islamaumaroc

ذكرياتنا القومية

  دعوة الحق

34 العدد

أشرقت الشمس في الأفق، في صبيحة يوم عيد العرش المغربي، مع شروق بسمات الفرحة والبهجة على شفاه كل فرد مغربي، وفي قلب كل عربي، من أبناء هذا المغرب العربي.
وذهبت بي الذكريات ضاربة في أعماق الأحداث القريبة والبعيدة، معيدة إلى الذهن تلك الأيام الغابرة.. التي كان خلالها المحتل الغاصب، في أرض وطننا المغربي، يحاول بكل قواه أن يخمد الأنفاس المتحركة، ويكبت العواطف المتجاوبة، ويخرس الأصوات المتعالية في شرق الوطن وغربه، منددة بجبروته، مستنكرة لسعيه في الحيلولة دون جمع الشمل، ورص البنيان، وتوحيد الصف، ودفع الموكب – موكب الحرية- إلى الأمام، يسير في نهج واحد، نحو هدف واحد واتجاه محدد..
لكن تلك الأيام السود، قد ذهبت ولن تعود..
وهكذا بتنا وأصبحنا، فإذا بنا نسعى ونجد في سبيل موحد، وطريق قاصد، بغية إدراك الأهداف القومية، وتحقيق القيم السامية، والمثل العليا، التي خضنا –وما زلنا- من أجلها المعارك، ضد العدو المشترك.
هذه الأنغام العذبة تحدو مواكب الأبطال في أرض النضال، وهذه أناشيد الأخوة والتضامن، في ربوع الوطن المغربي –كما في كل أنحاء الوطن العربي- تشدو بكفاح الأحرار، وجهاد الأبرار، في أرض الوطن الجزائري، جباله وروابيه، وسهوله، وتتغنى ببطولتهم وشجاعتهم، إحياء ليوم فاتح نوفمبر، وتخليدا لذكرى الثورة المباركة في الجزائر، وهي تطوي صفحات، ست سنوات، من الكفاح المرير، والجهاد الكبير، وتفتح صفحة سنتها السابعة، لتسجل فيها آيات جديدة من آيات التضحية والفدى.
مهرجانات تقام، في يوم التضامن، وأحاديث تذاع من أجل التضامن مع شعب عربي أبي، وشعبنا في المغرب ينهض عن بكرة أبيه ليساهم بقدر، في ذكرى ثورة التحرير الجزائرية، أسوة بملكه الهمام، وقائده المقدام.
فأي برهان أقوى من هذا على وحدة الأهداف، ووحدة الغايات، التي تجلت في وحدة ذكرياتنا القومية.
والواقع أن أواصر هذه الوحدة لم تزدها الأيام إلا قوة ومتانة، ولم تزدها الأحداث إلا عمقا وصلابة رغم كل ما بذله الاستعمار من جهود، في وضع الحواجز وبناء السدود، إن وحدتنا كانت –وما زالت- عميقة الأركان سامقة البنيان، لأن دعامتها تقوم على الدين واللغة والتاريخ، وبهذه الخصائص أصبحت سبيلنا إلى النجاة، ورائدنا إلى القوة والعزة ووسيلتنا إلى الرفاهية والازدهار.
ومن أجل ذلك ظل الجزائريون –وما فتئوا- يسيرون في طليعة المعركة التي خاضها أبناء المغرب العربي، ضد النظام الاستعماري، وافتكاك سيادتنا القومية من بين مخالبه، وكان تجاوبهم مع أحداث القطرين تجاوبا قلبيا عميقا. كلما ألمت بأحد الأخوين ملمة، أو نزلت بساحته نازلة، وهذا أمر طبيعي ناتج عن صدق الأخوة، المستمدة من وحدة الآلام والآمال، ووحدة المصير والمال.
ويوم أقدمت فرنسا على افتراق فعلتها النكراء ضد العرش المغربي، اهتزت الجزائر المتحفزة للحادث من أقصاها إلى أقصاها، احتجاجا واستنكارا، وامتنع المواطنون من ذبح الأضاحي تضامنا مع الشعب الشقيق في محنته، وظلت ذكرى العدوان على العرش المغربي مثار حزن، ومبعث أسى، كلما آن أوانها، وعاد يومها.
ولكن ذكرى يوم عشرين غشت 1953 كانت لها ميزة خاصة، ومظهر فريد من نوعه، لأن تلك الذكرى قد حلت بين ظهرانها، في الوقت الذي كانت فيه الثورة الجزائرية مشتعلة الأوار، في طول البلاد وعرضها، فأعلنها المجاهدون –في تلك المناسبة- صيحة مدوية في وجه الطغاة: أفصحت عنها البنادق الرشاشة، وعبرت عنها القنابل المدمرة لمراكز جنود الاستعمار، في مدينة سكيكدة، وقسنطينة، وعين عبيد،  ووادي الزناتي، والميلية وغيرها.
وكان أبطال جيش التحرير يومئذ يتمثلون في هجوماتهم على العدو، بقول أحد شعراء الجزائر:
فيها قذائفنـا الأولـى قد انطلقت 
                     كيمـا تحـطم للطـغيان بنيانـا
وعنـدها ثارت الرشاش قـاذفة
                     علـيهم من لظى البركان نيرانا
فأسمعت منهم من كان في صمم
                     وبصـرت مـنهم غلفا وعميانا
فلم تزل ثورة الأحـرار كاسحة
                     بالنـار كـل عـدو أينـما كانا
وقد ذهب ضحية الفتك الاستعماري في هذا اليوم نحو عشرين ألف من الأبرياء العزل، الذين لا يدلهم في الحرب، وإنما ذهبوا ضحية الانتقام الوحشي، بيد أن تلك الدماء الطاهرة، لم تذهب ولن تذهب سدى، ما دامت قد أريقت من أجل تطهير الوطن المفدى من رجس الاستعمار الممقوت..
واستيقظت صبيحة يوم عيد العرش، على أناشيد البطولة والخلود، تشيد بيوم هذا العيد المجيد، وتنوه ببطولة وعظمة الرجل الفذ، الجالس على هذا العرش الرفيع، وبدا لي أن أسهم بكلمة في إحياء هذه الذكرى الجليلة، وفكرت: وطال بي التفكير، ثم قر قراري على أن خير هدية أقدمها لقراء (دعوة الحق) بهذه المناسبة، وأبلغ تحية نحيي بها عيد العرش، هي هذه التحفة السنية، والدرة اليتيمة، التي دبجتها براعة العلامة الجليل، فضيلة الأستاذ الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، تحية لعيد العرش العلوي، في إحدى  ذكرياته الخالدة، وياما أكثر ما حبر قلم الإبراهيمي، في ميدان الدفاع عن القضية المغربية، وخاصة خلال الأزمة الشهيرة.. وإلى القارئ هذه الكلمة القيمة، بعنوان:
عيد العرش المحمدي العلوي
(آمال فساح، في الفوز والنجاح، وتباشير صباح باليسر والإسجاح، وتوق وطماح، إلى السؤدد اللماح، وكد وإلحاح، من أصلاء في العز أقحاح، وعزمات صحاح في الذياد والكفاح، ومغدى ومراح، في الحق الصراح، وشباب نضاح، عن الشرف الوضاح، ومليك مسماح في العلم والإصلاح، وأمامها تاجها العمامة، صدفت عن المظاهر، وعزفت عن المزاهر، لتخط الأسوة، وتحط الجبرية والقسوة، وأعلام من علماء الإسلام، حافظوا على الإرث وطهروه من الدم والفرث.
تلك هي حيلة الصدور، وزينة المجالس في عيد العرش المحمدي العلوي، وذكريات من المجد التليد تثار، وآفاق من الفخر الطريف تنار، وسمات من مخايل البطولة تشهر، وصفحات من تاريخ العظمة تنشر، ولمحات من الشرف العلوي الفاطمي، تشع فتشيع، ونفحات من الغر الجلائل، من أعمال الأوائل تضوع وتذيع، وذخائر من أخلاق الطيبين الأخاير، تجبي لوارثها، ومفاخر، مما ترك الأول للآخر، تجنى لهمامها وحارثها، وصور من عز الملك تجلى، وسور من مكارم الأوبة تتلى، وشمائل من باني البيت إسماعيل تجلت في محمد.
تلك هي الجمل التي شرحها عيد العرش المغربي فأبان، ورفع أحاديثها مسندة إلى إبان، وفرع بها الشماريخ الباذخة من أبان.
والعرش المغربي، همك من عرش، زرت أزراره على إدريس في الأولين، وعلى الأباة بني علي في الآخرين، فرست رواسيه في طينة الشرف الأرفع وبسقت أفنانه في جوه الصافي الأنصع، وأوطأ متونه، ذوائب لمتونة، ومد تمتانه، على واحد هنتانه، وارث الأرين، بمساعير مرين.. همك من عرش مد ظلاله على المغراب أحقابا، وحط رحاله على عتبات برقة مرات..
فإذا شاركنا إخواننا في البشرى بعيده، فإنما نفي بعهد قل الأوفياء به، وننعم بخيال طاف طائفه بنفوس مترقبة لمسراه، متعرفة لمجراه، وما زال الطيف كالضيف، محببا إلى الكرام، مبغضا للئام.
ومن حكم الله في هذا العرش أنه لم يزل حارسا للغة الضاد،  من الأضداد، حاميا للدين، من المعتدين، ولم تزل في مقتعديه أمثال مضروبة، في النضج عن الإسلام والعروبة، اختلفت بهم الأنساب، بين يعرب ومازيغ، ولم تختلف بهم الأسباب في رعاية العلم وتقدير البيان، فكم ولدت دولهم من أعلام في الأدب والبيان ونوابغ في الفقه والتشريع، وأساطين في الفلسفة والحكمة، وإثبات في التاريخ والخبر..
وما زلنا ننكر على المسلمين في زمننا هذا إقامتهم لهذه الاحتفالات، ونعدها عليهم من باب المجانة واللهو، ونقول أن معظمها محاكاة لا تأتي بفائدة، وتقليد للأقوياء لا يعود بعائدة، وإنها تتنافى مع الجد والشهامة، وتلهي عن الواقع والواجب، وأن الأليق الأشبه بنا عقد مناحات نندب فيها الجدود العاثرة، والأشلاء المتناثرة، ولكننا حين نصل إلى هذا النوع الذي ينبه ويوقظ، ويحرك الذكرى ويدعو إلى التأسي بالعاملين، نسلم أنها دروس تلقى على الجاهلين، ونؤمن بأنها تاريخ يحيى، وأجيال تنشر، وأعمال تبعثن وما أحوج الأمم الغافلة النازلة بالسافلة، المنقطعة عن القافلة، المشغولة عن الفرض بالنافلة، إلى أمثال هذه الدروس الحافلة.
أيها الإخوان بالمغرب الأقصى، نحييكم على بعد الدار، وحيلولة الجدار، ومعاكسة الأقدار –تحية ود، لا تقابل بالرد، ونهنئكم بهذا العيد السعيد، تهنئة الغريق لمن بالساحل، والمبعد لمن طويت له المراحل. وندعو للجالس على العرش بالتأييد من ذي العرش، ونتمنى لكم – كما تتمنون لنا- سعادة يطرز حواشيها النعيم، وسيادة تدفع إلى حرم العز من ثنية التنعيم.
إننا لمسنا من السنان صفحته، وشممنا من الريحان نفحته، فتعاطفت الأرحام، وتداعت وشائج القربى إلى الالتحام، وهزتنا الأريحية، إلى هذا النزر القليل من التحية، تحملها عنا إليكم ريح الصبا كلما هبت، وبرد الصحائف كلما خبت، فاعذرونا فإننا لا نبلغ في هذا المقام –وإن أطلنا- القلامة من أصبع، والدقيقة من أسبوع والقطرة من ينبوع.
أيها الإخوان، إن العروش لا تثبت ما لم تكن رواسيها القلوب والمهج، فكونوا دون العرش صفا، وجمعا ملتفا، وساعدا وكفا، ودفعا للباغي وكفا، وذودوا عنه كل مريب، والقريب منهم قبل الغريب.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here