islamaumaroc

الثقافة والمثل الأعلى

  دعوة الحق

35 العدد

يعيش المغرب في الوقت الحاضر مرحلة ثقافية ضحلة ليس فيها إنتاج فكري أو ثقافي رفيع يمكن لنا أن نفاخر به، ولا مجال هنا إلى تعداد العوامل التي يعدها بعض الناس مسئولة عن هذا التوقف الفكري الذي نعانيه، ربما كان صحيحا أن الوظيفة تستأثر بالنخبة المثقفة من شعبنا وتستبد بكل وقتها ولا تترك لها مجالا تحقق فيه أثارا جيدة جديرة بالخلود، وربما كان صحيحا أن الجمهور المغربي المثقف ذاته لا يقبل على القراءة ولا يشجع بالتالي المفكرين الذين تراودهم الرغبة في الإنتاج ويأنسون من أنفسهم القدرة عليه، قد يكون هذا كله صحيحا لولا أننا نريد أن نتجاوزه إلى إلقاء ضوء على الواقع الحقيقي الذي يعيش عليه الفكر المغربي هذا الواقع الذي يعطل في رأينا كل خلق وإبداع إذا لم نبادر بإصلاحه والوقوف على العناصر الضرورية الحيوية التي تنقصه.
لقد انسحب الاستعمار من المغرب تاركا وراءه اتجاهين أو طرازين من التفكير، الطراز تمثله طائفة من الناس ترى أن تراثنا الإسلامي العربي يغنينا عن أي اقتباس من الغرب وتعتقد أن ذاتية الأمة العربية ينبوع ثر يمكن للمرء أن يستقي منه ما يشاء دون اللجوء إلى عون خارجي ودون الارتماء في أحضان أية ثقافة أو مدنية أخرى، أما الطراز الثاني فتمثله طائفة تذهب هي الأخرى مذهبا قصيا إذ يتراءى لها أنه ليس بالإمكان أن نحيا الحياة الحقة ولا أن نبدع الإبداع الصحيح إلا بالسير في ركاب الحضارة الغربية وطرح هذه التقاليد والأفكار والعادات التي ورثناها عن تراث لم تعد له سوى قيمة تاريخية محض.
إن وراء الموقف الأول وإن كان يبدو فيه تصلب وجمود رغبة صادقة في المحافظة على كياننا ومميزات شخصيتنا، وأن وراء الموقف الثاني وإن كانت تبدو عليه مسحة من اليأس والانهيار ميلا إلى الأخذ بالأساليب الحديثة في الخلق والإبداع.
بيد أن الذي تجدر الإشارة إليه –ما دمنا في بداية الطريق وما دمنا لم نتجاوز مرحلة التفكير الصامت إلى مرحلة العمل الجاد –هو أن نذكر جمهور المثقفين في بلادنا بعنصر هام لا بد منه ليس فقط لبناء نهضة سليمة بل ولكي نستلهم نمه القوة والحماس على البناء ونستمد منه صور الإبداع ومعاني الخلق، إنه المثل الأعلى الذي نرمقه ونتطلع إليه. لقد كان الاستعمار الذي منيت به الأمة العربية بمختلف ألوانه يركز اهتمامه ويوجه كل فعاليته للقضاء على الشخصية الفذة التي تتميز بها هذه الأمة، فلقد أدرك منذ الوهلة الأولى التي بدأ يتغلغل فيها في بلادنا أن لهذا الشعب تراثا وحضارة وقيما خالدة ومثلا عليا، لذلك بيت الخطة وأعد العدة لتجريد هذه الأمة من شخصيتها وإقامة سد منيع بينها وبين تاريخها الحافل بالأمجاد والذكريات، على هذا الأساس كان الاستعمار يرسم برامج التعليم، وعلى هذا الأساس كانت تحارب اللغة العربية، وعلى هذا الأساس حيل بيننا وبين الاتصال بإخواننا العرب، ولكن هل كان للاستعمار ما أراد؟ إن الشخصية التي أراد الاستعمار تحطيمها هي الشخصية ذاتها التي حطمت الاستعمار. ومع ذلك فلسنا مكابرين حتى نزعم بأننا خرجنا من هذه المعركة سالمين كل السلامة فما زلنا نعاني من آثار المعركة ما نعاني، وما زلنا نرفع عن شخصيتنا ما تراكم عليها من أنقاض، ونعتقد أن عمل المخلصين الذين يريدون ازدهارا لهذه الأمة في مختلف الميادين ينبغي أن ينحصر في تنقية الشخصية المغربية من رواسب الاستعمار والتخلف وربط هذه الشخصية بالمثل الأعلى الذي علقنا عليها وجودنا في الحياة منذ أن كان لنا وجود، المثل الأعلى الذي ظل خلال حقب التاريخ المديدة يجول في ضمير أمتنا وإيمانها، ويفجر إمكانياتها في الخلق والإبداع.
لن نبتدع شيئا جديدا إذا قلنا أن مثلنا الأعلى كامن كله في الرسالة الخالدة التي حملها العرب، رسالة الإسلام، وما رسالة الإسلام سوى هذه الآية المة التي يتفتق مضمونها عن أروع مثل أعلى (إني جاعل في الأرض خليفة) فكأن الإنسان العربي والمسلم  بوجه عام ما وجد إلا ليحقق صورة الله على الأرض، إن هذا الكمال المرموق هو الذي ظل ينفخ في العرب روح الحرية، روح الاعتزاز بالحرية والإصرار على التشبث بها، بل إن هذه الروح هي التي تلقي  ضوءا على ضروب الشجاعة والبطولة التي عرف بها العرب وتعطي معنى للكفاح الطويل المرير الذي خاضته الأمة العربية ضد الاستعمار من أجل التحرر والانعتاق.
وهذا المثل هو الذي جعل العربي يحرص أكثر من غيره على القيم الخلقية السامية القيم التي لا تشوبها مصلحة ولا يداخلها نفع، القيم التي تتجاوز الثروة والجاه وتتجاوز حتى المعرفة (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
ومن هذا المثل الأعلى أيضا كان اعتقاد العرب أنهم خير أمة أخرجت للناس، واختارها الله لا لينقل بها إرادته إلا هذا العالم، بل ليحقق بها هذه الإرادة، فنصرة الضعيف، وحماية المظلوم، وعدم التميز بين الناس، في العرق والدين واللغة كلها مبادئ كانت تلهب حماس الإنسان العربي وتدفعه إلى القيام بأروع البطولات لأنها كانت تتجاوب مع مثله الأعلى الذي علق عليه كل وجوده ووقفت حياته كلها لتحقيقه.
ليس معنى كلامنا هذا أن الأمة العربية ليست في حاجة إلى الاقتباس، أن الأمة العربية خلال تاريخها الطويل لم تنكمش على نفسها، بل أن عبقريتها تجلت في تمثلها لحضارات مختلفة نتج عنها تركيب نوعي جديد يختلف عن العناصر التي كونته وأسهمت فيه، وذلك لسبب بسيط هو أن الحضارة العربية كانت دوما نسيجا متجددا يتم حول نواة ثابتة خالدة هي المثل الأعلى الذي حدد نظرة العرب إلى الوجود.
إن الاتصال والاقتباس ليسا سوى تجاوب حي مع المرحلة التاريخية الحاضرة وليسا سوى تفاعل ضروري مع التجارب الإنسانية، والأمة التي تريد أن تعطي لا بد أن تأخذ.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here