islamaumaroc

خطاب جلالة الملك بمناسبة افتتاح مؤتمر القمة بالدار البيضاء

  دعوة الحق

35 العدد

منذ أن ابتليت قارتنا الإفريقية بالاستعمار، وهي تعاني من ويلاته الامرين، فهو إما يسومها سوء العذاب بالفتك بأبنائها، وحرمانهم من أبسط الحقوق الإنسانية، والحيلولة بينهم وبين الاندراج في معارج الرقي والتقدم، إلى جانب استحواذه على ما تزخر به قارتهم من كنوز وثروات، أو يدس لها ويكيد، ويمشي بين طبقاتها بالوقيعة، مؤلبا هذا الجانب على ذاك، ومحرضا فريقا على آخر، سعيا منه في تمرير شمل الوحدة وتفكيك عرى التضامن، وهو في كل الأحوال يسلك نحو الجميع سياسة عنصرية مقيتة، جاعلا من بلادنا ميدانا لتجربة أسلحته الجهنمية الفتاكة.
وقد سنحت الفرصة لكثير من الأقطار الإفريقية فتحررت بفضل كفاحها من أغلاله، واندفعت في حزم وإيمان تصلح حالها، وتبني مستقبلها، وترأب ما انصدع من وحدتها، لكن عز على الاستعمار أن يراها منهمكة في أعمال التشييد والبناء، فجنح من جديد إلى عرقلة جهودها، وبت الأشواك في طريقها، متسترا تارة وكاشفا عن وجهه طورا.
ولما لم يرعو الاستعمار عن غيه، بل تمادى في مكره وصلفه في غلو وعناد، كان لا بد من اتخاذ أنجع الوسائل لإيقافه عند حده، وإحباط خططه، وفضح مؤامراته ودسائسه، ولهذا ارتأى جلالة الملك أعزه الله –وهو الموفق السديد الرأي- أن يدعو زمرة من إخوانه رؤساء الدول الإفريقية المتحررة الناهضة لعقد اجتماع في مستوى عال، تبحث فيه الوسائل العملية الكفيلة بأن تدرأ عن قارتنا الإفريقية أخطار الاستعمار في شكليه القديم والجديد، وتعزز جانب الوحدة الإفريقية، وتزيد أواصر التضامن الإفريقي قوة ومتانة واحكاما.
وقد استجاب الأقطار الإفريقية لهذه الدعوة الملكية الكريمة، فانعقد مؤتمر القمة بمدينة الدار البيضاء من يوم الأربعاء 16 رجب 1380 إلى يوم السبت 19 منه (4-7 يناير 1961) وافتتح جلالة الملك
جلسات المؤتمر بالخطاب التالي:
أصحاب الفخامة
أصحاب المعالي
حضرات السادة
يسرنا أن نرحب بكم في مملكتنا، ونعبر لكم عما نشعر به نحن وشعبنا وحكومتنا من فرح وارتياح بوجودكم بين ظهرانينا، وما نعلقه من آمال على هذا الاجتماع الذي تتطلع جميع الشعوب المحبة للحرية والسلام إلى أن يسفر عن نتائج إيجابية لصالح التحرر الإفريقي والسلم العالمي.
لقد كان بودنا أن يكون نطاق هذا المؤتمر أوسع، فتشترك فيه جميع الدول الإفريقية، لأن معركة إفريقيا واحدة، ومصيرها واحد، ومطامح شعوبها وأهدافها مطامح وأهداف مشتركة بينها جميعا، ولكن خطورة الحالة الراهنة في الكونغو، وما تكتسيه مجابهتها من صبغة استعجالية، جعلت الحضور فيه قاصرا علينا، نحن الذين كنا في طليعة الدول التي قبلت تحمل مسؤوليات مباشرة عظيمة في ذلك القطر، وظهر من خلال نشاطنا الديبلوماسي داخل منظمة الأمم وخارجها ما بيننا من انسجام في السياسة، ووحدة في الرأي، وتجانس في الموقف، وتحرر من التبعيات، وأننا نستهدف أهدافا افريقية محضة، ونعمل لتحرير قارتنا من مختلف أشكال النفوذ الأجنبي تحريرا حقيقيا.

الاستعمار يتزيا بزي جديد في الكونغو
لقد استعاد شعب الكونغو استقلاله يوم فاتح يوليوز الماضي بفضل كفاحه ومؤازرة الشعوب الإفريقية له، ووقوفها إلى جانبه في نضاله، ويوم التحق بركب الدول المتحررة، غمرت الفرحة قلوب جميع الأفارقة، وقويت آمالهم بتحرر الأقطار التي ما تزال مستعمرة بقارتهم، ولكن لم تكد تمر أيام قلائل على هذا الحادث حتى لاحت في الأفق بوادر سيئة فقد وجدت حكومة الكونغو نفسها أمام مشاكل ومصاعب متنوعة متعددة، ناتجة عن الفراغ الذي تعمد الاستعمار خلقه في كل ميدان، كما وجدت نفسها أمام مكايد ومؤامرات تهدد كيان الكونغو نفسه، وتشكل خطرا على استقلاله الوليد، لأن الاستعمار التقليدي المبني على الحكم المباشر والسيطرة الكاملة –وقد عرفناه جميعا- أبى، بعد هزيمته، أن يسلم بها ويعترف بالأمر الواقع، وأصر على أن يجعل من الكونغو حقلا تجريبيا لاستعمار جديد شر منه، فعمد إلى وسيلة ماكرة لفرض نفسه وتوطيد أركانه مرة أخرى، بتجزئة البلاد وأضعاف سكانها، وخلق حركات انفصالية فيها وتشجيعها، وإقامة حكومة صنيعة تعيد الاستعماريين، وتمكنهم من مقاليد الأمور، وتمنحهم من الامتيازات الاقتصادية والعسكرية والسياسية تحت ستار الحرية والاستقلال أكثر مما كانوا يتمتعون به من قبل باسم الغزو والاستعمار.
ولقد كانت استغاثة حكومة الكونغو بمنظمة الأمم المتحدة يوم سابع يوليوز خطة قويمة، وسياسة رشيدة، استحسانها لاعتقادها أن تلك المنظمة هي الهيئة الجديرة بحل مشاكل من النوع القاتم بين الكونغو ومستعمريه السابقين، وأملنا أن يكون حلها لها سابقة حسنة، وتجربة مشجعة يستفاد منها في حل ما بقي من نظم الاستعمار، وتطلعنا إلى أن تقوم الأمم المتحدة في تحرير ما بقي مستعمرا من إفريقيا بدور قيادي في مستوى الآمال التي تعلقها البشرية عليها، وطبق رسالتها السامية التي هي حبل النجاة في عالم كثير الاضطراب.

مبادرتنا إلى نجدة الكونغو
ولما وصلتنا دعوة رئيس الحكومة الكونغولية السيد لومومبا، ثم رسالة الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، للمساهمة في تنفيذ مقررات مجلس الأمن الخاصة بالكونغو، لم يتردد واحد منا في تلبيتها، وفاء بالتزاماتنا نحو المنظمة، وقياما بواجب التضامن الإفريقي، وسعيا في خنق الاستعمار المقنع في المهد، حتى لا تنتقل إلى أقطارنا المحررة عدواه، وتصيبنا بلواه، وحرصا على أن لا تكون قارتنا بضاعة للمساومة، وميدانا تصطرع فيه النزعات، وتتصادم التيارات.
وكانت المهمة التي قبلنا القيام بها، وفهمنا أننا نرسل جنودنا ورجالنا الإداريين والفنيين من أجلها، تنحصر في دعم استقلال الكونغو وصيانة وحدته الترابية، ومساعدة حكومته الشرعية على تذليل المصاعب الطبيعية التي تواجهها وتواجه كل أمة في فجر استقلالها الباكر، والمشاكل التي أثارها الاستعمار وخلقها عمدا.
ولقد كانت قضية الكونغو في جملة الفرص التي تسنح لمنظمة الأمم المتحدة لتخليص العالم بكيفية سلمية ناجعة من شر الاستعمارين السافر القديم، والمقنع الجديد، وإنقاذه من ويلات الاستغلال البشري ونحن الذين نؤمن برسالة الأمم المتحدة وصلاح المساعدة الدولية، ونريد القضاء على الاستعمار في مختلف أشكاله، وتخفيف حدة التوتر بواسطة المنظمة العالمية، وضعنا أنفسنا رهن إشارتها تلقائيا وبدون تحفظ، لأننا من ذوي النيات الحسنة، همنا الوحيد محو الاستعمار والعنصرية ورواسبها، ومؤازرة الأمم المتحدة على تبليغ رسالتها وتحقيق عالميتها، وأن ينشر عن طريقها بين البشر عدالة وديمقراطية عالمية تجعل الشعوب كلها متساوية متضامنة، يعين غنيها  فقيرها، ويأخذ متقدمها بيد متخلفها، وأن لا تتكتل الدول إلا للسلم والخير والتعاون النزيه، وهذا مذهب يشاطرنا فيه جميع الدول المستضعفة الموجودة في مثل مستوانا الاقتصادي والاجتماعي، والتي تكون الكثرة الكاثرة من سكان المعمور.
وعندما وصلت النجدات العسكرية والبعثات الفنية والإدارية إلى الكونغو تحت راية الأمم المتحدة، وجدت حكومة شرعية قائمة، ومؤسسات تمثيلية تباشر عملها، وشعبا مصمما عزمه على استكمال تحرير سيادته، ومصاحبة ركب التحرر الإفريقي الزاحف إلى الأمام، كما وجدت الخلاف منحصرا بين شعب الكونغو والاستعمار. وكان المظنون أن الدول التي ظلت مسيطرة على افريقيا أزمنة طويلة فهمت الوضعية الجديدة في العالم، وأن عهود الاستعمار ومخلفاته أدبرت إلى غير رجعة، لتدع المجال فسيحا للتساوي والتراضي والتعاون في الميادين البناءة، وإقامة العلائق على أساس الأخوة والمودة والاحترام المتبادل؛ و لكن الأحداث توالت بسرعة  مدهشة وتطورت من سيء إلى أسوأ، وظهر استعمار جديد بأساليب جديدة وأشكال متنوعة، وتبين أن سلفه لم يسامح في السيطرة الإدارية والسياسية السافرة، إلا للمحافظة على الامتيازات الاقتصادية، والاستحواذ على المواد الستراتيجية، والإبقاء على القواعد العسكرية وتكثير عدد التوابع التافهة الدائرة في فلكه، وبالطبع وقفت الدول الاستعمارية صفا متراصا ترعى الوليد الجديد، فكان الذي شاهده العالم بحسرة ومرارة من تمزيق وحدة الكونغو، وإقامة حكومة صنيعة في أجزاء منه، وتشجيع حركات الانفصال والعصيان على سلطته الشرعية، وتعطيل المؤسسات التمثيلية والحياة الدستورية، وإقصاء الحكومة الوطنية المتمتعة بثقة البرلمان وتأييد الشعب، واعتقال رئيسها الوطني السيد لومومبا، ومعاملته معاملة مزرية، وتأجج نار الحروب الأهلية بالبلاد، وتعرض سكانها لمجاعة فتاكة، أخذت تنشب فيهم بالفعل مخالبها وتغرز براثنها.

إخلال الأمم المتحدة بواجبها
ولقد كان من المنتظر أن تقوم منظمة الأمم المتحدة برد فعل شديد إزاء التآمر السافر على شعب الكونغو واستقلاله، لأنها هي الحكم في النزاع بواسطة السلطة التي وكلت إليها مهمة تنفيذ مقرراتها، ولأنها هي التي تملك في عين المكان الوسائل المادية التي لا يجرؤ الاستعمار الجديد على الاصطدام بها، ولأنها هي الهيأة التي استغاثت بها حكومة الكونغو، ووضع شعبه فيها كامل الثقة، وعلق عليها كل آماله، وفتح ذراعه  لرجالها المدنيين والعسكريين مرحبا مستبشرا، كما يرحب ويستبشر الغريق بوصول زورق الإنقاذ؛ ولكن منظمة الأمم المتحدة لم تقم –ويا للأسف- بمواجهة الحالة بالوسائل المطابقة لالتزاماتها، ولم تنفذ حتى القرارات التي اتخذتها؛ وهكذا رأينا حكومة الكونغو الشرعية تمنع من حقها في الاتصال بالخارج ومخاطبة الرأي العام في بلادنا، في الوقت الذي كانت أصوات الاستعماريين معبأة للدعاية ضدها، وطياراتهم تتدفق بالمال والسلاح والمسيرين على المطارات الخاضعة لسيطرة الانفصاليين على مرأى ومسمع من ممثلي الأمم المتحدة دون أن يحركوا ساكنا.
فبسبب هذه هذه المواقف شجعت الاستعماريين على الاستمرار في تصرفاتهم، تمكن الاستعمار من العودة إلى الكونغو والقبض على أزمة أموره من جديد. وحادت الأمم المتحدة عن الخطة التي حددت لها ووكل إليها تنفيذها، فأصبحت بذلك متعرضة لامتحان شديد من شأنه أن يضعضع كيانها ويفقدها نفوذها ويقضي على الثقة الموضوعة فيها.

نداء إلى رؤساء الدول
وإننا بهذه المناسبة، نهيب بالضمير العالمي، ونلفت أنظار رؤساء الدول والقابضين على أزمة السياسة العالمية بالخصوص، لينظروا نظرة جديدة في المأزق الحرج الذي توجد فيه المنظمة الآن بسبب ذلك الانحراف، ونذكرهم بما آلت إليه جمعية الأمم السابقة، عندما عجزت سنة 1936 عن إيقاف العدوان على الحبشة وسلمت بالأمر الواقع، ونحن إذ نوجه هذا النداء، إنما يدفعنا اعتقادنا بضرورة بقاء منظمة الأمم المتحدة لخير البشرية، وتشبثنا بمبادئنا السامية وأهدافها النبيلة، ورغبتنا في أن تستمر منبرا تتبادل الدول فوقه الرأي وأداة لتقارب الشعوب وتعاونها والدفاع عن الحق والعدل ومقاومة الطغيان والعدوان، إذ في عجزها عن القيام بواجباتها، وإخفاقها في أداء مهامها، خطر كبير على العالم. وقد أخذت أشباح ذلك الخطر تتراءى وتبرز بوضوح، بعدما انتهت مداولات الجمعية العامة ومجلس الأمن دون اتخاذ أي قرار إيجابي، رغم استفحال الحالة في الكونغو وازديادها تأزما. وإنه ليخشى أن تجتمع غدا لإعادة النظر في الموضوع ولكن بعد فوات الأوان.

الأسباب التي دعتنا لسحب قواتنا من الكونغو
فإزاء هذه الحالة التي تتجسم خطورتها في تمزيق وحدة الكونغو وتعطيل حياته الدستورية ومؤسساته التمثيلية، وإقصاء حكومته الشرعية واعتقال رئيسها، واتقاد نيران الحرب الأهلية فيه، وتعرض سكانه لأخطار المجاعة، قررنا يوم 12 دجنبر سحب القوات المغربية العاملة هناك تحت راية الأمم المتحدة، حتى لا نكون مشاركين في سلوك سياسة مضرة بشعب الكونغو، منافية لمصلحة التحرير الإفريقي، مخالفة لمقررات منظمة الأمم المتحدة، مصادمة لضميرنا ومثلنا العليا.

ضرورة تحديد سياسة إفريقية مشتركة
هذا ولكي نقف مكتوفي الأيدي إزاء الحوادث الجارية، ولكي نحول دون امتداد عدوى الاستعمار الجديد إلى أقطارنا المستقلة، كان من الضروري أن نلبي الرغبة التي طالما خامرتنا جميعا للاجتماع قصد دراسة الحالة الراهنة في الكونغو، وتحديد سياسة إفريقية مشتركة لمعالجتها، والسعي لحمل منظمة الأمم المتحدة على القيام بالمهمة التي التزمت بها بناء على طلب حكومة الكونغو الشرعية، ومبادلة الرأي لوضع أسس سياسية تحرر إفريقيا وتشييد وحدتها وتأمين مستقبلها.
ففيما يخص الكونغو نرى أنه ينبغي خلق أجواء سليمة لوضع حد لأزمته، بما يتلاءم ومصالح الشعب الكونغولي والقارة الإفريقية والمجموعة الدولية، وذلك طبقا لمقررات مجلس الأمن والجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة.
وفي هذا الصدد، نريد أن نتدارس خلال مؤتمرنا هذا، المقترحات التي من شأن تطبيقها بكامل الحزم والإخلاص أن يعين على إعادة الاستقرار إلى البلاد الكنغولية ويرد إليها نظامها وأمنها ووحدتها. ومن جملتها على الخصوص الرجوع بالكونغو إلى الوضع الشرعي الدستوري الذي كان عليه، وإعادة جميع المؤسسات الدستورية التمثيلية إلى نشاطها الطبيعي إعادة تمكن البرلمان من استرجاع مهامه، والحكومة الشرعية من ممارسة سلطتها من جديد، وإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين وخصوصا أعضاء البرلمان الذين يتمتعون بالحصانة، وعلى رأسهم السيد لومومبا رئيس الحكومة.
وبالإضافة إلى ذلك نقترح تجريد سائر العصابات المسلحة التي تهدد الأمن العام في البلاد. ولضمان نجاح هذه التدابير، وتمكينا للأمم المتحدة من القيام بواجبها في الكونغو، ينبغي أن تكف جميع الدول عن إمداد العصابات وسائر الانفصاليين بأية مساعدة كيفما كان نوعها، وذلك محافظة على وحدة التراب الوطني للكونغو، وسعيا لضمان النظام والأمن فيه.
ومن جهة أخرى يظهر أن من المتعين التعجيل بإجلاء جميع القوات البلجيكية المرابطة في مختلف أنحاء البلاد الكونغولية إجلاء كاملا يتناول بادئ ذي بدء القواعد العسكرية هناك، طبقا لمقررات هيئة الأمم المتحدة، كما يتأكد تجريد جميع المدنيين البلجيكيين من الأسلحة التي يتوفرون عليها؛ وإلى جانب هذا كله، يجب التنديد بكل حركة انفصالية، ووضع حد لكل عمل يقوم على أساس احترام الوحدة الترابية للكونغو. وإذا ما تحققت هذه الأهداف، فمن الضروري ءانئذ العمل على تيسير أسباب التعاون المثمر بين السلطة الشرعية الكونغولية وبين ممثلي المنظمة الأممية في الكونغو، سواء منهم المدنيون والعسكريون، إذ ذلكم التعاون هو الكفيل بطي المراحل نحو تحقيق ما ينشده كل منا لهذه البلاد من استقرار وأمن ورفاهية وازدهار.

تقترح لمعالجة الحالة بالكونغو:
ولتجسيم هذا التعاون المنشود، نقترح أن يكون ضمن ما نتدارسه في اجتماعنا هذا إنشاء لجنة قارة في الكونغو، معينة من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة، تستمد سلطاتها من هذه الجمعية وتكون مؤلفة من الدول الممثلة في اللجنة الاستشارية المكونة بجانب الأمين العام قصد إبداء الرأي في المشاكل الكونغولية، والإدلاء بما يلائمها من حلول.
كما تقترح من جهة أخرى سعيا وراء تصفية الجو الداخلي للكونغو من كل ما يعكره من تطاحن ونزعات، التداول حول فكرة توجيه نداء عام لجميع الزعماء الكونغوليين لعقد مؤتمر وطني للتوفيق، بمحضر اللجنة الأممية الآنفة الذكر، يهدف إلى إيجاد تقارب بين وجهات نظرهم، وقطع دابر كل نزاع يفرق كلمتهم. ومن الواجب أن تتحقق أثناء انعقاد هذا المؤتمر هدنة سياسية تساعد على المضي في طريق إصلاح ما فسد، ورأب ما انصدع. ولا ينبغي أن يعزب عن أذهاننا ما يواجه الكونغو من مشاكل مختلفة يجب أن يتغلب عليها، ولذلك نناشد الأمم المتحدة أن تقوي من مساعدتها إياه لإنقاذه من الحالة المؤسية التي هوى إليها، وإغاثته حتى يتمكن من تلاقي الخصاص الذي يحسه من الناحية المادية والفنية.
ونرى من واجبنا أن ندعو الدول الإفريقية على الخصوص لبذل الحظ الوافر من هذه المساعدة، ولتتقدم إلى الشعب الكنغولي الشقيق قبل غيرها لشد أزره والأخذ بساعده، إذ بذلك تؤدي أحسن أداء رسالة التضامن والأخوة الإفريقية التي تعتبر شرطا أساسيا لبناء إفريقيا مستقلة موحدة كريمة، رغم ما تحسه دولها نفسها من خصاصة وما هي عليه من احتياج. وهنا نرى لزاما علينا أن نعلن أن إفريقيا تجتاز اليوم في القضية الكونغولية امتحانا عسيرا، فأما أن تعمل على حل هذه القضية حلا سريعا ناجعا يضمن تحقيق مطامح الشعب الكونغولي تحقيقا كاملا، وذلك هو الفوز المبين لا للكونغو فحسب، بل لجميع شعوب إفريقيا، وإلا ستتعرض سائر شعوب هذه القارة إلى أخطار استعمار جديد، من شأنها أن تمزق وحدتها، وتعبث بسيادتها واستقلالها، وتعرقل تطورها المنشود نحو ما تصبو إليه من رقي وازدهار، كما ستحول بينها وبين تأديتها للمهمة المنوطة بها في المجال الدولي. فمن المتعين إذن أن نعمل جميعا على إحباط مساعي الاستعمار بنوعية الجديد والقديم بهذه القارة، وذلك بتعاوننا جميعا على معالجة المشكل الكونغولي تعاونا صادقا، وبالعمل على خلق وعي إفريقي ووطنية إفريقية.

محنة الجزائر الشقيقة:
أصحاب الفخامة
أصحاب المعالي
حضرات السادة
لقد عاشت إفريقيا ردحا من الزمن تحت نير الاستعمار، ولئن تحرر بعض أقطارها فإن بعضها الآخر أحد فريقين: فريق ما زال يعيش تحت وطأة استعمار مقنع، وفريق ما انفك يعاني ويلات الاستعمار العتيق، وكلاهما يعتبر في الحقيقة خطرا مهددا لإفريقيا، وحجر عثرة في طريق تحررها ونهوضها. وإذا كان الواجب الإنساني وواجب الأخوة الإفريقية قد دفعانا إلى بذل قصاري الجهود لحل المشكل الكونغولي، فإن ذلك أيضا لا ينسينا بل إنه ليفرض علينا بإزاء هذا المشكل إن نواجه بجوارنا في الجزائر الشقيقة استعمارا تقليديا لدودا يذيقنا منذ أكثرمن ست سنوات مرارة حرب أبادية، لا لشيء سوى أن شعبها يطالب بحقه في الحرية والكرامة والاستقلال.
وبالرغم مما أبدته الحكومة الجزائرية من حسن استعداد لحل المشكل عن طريق المفاوضات، نجد الطرف الآخر لا يعبر- مع الأسف الشديد- هذه البادرة الحسنة أي اهتمام. ولا يقيم لها وزنا. وليس خطر هذه الحرب في الحقيقة قاصرا على الجزائر الشقيقة وحدها، ولكن يخشى أن يمتد نطاقه فيشمل الأقطار المجاورة، ولذلك ناشدنا الأمم المتحدة لتتدخل في الأمر، وتعمل على تمكين الشعب المكافح من التمتع باستقلاله وسيادته.
ولقد أظهرت الحوادث الدامية التي كان القطر مسرحا لها أخيرا مدى تشبث الشعب الجزائري بمطالبه العادلة، والتفافه حول حكومته الوطنية، ورفضه البات لكل شكل من أشكال المؤسسات الممنوحة التي يراد إرغامه على قبولها.
وإننا نغتنم فرصة هذا المؤتمر وحضور أخينا فخامة الرئيس السيد فرحات عباس رئيس الحكومة الجزائرية، لنوجه في شخصه تحية المؤتمر إلى الأبطال المكافحين في سهول الجزائر وجبالها وصحرائها، ونؤكد لهم وقوفنا بجانبهم موقف التأييد والمؤازرة لأن قضيتهم قضيتنا، ونضالهم نضالنا، مطالبين بمنح الجزائر حقها في الحرية والاستقلال بدون قيد ولا شرط، ومنددين في الوقت نفسه بكل محاولة ءاثمة، ترمي إلى تجزئة التراب الوطني للقطر الشقيق، كما سبق لنا أن نددنا بها في كل مكان حاول الاستعمار أن يفرضها فيه.
إننا من أعرف الناس بهذا الأسلوب الجديد من الاستعمار، الرامي إلى تجزئة التراب الوطني لبعض الأقطار، إضعافا لشأنها، وتفريقا لكلمة أهلها، وذلك ابتغاء إرضاء رغبته في استغلالها، وتركيز نفوذه فيها. فلقد تعرض وطننا كما تعرضت فلسطين الشقيقة والكونغو في كاطانغا، وأندونيسيا في إيريان الغربية وغيرهما لخطر تجزئة ترابه، وحاول الاستعمار أن يغتصب من بلادنا موريطانيا التي تكون جزءه الجنوبي، خارقا بذلك التزاماته وعابثا بالمعاهدات الدولية.
ولكننا إزاء هذا الاعتداء، سنواصل الدفاع عن حقنا حتى يستكمل وطننا وحدته التامة كما عرفها التاريخ، وكما هي رغبة السكان في شمال البلاد وجنوبها.

أفظع مظاهر الاستعمار في القارة الإفريقية: الميز العنصري
إن القارة الإفريقية هي الجزء الوحيد في العالم الذي ما زال مسرحا للميز العنصري كمذهب ونظام، ذلك الميز الذي هو أفظع مظاهر الاستعمار وأمقت بقية من بقاياه. وإذا كان الاستغلال البشري في حد ذاته جريمة لا تغتفر، فإن أشنع من تلك الجريمة وأقبح، إن ينكر على الإنسان إنسانيته، ويعامل معاملة مزرية من أجل لونه أو عقيدته أو لغته. وستبقى البشرية في الحضيض الأسفل من التأخر والانحطاط، ما دامت فيها طائفة تحمل رؤوسا تؤمن بالعنصرية وتتعصب لها.
وإننا لنهيب بالشعوب الإفريقية أن تتزعم حركة المساواة بين البشر، وتجعل من نفسها قدوة للغير، في الدعوة إلى احترام كرامة الإنسان، والدفاع عن حقوقه، وتقدير قيمة المنبعثة من صميم تكوينه، والتي لا أثر للغات والألوان فيها.

على الأقطار الإفريقية أن تعبئ طاقاتها لدرء الخطر عنها
كما نهيب بها أن تعبئ قواها بغية جعل حد لاستعمار إفريقيا حقلا للتجارب الذرية، وتعريض سلامة سكانها لأخطار محققة بسبب ذلك. ومنذ أيام أقدمت الحكومة الفرنسية على إجراء تجربتها الذرية الثالثة بجزء من تراب مملكتنا واقع بقلب إفريقيا، عابثة بتوصيات الأمم المتحدة، مستفزة الشعوب الأفريقية، متحدية الإنسانية والضمير العالمي، ولكن ذلك الاستفزاز وهذا التحدي لن يزيدانا إلى عزما على مواصلة النضال ضد الاستعمار، والسعي لاستخلاص فلسطين العربية من براثن الصهيونية المعتدية، وتحرير الكونغو والجزائر وكل شبر في العالم ما يزال تحت سيطرة الاستعمار، إذ ليست هناك قوة تستطيع أن تفل من حد عزائمنا، أو تواجه قوانا المعنوية وطاقاتنا التحررية، أو تسد أفواهنا عن التنديد بهذه التجارب العدوانية والفتاكة.
أصحاب الفخامة
أصحاب المعالي
حضرا السادة
أتى على القارة الإفريقية حين من الدهر عاشت فيه مستعمرة مقسمة مستغلة مهينة مهضومة الحق مهيضة الجناح، ولم يكن هناك ما تستأهل عليه عيشة الشقاء والحرمان إلا لون بشرتها في نظر الاستعماريين، ووفرة خيراتها التي استحلوا في سبيل استغلالها ما حرمته الشرائع السماوية والقوانين الأرضية من عنف واضطهاد. ولقد كان من الظواهر الكبرى التي امتاز بها النصف الثاني من القرن العشرين يقظة إفريقيا ونمو وعيها وبروز شخصيتها، وتصميم عزمها على كسر الأغلال التي تصفدها والمساهمة في خدمة السلم والحضارة، واحتلال المكان الجدير بماضيها وموقعها وطاقاتها الإنسانية وثرواتها الطبيعية فوق الصعيد الدولي. ولقد قطعت إفريقيا أشواكا كبيرة في طريق التحرر والانعتاق، وسجلت الشهور المتوالية والسنون المتعاقبة لها نصرا بعد نصر، حتى عدت سنة 1960 بحق سنة انبعاث إفريقيا. ولكن هذا الانبعاث هال الاستعمار العتيق، وجعله يتشكل في شكل جديد، ويتخذ أساليب جديدة، ويمهد لمستعمراته سبيلا مضللة يكمن في ثناياها الخطر، ولا تفضي بسالكيها إلا إلى حرية بتراء. ولهذا يجب على الشعوب الإفريقية أن تضاعف انتباهها وحذرها، وتعد العدد، وتهيئ الأسباب الكفيلة بكشف الاستعمار الجديد واستئصال أخطاره.

ميثاق إفريقيا الجديدة
أصحاب الفخامة
أصحاب المعالي
حضرات السادة
إن هذه اللحظة التي نجتمع فيها الآن لحظة تاريخية حاسمة في حياة إفريقيا. فبعد ما عاشت شعوبها سنين طويلة مستعمرة مقسمة محالا بينها وبين الاتصال الحر المباشر، ها هي ذي طائفة من دولها المستقلة بشرقها وغربها ووسطها، تجتمع لتضع ميثاق إفريقيا الجديدة، وتعبد سبل التحرر والسعادة لأجيالها الحاضرة والمقبلة.
وإن هذا المؤتمر لاحسن ما يسنح من الفرص لوضع ذلك الميثاق، وتقرير العمل الإيجابي الذي يجب القيام به لتحقيق الأهداف التالية التي نتطلع جميعا إليها:
1) القضاء على النظام الاستعماري وذلك بتحرير الأجزاء التي ما تزال مستعمرة بإفريقيا تحريرا حقيقيا
2) القضاء على العنصرية بجميع مظاهرها ونظمها
3) محاربة الاستعمار الجديد في جميع أشكاله ومختلف ألوانه، وفضح أساليبه التضليلية الجديدة.
4) دعم استقلال الأقطار الإفريقية المحررة والدفاع عنه.
5) تشييد وحدة إفريقية .
6) إقرار سياسة عدم التبعية بالأقطار الإفريقية.
7) إنهاء كل احتلال عسكري لإفريقيا، ومنع استعمالها ميدانا للتجارب الذرية.
8) معارضة كل تدخل أجنبي في الشؤون الإفريقية.
9) العمل على تثبيت دعائم السلم العالمي.
إن هذه الأهداف التي نريد خطها للمستقبل لا ترمي إلى عدوان، ولا تصطبغ بعنصرية  جديدة، وليست موجهة ضد دولة ولا قارة، كما أنها لا تعني أثرة أو انعزالا، بل هي مستوحاة مما لنا جميعا من رغبات ملحة في حفظ السلم وتقويم أسباب التقارب بين الشعوب والتعاون بين الدول، القائم على أساس الاحترام وضمان السيادة وصيانة الكرامة، ومن شأنها –إذا تحققت- أن تكون من إفريقيا وحدة من أجل السلام والرقي، وتجعلها موطن الأمل الباسم، والاستقرار الدائم، والعمل المنتج المفضي إلى التقدم والرخاء.
ونظرا لنبل هذه الأهداف وما لها من أهمية لا تخفى على أحد منا، وضرورة تحقيقها بسرعة، فلعل الوقت يكون قد حان لاتخاذ الخطوات العملية التي يجب اتباعها لتطبيقها، وإقامة بعض المؤسسات التي تسهر على تحقيقها كتأليف مجلس استشاري إفريقي، وإنشاء لجان تجتمع دوريا لتنسيق سياسة الأقطار الإفريقية في الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية، واتخاذ التداربي اللازمة لتأمين سلامتها، وتقرر المساعدة التي يجب أن تقدمها لبعضها إذا وقع الهجوم على أحدها.
أصحاب الفخامة
أصحاب المعالي
حضرات السادة 
إذا كانت الأقدار أتاحت للدول الإفريقية المجتمعة في هذا المؤتمر السبق إلى الاستقلال والحرية، فإنه دين عليها إن تمد يد المساعدة إلى الشعوب الإفريقية الأخرى حتى تتمتع بنفس الحرية والاستقلال، وحتم عليها أن تخطط من الآن المناهج الواضحة التي ينبغي لإفريقيا الجديدة أن تسلكها، والسياسة التي يحسن أن تتبعها، فلا ينبغي أن تعالج مواضيع هذا المؤتمر على أساس الاعتبارات الخاصة بالدول المشاركة فيه فحسب، بل على أساس الاعتبارات العامة والمصالح العليا لإفريقيا. وأن لنا اليقين بأن المؤتمر المقبل سيحضره عدد أوفر من الدول الإفريقية، وإننا لنتطلع بمنتهى الأمل إلى اليوم الذي يجتمع فيه المسؤولون عن دول إفريقيا كلها بشرقها وغربها وشمالها وجنوبها، للنظر في شؤون قارتهم، وقد اختفت منها أشباح الاستعمار والعنصرية والانقسام، وأشرقت عليها شمس الحرية والوحدة والرخاء والسلام، واشتدت أواصر تعاونها على ما فيه خير الإنسانية مع القارة الأسيوية التي نغتنم هذه الفرصة فنحيي شعوبها الناهضة، ونعبر لها عن تمنياتنا بتمام التحرر، ومواصلة السير في سبيل الرقي والازدهار.                                                                                                                                                                                                                                   

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here