نحو أمتهم من تحقيق أسباب الرخاء ووسائل التقدم والنماء والازدهار.
وأن يستحضر كذلك تلك الوقفة التي وقفها النبي صلى الله عليه وسلم بجبل عرفة  في حجة الوداع، وما كان فيها من خطبته التوجيهية، وكلماته الخالدة، التي أرشد فيها أمته المحمدية إلى معالم الخير ومبادئه، وأحكام شرعية يجب أن يعيشها ويدركها كل مسلم ومسلمة، وأن يترسم نهجها ويعمل بها كل مؤمن ومؤمنة، ويتخذها نبراسا ودستورا له في حياته الخاصة والعامة.
فلقد كان من جملة ما جاء فيها تحريم دماء المسلمين بعضهم على بعض، وتحريم أموالهم وأعراضهم، ووصيته بالنساء خيرا، وبحسن المعاشرة معهن، والتذكير بما يجب من حقوق متبادلة بين الرجل والمرأة، والتحذير من إثارة الشقاق والخلاف بين المسلمين بعضهم مع بعض، فقال عليه الصلاة والسلام : "أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم.
فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، واتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرا، وإنما المومنون إخوة، ولا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب خاطره، وإن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في أرضكم هذه : "أرض السلام"، ولكنه لم ييأس من التحريش بينكم، ورضي أن يطاع فيما تحقرونه من أموركم، فاحذروه، فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، وإني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي، كتاب الله وسنتي.
وعسى الله أن يجعل من أشهر الحج المباركة، ومن مناسبتها الدينية الجليلة والتقاء المسلمين فيها من كل مكان على هدى وتقوى من الله ورضوان مناسبة طيبة تعود بهم إلى الخير والرشد والجادة والحق والصواب والفلاح، وإلى التمسك التام بالدين والاعتصام بحبله المتين، والالتزام بشرعه الحكيم الذي هو سر انتصارهم وعزهم، وأساس مجدهم في كل وقت وحين، مصداقا لقول الله تعالى : (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)، وقوله سبحانه : (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تومنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا)، ويقول : (ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here