islamaumaroc

الطاعة والانضباط بين الشريعة والقانون: فلسفة الطاعة في الإسلام

  حسن السائح

العدد 331 جمادى 1-جمادى2 1418/ أكتوبر 1997

قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم".
جاءت الآية الكريمة في سياق قواعد الحكم في الإسلام، فبعد أن أوجب الله على المسلمين أن يردوا الأمانات، ويحكموا بالعدل، قال تعالي: "يا أيها الذين آمنوا" (الآية) فهي ترسي قواعد الحكم ببيان غاياته وأهدافه في القيام بالأمانة، والحكم بالعدل..وبيان وسائله، هي طاعة الله، وطاعة رسوله، وأولي الأمر.
وهي بذلك تقيم حوارا بينا الحاكم والمحكوم، والقائد والشعب، لتنظيم بذلك طبيعة الاتصالات والعلاقات في المجتمع، وطرائق حكم الشعوب، بأداء الأمانات، والحكم بالعدل الذي لا يتأتى إلا بالطاعة والانقياد لأوامر الله وتوجيهات الحاكمين...وكل من الحاكم والمحكوم ملتزم بالانقياد للأمر الإلاهي الذي يتعالى على مصالح الناس، لأنه تعالى العادل الحق الذي يعلم أسرار القلوب وخبايا النفوس ومصالح العباد، ويرصد أعمال البشر جميعا، لأنه السميع البصير "إن الله نعم يعظمكم به إن الله كان سميعا بصيرا".
إن طاعة الله واجبة، وكل مخلوق محكوم عليه بالطاعة، لأن كبيعة خلقه، تستوجب فطرية طاعته، وما دام مخلوقا فهو طيع للخلق والخالق، وكما جاء في الآية: "ثم استوى إلى السماء وهي دخان، فقال لها وللأرض إئتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين". فطبيعة الخلق والوجود من عدم، يستلزمان الطاعة والانقياد، ففي الأمر بخلق السماوات والأرض، استجابتا للأمر، وقالتا أتينا طائعين، فالطاعة لازمة لتنفيذ أمر الخلق، فهي فطرية في الإنسان وفي الطبيعة أيضا، إذ أنها سلسلة طاعات لتحقيق الخلق، فطبيعة الماء إمداد التراب بحياة النبات، وهو بدوره يمد الحيوان بالحياة، والإنسان في قمة الهرم تسخر له الطبيعة، والجميع طيع للأمر الإلاهي، وهذه الطاعة تسمى عبادة أيضا، ولذلك أكدت الآية: "وما خلقت الجن والإنس والجن إلا ليعبدون".
ولا تختلف الأديان جميعها في فطرية الطاعة لتحقيق الخلق والانسجام في الكون.
وإذا كانت الفطرة الإنسانية في الميثاق الإلاهي تؤكد وجوب الطاعة، وجاءت رسالات الأنبياء لتنفذ الأمر الإلاهي الفطري في الإنسان، بواسطة "العيادة" فالصلاة طاعة، وأداؤها في أوقاتها طاعة، فصيغة الأمر بالصلاة في القرآن لطلب الفعل مع الفورية، وما قصة الذبيح في حياة النبي إبراهيم عليه السلام، إلا تعبير عن الذروة في الطاعة (الطاعة هي العمل الجدي المثمر لنبذ العصيان والتعنت).
فالأنبياء ليسو مجرد وعاظ ودعاة، وإنما مهمتهم إصلاح الواقع، لذلك تجب طاعتهم حتى تنفذ إرادة الله "وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله". فيستتب الأمن بالإذعان الفطري، وترد الأمانة، ويقام العدل، إن أداء الأمانة بمعناها الواسع يشمل أداء الشعائر الدينية العقدية، وأداء الأمانات الاجتماعية من إعطاء الحق، والاعتراف بالجميل، وتحمل المسؤولية الوطنية والأسرية، والتعامل الاجتماعي، وإن الحكم بالعدل، ونبذ الظلم، وإقامة المساواة بتجاوز العواطف، كل ذلك يخضع تحقيقه لموازين دقيقة تلزم الإنسان بمقاومة رعونة النفس، والمصالح الذاتية، وغلبة الأنانية، تلكم هي طاعة الله ورسوله وأولي الأمر، ورفض الطاعة بعني الأنانية والغرور والذاتية والتعالي.
إن الأمانة والعدل لا يحددهما الإنسان نفسه ولنفسه، ولا يستطيع ذلك، فكل إنسان يرى الحق والعدل من زاوية مصلحته هو، ورغباته المطلقة، لذلك يجب أن نعتمد على حكم الله، الذي نقر له جميعا بالعدل والحق، فهو خالق الحق والعدل، والعالم بأسرارهما، لذلك طاعة الله واجبة، كما هي في أوامر القرآن ونواهيه، وطاعة الرسول واجبة لأنها تبين الأمر الإلهي، وتفصل مجمله وتقيد مطلقه، وتخصص عامه,
وطاعة أولي الأمر واجبة فيما لا يخالف أمر الله ورسوله، لأنها أداة التنفيذ للقرآن والسنة، فولي الأمر هو المنفذ لحكم الله وسنة رسوله، لذلك فطاعته واجبة في المعروف، كما أخرج الشيخان من حديث يحيى القطان "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا يسمع ولا طاعة".
وفي حديث رواه مسلم عن أم الحصين "لو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله، اسمعوا له وأطيعوا". وفي حديث الجارود الذي أوقد نارا وأمرهم بإلقاء أنفسهم فيها، وهم بعضهم أن يدخلها، فبلغ ذلك المعروف. وجاء في خطبة الوداع وهي جماع وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم "وأطيعوا ولاة أمركم تؤمنوا رضى ربكم".
ولعل من المفيد أن يذكر في هذه الآية أقوال المفسرين في "أولي الأمر".
ينقل ابن العربي في تفسيرها قولين:
الأول: قول ميمون بن مهران، بأنهم أصحاب السرايا، واعتمد في ذلك على اختيار البخاري عن ابن عباس، أنها نزلت في عبد الله بن حدافة لما بعثه صلى الله عليه وسلم في سرية.
والقول الثاني: عن جابر، بأن أولي الأمر وهو العلماء، وبه قال أكثر التابعين، واختاره مالك والحبري، ودليلهم قوله صلى الله عليه وسلم: "من أطاع أميري فقد أطاعني".
أما ابن العربي، فيرى أنهم الأمراء والعلماء معا.
أما الأمراء فلأن أصل الأمر منهم والحكم إليهم.
وأما العلماء، فلأن سؤالهم واجب متعين على الخلق، وجوابهم لازم، وامتثال فتواهم وجب، ويدخل فيهم الزوج والزوجة، والأبناء للأب، والجنود للقائد، ولاحظ ابن العربي أن الأمراء في صدر الإسلام كانوا هم العلماء، والرعية هم الجند، ثم قضى الله بحكته أن يصبح العلماء فريقا، والجند صنفا والرعية صنفا، فتعارضت الأمور، ولم ينتظم حال الجمهور.
فابن العربي يرى أن المجتمع انقسم إلى فئتين: فئة حاكمة تتولى السلطة، وتصدر القرارت، وفئة محكومة ملتزمة بالطاعة، وهو ما يعبر عنه بالتمايز السياسي Différentiant Politique وأصبح بذلك؛ يفترض كل نظام وجود سلطة تتولى إدارة الجماعة، ووجود أخرى تلتزم الانقياد والطاعة، ليتحقق النظام والعدل. والطاعة في طائع وجمعه طوع وطائعون، ويقال: أمره فأطاع (بالألف لا غير) ولسانه لا يطوع بكذا أي لا يتابعه، وعندما يقدر الإنسان على أمر يقال استطاعه، أي قوي عليه، فالعلاقة بين الطاعة والانقياد والقوة على لفعل متلازمة، مما يدل على أن الطاعة ليست ضعفا وإنما هي قوة.
إن علة الطاعة ومناطها تحقيق مصالح العباد، وحكمهم بانتظام، ذلك لأن المجتمع البشر لا يحقق وجوده إلا بالعدالة، وإلا أصبحت حياته عبثا وفوضى أقرب إلى الحيوانية، وحياة الغاب، وحيث ينعدم النظام والتنظيم تطفو المصالح الفردية، وتطغى الأنانيات وتختلفي المصلحة العامة، ويسطو الأقوياء على الضعفاء، فالطاعة الشرعية ليست طاعة عمياء، ولكنها منضبطة للسلطة العادلة، كما قال الشعر الجاهلي:
لا يصبح الناس فوضى لا سرت          لهم ولا سراة إذا جها لهم سادوا
وليست الطاعة المطلقة منوطة بالسلطة السياسية، فقط، أي المتعلقة بشؤون الحكم، ولا السلطة الاجتماعية المتعلقة بسلطة الأبوين، ولا بالإمامة الدينية في الصلاة، ولا بالتوجيه الصالح في المصالح الإدارية، بل إن الطاعة مقيدة بالمعروف في كل ذلك، حتى بالنسبة للأبوين كما في الآية: " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما"، وقد تدعمت السلطة السياسية في الجماعات الإنسانية بوجود الزواجر في الدولة القوية والصرامة ف بالمواقف، لأن الدولة لم تحقق وجودها إلا بالقوة، ولام ينقد الناس لها إلا بالصرامة، حتى إن الدولة سميت لدى ظهورها في التاريخ بالدولة الحارسة، وكان شعارها في غالب الدول الأسد والعقاب والسيف والتمساح، والتنين، لتحرس المجتمع وتظهر بأسها، وكانت بعض الدول في الحضارات القديمة تنتهز فترات تترك المجتمع دون الدولة، ليعرف الناس مدى ما يصبيهم من جور وظلم يفقدانها، فكان الفارسيون في القديم عندما يموت الشاه يتركون البلاد خمسة أيام بدون حكم، فيسود السلب والنهب والظلم، وبذلك تعم الفرحة حين يتولى العرش شاه جديد.
إن الطاعة من مقومات الأخلاق أو ما يسمى بتدبير النفس، وقد اهتم علماء العرب بالأخلاق، واعتمدوا عليها في تقويم المجتمع، سواء من الحاكمين أو المحكومين، وألزموا الحاكين بطاعة أوامر الله، كما ألزموا المجتمع بطاعة الولاة، وقدموا للأمراء توجيهات سميت (بنصائح الملوك) أو (مرايا الأمراء) كما يقول الغربيون.
وألفوا كتبا كثيرة في ذلك، ولم يكن مؤلف كتاب "الأخلاق" يضع الأخلاق من عنده، بل كل ما كان يمكنه أن يفعله هو جمع الأخلاق، وتصنيف القيم التي ورثها الناس عن الحكماء، فكانوا واشفيه مخبرين ينظمون العقد وكفاءتهم في كيفية التأليف والعرض وتنظيم عقد (العقد الفريد), وقد ورث العرب هذا الفن عن الفارسيين، فوضعوا للخليفة نصائح على غرار ما كان يوضع لكسرى...وكان من عادة أكاسرة الفرس أن تحيط بالخليفة طبقتان: الخاصة والعامة، ولكل منهما موقف أخلاقي، على كسرى مراعاته، يقترب من الأولى، ويبتعد من الثانية، لأن الأولى تصلح الحاكم، والثانية يصلحا الحاكم.
الشورى والطاعة:
إن الشورى في الإسلام توجب الطاعة، فمادام المسلمون شاركوا ولي الأمر في تقرير مبدأ، فعليهم أن ينفذوا ما قرروه، ثم قد يكون تقرير المبدأ بالأكثرية، ولهذا على الأقلية أن تتبع الأكثرية حرصا على (الجماعة) أولا.
والطاعة في الإسلام لا تمنع مناقشة الموضوع والاحتكام فيه إلى الله فيما جاء في القرآن الكريم، إذ الطاعة ليست الاستسلام ولكن الإذعان للحق.
وتبدو حدود الطاعة وعلاقة السلطة بالمحكومين في معنى الولاء، وهو مؤسسة علائقية تربط بين الراعي والرعية، وهي لا تعني الخضوع بدون ضوابط، لأن الولاء لا بد فيه من التصويب، مهما كانت مكانة المخاطب والمخاطب، فتصبح علاقة الولاء سلوكا سياسيا يتداخل فيه الجانب السيكولوجي والسوسيولوجي من أجل تهييء الذات من جهة، وضمان التفاعل من جهة أخرى.
ومن أهم مبادئ الإسلام، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما يضمن الإذعان والتراضي للاستمرار في الفعل الحضاري.
كانت الأخلاق تتمحور حول موضوعين:
الأول: العلاقة بين الدولة والدين، أو بين السياسة والأخلاق.
والثاني: العلاقة بين الطاعة والعدل، أي تطبيق البيعة بالتزام الأمة بالطاعة التزام الخليفة بالعدل، وما قدمه ابن المقفع في كتبه للخلفاء العباسيين مرجعيته تاريخ الفرس، وبالأخص كسرى أنو شروان وأردشير الأول، الذي وضع أسس الدولة الساسانية، وأرشد الفرد إلى أن قوة الدولة إلا تكون إلا بالدين.
وكان ابن المقفع المنظر للدولة الإسلامية، يعمل على نقل التراث الفارسي في السياسة والحكم، وتركيز مركز الدولة، ولذلك لقب الخليفة العباسي (بالمنصور) وهي ترجمة" لابرويز) الفارسية، بينما كان الخليفة عند المسلمين يسمى أمير المؤمنين.
وكانت المذاهب الدينية الفارسية تعكس مصلحة المحكومين، فالمزدكية أشاعت المال والنساء، لتقضي على طبقة النبلاء، فجاء أنو شروان وأعطى للنبلاء مكانتهم، وأنزل الناس منازلهم حسب تعبير فقهاء العلوم السياسية العرب، فحقق العدل للنبلاء وبذلك أقام العلاقة على أساس العدل والبر، لأن البر رابطة روحية تجمع بين أفراد الأسرة، وبينها وبين أفراد القبيلة، ويقوم مقام الدين والرابطة الاجتماعية، والأخلاق الشخصية، ويدل على ذلك قول النابغة الذيباني في حديث الرجل والحية:
فلما وقاها الله ضربة فأسه                 وللبر عين لا تغمض ناظره
أو كما قال عمرو بن كلثوم                (نجد رؤوسهم من غير بر).
وقد شرح البر طرفة بن                   العبد في قوله لمعاملة قومه له.
فلو كان مولاي امرؤا هو غيره           لفرج كربي أو لأنظرني غـدي
ولكن مولاي امرؤ هو خانقـي            على الشكر والتسآل أو أنا مفتد
وكان البر عند الرومان، الذي اشتد النزاع بينهم وبين الفلسفة اليونانية، فأثروا البر الذي عني الطاعة والوطنية والدين، وبذلك تراصت جموعهم، فالبر طاعة القبيلة وهي مكونة من الأسرة، وجاء في أقوالهم المأثورة "طاعة الأبوين أساس الفضائل".
كما أن عرب الجاهلية جعلوا من البر عقيدتهم ودينهم، فكانوا يصلون مكاء وتصدية، وكانوا يعتمدونه في علاقاتهم الاجتماعية، وقد فسر القرآن الكريم البر الحقيقي بقوله: "ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب"
وجعل الإسلام طاعة الوالدين من البر، أي حصر البر في الواجبات الأخلاقية.
ويفسر علماء الإسلام الأمر بلزوم الطاعة بأنه أمر شرعي يدرك بالعقل، حسب رأي المعتزلة الذين عبروا عن الفرض والواجب الذي يجب رأي المعتزلة الذين عبروا عن الفرض والواجب الذي يجب طاعته (بالحسن)، كما عبروا عن المحرم والممنوع (القبح)، وهما معا في نظر المعتزلة يدركان بالعقل، أي أنهما كالقانون الطبيعي الفطري في الإدراك الإنساني. والإنسان يدرك أن الحق والصدق والطهارة والزكاة، أنها خير يجب العمل به، والخالق جل علاه إنما يأمر بما هو خير وحسن، وتلزم طاعة هذا الأمر لما فيه من المصلحة.
ويرى الأشاعرة وأهل السنة عموما، أن الطاعة يثاب عليها، والعصيان يعاقب عليه، بتكليف إلاهي لا بطبيعته، ولهذا فما أمرنا بطاعته فهو حسن، وما أمرنا بتركه فهو قبح ويظهر أن الخلاف فيمه لم تبلغه الدعوة هل يعاقب على فعله القبيح أم لا يعاقب، ويمثل لذلك ابن طفيل بحيى ابن يقظان الذي أدرك صلاحية الدين والإيمان بالخالق بتجربته الذاتية.
ولا خلاف بين المسلمين أن الله هو الحاكم الأمر، فتجب طاعته والخضوع لأمره.
وأصل هذا الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة ما جاء في محاورة أفلاطون الذي تساءل: هل الخالق يرضى على الفعل لأنه صالح، أو أن الفعل صالح لأنه يرضي الخالق، فجاء تساؤلهم عما إذا كان الأمر الإلاهي بالفعل والنهي عنه لما فيه من حسن أو قبح يقتضي ذلكن أو أن الفعل لا يوصف بذلك، وإنما الأمر الإلاهي هو الموجه.
أما عند علماء الاجتماع والنظم الإدارية، فقد تطور مفهوم الطاعة حسب الطور الأمم والشعوب، ونمو النظام القضائي لتحقيق التوازن بين متطلبات الطاعة وحدودها، وظلت عملية النمو القضائي تكشف بتدرج حدود الطاعة والسلطة، وهذا النمو البطئ في مفهوم الطاعة والسلطة، أظهر آليات الطاعة وأدبياتها، وآليات السلطة وأدبياتها كذلك، وكلما تطورت الجماعة الإنسانية وتشعبت قضاياها تدعمت السلطة وتحولت إلى قوانين منظمة للمجتمع، وتطور مفهوم الطاعة تبعا لهذه القوانين التي تمثلها السلطة، فظهرت إشكالية علاقة السلطة بالتنفيذ، وعلاقة المحكوم بالالتزام الذي يسمى الطاعة. ومن هنا بدأت مشكلة تحديد الطاعة، إذا كان الجميع متفقا على قوانين ومنفذين، فقد أصبح المنفذون يتجاوزون القانون، وأصبحوا هم السلطة، وقد حسم الخليفة أبو بكر ذلك حين قال: إن أخطأت فقوموني، أي أنه منفذ وليس بسلطة، ومن الإنصاف أن تكون كلمة أبي بكر مؤسسة لنظام عادل، وليس كمن قال: أنا هو الدولة، مما أثار جدلا قانونيا حتى أصبح علم السياسة علم السلطة.
إن السلطة في الشريعة والقانون، ضرورية ما دامت مستندة إلى الشرعية حتى لا تتجاوز حدودها إلى القضاء على الحريات، وهي في الإسلام ضرورة شرعية، والضرورات تقدر بقدرها كما يقول علماء الأصول، لقد وضع الإسلام حدودا للسلطة والطاعة، وفرق بين السلطة وبيين القوة، لأن السلطة حق توجيه الآخرين، والقوة جبر الآخرين على الامتثال.
وأيا ما كان، فالطاعة أساس تنفيذ الالتزامات، ومسؤولية الإنسان تتجلى في تنفيذ الأحكام له أو عليه، كما تتجلى مسؤولية السلطة في القوة الملزمة، وهذه القوى تطورت عبر التاريخ من الطغيان إلى العدالة والمساواة.
وقد طال الجدل بين الفلاسفة القدماء وعلماء الاجتماع والقانون، فيما يتعلق بالأساس التاريخي الذي تقوم عليه القوة الملزمة للقانون، وبما أنه يستمد قوته من الدولة، فإنهم يحثوا في أصل الدولة ليحددوا مدى سلطتها، وانتهوا إلى أن غاية الدولة هي المحافظة على المجتمع، وتحقيق العدل بين أفراده.
أما عن طريقة ظهورها، فافتراض الفلاسفة نظرية العقد الاجتماعي، واختلف تفسيرها بين هوبز ولوك وروسو، وعلى أساس هذا الاختلاف نشأ المذهب الاشتراكي والمذهب الفردي الليبرالي.
أما في الإسلام، فأساس القوة الملزمة هو حكم الله تعالى، فقد حد حدودا وسن للخليفة أحكاما "وتلك حدود الله فلا تقربوها" والقوانين منشأها ديني، وروسو نفسه افترض أن تكون هناك قوة خارقة، تدرك جميع حاجات البشر دون أن تكون محتاجة للبشر، هي التي توجه الأحكام.
إن الإسلام سن نظاما للبشرية جمعاء، فهو يخاطب دوما للمؤمنين "يا أيها الذين آمنوا..." لذلك أوجب على المؤمنين طاعة أوامره، وتجنب نواهيه، وهي واضحة في الكتاب والسنة، وما يستنبط منهما من الأحكام الشرعية، وهي كلها لصالح الإنسان، وحفظ مصالح الأفراد والجماعات، وما عبر عنه (بمقاصد الشريعة) من الضرورية والحاجيات والتحسينات والكماليات.
وبما أن الكون مسخر للإنسان، فالشريعة تضبط هذا التسخير كذلك في انسجام كامل بين الإنسان والطبيعة، ولهذا فالطبيعة نفسها طيعة أمر الخالق، ولهذا لم يؤسس الإسلام العلاقة بين الخالق والمخلوق وبين المخلوقات على أساس (العقدية)، وإنما أرساها على (الميثاقية)، وقد أدرك ابن خلدون الجانب الخفي قي هذه العلاقات حين قال: أساس الاجتماع هو ضرورة وجود السلطة لتمنع من الظلم، وضرورة الدين لتكون رقابته داخلية الذات الفردية والاجتماعية، فقال بالعصبية وهي مصدر السلطة، وبالدعوة الدينية وهي مصدر الرقابة الذاتية والاجتماعية.
إن نظرية العقد الاجتماعي الذي نادى بها روسو، اعتبرت الحاكم وكيلا، أما المسلمون، فاعتبروه خليفة يخصص له الأجر المناسب من بيت المال كما قيل في حق معاوية، وهذا هو الفرق بين الميثاق والعقد، وهما معا يلزمان بالطاعة، إلا أن طاعة القانون، أساسها الخوف من الجزاء الدنيوي، وطاعة الشريعة أساها الخوف من الله (وشتان ما بين الخوفين). كما أن الرقابة في الإسلام ذاتية تخضع لحكم الله، "إن الله كان عليكم رقيبا".
وقد حذر الرسول من اعتبار حكمه نزيها إذا لم يستشعره الإنسان نفسه نزاهة الحكم، فالإنسان حر وحاكم نفسه بنفسه، عكس المسيحية التي تملك السلطة الروحية، وتشرف سلطة رجال الكهنوت عليها.
والإنسان المسلم يعرف حقوقه والتزاماته معرفة واضحة، لأن القرآن المتلو دستور مسطر به كل التوجيهات والالتزامات، وينظم حياته وأسلوب معاشه، عكس (الدستور) السياسي الذي هو قاصر على نظام الحكم، وشكل الدولة والحقوق العامة، فالطاعة فيه محدودة.
أما الشريعة فالطاعة متسعة تشمل أوامر الله ورسوله، وأولياء الأمور المنفذين، والطاعة ليست (استسلاما) وإنما هي تفاعل بين الحاكم والمحكوم.
إن الطاعة في الإسلام وسطية بين المطيع والمطاع، لا تعني الانقياد الأعمى، والخضوع المذل، ولا تعني التعسف وإرهاق المطيع، بل تضع حدودا دقيقة لمعنى الطاعة حتى يعرف المطبع ما له وما عليه، ويعرف المطاع ما له وما عليه، فهي ليست طاعة عسكرية للقائد، واستسلاما لأمره المطلق، وليست كالطاعة المسيحية التي يجهل فيها المطيع أسرار هذه الطاعة، التي يستأثر فيها المطاع بالأسرار الكهنوتية، وبالأحرى أن تكون طاعة الحكم الفرعوني الذي يقول لقومه المؤمنين بموسي: " أآمنتم به قبل أن آذن لكم"، وإنما الطاعة في الإسلام وسطية تتلاقى فيها غاية الحاكم والمحكوم، فالقرآن وهو الدستور الأعلى يوضح حدود الله وحقوق العباد، وما على السلطة سوى تنفيذ حدود الله، وحقوق العباد، والجميع قادر على إدراك غاية الحكم الإلهي، وهي مفصلة بوضوح في السنة، وقواعد تنفيذها مبسطة في كتب النظم الإسلامية.
والوسطية في الطاعة الإسلامية ليست وسطية أرسطاطاليسية أي فضيلة بين رذيلتين، إذ هي لا تقاس بالمقاييس الرياضية والهندسية، بعيدة عن العوامل النفسية، مثل الكرم الذي لا يمكن أن نجعله وسطا بين البخل والتبذير، وإنما كلما نمت الطاعة وزادة كانت أقدر على لبلوغ هدفها. كلا طرفي قصد الأمور ذميم.
لقد أعطى الإسلام المثل الأعلى للطاعة في قصة الذبيح الذي أوشك إبراهيم عليه السلام أن يعدم ولده قربانا، وكل القصص القرآني يصور ما أصاب الأمم من ’فات نتيجة عصيانها، واهتم القرآن بذكر ما تجب طاعته، وما يجب عصيانه بوضوح في أسلوبه البياني بتكرار الأمر والنهي، واختلاف التعابير والألفاظ المعبرة عن ذلك، وصيغة الخطاب بين الأمر والنهي، وصياغة الجمل الخيرية التي في معنى الخطاب الأمري، هذه هي الطاعة في الإسلام، فمن هو المطاع؟ وما هي شروط ولايته؟
إن المطاع في الإسلام يجب أن تتوفر فيه شروط ذاتية وعقلية ونفسية، أي القدرة على تحمل المسؤولية والعلم المبني على الذكاء والدراسة، والتغلب على العواطف والأهواء والمصالح، وهذا هو المؤهل للبيعة التي تكون له ويعهد إليه بها، أي أن يؤكل إليه أمر الأمة بها، وهي بذلك عملية تطبيق وتنفيذ (De Facto).
وقد انحرف كثير من الناس في فهم الطاعة، فجعلوا من أوامر حكامهم المخالفة لأصول الدين طاعة الله، فأعرضوا عن حكم الله في سبيل طاعة الحاكم، فقد قال الحصين في رميه الكعبة بالمنجنيق: (إن الحرمة والطاعة اجتمعتا فغلبت الطاعة الحرمة).وكان قائد الحلمة على الكعبة الحصين يخاف الله في حمامة الحرم أن تطأها فرسه.
مصدر السلطة في الإسلام:
يتكلم الفقهاء المحدثون عن مصدر السلطة السياسية في الإسلام بأن مصدرها هو عقد بين الخالق والمخلوق من جهة، وبين الراعي والرعية من جهة أخرى، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولاحظوا أن تقرير مصدر السيادة في الإسلام ضرورة عظمى تواجه الدولة الإسلامية الناشئة في أول تكوينها،ولا تحتاج إلى تقرير (حق الطاعة)، وما يجوز أو لا يجوز في تطبيق الأحكام أو وضعها وتعديلها، وقد واجهت الدولة العثمانية هذه المشكلة لوجود رعايا من مختلف الأديان والشرائع والأجناس، وتصرفت بإصدار الأحكام التشريعية المتفقة مع الشريعة، كما واجهت دولة الباكستان ذلك. ولقد واجه المشكل الدول الأوروبية، ومع اختلاف( بينهم في اعتبار السيادة دينية أو دنيوية ذاتية للملوك نيابة عن الله, بما سموه بالحق الإلاهي، وقادهم ذلك إلى (العقد الاجتماعي)...على أن الشرعية الإسلامية أعطت (لأمير المؤمنين) صلاحية الترجيح لما يختلف فيه المسملون من الأحكام المشروعة، كما أعطته الحق في اتباع سياسة شرعية ترمي إلى إقرار الحقوالعدل والتدبيرر.
إن السيادة الأصلية لله، منحت الرجوع لأمره ونهيه، أما السياسية العملية فهي مستمدة من الشعب، باعتباره الذي يعين أهل العقد والحل، وهذا رأي ابن خلدون حين رأى سياسة الدولة إما ملك طبيعي، على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح ودفع المضار (ابن خلدون فصل انقلاب الخلافة إلى ملك).
ويقول سقراط أن للدولة على المواطنين حق الطاعة، لأن الدولة تحمل التبعة للسهر على المجموع، ثم تملك القوة لحمل المجموع على طاعتها، ولكن ليس للدولة على المواطنين حق الاحترام (إلا في أعمالها التي توجب الاحترام)، ولهذا فقد استطاع المواطنون في أدوار التاريخ أن يبدلوا القوانين الجائرة بطريقين أو بطرق متعددة، منها إقناع الحكام بتبديل القوانين الجائرة، أو إرغام الحكام على تبديلها، حينما تصبح القوة في يد المواطنين أعظم من القوة التي في يد الحكام، وسند سقراط فيما كان يذهب إليه أن القوانين لا تضعها الآلهة ولا يطبقها رجال كلمة، وإنما يضعها ويطبقها رجال منا ومثلنا، يصيبون ويخطئون.
أما أفلاطون فأوجب الطاعة، وقال: إن الانظلام خير من الظلم.
إن الطاعة من الأمة والعدالة من الحاكم هو ما يعطي للدولة حق السيادة، لأن السيادة في الإسلام لحكم الله وشريعته، والخليفة موكل بتنفيذ حكم الله، وهذا هو الفرق بين نظرية السيادة في الإسلام والسيادة في غيره من النظريات القانونية، فالدين في الدولة الإسلامية أساس السيادة ومنطلقها، ولذلك فهو لا ينفصل عنها، بل إن السياسة والدين توأمان، إن لم نقل إن السياسة وليدة الدين، والطاعة هي انقياد للشريعة، وطاعة النفس لأوامر الله، وليست الطاعة بمفهومها الجاهلي، الذي يعني الخضوع، بل تعارض المفهوم الجاهلي المؤسس على الأنفة والحمية.
وإذا كان الحكم هو الشرعية، لأنه طريق لا ينفك عنها، فهو لله، وبما أن الحكم خطاب إلاهي فهو مناط السياسة، ولا يقوم إلا بها، فلا بد أن تكون السياسة معتمدة على الدين، وفصل الدين عن الدولة تبعية لتاريخ المسيحية، لأن الإسلام عقيدة ويغمان ووجدان، لا ينفصل عن الحكم والنظام، والمجتمع الإسلامي لا يمكن عقلا أن يتصرف أفراده غير وفق تعاليمه، سواء الفردية، أو الاجتماعية، فالإنسان جزء من مجتمع ديني، متكامل لا دخل للطبيعة فيه، ولذلك فالملكية فيه منوطة بالصلاح العام، عكس الليبرالية والشيوعية، والقوامة فيه للنظام الأيوسي لا لغيره.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here