islamaumaroc

أسطورة المسيح في قصة "قرية ظالمة"، لمحمد كامل حسين

  دعوة الحق

35 العدد

تمهيد:
دأب الأدباء الكبار على إعادة النظر في المواضيع الإنسانية الخالدة لخصوبتها ومرونة فكرتها مما يحفز الأدباء اللاحقين منهم على تطوير مفهوم تلك المواضيع عند سابقيهم، وليست قصص، أوديب، وكيلوباترة، وانطونيو، وبرومثيوس، وأوريست إلا نماذج معروفة لهذا المنحى الرائع في الأدب العالمية.
وأسطورة المسيح التي نتعرض لبحثها اليوم ينسحب عليها ما انسحب على المواضيع الإنسانية السالفة، لكن، قبل أن نتطرق إلى الأسطورة في مختلف جوانبها أرغب في الإشارة إلى الشبه الواضح بين حياة السيد المسيح وفيلسوف الإنسانية الكبير سقراط، فسقراط –مثل المسيح- قد بدأ يعلم شباب أثينا التفكير السليم المقنع بعد نقاش فردي حر وبذلك حول مجرى التفكير اليوناني –بل الإنساني- إلى أعماق النفس بدل الخوض في الالهة ما يكتنف حياتها من خرافات وتضليل،  وقبض على سقراط –مثل المسيح- بتهمة إفساد الشباب والإخلال بأمن الدولة ثم حكم عليه بالموت فتقبله بصدر رحب، ومات سقراط في جلال المفكر فانتشرت مدرسته يتزعمها تلميذه أفلاطون مثلما انتشر الحواريون لنشر دعوة السيد المسيح.
وقد اخترنا لمعرفة أسطورة المسيح ثلاثة أنواع من الكتب كلها تناولت الموضوع بكيفية مختلفة وكنا بادئ الأمر نريد الوقوف على الأسطورة بكامل جوانبها إذ هي في الإنجيل دينية مقدسة أما عند ارنست رينان الملحد فليست إلا حياة مصلح فذ، بينما يجيء فرانسوا مورياك فيصوغ منها قطعة أدبية ممتعة لم تسلم من بعض نفحات الدين الذي يعتقده مورياك بصدق. . . أما بعد قراءتنا لهذه الكتب فقد خلصنا إلى أن الدكتور محمد كامل حسين مؤلف «قرية ظالمة» قد جمع خصائص هذه الكتب جميعا فقدم كتابه الرائع في سماحة رجل الدين ونفاذ المفكر وروعة الأديب ذي الأسلوب الهادئ الممتع.

أسطورة المسيح في الإنجيل
حياة المسيح في الإنجيل أسطورة تكتنفها الخوارق والمعجزات منذ بدايتها، وتتاشبه الأناجيل الثلاثة: متى، ومرقس، ويوحنا، في سرد الأسطورة تشابها تاما أما اختلافها فينحصر في الأسلوب والطول والقصر إذ جاء ذكر معجزات ومناقشات في بعضها دون البعض الآخر لكنها اختلافات لم تمس الأسطورة في جوهرها بأدنى تغيير. .
بعد أن اصطفى الله يسوع –تقول الأناجيل- وخصه بالروح القدس أخذت معالم النبوة تبدو على وجهه الصبوح وتصرفاته الموحية(1) . . ولما بلغ الثلاثين ابتدأ يبشر برسالته الجليلة في  قوة وبسالة فتبعه بعض صيادي السمك من طبرية وأخذوا يجوبون معه قرى الجليل مثل ناصرية (حيث ولد) وكفرناحوم(2)، فأخذ نبأ النبي الجديد يطرق مسامع اليهود من كل صوب فجاؤوه يلتمسون بركاته ورضاه أما مؤمنين أو فريسيين منافقين.
وتتالت أنباء السيد المسيح وكثر أنصاره خاصة بعد أن ظهرت معجزاته الخارقة في شفاء المرضى وإبصار العمي وإنقاذ الملاحين الذين نادوا باسمه والنوء يتخطفهم من كل صوب فإذا المسيح يسير على الماء كمن يمشي على الأرض فيامر الريح أن تهدأ أو الموج أن ينحسر واذا السفينة إلى هدوئها تعود فتتابع رحلتها إلى شاطئ الأمان(3) .
وبلغت معجزاته منتهاها عندما جاءته امرأة ترجوه أن يحيي أخاها (لازار) الذي مات منذ أربعة أيام ولا سند لها غيره، وإذا المسيح يلبي رغبتها فيحيي أخاها من بعد موته ويعيد الأمل لقلب المرأة المتوسلة المؤمنة به.
وتكاد الأناجيل الثلاثة تفرد ثلاثة أرباعها للتحدث عن هذه المعجزات التي تتشابه أحيانا تشابها مملا، وقد دفعت هذه الخوارق بالكثيرين إلى الإيمان بصاحبها مما أزعج الفريسيين فأخذوا يهتمون بخطر دعواه على دينهم الذي اعتقدوا فيه منذ عشرات السنين، وكان إلى جانب هؤلاء المنافقين فئة الكهنة والأحبار الذين خافوا على الدين الجديد أن يسلبهم المكانة التي حباهم بها الشعب الإسرائيلي.
هاتان الفئتان كانتا تواكبان فئة ثالثة هي فئة الأغنياء، فقد حث المسيح على نصرة الفقراء ووعدهم بالجزاء الأكبر في مملكة السماء «قال يسوع لتلاميذه الحق أقول لكم أنه يعسر أن يدخل غني إلى ملكوت السموات وأقول لكم أيضا أن دخول رجل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله» وبذلك ازدرى المسيح مالهم وجاههم الذي أعلاهم عن بقية الناس.
أخذ المسيح يجوب القرى كعادته ينشر رسالته في سماحة وحب، ويحاور الفريسيين في كل ماي يعرضون عليه بغية وصمه بالعجز، فأحبوا مرة-مثلا- أن يدمغوه بتهمة المس بأمن الدولة الحاكمة (الرومان) فجاء من يسأله: أتدفع الضريبة للدولة الحاكمة أم لا؟ فأجابه: ائتني بالذي تدفعون منه، فجاؤوه بقطعة نقدية قلبها وجها لظهر ثم ردها إليهم قائلا: (اعطوا ما لقيصر لقيصر واتركوا ما لله لله(4). وجاؤوه مرة ثانية بامرأة زانية وهم يسوقونها إلى حيث ترجم بعد أن حكم عليها حسب الشريعة الموسوية، فسألوه إن كان رجمها واجبا؟ فرد عليهم بهدوء: من كان منكم بلا خطيئة فليقذفها بحجر.
كان السيد المسيح قد زار أورشليم مرات عديدة لكنه إذ أحس الخطر يحدق به غادرها إلى الخليل حيث دأب على التعبد رفقة الحواريين الأنصار، فلما أحس يدنو أجله –يقول الإنجيل- أسر إليهم بموته فلم يفهموه لأنه فوق إدراكهم.
وحين أقبل عيد الفصح اجتمع الإسرائليون في أورشليم كعادتهم لإقامة الزينة ومعالم البهجة والاحتفال فجاء من يقول للمسيح أن الجميع يتربصون به الدوائر ليوقعوه في تهمة مدبرة كي يتخلصوا منه فالتفت إلى أنصاره يرجوهم أن يذهبوا إلى أورشليم بدونه لكنه ما لبث أن تبعهم وهو موقن بخاتمة مطافه.
قال متى: «...وقال لتلاميذه أنه بعد يومين يكون الفصح وابن الإنسان يصلب(5)» ثم قال: (فحينئذ اجتمع رؤساء الكهنة والكتبة وشيوخ الشعب في دار رئيس الكهنة الذي يدعى قيافا وتشاوروا لكي يمسكوا يسوع بمكر ويقتلوه ولكنهم قالوا ليس في العيد لئلا يكون شغب في الشعب(6). ولما أطل المسيح على المدينة المحتفلة ناداها: (يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة أفراخها تحت جناحيها ولم ترتدي، هو ذا بيتكم يترك لكما خرابا(7).
كان دخول المسيح أورشليم ليلة خميس مشحونا بالهلع والفزع فقد ضج الناس حين سمعوا بدخوله إلا أنهم لم يتبينوا مكانه لولا أن الشيطان زين لأحد أنصاره (وهو يهوذا) أن يشي بالنبي الكريم، وقبض على السيد المسيح وسيق إلى الحاكم قيافا ثم إلى المدعي العام بيلاتوس، وكان من عادة اليهود في عيد الفصح أن يطلقوا سراح أحد المسجونين، وأثناء القبض على المسيح كان بالسجن المجرم الخطير باراباس فخرج بيلاتوس يسأل الجماهير: أي الرجلين يطلق فأجابته: باراباس، باراباس، وبذلك سيق السيد المسيح إلى ساحة الإعدام بين ضحكات الشامتين ولعنات الضالين السذج، ونزلت للتو ظلمة دامسة امتدت ثلاث ساعات كاملة، ثم جاء يوسف وطلب جسده المصلوب ولما اعطيه وضعه  في قبر بحضور مريم وغطاه بحجرة عظيمة، وكان الغد سبتا فلم يمسسه أحد، ولما عاد يوسف في اليوم التالي لم يجد الجسد فقد رفعه الله إليه.

الأسطورة عند أرنست رينان
نهج رينان الأسلوب التاريخي في دراسة حياة المسيح فأبرزه في طفولته صبيا ذكيا أتاح له أبوه تعليما فقهيا حسنا كما أنه ألم بالشرائع الأخرى وخبر الأحكام والنظم السياسية والاجتماعية وقد تأثر في نضوجه الفكري بالكثير من علماء عصره مثل يوحنا الذي أقام عنده بعض الوقت قرب الجليل.
وقد تتبع رينان المسيح في رحلاته التبشيرية (ويبدو أن السيد المسيح لم يلق معارضة جادة في المرحلة الأولى من تبشيره) الأمر الذي شجعه على المضي فيها، ويذكر الكاتب أن الحواريين دفعوا المسيح دفعا إلى تلك المعجزات، ثم يحاول أن يخضع هذه المعجزات إلى البحث العقلي المجرد من قدسية الدين فيفسر مثلا شبع الحواريين العديدين من كسرات الخبز الزهيدة التي وزعها عليهم بأن الحواريين كانوا مؤمنين سلفا بهذا الشبع، ويشرح قدرة المسيح على إخراج الشياطين من أجساد المرضى بقوله: ما زلنا إلى يومنا هذا نرى أن الناس في سوريا يعاملون الغريبي الأطوار منهم معاملة الحمقى أو الذين حل بهم الشيطان، وفي هذه الحالة تكفي كلمة رقيقة لطرد الشيطان. . وما من شك في أن هذه هي الوسيلة التي استخدمها المسيح) .
وقد قوت هذه الوسائل – أو المعجزات حسب الإنجيل- من خطر صاحبها فانتشرت أخباره في جميع الأنحاء، أما في أورشليم فقد تعدى الخطر مرحلة التذمر إلى المقاومة والسخرية بتلك التعاليم بغية تشويهها، ومن هؤلاء الساخرين جماعة الفريسيين (فكان أحدهم يجر رجليه جرا بين الحجارة المسننة دون مبالاة، وكان آخر يسير مغمض العينين كي لا يبصرالنساء) وقد لقيت هذه السخرية المجسمة رواجا بين أفراد الشعب البسطاء وأثارت فيهم الحمية والخوف على دينهم من العبث والمس.
وكان يشجع هؤلاء المنافقين جماعة الأغنياء الذين  حنقوا على المسيح لأنه (أعلى من شأن الفقير الذي يعطي قليلا على الغني الذي يعطي كثيرا) ويرى رينان إلى جانب تضافر الفريسيين والأغنياء أن هناك سببا مباشرا عجل بصلبه هو أن قيافا الحاكم كان ذا رشد وحكمة لكن ظروفه الخاصة تدفعنا إلى الاعتقاد بأن إرادته كانت اسمية فقط، فنحن نلاحظ أن شخصية معينة كانت بجانبه طيلة مدة حكمه، ولم تكن هذه الشخصية غير زوج أمه حنان. وكان حنان هذا رئيسا للحزب الكهنوتي.
فكان من الطبيعي أن يهتم حنان بمصلحة الحزب الكامنة في الخضوع لتعاليمه الدينية.
هذه الأسباب مجتمعة هي الحافز الأكبر لإدانة المسيح أما الشعب فتابع لرؤسائه وحكامه، إذن (فلا بيلاتوس ولا غيره قد حكما بإعدام يسوع وإنما هو الحزب اليهودي العتيق والشريعة الموسوية) كما يقول رينان.

الأسطورة عند  فرانسوا مورياك
لم يخرج مورياك عن نطاق الأسطورة في الإنجيل ولا عنها عند رينان، وإذا كان هذا الأخير قد حاول «تعقيل الأسطورة» وتعليل ظواهرها الخارقة بالتفسير التاريخي والاجتماعي فإن ميزة مورياك أنه صاغ الأسطورة في أسلوب أدبي فيه من سماحة الدين نفحة لا إغراق فيها ولا تهويل يقول في مقدمة الكتاب (لا أشك في أن حياة المسيح يجب كتابتها في خشوع يملأنا شعورا بدونيتنا الإنسانية التي تدفع إلى إسقاط القلم من اليد) أما المنهاج فقد تأثر فيه مورياك برينان حتى أن عناوين الفصول يجنح إلى التحقيق المجرد فاقتصر على أسلوبه المتدفق الخصب في تصوير سيرة المسيح وصوغها في قالب أدبي مليء بالسماحة والإخاء والحب.
والخلاصة أن الإنجيل ورينان ومورياك اتفقوا على أن الشعب الإسرائيلي لم يستسغ تعاليم المسيح التي حسب فيها تشتيتا لوحدته ومنافاة لشريعته الموسوية الراسخة، فلا غرو إذن أن يحارب كل من يريد أ، يحيد به عن دينهٍٍ. .ولم يكن السيد المسيح غير واحد من زمرة الأنبياء والمرسلين الذين قتلتهم تلك المدينة الظالمة: أورشليم.

الأسطورة عند الدكتور محمد كامل حسين
اعتمد كاتبنا العربي الكبير على الشخوص المعروفة بأسمائها في كتابه وهي: قيافا وبلاتوس  ولازار ومريم المجدلية، لكنها شخوص تؤدي دورها بمفهوم جديد لم تتطرق له الكتب السالفة، ولئن كان المؤلف قد اقتصر على يوم الجمعة الحزينة التي صلب فيها السيد المسيح(8)، فإن هذا لم يمنع المؤلف من الإحاطة بالأسطورة في تفاصيلها أثناء المناقشات المحتدة بين شخوص الكتاب. 
تعالج قصة «قرية ظالمة» وهي تستغل أسطورة المسيح –مشكلة بالغة الأهمية هي: ضمير الفرد وضمير الجماعة، والمؤلف يعرض في كتابه للإنسانية جمعاء في اختلافاتها ونوازعها الفردية بتفكير حصيف عميق الإدراك، وليست «قرية ظالمة» قصة كاملة بالمفهوم الفني المتداول (وإنما هي فكرة تناقش في إطار من أشخاص وأمكنة، وانتخاب الأشخاص والأمكنة في مثل هذا النوع من القصص يرتكز عادة على أسطورة أو قصة أو واقعة تاريخية يحملها الكاتب طاقات من معنى ما يريد أن يحملها به وعلى هذا الاختيار يتوقف الكثير من نجاح العرض وقوة الإقناع(9) بل إن الأسطورة في «قرية ظالمة» ليست إلا نموذجا للخطايا الإنسانية المتكررة حتى الآن في الاستعمار والحروب.
وقد عرض الدكتور محمد كامل لمشكلة الضمير فاجلاها عند الفرد وعند الجماعة ثم حاول أن يضع حلا دائما لها في آخر الكتاب.
1) الضمير الفردي: ففي مطلع الكتاب يعرض المؤلف الأشخاص المسؤولين عن إدانة السيد المسيح وقد انفردوا بعد الحكم عليه إلى التفكير الهادئ البعيد عن عيون الجماعة فإذا الحيرة تتخطفهم والإدانة التي اتهموا بها المدعى عليه ليست منصفة كما رأوها بالأمس: فالمفتي مثلا وهو يناقش ابنه يقول: (إني لن أفتي بعد اليوم انهم أساءوا فهم فتواي ويريدون أن يقتلوا بها رجلا لا أرى ضميري يرضى عن قتله بل إننا نرى المفتي وقد انقلب إلى مكافح مدافع عن آراء المسيح بالتحليل العقلي الدقيق.
ولم يكن رجل الاتهام أقل حظا من البلبلة عندما ناقش زوجته ولكنه لم يذعن لحججها الدالة حتى في بساطتها بل إنه أبدى تماسكا مزيفا فسار إلى دار الندوة وقد (خيل إليه أن اطمئن وإن يكن في الواقع إنما أحاط نفسه بسياج من حججه القديمة حتى لا ينفذ إليها وخز الضمير وألم الشك) .
أما قيافا فقد اعترف بينه وبين نفسه أن الكثير من المبادئ الخلقية التي دعا إليها المسيح قويمة سامية كما لاحظ  أن يسوغ (لم يؤذ أي فرد من بني إسرائيل ولن يؤذيه أي فرد منهم ولكنه يؤذي بني  إسرائيل مجتمعة، وجماعتهم هي التي ستنتقم منه وأن كره كل واحد منهم أن ينتقم منه بنفسه) ثم أخذ يتأمل الاتهامات الجائزة التي سردها المدعي العام بالأمس فألقاها مغرضة متحاملة، وأخيرا خرج إلى الندوة وقد (عزم أن يلزم جانب الحيدة وأن يقر ما يتفق عليه أهل العلم وقادة الفكر من قومه وحسابه وحسابهم على الله).
أما بيلاتوس فقد خلص من مناقشته الممتعة مع الفيلسوف اليوناني إلى أن الحق والباطل ليسا واضحين دائما لأن العقل يضل في متاهات الشك والملابسات وانتهى بيلاتوس إلى اليأس وكذا الفيلسوف نفسه (فقد أصابه ما أصاب بيلاتوس من اليأس) .
إلى  هذه الفئة من المفكرين الملتمسين لتحاملهم الجائر عند محاكمة السيد المسيح كل معذرة ممكنة أو راكنين إلى اليأس والإقرار بالعجز، إلى هؤلاء نجد آخرين توصلوا إلى الإيمان فرادى لأن في أعماقهم استعدادا قويا للإيمان مثل التاجر الذي تكفل الصليب فتطاير شرر الحداد على عينه فعميت فكانت حافزا له على الإيمان بالمسيحية، ومثل الجندي المسيحي الذي (ما كاد يقع نظر المسيح عليه حتى أحس كأن نورا أضاء قلبه فاستجاب ضميره لهذا الدين الذي جاء النبي الجديد وبدأ منذ ذلك اليوم يفهم الدعوة فهما حقا ودخل منذ تلك اللحظـــة في زمــــرة المؤمنيـــن. .)(10)
2) الضمير عند الجماعة: لم يتناول الكاتب الجماعة مستقلة ولم يكن ليستطيع، وإنما اقتصر على إبرازها في تضاعيف حديثة عن الضمير عند الفرد، ورغم أن الجماعة في حقيقتها ليست إلى مجموعة أفراد فإن الدكتور محمد كامل كان قد حرص على تبيان أن الجماعة لا ضمير لها بل يذهب في القول على لسان قيافا بأن المسيح (عجز عجزا تاما عن أن يخلق للجماعات ضميرا كأنه يظن أن الجماعات تكون طيبة إذا كان أفرادها طيبين وهو خطأ مشهور) فالأفراد وان أخلصوا أنفسهم من أدران الشهوة والأنانية فإنهم لن يلبثوا –أي الضمير- يتجنب الأوتان الحسية والمعنوية.
3) كيف نقوي الضمير الجماعي: لاحظ المؤلف أن القوى المتحكمة في الجماعات ثلاثة القوة الحيوية وما فيها من نوازع وشهوات، وقوة العقل وما فيها من قوة على المعرفة وقوة الضمير وما جبلت عليه من تمييز للحق من الباطل، فأما القوة الأولى فغايتها الإبقاء على الحياة وهي لذلك تتعدى حدودها مجازفة كي تبلغ مرماها، أما القوة العاقلة فوسيلة قويمة للمشاكل والأحداث ولكنها مغرورة بقدرتها، أما الضمير فخير كله وهو الحكم بين الباطل والحق.
والسبيل الأقوم لإحقاق الحق هو أن يحاول كل فرد أو يوجد في نفسه توازنا لهذه القوى الثلاث حتى لا يطغى جانب منها على الآخر، فالقوة الأولى يحافظ عليها بالنشاط والثانية بالعلم والمعرفة والثالثة –أي الضمير- يتجنب الأوتان الادمية منها مثل الزعماء والحكام والمعنوية كالمصلحة العامة والوطن.
يبدو لنا من العرض السابق «لقرية ظالمة» أن الدكتور محمد كامل حسين قد خرج بموضوع القصة الأسطوري الخاص بظرف معين إلى طرق ما نبذل –وبذلته الأجيال السابقة- من جهد في أحداث نظم سياسية واجتماعية تهدف لإسعاد المجموعة البشرية. . كما نلاحظ أن المؤلف حاول أن يجد حلا جذريا للشقاء الإنساني فجنح إلى تلمس الداء في مكمنه. . جنح إلى الإنسان نفسه فحصر قواه في عناصر ثلاثة هي الحياة والعقل والضمير مرتئيا  في توازنها سعادة الفرد والجماعة جميعا.
وفي نظرنا أن المؤلف وقد نصب نفسه مشرعا للإنسانية قد تأثر بمفهوم شوينهور للإرادة التي تعتور في باطن الكائن الفرد وتحدد نوع علاقته بغيره، بل إنه يخلص إلى نفس تشاؤم شوينهور في استحالة وجود عالم نبيل خير وإلا فكيف نفسر تنبيه المؤلف لنا بوجوب توازن: الحياة والعقل والضمير ونحن نعتقد معه بداهة باستحالة هذا التوازن في أعماق الإنسان العادي الذي لا يقوى على فهم نفسه؟ أليس هذا غير اعتراف متستر باستحالة انشاء عالم لا شقاء فيه ولا شر. .؟
ان هذا الجنوح إلى اتخاذ الإنسان الفرد مفتاحا لحل المشاكل الإنسانية ليس جديدا إلا أن الدكتور محمد كامل حسين لم يترك الإنسان حرا مسؤولا  في استبطان ذاته كي يشرع للإنسانية عبر هذه الذات مثل ما نعرف عن المذهب الوجودي كما أنه لم يشعر هذا الإنسان بقدرة الله المهيمنة ومغبة المصير كما نعرف عن الديانات، وإنما أطلقه ليمارس تجربة توازنه بنفسه إلا أنه مشدود منذ البدء بمواد أولية مفروضة هي حياته وعقله وضميره.
ولنتجاوز السؤال عن كيفية الاهتداء إلى هذه العناصر الثلاثة دون غيرها؟ وعن كيفية التمييز بينها؟ ولنتجاوز مرة أخرى فلا نسأل عن طبيعة الضمير أهو نزوع فطري أم أن للقوتين الأوليتين تأثيرا عليه؟ لأن هذه الأسئلة تزعزع مناقشتنا من أساسها ولنمر عليها إلى سؤال أخير: أليست هذه المحاولة في نهايتها غير اجتهاد لخلق مدينة فاضلة ليست من نوع مدن أفلاطون والفارابي ولكنها مدينة جديدة لنوع حديث من البشر يمكن أن نسميهم متكاملين. .؟
إن هذا النوع من التشريع لا يعدو النقاش الفكري اللامنتهى لأنه لا يتخذ الواقع البشري الحي ميدانا له، أما التشريعات السياسية والاقتصادية –وأحيانا الفلسفية مثل مشروع السلام الدائم لكانط-وإن كانت تخضع للتطور أو التغيير فإنها تظل أكثر فائدة وأجدى من التماس الحلول لهذه الإنسانية المعذبة.
لكن هل من مهام الأديب أن يبسط الحلول كي نأخذ عليه مثل هذه المآخذ؟ قد يكون الجواب بالنفي إلا أن الدكتور محمد كامل حسين وقد اختار أسطورة المسيح نموذجا للخطايا الإنسانية المتكررة في الحروب والاستعمار والشر الفردي لم يقتصر على إجلاءها في أطار أدبي بل نصب نفسه مشرعا وواعظا يخاطب قراءه مباشرة بأفكاره العميقة، لذلك وجدتني مدفوعا إلى مناقشته محاولا الاستزادة من الفهم لهذا الكتاب الممتاز الذي لا أبالغ إذا قلت أنه أحد المؤلفات العربية النادرة في العصرالحديث.

المصادر المعتمدة
قرية ظالمة: الدكتور مصطفى كامل حسين.
انجيل متى
انجيل مرقش: ترجمة جمعية التوراة البريطانية الأمريكية.
انجيل يوحنا
قرية ظالمة (مقال) الدكتورة سهير القلماوي (المجلة عدد 12) .
القرآن الكريم: (سورة مريم، سورة آل عمران، سورة القصص، سورة النساء) .
محاورات أفلاطون : ترجمها عن الإنجليزية الدكتور زكي نجيب محمود.

 
(1) متى: ص 4.
(2) متى: ص 8.
(3) متى: ص 18.
(4) يعن المؤلف بصحة صلب المسيح كما جاء في الإنجيل كما أنه لم يثر ما جاء في القرءان الكريم من أنه لم يقتل ولم يصلب ولكن شبه لهم لأن هذه الفكرة لا تعد جوهرية في كتابه إذ المهم لديه أن يوم الجمعة الحزينة كان نهاية تبشير المسيح نفسه برسالته.
(5) سهير القلماوي: المجلة عدد 12
(6) ص: 111.
(7) ص: 62
(8) ص: 258
(9) راجع شونيهور في تاريخ الفلسفة الحديثة ليوسف كرم ص: 277
(10) نقل هذا الكتاب إلى العربية الدكتور عثمان أمين
  

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here