islamaumaroc

ناطقون أو مفكرون ؟

  دعوة الحق

35 العدد

يحلو لقادة بعض دول إفريقيا الغربية التي نقلت إليها أخيرا اختصاصات الجامعة الفرنسية وأصبحت في العرف الدولي مستقلة وذات سيادة أن يطلقوا على دولهم اسم (الدول الإفريقية المعبرة بالفرنسية)، وخاصة منذ الفترة التي كانت تستعد للاجتماع إلى بعضها في أبيدجان لدراسة بعض المشاكل الإفريقية وتحديد مواقفها تجاه القضايا التي تتصل بمستقبل المعركة التحريرية في القارة الناهضة.
ولم يكلف أحد –بادئ الأمر- نفسه عناءا في مناقشة أولائك القادة حول التسمية التي أطلقوها على دولهم رغم أن أكثر من تسعين في المائة من شعوب تلك الدول لا تعرف حتى الرد بالإيجاب أو النفي بغير اللغات الوطنية الإفريقية، ورغم أن بعض اللغات المحلية تتكلم بها نسب مهمة من تلك الشعوب، وبالغة من التطور والانتشار الدرجة التي يمكن معها –متى أخذت بوسائل التشذيب- أن تصبح كلها أو بعضها اللغة الرسمية التي تدار بها الإدارات والمصالح على اختلافها.
ولم يسأل أحد أولائك القادة لماذا لم يطلقوا على أنفسهم تسمية أخرى (كدول إفريقيا الغربية) مثلا أو (دول الجامعة الفرنسية) أو (دول أبيدجان) خاصو وأن مؤتمرات سابقة أطلق على المشتركين فيها اسم المكان الذي انعقدت فيه كدول باندونغ ودول منروفيا .. الخ
ولكن الألم كان يحز في نفوس الشعوب الإفريقية وهي ترى أشقاء لها يؤمنون بمحض إرادتهم وبتلقائية لا يحسدون عليها بالتبعية الفكرية-وحتى لو افترض وجود صلات فكرية قوية- فإن هذه التبعية تعد مظهرا خطيرا من حضارة فرنسا، التي كانت تستعمرهم بالأمس، تلك الحضارة التي تأخذ الآن في التقلص والافول.
ولقد عقب الماليون –وهم الذين تخلصوا في نفس الوقت من الاستعمار الفرنسي- على تلك التحلية بأن دول أبيدجان التي تحولت إلى كواكب اصطناعية وأخذت تسبح في الفضاء حول فرنسا تخوفت من أن تسمى نفسها «الدول التي كانت تابعة لفرنسا» حتى لا تظهر بمظهر المنفصلة عنها وهي التي ترتبط معها بأوفاق لا تقل عن عقود للحماية، وتخضع لتوجيهها خضوعا كاملا..
أما الغينيون فإنهم نسبوا ذلك إلى الخلافات حول زعامة الإحدى عشر دولة إذ لو نسبت إلى العاصمة التي شهدت مؤتمرها لقر في النفوس أن ساحل العاج أصبحت عاصمة مركزية ومستقطبا لمختلف التيارات التي يريد كل زعيم أن يحولها إلى حدوده.
وإذا كانت التسمية الملوثة قد وقعت من نفوسنا نحن المغاربة موقعا أليما فإن ما آلمنا أكثر من ذلك هو ألا تكون الدول متحدثة أو معبرة باللغة الفرنسية وحسب ولكن أن تكون مفكرة بالعقلية الفرنسية فوق ذلك وقد أقام الدليل على هذا التفكير موقف تلك الدول أثناء وبعد مؤتمر أبيدجان من ثلاث قضايا لا تتعلق فقط بالتحرر، ولا تقف فيها  فرنسا في قفص الاتهام وحسب ولكنها تقرر مصير القارة ومعركة الجانب المتحرر مع الاستعمار.
فابن دادة ارتضى بأن يكون هو الآخر رئيس دولة تتكلم الفرنسية وجد كل تشجيع في أبيدجان للخطة التي ابتدعتها العبقرية الفرنسية والآلية إلى فصل موريطانيا عن المغرب وتحويلها إلى قاعدة عسكرية يتمثل فيها التهديد المستمر لحدود الدول المجاورة وخاصة حدود الجزائر وحدود الدول المتحررة التي خرجت على طاعة فرنسا، وإلى حاجز جبار يمنع اتصال شمال إفريقيا عن غربها الأمر الذي يحول دون تعاون وتساند المنطقتين ويمنع تسرب الثقافة العربية والدعوة الإسلامية إلى الجنوب.
إن مؤتمر الناطقين أو المفكرين بالفرنسية كان أفضل معبر عن الاتجاه الفرنسي في القضية: وجه تهانيه للمختار ولد دادة بمناسبة استقلاله، والكل يعلم أن ابن دادة دمية تحركها فرنسا من الخارج وتحركها في الداخل بواسطة جيش الاحتلال والحكام الفرنسيين وأنه مبغوض عند شعب موريطانيا، وأعلن المؤتمر كذلك اعترافه بما سماه الجمهورية الإسلامية الموريطانية والكل يعلم أيضا أن إقامة تلك الدولة هو تآمر على تاريخ وفصم لكيان، وخنق لصوت شعب لا يريد بغير الوحدة لكيان، وخنق لصوت شعب لا يريد بغير الوحدة بديلا، وأخيرا أكد أنه يكرس جهوده بحماس للدفاع عن إبراز شخصية موريطانيا في المجال الدولي.
فهل تجاوز تفكير فرنسا هذه الحدود وفي أي وقت؟
وتأتي بعد ذلك قضية الجزائر وموقف مؤتمر أبيدجان من القضية كان يختلف جوهريا عن الأسلوب الذي اتبعته دوله فيما بعد سعيا في معالجة القضية، ولا يرجع ذلك إلى أنها وجدت في الجو ما يوجب بعض التعديلات ولكن يرجع إلى أن فرنسا عاتبتها على انحرافها قليلا عن تأييد استعمارها ووحشيتها تأييدا مطلقا.
والأحداث تثبت ذلك وتؤيده:
لقد قررت تلك الدول أن تعرض وساطتها على الجانبين المتحاربين، وذهب ثلاثة من قادتها إلى باريس وإلى تونس للاتصال بالقادة الجزائريين ثم اجتمعت تلك الدول الناطقة بالفرنسية في نواكشوط يوم 28 نوفمبر بمناسبة استقلال أحد الناطقين بالفرنسية أيضا، وتذاكر الجميع في الموضوع الجزائري، ثم أخبرت الصحافة أنه وقع اتفاق حول الخطة التي يجب اتباعها في الأمم المتحدة، والتي تنبني على أساس تجنيب فرنسا أي موقف حرج في تلك الهيئة الأممية ولم يتحدث أي من أولائك الرؤساء عن الوساطة أو عن استئناف مفاوضات مولان، حيث كانت المناقشة تدور حول صيغة مشروع القرار الذي يجب تقديمه وتصور التعديلات التي ينبغي إدخالها على أي مشروع آخر يقدم من الكتلة الإفريقية الأسيوية.
وهكذا انتهى الأمر بتحول في خطة الدول الناطقة بالفرنسية وظهر جليا عندئذ أنها ليست ناطقة بالفرنسية فقط.
وتكلم الرئيس فرحات عباس للمرة الأولى ليصرح بأن دول أبيدجان تطلب منه المستحيل، وكان مؤكدا أن ذلك المستحيل الذي عناه زعيم الثورة الجزائرية هو الموافقة على إجراء الاستفتاء على طريقة دوغول.
وحملت الأنباء بعد ذلك تدخل كل من تشاند وكونغو برازافيل هذا التدخل الذي لا يمكن وصفه بأنه أقل تطرفا من تصورات المستوطنين الفرنسيين وقدماء المحاربين.
وجاءت النتائج بعد ذلك فيما يخص الكونغو والكل يعلم أن موقف مندوب السنغال الذي تحدث وفكر بالفرنسية بالنيابة عن دول الجامعة، طعنة نجلاء لكفاح الكونغوليين وكان يحمل التشفي من باتريس لومومبا ومن الدول التي تناصره، والهجوم على الدول التي تتدخل في الشؤون الداخلية للكونغو ولا تترك كازافوبو يعمل لإقرار النظام والاستقرار.
هذه هي مواقف دول تتشرف بتسمية نفسها دولا تتحدث بالفرنسية، وكان يجب أن تكون أكثر شجاعة وتصف نفسها بأنها مفكرة أيضا بالعقلية الفرنسية، وهذه هي الدول التي اجتمعت أيضا ببرازافيل وضمت إلى طاولتها المستديرة زبناء جدد للبضاعة الاستعمارية هما تشومبي والمختار ولد دادة.
والأمر الذي يبدد قتامة التشاؤم من هؤلاء القادة هو أن كل البوادر تشير إلى أن شعوبهم تستعد لمناقشتهم قريبا وبغير اللغة الفرنسية التي يصرون على عدم التكلم إلا بواسطتها.
      

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here