islamaumaroc

درر غالية من السجل الخالد لثورة الملك والشعب

  دعوة الحق

العدد 330 ربيع1-ربيع2 1418/ غشت-شتنبر 1997

من المواقف الهامة والعظيمة المشرفة في جهاد العرش العلوي المجيد وفي حياة هذه الأمة المغربية، والتي تسجل بمداد الفخر والإكبار، هو ذلكم الالتحام الرائع والفريد، الذي برز وتجلى وتوثق بين العرش والشعب لصنع ملحمة ثورة الملك والشعب، هذه الثورة المجيدة التي قادها جلالة المغفور له محمد الخامس، بكل الحرية والاستقلال طيب الله ثراه، ووارث سره ورفيقه في الكفاح دلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأيده ومعهما الشعب المغربي بجميع فئاته لتحقيق مطلب غال وعزيز، ألا وهو تحرير البلاد من ربقة الاستعمار، والتمتع بنعمة الحرية والاستقلال.
حقا كانت ثورة مجيدة، تعرض فيها الملك وأسرته الكريمة إلى النفي، واسترخص فيها وشعبه كل غال ونفيس، وقدما فيها من التضحيات الجسام، والبطولات العظام والشهداء الأبرار الكرام، جعلها أروع ملحمة بطولية في تاريخ العرش العلوي وأمته المغربية، وأن مرحلة انتقالية من عهد العبودية والاستعمار إلى عهد الانعتاق والتحرر، والتي توجت برجوع الملك من المنفى مع أسرته العلوية الشريفة، لخوض معركة البناء والتشييد.
وبمناسبة الذكرى الرابعة والأربعين لثورة الملك والشعب المجيدة وتذكيرا للجيل الناشئ بما كان فيها من جهاد وتضحيات جسام واستحضار لذكرياتها من خلال الدرر الغالية الواردة في خطب جلالة المغفور له محمد الخامس رضوان الله عليه، وخطب جلالة الملك الحسن الثاني أعزه الله ونصره.
يسر مجلة دعوة الحق أن تدرج في هذا العدد وتحت عنوان، درر غالية من السجل الخالد لثورة الملك والشعب المجيد، احتفاء بهذه الثورة وتمجيدا لعطاءاتها:
- أول خطاب ملكي سام للمغفور له جلالة محمد الخامس طيب الله ثراء، والذي ألقاه بعد عوداه المظفرة إلى أرض الوطن يوم الاثنين 12 محرم 1376 هـ موافق غشت 1956م بالرباط بمناسبة الذكرى الثالثة لثورة الملك والشعب.
- ولأول خطاب ملكي سام لصاحب الجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأيده، والذي ألقاه حفظه الله بعد اعتلائه عرش الأمة خلفا لوالده رضوان الله عليه يوم الأحد 8 ربيع الأول 1381هـ موافق 20 غشت 1961م بالرباط بمناسبة الذكرى الثامنة لثورة الملك والشعب.
وهذان الخطابات الملكيان الساميان بما تضمناه من درر غالية، وتوجيهات سامية، ومشاعر صادقة تمجيدا لثورة الملك والشعب، يشكلان وثيقة هامة لانطلاق التخليد العظيم لذكرى من ذكريات هذا الوطن العزيز، والتعريف والإشادة بحقبة مضيئة من تاريخه المجيد والتي ستظل عبر السنين والأعوام ضمن سجلها الخالد، مرجعا للأجيال تلو الأجيال، تستوحي منه آيات البطولة والجهاد وعناوين العزة والكرامة التي صنعت ثورة الملك والشعب العظيمة، وصنعت بالتالي أهدافها من أجل الحرية والاستقلال، والخروج من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، لبناء المغربية، وتشييد صرح مستقبلها المشرق.
وفيما يلي النصان الكاملان للخطابين الملكيين الساميين:
وقد كان إبعادنا عن شعبنا بهذه الصورة المنكرة، وحرماننا من البقاء بين ظهرانيه جديرا أن يترك في نفس كل حر – بل كل مواطن ومواطنة – جرحا غائرا، وأثرا عميقا لا يدرك له مدى كلما كان أيضا جديرا أن يخلق في كل صدر أزمة نفسية خانقة نتيجة ما صحبه من دعايات مرجفة وأضاليل لا نصيب للحق فيها.
كان الذين تولوا كبر هذا العمل يجهلون أو يتجاهلون ذلك الرباط الروحي الذي يشد الأمة المغربية إلى عاهلها، ويجعل منهما كلا لا يتجزأ، ولعلهم لم يحسبوا أنه هو الذي سيجعل تلك الأمة بجميع هيئاتها وطبقاتها، تنتفض انتفاضتها الرائعة التي تحدث عنها العالم أجمع لكل إعجاب وثناء، مقيمة لذلك الدليل القاطع على قوة إيمانها، وصلابة إرادتها، واستصغارها للباطل، مها عظمت قوته، واشتدت شوكته، مبرهنة على أكيد تعلقها، وخالص ولائها لراعيها، وعلى استمالتها في الكفاح م أجل سيادة الوطن وتحرره.
وهكذا استطاعت الأمة المغربية الأبية، وفي مقدمتها حركة المقاومة الوطنية وجيش التحرير الباسل، أن تسجل صفحة ذهبية تضيفها إلى سلسلة صفحاتنا التاريخية المفعمة بآيات البطولة والكفاح، وأن تخلدها قبسا للأجيال تستمد منه كل معاني الشرف والإباء والتضحية والوفاء.
وهكذا شاءت الأقدار أن تبلونا وأمتها في إيماننا وصدق عزيمتنا، فخرجنا جميعا – ولله الحمد – من هذا الامتحان العسير أصلب عودا، وأقوى شكيمة، ظافرين منتصرين، وكانت قصة كفاحنا درسا رائعان اهتزت له كافة شعوب العلم.

شعبنا الوفي:
إذا كنت ضحيت بالنفس والنفس، لتثبيت قدم الحق، والذود عن الكرامة الوطنية، والدينية المهضومة في شخص مثلها الساهر عليها، فها أنت اليوم – ولله الحمد – تبلغ المراد من تضحيتك وعد الله لا يخلف الله وعده. وها أولئك الذين تآمروا عليك، ومكروا ما وسعهم المكر نكصوا على أعقابهم، يجرون أذيال الفشل المرير مصداقا لقوله جل من قائل: ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله.
وها نحن نستقبل هذه الذكرى التي أطلقنا عليها اسم: ثورة الملك والشعب – والتي تقرر إحياؤها كل سنة- مستبشرين فرحين، وقد أسبغ الله علينا نعمة الرجوع إلى ديارنا كما أسبغ على الوطن نعمة استقلاله وتوحيد ترابه – فعلينا أن نستمطر شآبيب الرحمة لأبطالنا الشهداء، أمثال: علال بن عبد الله، محمد الزرقطوني، أحمد الراشدي، حمان القطواكي، محمد السلاوي، عباس المسعدي إبراهيم الروداني الحسن بن حموش الزكريتي، أولئك الذين شادوا بأرواحهم صرح هذا العهد الزاهر، وجاهدوا في الله حق جهاده: والذين جاهدوا فينيا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين.
إن في أعناقنا لهؤلاء الشهداء الأبرار أمانة يجب علينا تأديتها تأدية تنال رضاهم.
تلك هي تكتيل قوانا جميعا للوقوف في وجه كل خطر عدواني، ولحماية استقلالنا الفتي، وذلك بالاتحاد والتعاون والامتثال، وتطهير النفوس من أدران الضغائن والأحقاد، وعدم التراخي في القيام بالواجب.
ولن ينسى الشعب المغربي الدور النبيل الذي قام به الأحرار من الفرنسيين والإسبانيين القاطنين داخل البلاد، وخارجها في قضيته مما ساعد على نشر ضياء الحق.
وإن المغرب كدولة فتية لفي حاجة إلى الاستفادة من مواهب جميع العناصر المتساكنة به، فليعلموا جميعا في جو من الود والاطمئنان على توفير أسباب الرفاهية والازدهار له، وليكونوا متآخين في بناء مستقبله.
وجدير بنا في هذه المناسبة أن نشير إلى ما كان للدول العربية والإسلامية الشقيقة من اهتمام بقضيتنا، دفاعا عنها، الشيء الذي يقتضي من تقديم أحر الشكر إليها، وبالأخص، مصر التي تجتاز اليوم شدائد نرجو أن توقى شرها، وأن تخرج منها موفورة الكرامة، كاملة السيادة.
وإلى الله نتوجه جميعا ضارعين أن يلهمنا سبيل العمل، لما فيه خير أمتنا، ويوفقنا للسير بها إلى أوج العز والسؤدد، وأن يعين إخواننا والمسلمين قاطبة على كفاحهم العادل في سبيل مطامحهم المشروعة، ونيل حريتهم واستقلالهم، حتى يتبوأوا المكانة اللائقة بهم في حظيرة الأمم الحرة، ويساهموا بدورهم في تشييد صرح الحضارة الإنسانية، وإقرار السلام العالمي.
الحمد لله وحدة
والصلاة والسلام على رسول الله

رعايانا الأوفياء:
نخاطبكم في هذه الذكرى العظيمة، ذكرى ثورة الملك والشعل، والفكر مهتاج، والقلب ملتاع، فقد احتجب البطل الذي تعودنا أن نحييها تحت لوائه، وسكت الصوت الذي ظل طيلة أعوام، يعظنا فيها ويذكرها، ويثبت أفئدتنا، ويوقي عزائمنا، ويحثنا على مواصلة الاستمساك بعروة الإخاء والاتحاد، ويحذرنا عواقب الشقاق والجحود والخلاف.
أجل ! لقد احتجب من الميدان شخص ملكنا وقائدنا ومنقذنا، جلالة الملك المرحوم، محمد الخامس، رضي الله عنه، بعد أن أيقظ أمته من سنتها، وأقالها من عثرتها، ووحد صفوف شيبها وشيبتها، وبذل من وقته وصحته لاسترجاع حريتها، وصيانة كرامتها، وخاض بنفسه وأرسته غمار معركتها، وكسر الحواجز، ونسف السدود التي كانت تحول دون رقيها ونهضتها، واجتث جذور الحكم الأجنبي الذي أنت وطأته الثقيلة سنين طوالا، ومهد لها سبل العيش الرغيد، والمستقبل السعيد.
ففي هذه الذكرى التي نترأسها خلفا له، والذكريات التي ستقام في السنين المقبلة، بل في كل فرصة تسنح، ومناسبة تعز سنذكر محمد الخامس، ونترحم عليه في طليعة المجاهدين الأبرار والشهداء الأزكياء، الذين وهبوا حياتهم للدفاع عن المبادئ السامية ونصرة المثل العليا.
ولئن فقدنا في هذه الذكرى، شخص محمد الخامس الذي هو غرة جبينها، وتاج مفرقها، فإننا لم نفقد روحه الطاهرة الزكية، إننا نحس بحضوره المعنوي بيننا، فما من شيء في هذه البلاط إلا وله فيه يد وبين سكانها ذكرى.
لقد عاش محمد الخامس حياته كلها مقاوما مناضلا، متجاوبا مع أمته التي أخلص بها وأخلصت لهن موفيا بجميع العهود التي عاهد عليها الله، والتزم بها نحو شعبه، وفي موقفه الخالد.
في مثل هذه الساعة منذ ثمانية أعوام، لم يكن يقوم إلا بدور بطولي رائع، قام بأمثاله من قبل، وقام بأمثاله من بعد، حتى فارق الدنيا شهيدا لم يفتر لحظة عب الاهتمام برعيته، والسعي لجلب المنافع إليها، ودرء المضار عنها، فالتحق بالفريق الأعلى مع الزمرة الطيبة من جنوده الذين سبقوه إلى الشهادة، ومع كل ثار على الظلم، وكافح الباطل، وقاوم العدوان.
إن الكفاح الذي خاضه الشعب بقيادة محمد الخامس، كفاح مستمر دائم لم ينته بعد، وإن المكاسب التي حققها العرش والشعب، بهذا الكفاح الوطني، أمانة مقدسة في عنق كل مغربي، كبرت مسؤوليته أو صغرت.
ومما يرفضه علينا واجب الوفاء لقائده ثورة الملك والشعب، وللشهداء الذين فاضت أرواحهم الزكية في غمرتها، أن ننمي هذه المكاسب، ونوسع دائرتها، ونحقق جميع المطامح التي يرنو إليها شعبنا، ونسترد كل حقوقه، ونبلغه جميع الغايات الحسية والمعنوية التي يسعى إليها.
إن الأبطال الذي كتب لهم شرف المشاركة في ثورة الملك والشعب، تحت قيادة الزعيم المقدام، محمد الخامس، كانوا يستهدفون تحرير البلاد سياسيا واقتصاديا وثقافيا، وإعادتها إلى حدودها الطبيعية، وتشييد مجتمع فاشل مهذب يتساوى أفراده في الحقوق، والواجبات، وينعمون بالأمن والعدل والعمل، ويستفيدون جميعا من خيرات عدالة اجتماعية، وقد استطاعة الأمة أن تحقق شطرا من أهدافها بنضال أولئك الأبطال، وصبرهم وتضحيتهم، فتخلصت من السيطرة الاستعمارية، وخلعت نير الإقطاعية، وسار أشواطا كبيرة في طريق، الرقي والتقدم.
وخليق بنا، بل واجب حتم عليها، أن نواصل المعركة ونتابع الكفاح، ونهيئ أنفسنا لتحمل كل المشاق، وبذل كل التضحيات، حتى نحقق للأمة ما بقي من أهدافنا ومطامحنا وأمانيها، وإنها لبقية غير هينة، كيفما وكما، تستلزم إيمانا وصبرا، وتضامنا وتعاونا، وإخلاصا واستقامة وتجردا، مثلما تستلزم مادية وفنية قوية.
وإن لنا لموعدا مع التاريخ، بل لنا سباقا مع الزمان، فقد آلينا على أنفسنا أن نحافظ على تراث ثورة الملك والشعب من جهة، ونواصل من جهة أخرى العمل بالليل والنهار، لتحقيق جميع الآمال التي كان يختلج بها صدر والدنا المرحوم، وتختلج بها صدور رعيتنا، ونحن مصممون العزم على الوفاء بما آلينا على أنفسنا أن نفعله، ولن يقر لنا قرار ويهدأ لنا بال، حتى نرى وطننا الحبيب استعاد وحدته التاريخية، وضمت أحضانه الحانية أبناءه في الشمال وأبناءه في الجنوب، وحتى نرى جميع المغاربة يحيون حية راضية رغيدة لا أثر فيها للجهل والمرض والبؤس والتخلف.
ومع أننا نقدر الوسائل المادية والفنية حق قدرها، ونعطيها الاعتبار اللازم، فستبقى الطاقات المعنوية هي عدتنا الكبرى، لهذا سيكون معولنا في التعبئة التي قررناها على إيمان شبابنا وسواعدهم، والحماس الذي تضطرم به صدورهم، واستعدادهم الطفري لخدمة الوطن العزيز، بكل جد وعزم وإخلاص.

رعايانا الأوفياء:
لما كان المكافحون الأحرار يخوضون الغمرات، ويقدمون على المخاطر، يم يكونوا في مغنم مادي أو مكسب دنيوي، بل لم يكن الواحد يفكر حتى في مال أسرته المحببة إليه، إذا كتب عليه أن يستشهد في النضال، أو يصاب بعطب يعوقه عن طلب رزق العيال، فقد كانت الحرية والسيادة والكرامة هي الشعارات التي يهتفون بها، والمعاني التي يفكرون فيها، والغايات التي يسعون لبلوغها، وقد أكبرت الأمة بأسرها فيهم هذه الروح المضحية المؤثرة التي استطاعوا بها القيام بأعمال بطولية رائعة، وتخليص الحرية من بين مخالب مغتصبيها وبراثينهم.
ولمن يجدر بنا – وقد قدر لنا أن حيا بعدهم متنعمين بالحرية والكرامة بفصل فدائهم وتضحياتهم – أن أنولي العناية المستمرة والاهتمام المتواصل بأرامل الشهداء ويتاماهم، ونسهر على راحة الذين أصيبوا بعطب خلال الكفاح، ومن جملة عنايتنا بهم، أننا قررنا تأسيس مكتب وطني للمقاومة وجيش التحرير، ويعمل على إعانتهم وإسكانهم، وتكوينهم المهني، والبحث لهم عن عمل، كما يختص بالإشراف على استغلال الرخص والامتيازات التي منحت باسم المقاومة، وتوزيع فوائدها المادية على كافة المقاومين، وقد أعد بذلك ظهير وشعنا عليه بالأمس طابعنا الشريف.

رعايانا الأوفياء:
إن الغاية من إحياء الذكريات، هي استخلاص العبر من الأحداث التي تذكر بها، فتكن الذكرى الثامنة لثورة الملك والشعب. وحافزا على مضاعفة الجهود، وتعبئة كافة القوى لتشييد صرح رقينا وسعادتنا، وباعثا على تقوية أواصر الاتحاد والإخاء والتضامن والتعاون، وتقديم المصلحة العامة على كل مصلحة، والتخلي عن شهوات النفس وأغراضها، وإخلاص العمل لله، وللوطن العزيز.
نسأل الله تعالى أن يتغمد سيد الشهداء، وإمام المضحين، محمد الخامس برحمته، ويجزيه بأحسن ما جزى به عباده العاملين المخلصين، ويسبغ على الشهداء أردية نعمه، ويعيننا على ما فيه عز الوطن، وخير الشعب، إنه سميع مجيب.
والسلام عليكم ورحمة الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here