islamaumaroc

دور المدارس القرآنية في التربية

  التهامي الراجي الهاشمي

العدد 330 ربيع1-ربيع2 1418/ غشت-شتنبر 1997

إن دول المدارس القرآنية في تربية النشء الصاعد دور مهم للغاية، ولقد أعطيت لهذه المدارس هذا الدور الرفيع لا فقط لأنها تربي وتوسع مدارك الأطفال، وتفتح عيونهم على آفاق جديدة، سيستفيدون منها في مستقبل أيامهم، ولكن أيضا، وعلى الخصوص تجعل منهم زيادة على كونهم متعلمين مواطنين صالحين يعرفون حق الله، ويحترمون حقوق الناس.
وأعتقد أن أول شيء يجب أن يقوم به المربي في المدرسة القرآنية، هو أن يحرص أشد ما يكون الحرص على أ، يكون قدوة للصغار الذين وكل إليه تربيتهم.
لا بد أن نزرع في ذهن الطفل الصغير المقبل على حفظ كتاب الله القدوة الحسنة.
ومن يمثل القدوة الحسن إن لم يمثلها ويجسدها معم القرآن الكريم؟ عليه، وهو المربي الحق أن يعرف كيف ينشئ هذه الفكرة في ذهن الطفل، وعليه، بسلوكه القويم، وتؤدته، وحسن سمته، أن يولد صورة بصرية إدراكية للرجل الفاضل في ذهن الطفل.
إن ملقن القرآن ليستطيع أن يفعل ذلك إن أجاد التصرف، لا سيما وأن الطفل لا زال، لصغر سنه، في مرحلة الإدراك الحسي المجرد من التعميم.
ونأمل أن بتكرار رؤية الطفل لهؤلاء المربين الفضلاء، الذي قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (1) "خيركم من تعلم القرآن وعمله"، أقول: نأمل أن بتكرار رؤية هؤلاء الفضلاء الذين نرجو أن يكونوا كثيرا في المدرسة القرآنية، تتكون في مخيلة الطفل صورة واضحة عن القدوة التي يجب أن يبتعها.
وتبعا لهذا يصبح الطفل كلما سمع كلمة "قرآن"، و "مدرسة"، و"معلم القرآن"، إلا تراءت له في الحال صورة الرجل الفاضل بكل ما يحيط بها من هالة، سواء في صورته الذي كان يرتل به القرآن أمامه محاولا تزيين كتاب رب العالمين به، أو في حنان حديثه العذب معه، وهو يلقنه مبادئ العلم، أو في مداعبته البريئة، أو في هيئته، وحتى في مشيته، وفي كل ما يتصل به، ويميزه عن غيره.
إن علماء النفس يفرقون بين هذا المعنى، أقصد فكرة المربي الفاضل، أو الصورة الإدراكية (Perception) التي تكونت عند الطفل جراء مشاهدته المتواصلة لهذا المربى، وبين الصورة المتخيلة (Image) لذلك المربى.
لماذا هذا التفريق يا ترى؟
أجيب: لأن الصورة المدركة مقيدة بحالة المربى في المدرسة القرآنية في الواقع والحقيقة، كما تظهر للحواس، وكما يعاينها الطفل في كل لحظة، وفي كل حين في المدرسة، وبين فكرة المربي المثالي مجردة من كل هذه القيود؛ إن هذه الصورة المتخيلة هي أقل من الفكرة عادة، لأنها تجنح دائما أن تكون شبيهه بالأصل في خصائصه العامة، ولكن ينقصها الجو أو الهالة التي تلازم الفكرة. نردي أن تقوم المدرسة القرآنية بدور آخر في هذا المجال، أي مجال غرس القدوة الحسنة في نفس النشء الصغير، نريد منها أن تعمل على نقل هذا الإدراك الطيب الذي أدركه عن سلوك المربي إلى مرحلة الإدراك الكلي، بمعنى أن على مدرس القرآن الكريم أن يغرس في ذهن الطفل بأن القرآن الكريم أهل، كما روى أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "إن لله أهلين من الناس حملة القرآن هم أهل الله وخاصته". (2)
ولا باس أن يعلمه أثناء ذلك ولو بالتدرج عظمة الكسب الذي يسكبه المقبل على كتاب الله من الأجر، تطبيقا لما رواه ابن مسعود عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (3) "من قرأ حرفا من القرآن: كتاب الله، فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول: "آلم" حرف، ولكن "الألف" حرف، و"اللام" حرف و"الميم" حرف".
ولن يجد، ولا شك مربي النشء الصاعد في المدرسة القرآنية صعوبة تذكر في غرس محبة الله ومحبة رسوله في نفسه، لأن محبتهما مشروطة بمحبة القرآن، ومحبة المسجد.
يروي بنا سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحل الله عز وجل فليحبني، ومن أحبني فليحب أصحابي، ومن أحب أصحابي فليحب القرآن، ومن أحب القرآن فليحب المساجد، فإنها أفنية الله أبنيته، أذن الله في رفعها، وبارك فيها ميمونة ميمون أهلها، محفوظة أهلها هم في صلاتهم والله عز وجل في حوائجهم، هم في مساجدهم والله من ورائهم".
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول العظيم الذي يجب أن يغرس مبكرا في نفوس أطفالنا وهم يتلقون الدروس الأولى في المدارس القرآنية بمناسبة تبيينه للأمة، مراد الله من كلامه حين قال: (3) "في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا، ويزيدهم من فضله، والله يرزق من يشاء بغير حساب."
ولا يمكن أن نردم حق الإدراك عملية هذا الغرس الذي نتكلم عنه، والذي نرجو أن يقع مبكرا في ذهن أطفالنا إلا إذا علمنا العلاقة الموجودة بين ما سميناه قبل قليل ب: "الصورة الإدراكية" و"والصورة المتخيلة".
ولابد، أعتقد، ليتضح الأمر جليا من أن نشرح أكثر هذه العلاقة ومراميها.
كل كلمة تنطق بها لها صورة صوتية تسمى هذه الصورة في بعض الأحيان بـ "الصورة الأكوستيكية".
وهذه "الصورة الصوتية" أو "الأكوستيكية" تحيل على مدلول. إلا أن هذه العلاقة الموجودة بين الصورة الصوتية والمدلول علاقة "اعتباطية"، بمعنى أن الجماعات الناطقة بهذه اللغة اتفق فيما بينها على أن تعطي، بشكل اعتباطي، لا بشكل منطقي لكل مدلول صورة أكوستيكية.
فالصورة الأكوستيكية "رجل" في اللغة العربية، تعني ذلك المخلوق الناطق، المفكر، الذي يمشي على رجلين، وليس هو بأنني، وأن هذه الصورة الأكوستيكية "رجل" لترتبط ب: "المدلول" "رجل: ارتباطا اعتباطيا: أي أنهم اتفقوا أن يسيروا بهذا الصوت "رجل" إلى ذبك المخلوق. فلو أنهم اتفقوا في البدء أن يقرنوا الصورة الأكوستيكسية "رجل: بمدلول آخر لتداول ذلك الناس، ولصار معروفا عندهم يحترمه الجميع.
والدليل على أن هذه العلاقة إنما هي علاقة اعتباطية لا منطقية أنك إذا قلت "رجل" لفارسي لا يتكلم إلا اللغة الفارسية، لما فهم ما تقصده، لأن صوت "رجل" عنده لا يدل على ذلك الذي اقصده، لأن صور رجل" عنده لا يدل على ذلك الذي قصده، لكن إذا قلت له "مرد" لفهم أنك تعني ما اتفق عليه العرب لمدلول "رجل"، ولو قلت "رجل" لإنجليزي لا يفهم اللغة العربية لما فهم مقصودك، وإن قلت له “ Man” لعلم أنك تقصد ما تدل عليه الصورة الأكوسيتيكية عند العرب بـ: "رجل".
وهكذا في جميع اللغات، فلو كانت العلاقة إذن بين الصورة الأكوستيكية والمدلول علاقة منطقية لفهم الناس جميعا أنى كانوا ما تقصده الصورة الصوتية "رجل"، ولما اختلفت اللغات.
نريد من هذا أن نخلص إلى أن على المربي في المدرسة القرآنية أن يقيم هذه العلاقة التي يجب إلا تنفصم بين "القرآن" وما يوحي به من أمور سامية، وبين "المدرسة القرآنية" وما ترمي إليه من سلوك مثالي، وبين "المربي" وما يجسده من أخلاف رفيعة.
هذه طبعا مرحلة أولى في تلقين مهل هذه الأشياء، مرحلة سهلة في الحقيقة، لأن المدلول حسي ومشاهد.
ويستطيع الطفل وغيره أن يلمسه أو يشير إليه، لكن هناك أمورا مجردة، أفكار غير ملموسة، وتعين كذلك بـ "صور ألوستيكية" مثل الإيمان والصدق والإخلاص والكذب، ولأنها كذلك تحتاج إلى مزيد عناية من طرف المربي في المدرسة القرآنية.
ثم إن الأمر قد يتعقد أكثر، "إنه يتعقد حين لا يكون للكلمة صورة ذهنية تقابلها، ويمكن تخيلها، قد يكون المعنى مجرد فكرة يدركها الإنسان من غير أن تقابلها أية صورة ذهبية، مثال ذلك الكلمات: لكم، قد، كلا، عسى، ليت: فإن أغمض الطفل عينيه، وحاول استحضار صورة ذهنية لكل كلمة من هذه الكلمات، لعجز في الغالب عن استحضار أية صورة واضحة تقابلها، كثير من الصفات أو العلاقات لا تتمثل للفرد في حياته الإدراكية مثل 120 كتابا + 180كتاب، ومثل 25.000 جراما من رز، فمعاني هذه العبارات لا يمكن تصورها تصورا صحيحا، ولا يدرك الإنسان عادة مدلولوها في حياته الواقعية، ولكنه مع ذلك يستعمل هذه المعاني في حياته التعبيرية، لأن لديه فكرة عن مدلول كل كلمة في العبارات السابقة، وعن مدلول الجملة بأكملها".
نقول هذا لأن تعليم القرآن للأطفال ليس بالأمر الهين، ولا هي عملية يمكن أن يضطلع بها كل مثقف، وينجح فيها.
إذا أردنا أن تقوم المدرسة القرآنية بالدور الذي أوجزا القول فيه قبل، لا بد من مراعاة ما يلي:
- أن تسير العملية التعليمية – في البدء – بتؤدة، وفي تدرج بطيء، وبمجرد ما ينتهي من تعلم الحروف وقراءتها، وهي عملية معروفة الخطوات تعين له الآيات التي عليه أن يحفظها، والأفضل أن يبدأ بالسورة الأخيرة في القرآن الكريم "سورة الناس" ولا شك أن معظم الأطفال يستطيعون حفظها في يوم واحد.
ولكن لا بد مع هذا الحفظ من احترام أمور، منها:
- قواعد التجويد التي لا بد أن يحيط بها المكلف بالتعليم في هذه المدارس.
وعليه أن يحتاط من الوقوع فيما لتدعه الناس الغناء، أثناء تطبيقه لقواعد التجويد، عليه ألا ينجر مع هذه الأصوات التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها ستكون بعده، ونهى عليه الصلاة والسلام الأمة عنها حين قال: (4) "إقرأوا بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل الكتابين وأهل الفسق، فإنه سيجيء أقوام يرجعون ي القرآن ترجيع الغناء والرهبانية، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم، وقلوب م يعجبهم شأنه".
وممن أولى بالابتعاد عن هذه الأصوات، التي نهانا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم غير معلم القرآن؟ معلم القرآن هو الذي يعرف قبل غيره أن الحق سبحانه وتعالى نفسه ميز بين الأصوات التي نحبها لأنها مفيدة، تقربنا إلى الله وبين الأصوات الكريهة التي لا نحب أن نسمعها، فنفر منها فرارنا من الأسد.
ألم تكتب "الأصوات" الجملية الحبيبة على القلب التي تهذب الطباع، وتزين الأخلاق "ثابتة"، أي بألف بين الواو والتاء إشارة على أنها محبوبة، في حين كتب "الأصوات" الكريهة التي على المرء أن يسد أذنيه عنها حتى لا سمعها "محذوفة"، أي بدون ألف بين الواو والتاء.
لنفتح المصحف الكريم، ولنقرأ قوله تعالى(5) "يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له، وخشعت الأصوات للرحمن فلا نسمع إلا همسا".
لا بد أننا لاحظنا أن لفظة "الأصوات" كتبت في هذه الآية "ثابتة" لماذا؟ لأنها أصوات تسبح ربها، تمجده تحمده وتشكره، فحقها إذن أن تكون مكرمة أي "ثابتة".
ولتقرأ الآن قوله تعالى: (6) "واقصد في مشيك واخفض من صوتك أن أنكر الأصوات، لصوت الحمير".
لا شك أننا لاحظنا أن "الأصوات" في هذه الآية، كتبت بدون ألف بين الواو والياء، فهي إذن محذوفة: لا فائدة فيها، بل إنها كريهة نمجها.
لاحظتم ولا شك أن الحديث عن احترام قواعد التجويد، أدى بنا بعيدا، لقد أدى بنا إلى الحديث عن رسم القرآن، واضطررنا جراء ذلك، أن نعود إلى المصحف لننظر فيه كي نتحقق من كيفية رسم الألفاظ في الكتاب العزيز.
وهذا بالضبط – وإن خيل لنا أنه خروج عن الموضوع هو المطلوب ممن مربي الأطفال في المدرسة القرآنية، فعلى هذا المربي أن يكون وما على سنن نبيه، لا سيما في هذا المضمار، معلم القرآن يعرف ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم لأصحابه حين أراد أن يحبب لهم الاهتمام بكتاب ربهم، قال لهم ذات يوم: "اعطوا لأعينكم حظا من العبادة"، قالوا: فما حظها من العبادة يا رسول الله؟ قال: "النظر في المصحف الكريم".
أقول على المعلم في المدارس القرآنية أن يحيط، ما وسعه الجهد قواعد التجويد، محاولا ألا يقع فيما ابتدعه الناس من أصوات كريهة، كأصوات الغناء التي – كما رأينا قبل قليل – حذرنا رسول الله منها.
وليحذر ألا يقع أيضا فيما يعرف بالترقيص، وهو أن يروم السكت على الساكن، ثم ينفر مع الحركة في عدو وهرولة.
هذا عمل منهى عنه كثيرا، ولكننا نسمعه من بعض حفظة القرآن الذين لم يكتفوا بالوقوع فيه، وإنما يتباهون بفعلهم هذا في مجامعهم، ويرفعون به أصواتهم أثناء تلاوتهم لكتاب الله، فإن نهيناهم عنه، دافعوا عن فعلهم هذا بدون حجة ولا برهان، ليس لهم من ذريعة يتدرعون بها إلى قولهم، إنهم سمعوه ممن قبلهم.
ولا بد هنا أن أبدي ملاحظة حول هذه النقطة الأخيرة، قل أن أواصل الحديث فيما نحن فيه.
إن قولي "يروم السكت على الساكن، لا يعني الوقوف على الحرف بالروم الذي له مشروعيته، كما لا يخفى وهو مرغوب فيه، مطلوب من قارئ كتاب الله، أن يطبقه في قراءته، لكن هذا الذي نحذر منه المدرسين الآن، ليس هو الوقف بالروم؛ الذي نحذر الناس منه هو إحداث صوت زائد بعد أن يسكن الحرف في "عدو وهرولة" كما قلنا، وهو أمر مستكره للغاية، أما الوقف بالروم، فشيء آخر نستحسنه، وندعو الناس إلى القراءة به.
وأحب بهذه المناسبة، أن أبينه حتى لا يختلط بما نحذر الناس منه، ولكني سأبينه بإيجاز شديد وبكل سرعة، ولعلنا نعود إليه إن سنحت الفرصة بذلك إن شاء الله.
إن القارئ الذي يقرأ الفتحة قد يقف على قوله: "نستعين" بسبعة أوجه؟
1- الإشباع: لاجتماع الساكنين اعتداد بالعارض.
2- التوسط: لمراعاة اجتماع الساكنين وملاحظة كونها عارضا.
3- القصر: لأن السكون عارض فلا يعتد به.
ومعلوم أن هذه الثلاثة هي مع السكون المحض.
4- الإشباع مع الإشمام
5- التوسط مع الإشمام.
6- القصر مع الإشمام.
والإشمام هو: الإشارة إلى الحركة من غير تصويت، وكيفية إنجازها أن تجعل شفتيك على صورتهما إذا نطقت بالضمة.
7- الروم وهو: النطق ببعض الحركة، هو إذن تضعيف الصوت بالحركة حتى يذهب معظمها، وليس فيه إلا القصر لأن جزءا من الحرمة باق فيه.
ومعلوم أن ألفاظ القرآن بالنظر إلى الوقف، عليها أن تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أ- لقسم لا يقف عليه إلى بالسكون فقط.
وفي هذا القسم خمسة أنواع:
" النوع الأول: ما كان ساكنا في الوصل.
مثل قوله، "فاغفر" "وتوكل" و"اصبر" و"من يعتصم" و"لم يلد"
" النوع الثاني: ما كان متحركا بالفتح أو النصب غير منون.
نحو قوله :"الشجرة" "قرة" "الملائمة".
" النوع الرابع: ميم الجمع.
نحو "قلوبهم" "فلكم" و"أموالكم" و"أنفسكم"، وسواء في ذلك من ضم أو سكن، والذين ضموا من القراء ميم الجمع وصلاها المكي، وقالون بخلف عنه، وصلاها بواب ولفظا، غلا أن لقالون فيما بعده همزة قطع المد والقصر، ووافق ورض على الصلة إذا وقع بعد ميم الجمع همزة قطع نحو: "آنتم أعلم أم الله"، "إن يشأ يذهبكم أيها الناس"، والذين سكنوا ميم الجمع هم القراء الآخرون.
" النوع الخامس: المتحرك في الوصل بحركة عارضة.
وهذا يكون على صنفين.
" الصنف الأول: المتحرك في الوصل بحركة عارضة بسبب النقل:
والذي يقرأ بهذه هو ورض ينقل حركة الهمزة إلى الساكن قبله، فيحركه بحركته، ويسقطها في جميع القرآن، وهذا على ضربين، أن تكون الهمزة معه في كلمة واحدة، أو أن تكون في كلمة والساكن في كلمة أخرى فيها.
أما الضرب الأول فلام المعرفة مثل "الأسماء" "الآخرة" "الأبرار" "الإنسان" "الإذن".
والضرب الثاني في كلمة واحدة في القرآن هي:
"ردا صدقني". (7)
* وأما الصنف الثاني: فحين تكون الهمزة في كلمة والساكن قبلها في كلمة أخرى يأتي هذا الساكن على ضربين:
- التنوين مثل "ممن شيء إذ كانون" "حامية ألهاكم" "كفور"، "أذن للذين"
- أن يكون الساكن حرفا من سائر الحروف مثل "قد أفلح المومنون" "أن أرضعيه، و"لا تتبع أهواءهم".
ب- قسم يجوز فيه الوقف بالسكون والروم ولا يجوز فيه الإشمام؛
وهو ما كان متحركا في الوصل بالخفض أو الكسر مثل "ومن الناس" "هؤلاء"
ج – قسم يجوز فيه الوقف بالسكون والروم والإشمام:
وهو ما كان متحركا في الوصل بالرفع أو الضم: نحو "قدير" "يخلق" "ومن قبل" و"ياصالح"
وعلى المدرس في المدارس القرآنية أن يبتعد ما وسعه الجهد مما يعرف عندهم بالترعيد، وهو أن يرعد صوته كالذي يرعد من برد وألم.
كما يحذر المربى القرآنية فيما يعرف بـ "التطريب" وهو أن يترنم بالقرآن، ويتنغم به، فيمد في غير موضع المد، ويزيد في المد على ما لا ينبغي من لأجل "التطريب"، فيأتي بما تمجه العربية، ويرفضه الذوق السليم.
كما أن على المربي أن يحذر من الوقوع فيما يعرف ب- " التحزين"، وهو يترك طباعه وعادته في التلاوة، ويأتي بها على وجه آخر كأنه حزين يكاد يبكي مع خشوع وخضوع.
وشيء آخر أحدثه بعض القراء الذين يقرأون مجتمعين، يقولون في نحو: " أفلا يعقلون" (8) أفل يعقلون، "وفي أو لا يعلمون" (9) "أول يعلمون" يحذفون الآلف منهما، وكذلك يحذفون الواو من "قالوا ءامنا" ويقولون :"قال آمنا"، ويحذفون الياء "يوم الدين" فيقولون: "يوم الدن" (10)
يضيف هذا الشيخ الذي نقلنا منه هذه الأفكار بتصرف بسيط: (11)
"وأما قراءتنا التي يقرأن بها فهي القراءة السهلة المرتلة العذبة الألفاظ التي لا تخرج عن طباع العرب وكلام الفصاحة على وجه من وجوه القراءات، فنقرأ لكل إمام بما نقل عنه من مد، أن قصر، أ همز، أو تحقيق، أو إمالة، أو فتح، أو إشباع، أو نحو ذلك".
أكدت على هذه المسألة وهي حمل المتعلمين على قواعد التجويد الصحيحة، لنقول: إن دور المدرسة القرآنية زيادة على كونها تقوم بتربية النشء الصاعد تربية حسنة، تجعل منه – إن شاء الله è مواطنا صالحا مفيدا له ولعائلته، ولوطنه، ولأمته، وللناس جميعا، يجب أن تقوم أيضا ولكل الوسائل المتاحة لها تربية الذوق السليم، محببة له الطيب في الصوت وفي غيره، مكرهة له الفسوق والعصيان.
وإن مما يحب أن تقوم به المدرسة القرآنية الآن في عالمنا الإسلامي، هي أن تحرك الهمم بدر الناس إلى منطلقهم السليم الذي منه انطلقوا فسادوا، تردنا ردا جميلا وبعلم، وعلى أساس علم إلى ثقافة القرآن المجيد، وهدي الرسول الكريم.
لابد أن تعيد المدرسة القرآنية هذا النشء الصاعد، الذي نريده صالحا مصلحا بإذن الله إلى جو ذلك الوقت الذي كان فيه خليفة المسلمين ذي الكلمة المسموعة على نصف أرض الله والسلطة المبسوطة برا وبحرا، يأخذ النصح من عالم متواضع، ويتعظ من فقيه نقي، نريد أن تحيا المدرسة بجهود الساهرين عليها، ذلك الجو الذي هيأ هارون الرشيد لأن يسأل بأدب جم، ثم يسمع بأذن صاغية إلى الفقيه منصور بن عمار، قال الخليفة: أرجو يا منصور يا ابن عما أن تخبرنا: من أعقل الناس وأجهلهم وأغناهم وأعزهم؟
المدرسة التي تهيء طلبتها لأن يجيبوا عن سؤال: "من أعقل الناس؟: "الذي يعرف كيف يستفيد من الدنيا، أو الذي يعرف من أين تؤكل الكتف"؟ وعن سؤال: "من أجهل الناس"؟ بـ: "الذي لا يقرأ ولا يكتب"، وعن سؤال: "من أغنى الناس": بـ" الذي لا يملك مالا"، وعن سؤال: "من أعز الناس؟" بـ: الذي له سلطة مهابة، وكلمة مسموعة وصيت ذائع لا تقوم بدورها الشريف الذي عليها أن تقوم به".
لنسمع إلى جواب منصور بن عمار، لنسمع إلى جواب من كونته المدرسة القرآنية الحق.
قال منصور بن عمار مجيبا الخليفة هارون الرشيد:
"أعقلهم محسن خائف، وأجهلهم مسيء آمن، وأغناهم القانع، وأعزهم التفي".
ما أعظم هذا الجواب ! وما أروع من يتصف به ! وما أسمى المدرسة التي تكون نشئا يعتقد أن العاقل هو الذي يحسن، ورغم إحسانه يخاف عقال ربه، وأن الجاهل هو الذي يسيء إلى الناس، ومع ذلك يظن نفسه في مأمن من عقاب، وأغنى الناس من قنع بما في يده، فصان ماء وجهه، ورفع رأسه عزيزا لا يخاف إلا خالقه، ولا ينتظر ممن لا ينفع ولا يضر شيئا، وأعز الناس من اتقى ربه فأكرمه مولاه بأن ستر عليه، وحفظه من كل سوء، ونجاه من كل مكروه، قابلا منه الدعاء منى توجه إليه، طبقا لما يتلوه في كتاب ربه: (12) "إنما يتقبل الله من المتقين".

1) حديث شريف سنده كما يلي: أنبأنا هبة الله بن محمد بن الحصين، أنبأنا الحسن بن علي بن المذهب، أنبأنا أحمد بن جعفر القطيعي، حديثا عبد الله بن أحمد بت حنبل، حدثين أبي، حدثنا حجاج، حدثنا شعبة، سمعت علقمة بن مرشد يحدث عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان عن النبي صلى الله علليه وسلم. أخرجه البخاري في "باب خيركم من تعلم القرآن وعمله"ـ أخرجه الدرامي من طريق النعمان بن سعد بن علي بن أبي طالي، وأخرجه عن عثمان بلفظ، "إن خيركم من علم القرآن أو تعلمه"، وأخرجه كذلك أبو داوود في باب "ثواب قراءة القرآن".
2) أخرج هذا الحديث ابن ماجة في باب: فضل من تعلم القرآن وعمله"، وأخرجه الدرامي في باب: "من قرأ القرآن"، ولكن بلفظ آخر: "إن لله أهلين من الناس، قبل: من هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن"، وأخرجه الإمام أحمد في كتاب "فضائل القرآن وتفسيره وأسباب نزوله".
3) السورة: 24- النور/الآيات: 36-37-38 في عد غير الحجازين، أما عندهم فليستا إلا آيتان لأنهم قوله و"الآصال" أية.
4) قال جلال الدين السيوطي في "الإتقان" ج 1/303/أخرجه الطبراني، والبيهقي.
5) السورة: 20- طه/الآية:  108.
6) السورة: 31- لقمان/الآية:  19.
7) السورة: 28- القصص / جزء من الآية: 35 وهي بتمامها: "وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسلهن معي ردا يصدقني إني أخاف أن يكذبون"
8) السورة: 36- يس/ آخر الآية:  68، وهي بتمامها: "ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا تعقلون"
9) السورة: الثانية- البقرة/ مطلع الآية: 77 وهي بتمامها: "أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون".
10) "التمهيد في علم التجويد" لشمس الدين أبي الخير محمد بن الجزري (تـ: 866هـ) طبعة بيروت 1407/صفحة: 56
11) نفس المرجع: صفحة: 57.
12) السورة: الخامسة – المائدة/جزء من الآية: 27، وهي بتمامها: "واتل عليهم نبأ بني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here