islamaumaroc

الربيع في الشعر العربي-1-

  دعوة الحق

34 العدد

من أحسن ما يستوقف القارئ في الشعر العربي بعض القصائد والمقطوعات التي تتغنى بالطبيعة وجمالها وجلالها، فتنقل النفوس إلى عالم كله طراوة وبهجة وانسجام وألوان زاهية وأصوات غردة منعشة، فالشعور بالطبيعة كان من الينابيع الغزيرة التي وقف عليها شعراؤنا فرووا ظمأهم واستقوا بعض ما قالوا من أجود القريض وأحبه إلى النفوس، ونحن بدون أن نتناول الموضوع من وجهة تاريخية، يجب علينا أن نلاحظ بادئ ذي بدء أن الشاعر العربي، بالرغم من الظواهر، قد تطور في تذوقه للطبيعة وتصويره لها، تبعا لتغير ذوقه بالاحتكاك والاقتباس، وبانتقاله من مكان إلى غيره، فبعد أن كان شاعرنا وهو في جزيرته العربية لا يعرف غير مناظر الصحراء القاحلة الجرداء، نراه، وقد مكنته دولة الإسلام الفتية الناهضة بفضل فتوحها وتوسعها من الاستيطان بكل الأقاليم والقارات المعروفة في ذلك العهد، أصبح واقفا على كل أسرار الطبيعة، عارفا بمناظرها المختلفة، من فيافي مقفرة إلى غابات وآجام ومن بطاح مخضرة شاسعة إلى جبال مكسوة بأردية الثلج البيضاء، ومن بلدان شمسها مشرقة وسماؤها صاحية إلى أخرى ترى الغيوم متراكمة فيها طول السنة.
إلا أن الفلسفة الابيقورية التي كان يعيش عليها المجتمع العربي في مختلف العواصم، أو بالأخص الطبقة المترفة فيه، جعلت الشعراء، وهم الصوت الطبيعي لذلك المجتمع، يغلبون جانب الجمال والمتعة في شعورهم بالطبيعة على الجوانب الأخرى، بحيث تجدهم –وذلك باستثناء شعراء الجاهلية- قلما تغريهم المناظر المهولة والقوية، مثل انفجار البراكين وتلاطم الأمواج في عرض البحار وتدفق السيول في الآكام والبراري وغير ذلك من مشاهد العظمة في هذا الكون الذي نحيا فيه، بل إنهم يعربون عن كراهيتهم لمثل تلك المناظر، وإذا أوردوا ذكرها، فإنما بقصد الهجو، فهذا أبو تمام لم يرقه الشتاء بخراسان ولا مرأى الثلوج بجبالها يقول:
لم يبـق للصيف لا رسـم ولا طـلل
                ولا قشـيب فيشــتكـي  ولا سمـل
عدل من الدمع أن يبكي المصيف كما 
                يبكي الشباب ويبـكي اللهو والـغزل
يمني الزمان طوت معروفها وغـدت
                يــراد وهـي لنـا من بعده بـدل
ما للشتــاء وما للصيف من مـثل
                يرضى به السمع إلى الجود والبخل
أما ترى الأرض غضبى والحصا قلق
                والجو بالحــرجف(1) النكباء يقتـتل
من يزعم الصيف لم تذهب بشـاشته
                فغــير ذاك أمسى يزعم الجـبل
غدا له مغفــر(2) في رأسه يقق(3) 
                لا تهتك البيض فوديه ولا الأسـان
إذا خراسان عن صنبرها(4) كشرت 
                كانت قتـادا لنا أنيابـها العصـل (5)

فشعراؤنا في هذا المضمار ساروا في الاتجاه المعاكس الرومانتيكيين في أروبا حيث كان هؤلاء يؤثرون التحدث عن الجانب الموحش والمتجهم في الطبيعة وقد استوحى منه كتاب أمثال «شاتوبريان» و «لامارتين» و «وبايرون» و «فيكتور هوجو» صفحات تعد من أروع ما كتب في الأدب الأروبي.
ولهذا فقد كان الربيع وهو الفصل الذي يغلب فيه جانب الأنس في الطبيعة على جانب الوحشة، موضوعا مؤاتيا لميول شعرائنا أو بالأحرى موضوعا متجانسا مع الذوق العام للمجتمع العربي في ذلك العهد ولما كان ينشده من أنواع المتعة في الحياة، فقد نظموا فيه شعرا كثيرا، فوصفوه ومدحوه واستقصوا في البحث عن جوانب جماله وتفننوا في تصوير كل ما يتم عنه أو يرمز إليه في زهر وريحان وطير ونسيم.
إلا أن الإقبال على الربيع وتذوقه واتخاذه موضوعا من مواضيع الشعر لم يظهر طفرة في الأدب العربي ولم يرافق هذا الأدب منذ نشأته الأولى، وإنما نما وترعرع في ظروف طبيعية، تبعا لتطور الحضارة العربية وتعدد مراكزها وتنوع مشاربها.
فنحن إذا انصرفنا إلى الشعر العربي الأول من جاهلي ومخضرم لا نجد شيئا ذا بال نظم خاصة في الربيع، وإنما هي صور عن الطبيعة تجيء في عرض القصيدة أو في مستهلها عند ذكر منازل الأحباب، كما جرت بذلك عادة الشعراء العرب، أو عند التعرض لوصف سفر من الأسفار، وتلك ظاهرة تعللها في نظري الأسباب التالية:
أولا: من المسلم به عند نقاد الأدب العربي ومؤرخيه أن الشعراء لا مندوحة لهم عن التأثر بالمناخ الذي يعيشون فيه وبالطبيعة التي تحيط بهم بحيث يظهر لذلك انعكاس واضح في شعرهم، وبما أن شعراء الجاهلية والصدر الأول من الإسلام لم يعرفوا في الغالب إلا المناظر الصحراوية الخالية من سمات الربيع، فإنه من المنطقي أن يكونوا أمسكوا عن وصف شيء لم يروه ويحسوا به، ويزيدنا اقتناعا بهذا الرأي علمنا بأنهم كانوا وصافين إلى حدود المبالغة حتى قيل أن أبرز ظاهرة تلمح في الشعر الجاهلي هي الإغراق في الوصف والتصوير، أجل، لقد وصفوا الناقة ووصفوا الفرس ووصفوا الفرس ووصفوا الرمح والسيف لأن كل هذه أشياء كانوا يعرفونها، ولكنهم لم يعتنوا بوصف الربيع لأن الربيع ما كان يثير شيئا في مخيلتهم.
ثانيا: يظهر أن تذوق الطبيعة له ارتباط بمستوى الحضارة، فالبدوي الذي يعيش دائما وسط الهواء الطلق وبين أحضان الطبيعة والذي يكابد ما يكابد من متاعب الحياة ومشاكلها لا يستهويه ما يألفه من مشاهد وما يراه  كل يوم من مناظر، فليس لديه ذلك التهيؤ النفسي والاستعداد الفكري اللذان يلهمانه إلى جمال الطبيعة ويحببانه إليه، في حين نجد الحضري يشتاق من حين لآخر إلى النزهة في البساتين وفي الحقول، وإذا ما وقف أمام بطحاء مخضرة تتمايل فيها الأشجار على هبوب النسيم تراه يتحرك ويتململ من شدة الطرب، وكل هذا معناه أن التأثر بمنظر الطبيعة ليس من المشاعر البدائية، بل إنه عنوان عن مستوى فكري وروحي رفيع.
ثالثا : هنالك ظروف مادية ما كانت لتساعد الأعراب على الإحساس بجمال الربيع، فالفقر والبؤس حجاب بينهم وبينه، وهم قبل أن يفكروا في أخذ حظهم من الكماليات يجدون أنفسهم دائما في مصاعب مع ضروريات الحياة، بحيث يمكن القول أن الاستمتاع ببهجة الربيع نعمة مقصورة على طبقة محظوظة من الناس المترفين الذين يملكون الحدائق والبساتين والرياض والذين يساعدهم الفراغ على أخذ حظهم من جمال الفصول كلها شأنهم في ذلك شأن السواح الموسوين في عصرنا هذا الذين يقطعون آلاف الأميال ليقضوا سهرة عيد الميلاد في بلد آخر.
ومع ذلك، فمن الواجب علينا أن نعترف لشعرائنا الأقدمين بأنهم كانوا صادقين فيما صوروه من مناظر طبيعية فلم يحاولوا أن يزخرفوا ولا أن يتصنعوا ولا أن يغرقوا في الخيال، وهم من هذه الناحية أقرب إلى روح الشعر العصري الذي تأثر بالواقعية إلى حد كبير.
فهذا امرؤ القيس يصف تهاطل الأمطار وتدفق السيول، تجد نفسك أمام شاعر لا يهمه إلا أن يصور لك روعة المنظر ورهبته، تحس بذلك سواء فيما يسرده من أحداث أو فيما يأتي به من تشبيهات أو فيما يستعمله من لفظ ليعبر عما يشعر به، وله في هذه القطعة المشهورة من معلقته ترتيب عجيب يكاد يشبه ترتيب المسرحية من نوع المأساة حيث نشاهد منذ البداية الأهواء (!) تطغى رويدا رويدا. فتصطدم إرادات الأبطال وعزائمهم حتى إذا بلغ العراك ذروته ووصل توتر النفوس إلى منتهاه، اتجهت المأساة نحو حلها المحتوم، هذا الترتيب المسرحي أدركه امرؤ القيس بغريزته البدوية، فصور لنا منظرا من مناظر الطبيعة القوية، فترى البرق يلمع ثم تهطل الأمطار وتتدفق السيول وتطغى قوى الطبيعة ويصبح مرآها رهيبا
حيث ترى جداول المياه المتسارعة تخرب كل ما صادفت في طريقها:
فأضحى يسح الماء حول كتيفه
                    يكب على الأذقان دوح الكنهبل
ومر على القنـان من نفيـاته
                    فانزل منه العصم من كل منزل
وتيماء لم يترك بها جذع نخلة
                    ولا اجمـا إلا مشيدا بجـندل
كان ثبيـرا في عرانين وبـله
                    كبير أناس فـي بجـاد مزمـل
كأن ذرى رأس المجيمر غـدوه
                    من السيل والغثاء فلكـة معـزل
وبعد هذه المشاهد القوية الرائعة المرعبة، يصور لنا الطبيعة وقد عادت إلى حياتها العادية وإلى هدوئها ووداعتها، فيصف لنا الطيور وقد أصبحت فرحة نشوى والسباع وقد غرق أكثر أجسادها في المياه فيقول:
كـأن مكـاكي الجواء غـدية
                 صبحن سلافا من رحيق مفلـفل
كأن السباع فيه غرقى عشيــة 
                بأرجائه القصوى أنابيش عنصل
ومما يدل على واقعيتهم أنك قلما تجد وصفا مسهبا للنبات في قصائدهم، لأن مناظر بلادهم كما قلنا آنفا خالية في الغالب من النبات. فهذا زهير ابن أبي سلمى حين يقف على منازل الأحباب ويصف آثارها يذكر كل شيء ما عدا النبات. فهو يشير إلى آثار الديار ويصور البقر الوحشي والرئام وأولادها وهي تجوس خلال تلك الآثار، ثم يتكلم عن الأثافي التي كانوا ينصبون عليها القدور عن النؤي وهو الحاجز الذي يبنى حول البيت ليقيه من السيول، ولكنك لا تجد أثرا لنخلة أو سدرة أو تينة أو غيرها من الأشجار، فالمنظر لا يشمل إلا الحيوان والجماد:
أمـن أم أو فـي دمنة لم تكلــم
                بحــومانة الـدراج فالمـتثـلم
ديــار لهـا بالرقميـن كأنـها
                مـراجع وشم في نواشر معصم
بها العين والارام يمشين خلـفة
                 وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم
وقفت بها من بعد عشرين حجة 
                فلأيا عرفت الديار بعد توهـم
أثافي سفعا في معرس مرجـل 
                ونِؤيا كجذع الحوض لم يتثلـم
وهذه المناظر الجافة الموحشة كانت في الواقع من الأسباب التي جعلت العربي يشيد بالشجاعة ويعتز بها ويرى أن الطبيعة إن كانت بخلت عليه بالأرض الخصبة وبالعيش الرغيد فقد وهبته الصبر والثبات والقوة وكلها مزايا روحية تضفي على الإنسان رداء الكرامة والهيبة، ولهذا، فإننا نرى شعراء الجاهلية يفتخرون بكونهم يعيشون وسط هذه الطبيعة المخيفة، فامرؤ القيس يقدم لنا نموذجا من ذلك حيث يقول:
وواد كجوف العير قفر قطعته
                به الذئب يعوي كالخليع المعيل
وكذلك يصف لنا تأبط شرا صعوده إلى جبل وسط النهار تحت هاجرة الشمس المحرقة:
وقلـة كسـنان الرمح بــارزة
               ضحيانة في شهور الصيف محراق
بادرت قنتها صبحى وما كســلوا
              حتـى نمـيت إليها بعد إشـراق
لا شيء في ريدها إلا نعامتــها 
                منها هـــزيم ومنها قائم بـاق
هذه نظرة خاطفة على الشعر العربي الذي نظم في جزيرة العرب وهي تبين لنا أن الربيع لم يحظ بالتفات الشعراء في ذلك العهد.
والواقع أن شعر الربيع والطبيعة، بصفة أعم، لم يصبح بابا مهما من أبواب القريض إلا يوم أصبح للحضارة العربية الإسلامية تمكن واستقرار وأمكن للشاعر العربي أن ينسلخ عن بداوته وينسى جو الصحراء ومناظرها ليندمج بجسمه وروحه وعقله في حياة العواصم الزاهرة المتلونة، تلك العواصم التي لم تستمد عظمتها وثراءها إلا من المناطق الزراعية الخصبة التي كانت تحيط بها، مثل منطقة ما بين النهرين دجلة والفرات في العراق ومنطقة وادي النيل في مصر ومناطق أخرى بإسبانيا وفارس والشام والمغرب.
هذا الشعر الجديد الذي أوحته تلك المدنية الجديدة، هو الذي سنلقي عليه نظرة في مقالاتنا المقبلة.

(1) الحرجف : الريح الباردة القوية
(2) المغفر : مثل الخودة التي يلبسها المحارب
(3) يقق: أبيض شديد البياض
(4) الصنبر: شدة البر
(5) العصل ج أعصل: معوج.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here