islamaumaroc

دور المسجد في المجتمع الإسلامي.

  محمد العرائشي

العدد 330 ربيع1-ربيع2 1418/ غشت-شتنبر 1997

غير خاف أن مهمة المسجد في الشريعة الإسلامية مهمة سامية، فهو المكان الذي يتفرغ فيه المسلم لعبادة ربه، وفيه يقف بين يدي خالقه يناجيه، ويستشعر عظمته أثناء صلواته.
وأول مسجد وضع في الدنيا على وجه الكرة الأرضية لهذه الغاية، ولغايات أخرى سامية، هو بيت الله الحرام الذي قال فيه جل من قائل:
"إن أول بيت وضع للناس الذي ببكة مباركا وهدى للعالمين، فين آيات بينات، مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنا". (1)
بنا سيدنا إبراهيم عليه السلام بمساعدة ابنه إسماعيل، بأمر رب العزة، ليكون مثابة للناس، أي مرجعا لهم، يثوبون إليه للعبادة، ويقصدونه لأداء مناسكهم.
جاء في صحيح مسلم وغيره (2) عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: أي مسجد وضع في الأرض أول. قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما. قال: أربعون سنة، وأينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد.
ثم إن المسجد إذا كان القصد من بنائه هو إقامة الشعائر الدينية فيه فهو جدير بإعماره، كمسجد "قباء" الذي بناه النبي صلى الله عليه وسلم وهو في طريق هجرته إلى المدينة المنورة، والذي يبعد عنها بنحو ثلاث كيلومترات، كما يعتبر أول مسجد بني في الإسلام، وأول مسجد أقام النبي صلى الله عليه وسلم فيه أول جمعة بعد بنائه.
روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وجماعة، أن "مسجد قباء"، هو المعني بقوله تعالى في سورة التوبة: "لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهرون والله يحب المتطهرين". (3)
وعن طريقة الشروع في بنائه، ذكر السهيلي عن أبي قتبية أنه صلى الله عليه وسلم حين أسس "مسجد قباء"، كان هو أول من وضع حجرا في قبلته، ثم جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه إلى حجر أبي بكر، ثم أخذ الناس في البنيان.
 وقد استنبط بعض العلماء من فعله صلى الله عليه وسلم هذا أن ما جرى به العمل باليوم من وضع الملوك والرؤساء الحجر الأساس لبناء المشاريع المهمة مصدره الاقتداء بعمله صلى الله عليه وسلم في بناء مسجد قباء". (4)
وإن كان القصد من بناء المسجد غير ما ذكر، ك "مسجد الضرار" الذي بني قرب "مسجد قباء"، والذي نهى الله نبيه عن الصلاة فيه بقوله: "لا تقم فيه أبدا" (5) فيهدم، ويحرق، لأن الغرض الذي بني من أجله هو محاولة تفريق كلمة المسلمين الملتقين حول الرسول من طرف المنافقين.
وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه لوحي بقصة "مسجد الضرار" فقد بعث من يهدمه ويحرقه، ويتخذه كناسة تلقى فيها الأزبال إهانة لقومه.
ثم بعد وصوله صلى الله عليه وسلم للمدينة المنورة، كان أول شيء فكر فيه، هو بناء مسجده الذي يحمل اسمه، فاشترى لذلك أرضا وأقام عليها مسجده قبل أن يبنى مسكنه ومساكن زوجاته، وشارك في بنائه هو بنفسه، بمساعدة جمع من الصحابة الذين كانوا يرددون أثناء البناء:
لئن فعدنا والرسول يعمل  لذاك منا العمل المضلل
فكان القدوة الصالح، والمثال المحتذى.
وكان حجم المسجد آنذاك صغيرا ثم تتابعت الزيادة فيه بعد ذلك من طرف الخلفاء والملوك والرؤساء، إلى أن صار على الحالة التي هو عليها الآن، على أن اليد العاملة لازالت جادة في توسعته إلى غاية تاريخه.
وقد كانت المساجد ولا زالت منذ عهد الرسول، تتخذ لأغراض دينية ودنيوية.
- فالمسجد أولا وبالذات، هو مكان إقامة الصلوات المفروضة.
- وهو المدرسة الأولى التي يلقن فيها المسلمون تعاليم دينهم.
- وهو الجامعة الكبرى التي تخرج منها كبار الصحابة ومن بعدهم.
- وهو المحكمة التي يفصل فيها بين الخصوم.
- وهو مكان استقبال الرسول صلى الله عليه وسلم للوفود التي كانت تقد عليه رغبة منها في الدخول للإسلام، إلى غير ذلك من الأغراض السامية.
وقد عقد الإمام البخاري في كتاب الصلاة من "صحيحه" عدة أبواب تتعلق بالمسجد، مثل التعاون في بناء المسجد، وعقد الحلق للتدريس فيه، والقضاء فيه، واللعان بين الرجال والنساء، والتداوي، والنوم فيه، ودخول المشرك له، وإنشاد الشعر فيه، على غير ذلك مما يطول جلبه.
وتتميما للفائدة، فإنني سأتناول الكلام باختصار على بعض ما سبقت الإشارة إليه، والتي تعد من أهم الأحداث التي وقعت بالمسجد في الإسلام.
 من ذلك معرفة قواعد الإسلام وأسسه التي بني عليها بواسطة جبريل عليه السلام، وهذا ما يحدثنا عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث يحكي لنا قصة شاهدها بنفسه مع عدد من الصحابة عندما كانوا مجتمعين مع الرسول صلى الله عليه وسلم في المسجد النوبي، يتلقون عنه الأحكام الشرعية: تلك هي قصة دخول جبريل عليه السلام وهم بالمسجد في صفة رجل ذكر أوصافه حيث قال:
"بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ثوم، إذ طلع عليها رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم يجيبه عن كل واحدة منها ويصدقه جبريل، الشيء الذي أثار استغراب الحاضرين، حيث قالوا: فعجبنا له يسأله ويصدقه".
ثم لما غادر المسجد جبريل وجه النبي صلى الله عليه وسلم سؤالا إلى عمر، حيث قال له: "أتدري من السائل؟" فأجابه عمر: "الله ورسوله أعلم"، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "فإنه جبريل أتاكم يعلمك دينكم".
غير أن الصحابة لم يشعروا بأن الرجل الذي دخل عليهم هو جبريل عليه السلام، لأنه جاءهم في صفة رجل يعرفونه، وتنطبق أوصافه عليه، ذلكم هن الصحابي الجليل "دحية بن خليفة الكلبي"ن (6) فقد كان على الصفة المذكورة في الحديث، يضاف إلى ذلك جمال صورته التي كانت مثار إعجاب رائيه، حتى إن بعض المفسرين، ذكر أن المراد باللهو في قوله تعالى: "وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما" (7) هو النظر إلى جمال صورة "دحية" من طرف عواتق المدينة، لأنه كان على رأس القافلة التي انطلقت من الشام محملة بالمواد الغذائية، وكان الوقت وقت غلاء بالمدينة.
وبالإضافة إلى ما ذكر، فقد قال بعض المفسرين أيضا: إن السبب الذي دفع بالمصلين إلى مغادرة المسجد، والنبي يخطب، هو المبادرة لشراء ما يحتاجونه من مواد غذتئية خشية تفادها.
وكانت الخطبة آنذاك، تؤخر عن الصلاة. ويضاهي دحية في جمال صورته، الصحابي جرير بن عبد الله البجلي (8) الذي قال عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إنه يوسف هذه الأمة".
من أجل ذلك، كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتب إلى أمرائه بهذا: "إذا أبردتم إلى بريدا فابعثوه حسن الوجه، حسن الاسم". (9)
والبريد هو الرسول المستعجل.
ذكر ابن منظور في "لسان العرب" أنه فارسين وهو في الأصل بريدة: البغلة المقطوعة الذهب لأن بغال البريد كانت كذلك، فعربت، يم سمي الرسول الذي يركبها بريدا مجازا. (10)
وفي المسجد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل الوفود ليعرض عليها الإسلام.
فقد استقبل وفد "ثقيف"، وأنزلهم في المسجد، وبنى لهم خياما لكي يسمعوا القرآن، ويروا الناس إذا صلوا، وبقي يدعوهم للإسلام حتى أسلموا.
واستقبل وفد "بني كندة" في مسجده بالمدينة، وكانوا نحوا من ستين أو ثمانين راكبا، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "أو لم تسلموا،؟ "قالوا بلى.
فقبلهم، وأمرهم بنزع ما جعلوه في أعناقهم، ففعلوا ودخلوا في الإسلام.
كما استقبل في مسجده كذلك، وفد "نصارة نجران" ستون راكبا حينما دخلوا عليه المسجد بعد العص، ولما حان موعد صلاتهم، قاموا يصلون في المسجد فلم يمنعهم النبي عليه السلام من أداء صلاتهم بعد استقبالهم المشرق.
قال ابن القيم في مؤلفه: "زاد المعاد": (11) فيه دليل على جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين، وتمكينهم من صلاتهم بحضرة المسلمين، وفي مساجدهم أيضا إذا كان ذلك عارضا.
كما استقبل أيضا بمسجده ممثل "بني سعد": ضمام بن ثعلبة حينما دخل عليه المسجد وهو جالس بين أصحابهن فأسلم بين يديه، وأقر برسالته، ودعا إلى تلبية دعوته.
واستقبل أيضا وفد بني سعد بعدما انتهى من صلاته على جنازة، ووفد "بني أسد"، وهو جالس بين أصحابه في المسجد، (12) إلى غير ذلك مما يطول جلبه.
ولهذه الغاية كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس في المسجد بينت أصحابه في مكان مرتفع، ليعرفه من أتى سائلا، فقد روى ابن حبان عن أبي هريرة وأبي ذر، كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهراني أصحابه، فيجيئ الغريب ولا يدري أيهم هو حتى يسأل، فطلبنا منه أن نجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له كانا منم طين – مكانا مرتفعا – يجلس عليه ونجلس بجانبه، فكان جلوس أصحاب الصفة في المكان الذي يعرف اليوم بأسطوانة الوفود.
وكان اجتماع الصحابة حول النبي صلى الله عليه وسلم لأخذ تعاليم الإسلام عنه، وكانت طريقته في الأخذ عنه هي ما أشارت إليها مولاتنا عائشة رضي الله عنها حيث قالت: "إنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يسرد الحديث كسردهم هذا، ولكن كان يقول كلاما فصلا،وكان يعيد الكلمة ثلاثا لتفهم
 عنه".
أما طريقة التحليق حول العالم وهو يلقي درسه بالمسجد أو غيره والناس يستمعون إليه كما هو الحال عندنا بالمغرب وغيره من الأقطار الإسلامية وغيرها، فقد ابتدأت في عصر الصحابة، فقد حلق أبو هريرة وعبد الله بن عباس وغيرهم، كما قاله ابن ناجي قي "ترجمة" أبي محمد بن التبان، رادا على ما زعمه ابن التبان المذكور من كون ذلك بدعة بالإجماع، قال: ولا أعرفه، يعني الإجماع لغيره. (13)
وكان عبد الله بن رواحة يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قيامه من مجلسه، فيجمعه الناس، ويذكرهم الله، ويفقههم فيما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما كان الصحابي الجليل جابر بن عبد الله يعقد حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه فيها العلم، وكذلك الإمام مالك.
وتبعا لما سبقت الإشارة إليه من كونه صلى الله عليه وسلم كان يجلس في مكان مرتفع من المسجد النبوي عند الأخذ عنه، فقد ذكر الأبي في شرحه لصحيح الإمام مسلم، - كتاب – الإيمان – (14) أنه يؤخذ من فعله صلى الله عليه وسلم جواز اختصاص العالم بموضع مرتفع بالمسجد إذا دعة على ذلك ضرورة تعليم أو غيره.
هذا وقد ورد في فضل المساجد وعمارتها آيات قرآنية كريمة، وأحاديث نبوية شريفة.
فمن الآيات القرآنية، قوله تبارك وتعالى:
"في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمهن يسبخ له فيها بالغدو والآصال، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة". (15)
فالمراد بالبيوت في الآية الكريمة المساجد، ويرفعها تعظيمها وتطهيرها من القاذورات.
وعن عمر بن ميمون قال: أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون:"المساجد بيوت الله، وحق الله أن يكرم من زاره فيها".
ومنها: "يا أيها الذين أمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع". (16)
المراد: اسعوا للمسجد، ولا تشتغلوا ببيع ولا بغيره.
ومنها: "يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد". (17)
فالمراد بالزينة الثياب الحسنة النظيفة.
ويذكر بعض المفسرين، أن سبب نزول هذه الآية، أن الغرب كانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون: لا نطوف بثياب أذنبنا فيها، فجاءت امرأة وألقت ثيابها على الأرض وصارت تطوف عريانة وتقول: من يعيرني تطوافا، أي ثوابا تستر به عورتها وتنشد: (18)
اليوم يبدو كله أو بعضه  وما بدا منه فلا أحله
فلما بعث الله ورسوله، وأنزل عليه "يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد" أذن مؤذن رسول الله: "الا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان" رواه مسلم، وكان النداء بمكة سنة تسع للهجرة.
وقد أخذ العلماء من الآية المذكورة، أنه ينبغي لرواد المساجد تحسين هيآتهم، وبالأخص العلماء منهم، ليتميزا عن غيرهم.
فقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الثوب النظيف، ويكره الثوب الوسخ.
ومما نسبه أبو المواهب التونسي للإمام مالك رضي الله عنه في كتابه الجامع للحكم:
حسن ثيابك ما استطعت فإنهـا                 زين الرجال بها تعز وتكرم
ودع التواضع في اللباس                      تخشنا  فالله يعلم ما تسر وتكــتم
فرثات ثوبك لا يزيدك رفعة                  عند الإلاه وأنت عبد مجرم
وجديد ثوبك لا يضرك بعدما                 تخشى الإلاه وتنقي ما يحرم
إلا أن الشيخ جسوس نسب الأبيات المذكورة في كتابه "شرح الشمائل" لهلال بن هذيل، قال: وكان من العلماء. (19)
وذكر في الموضوع الشيخ العلامة، قاضي الجماعة بتونس أبو عبد الله محمد بن عبد السلام قصة طريقة وقعت له أثناء طوافه بالكعبة المشرفة، ذلك أن جماعة كانت تطوف بجواره لا تحسن الطواف، فلما نبهها إلى أخطائها أعرضت عنهن ولما أتم طوافه، وليس ثياب الفقهاء التي كانوا يتميزون بها عن غيرهم في ذلك الوقت اتصل لتلك الجماعة، وذكر لها ما ارتكبته من أخطاء أثناء طوافها، استمعت لقوله واعتذرت له.
وفي مثل هذا قال ابن عابد في زمنه:
الفقيه في هذا الوقت لو لم يحسن الناموس، ويتحلى بالانقباض والعبوس، ويلتزم هيأة مستحسنة في الملبوس، لم يسمع أحد منه فتوى، ولا قبل له دعوى، ولو كان في علم مالك بن أنس مثلا. (20)
كما يؤخذ من الآية أيضا طلب المحافظة على نظافة المساجد، وتضميخها بالطيب، فقد روى أبو داوود في "مسنده" عن عائشة رضي الله عنها قالت: "أمر رسول الله ببناء المساجد في الدور، وأن تطيب وتنظف".
وفي كتاب "البيان والتحصيل" لابن رشد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جمروا مساجدكم".
ويقال: إن أول من خلق المسجد أي طيبه بالخلوق – كصبور – نوع ممن الطيب هو عثمان بن عفان رضي الله عنه.
وفي الحديث أيضا: "ابنوا المساجد وأخرجوا القمامة منها، فمن بنى لله بيتا بنى الله له بيت في الجنة، وإخراج القمامة منها مهور الحور العين".
ذكر السيوطي في الجامع الصغير، أنه حديث صحيح.
والآيات القرآنية والأحاديث النبوية في هذا الباب كثيرة.
ومما له صلة بموضوعنا الكلام على حكم زخرفة المساجد.
ورد أن عثمان بن عفان رضي الله عنه بنى مسجده صلى الله عليه وسلم بالساج(21) وحسنه، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه نقش المسجد النبوي،وبالغ في عمارته،لك زمن خلافته قبل ولايته، ولم ينكر عليه أحد ذلك، كما روي أن سليمان ابن داوود، بنى مسجد بيت المقدس، وبالغ في تزينه.
وبالقول بالجواز أخذ الإمام أبو حنيفة. فقد روي عنه أنه قال: لا باس بنقش المساجد بماء الذهب. (ذكر القرطبي في "تفسيره").
ويذكر المؤرخون، أن أشهر المساجد في العالم، وأعظمها زخرفة وهندسة، مساجد ثلاث: المسجد الأموي في دمشق، ومسجد محمد على بالقاهرة، ومسجد أيا صوفيا بمدينة اسطنبول الذي صار متحفا بتركيا.
أقول: ويضاف للمساجد المذكورة مسجد الحسن الثاني الذي شيد أخيرا بمدينة الدارالبيضاء بالمغرب، والذي تشد الرحال لزيارته من جميع أقطار العالم.
ومن الأحكام الفقهية المتعلقة بالمسجد، أنه إذا بني فوقه بيت بقصد استغلاله، كما هو واقع في عصرنا، فإن مالكا منعه، واحتج للمنع بفعل عمر بن عبد العزيز، فقد كان يفرش له على ظهر المسجد في السيف فيبيت فيه، ولا تأتيه فيه امرأة ولا تقربه.
قال ابن رشد في مؤلفه "البيان والتحصيل" الذي طبع أخيرا: (22)
"لا اختلاف في أن لظهر المسجد من الحرمة ما للمسجد". وقال: "لا يورث المسجد ولا البينيان الذي يكون على ظهره، ويورث البناء الذي يكون تحته".
هذا وقد بلغ من احترام العامة للمسجد بتونس أنهم قتلوا، "هداج بن عبيد الكعبي" كبير أعراب إفريقيا، ومثلوا به أثر صلاة الجمعة سنة خمس وسبعمائة هـ- 1305م حينما انتهك حرمة المسجد – جامع الزيتونة – ودخل له بخفية. وما انتقد عليه البعض ذلك، قال: "دخلت بهما على السلطان"، فاستعظم العامة منه ذلك، وقتلوه، ومثلوا به.(23)
وبانتشار الإسلام في جميع أنحاء المعمور، انتشر بناء المساجد في البلاد الإسلامية، وحتى البلاد الأوروبية التي يقطنها مسلمون، وأصبح ينادى في أعلى مناراتها بواسطة مكبرات الصوت بكلمة التوحيد، لا إلاه إلا الله محمد رسول الله.
وأقبل المسيحيون، وغيرهم من معتنقي الديانات الأخرى، على الدخول في الإسلام بسبب الدعوة للدخول فيه من طرف دعاة أكفاء، تخرجوا من جامعات إسلامية تطورت أساليب التعليم لها، فكونت علماء مشاركين، يتقنون عدة لغات بالإضافة إلى لغة التخاطب.
وسيبقى المسجد والمدرسة والجامعة وغيرها من أماكن نشر العلم، والدعوة الإسلامية، يؤدون الأمانة على أكمل وجه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
روى الإمامان: البخاري ومسلم عن المغيرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون".
وروى الحاكم في "مستدركه" عن عمر رضي الله عنه أن الني صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة". (24)
أما في مغربنا العزيز الذي يقع في القسم الغربي لإفريقيا الشمالية، فمنذ أن ركز قواعد الإسلام فيه موسى بن نصير فاتح الأندلس والمغرب الأقصى المتوفى سنة 97هـ/715م بمساعدة القائد البربري طارق بن زياد المتوفى حوالي 102 هـ 720م بعد أن مهد لفتحه عقبة بن نافع القرشي الفهري باني مدينة القيروان مع مسجدها الذي لا زال يعرف إلى الآن بجامع عقبة بتونس المتوفى سنة 63هـ/683م.  منذ ذلك الحين، والمغاربة يشيدون المساجد، ويصرفون الأموال الطائلة على بنائها، سواء من طرف الدول المتعاقبة على حكم المغرب، أو من طرف المحسنين الذين أوقفوا على تسييرها وصيانتها الأملاك والعقارات ذات المداخيل الطائلة، وأنشأوا لذلك وزارة خاصة تشرف على تسيير شؤونها أطلق عليها "وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
ففي مدينة فاس مثلا أسست المرأة فاطمة الفهرية وأختها مريم جامعين مهمين:
الأولى: أسست جامع القرويين في القرن الثالث الهجري.
والثانية: أسست جامع الأندلس أواخر عهد الأدارسة.
 وكان المال الذي صرفتاه على البناء مالا حلالا طيبا ورثاه والدهما الفقيه محمد بن عبد الله الفهري القيرواني أول من دخل إلى فاس من الأسرة الفهرية.
ومنذ تأسست جامعة القرويين، فطاحل العلماء تتعاقب على كراسيها لنشر العلم بسائر فهونه بين جميع الطبقات، وعلى منابر خطبة الجمعة، وكراسي الوعظ والإرشاد، وذلك لأن العلماء والفضلاء كانوا يتوافدون على مدينة فاس من قرطبة، ومن فاس على قرطبة بكثرة، فرارا من الفتن.
ويذكر بعض المؤرخين، أنه بلغ عدد المهاجرين من الأندلس إلى فاس ثمانمائة عائلة عقب "وقعة الربض".
وحتى الأجانب من الأوروبيين نهلوا من معينها، وأخذوا عن كبار علمائها، واعتبروها أول مدرسة في الدنيا، كما ذكر ذلك المستشرق – دولفان – في كتابه "فاس وجامعتها والتعليم الإسلامي". (25)
وقد ارتفعت درجة كبار علمائها إلى أن جل من اشتهر من علماء المغرب بغزارة علمه إلا وقد أخذ عنهم، وناهيك بابن غازي، وابن القاضي، وأبي عمران الفاسي، ومحمد بن الحسن البناني، وأحمد بن الخياط الزكاري، والجادري، والمنجور، والفلكي محمد الفلكي، وغيرهم كثير.
ولم يكن نصيب مساجد بعض المدن المغربية وقراها بأقل حظا من جامعة القرويين، ففي مدينة مكناس مثلا ذكر ابن غازي في "الروض الهتون"، عددا كبيرا من علمائها الذين تربعوا على كراسي التدريس ومنابر الخطابة بجامعها الكبير وغيره، كالشيخ الإمام المحدث، محمد بن ورياش.
قال في "درة الحجال": وكان يروي الحديث بها – مكناس – سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة "بالموطا". يملى عليه ممن "المنتقى" للباجي، و"الاستذكار" لابن عبد البر، وكأبي عبد الله محمد بن الصباغ، أحد العلماء الذين استصحبهم السلطان أبو الحسن المريني في حركته إلى إفريقيا، ومات غريقا في أسطوله بالساحل التونسي هو وجماعة من العلماء، بغل عددهم أربعمائة عالم سنة 750هـ، ونجا أبو الحسن وحده على بلوح قذف به لليابسة. (26)
قال ابن غازي عن هذا العالم: وحدثني شيخنا أبو الحسن علي بن منون الحسني أنه بلغه عن ابن الصباغ أنه أملى في مجلس درسه بمكناسة على قوله عليه السلام: "يا أبا عمير، ما فعل النغير"؟  أربعمائة فائدة.
والحديث المشار إليه رواه البخاري في "صحيحه" عن أنس في "كتاب الأدب" باب الكنية للصبي".
ومما جاء فيه: كان صلى الله عليه وسلم خلقا، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير، قال: أحسبه فطيما، وكان إذا جاء قال: "يا أبا عمير، ما فعلا النغير"؟ الحديث.
والنغير تصغير نغر، كصرد هو البلبل – وكان أبو عمير يلعب هذبه، فمات وحزن عليه، فكان صلى الله عليه وسلم إذا جاء قالك "يا أبا عمير ما فعل النغير"؟ يسليه بذلك.د
وفي هذا لإشارة إلى قوله تعالى: "وإنك لعلى خلق عظيم". (27)
ومنهم الجماعة الذين لقيهم ابن الخطيب بمكناس عند زيارته لها عام واحد وسبعين وسبعمائة هجرية، ونود بعلمهم وفضلهم.
هذا ولئن فاتني الحديث عن شيوخ عظام، وعباقرة أجلة كرام، من مدن المغرب وقراه، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، فإنما ذلك رغبة مني الاختصار، على أن كتب التاريخ قد ملئت بتراجمهم، والأحاديث الممتعة المفيدة عن حياتهم.
فرحم الله أولئك الشيوخ الأبرار، وجعل البركة في البقية الباقية من تلاميذهم الذي اقتفوا آثارهم، وساروا على نهجهم القويم.

1) سورة آل عمران – الآية: 96.
2) أحاديث اتخاذ المساجد.
3) سورة التوبة – الآية: 9.
4) ج/2 من "التراتيب الإدارية" لعبد الحي الكتاني ص: 76 ط.م.
5) سورة التوبة – الآية: 108.
6) توفي نحو 45هـ/665م.
7) سورة الجمعة – الآية: 11.
8) و (9) أورجه السيوطي في "الجامع الصغير"، وقال عنه: حديث حسن.
10) انظر ج: 1 من "التراتيب الإدارية" ص: 190/ط – 2 فقد أطال النفس في الموضوع/ج:3-ض:43،ط.
11) ج: 3 – ص: 43.
12) المصدر قبله.
13) ج: 1 من "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، لمحمد بن الحسن الحجوي ببعض تصرف/صك229/ط-دار التراث.
14) ج: 1 –ص: 60/ط-1
15) سورة النور – الآية: 36.
16) سورة الجمعة – الآية: 9.
17) سورة الأعراف – الآية: 31.
18) المرأة هي: ضباعة بن عامر، شاهرة صحابية أسلمت بمكة أوائل ظهور الإسلام، وتوفيت نحو السنة 10 هـ/631م, انظر "الإصابة" –و/ج: 3 من "الأعلام" للزركلي/ص: 306، ط-3
19) ج: 2 من الابتهاج للمولى أحمد بن المامون البلغيثي ص: 205.
20) المصدر قبله.
21) الساج: شجر عظيم طويل عريض صلب الخشب أسوده. "معجم الرائد" ص: 793.
22) ج/ 17-ص: 101.
23) ج: 6 من "تاريخ ابن خلدون" ص: 715 – ج: 1 من "معيار الونشريسي" ص: 22- ط/2 "جامع الزيتونة" للطاهر المعموري/ ص: 47.
24) ذكره في "الجامع الصغير"، وقال عنه: حديث صحيح.
25) "المعجم التاريخي" : لعبيد العزيز بنعبد الله/ص:55.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here