islamaumaroc

قصة "الله أكبر" إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر

  أحمد عبد السلام البقالي

العدد 327 ذو الحجة 1417/ أبريل 1997

خرج له الرجل الأشعت من وراء صخرة. رآه الحاج عبد الباقي من بعيد، فنزلت في قلبه نقطة سوداء. ونطر حواليه وخلفه على مد البصر، فلم ير أثرا لإنسان.
كان الحاج عبد الباقي يمشي وحده مشيته المسائية الأسبوعية فوق هذا الامتداد الصخري الأملس، الشبيه بسطح القمر، على شاطئ قرية "الهرهورة" الأطلسي.
بماذا سيدافع عن نفسه، إذا قرر الرجل الأشعت مهاجمته في هذا المكان المقفر الموحش؟
وندم لأنه لم يصطحب مظلته في جولته هذه. تركها في السيارة بعيدا وراءه بين ديار القرية الجميلة البيضاء. كانت السماء زرقاء، ولا أثر لعارض ينذر بالمطر.
كانت زوجته المحبة العطوف قد نصحته، وهي تلبسه معطفه وشاله، بألا يبتعد كثيرا عن العمران، ولا يتوغل كعادته بين الصخور، وألا يخلع المعطف، فجو الخريف يتقلب بسرعة غير متوقعة.
وكان هو ينصت إلى نصائحها دون تعليق لكثرة ما سمعها.
ورن صوتها في أذنه في تلك اللحظة، وهو يرى الرجل الأشعث قادما نحوه، وقد فات الأوان لتدارك الموقف.
كان الحاج عبد الباقي يحب الاختلاء بنفسه في هذا المكان بالذات، لأنه غير مطروق كثيرا، لم يكن يرى فيه إلا عددا قليلا جدا من الصيادين الهواة المولعين مثله بالأماكن المهجورة. ولم يكن يراهم بالضبط، كان يرى أقصابهم الطويلة من حين لآخر، وهي ترتفع من خلف الجرف الصخري الذي ينحدر رأسا إلى البحر، وترتطم عليه أمواج المحيط بحركة دائبة غاضبة صاخبة.
كان يحس في هذا المكان كأنه في جزيرة " روبنسون كروزو" أو إحدى جزر السندباد البحري، فيشعر بفرحة صبيانية عارمة.
حتى أسراب النوارس الجاثمة، وكأنها جموع المصلين تنتظر الأذان، لم تكن تنزعج لوجوده.
كان يحب هذا المكان المتوحش الجميل، ويكره اسمه! فمن يا ترى أطلق على هذه القرية الناعمة الجميلة اسم "الهرهورة"؟" لا بد أنهم بدو المنطقة الذين استخلصوا التسمية من هدير البحر وارتطامه بالصخور الذي يشبه الانهيار والهرير.
كان الحاج عبد الباقي في حوالي الخامسة والستين. تقاعد من منصبه السامي منذ خمس سنين، ولم يندم على يوم من أيام فراغه، فقد ملأها بالقراءة والأسفار والفسح وزيارة الأبناء الأصدقاء.
وكان يصطحب معه في جولاته هذه مصحفا صغيرا، يستعين به في استذكار ما نسيه من آيات الذكر الحكيم، الذي استظهره في صباه. وكان يغتنم جولاته هذه، ليقرأ بعض السور ترحما على أرواح الموتى من أهله وأصدقائه، وعلى رأسهم والده ووالدته.
ولأول مرة في حياته الطيبة الهنية يشعر الحاج عبد الباقي بخطر حقيقي وبالخوف والهلع، ولم يكن ذلك منه وهما وتوجسا، فقد كان قرأ في الصحافة، وسمع من الناس في بداية الصيف، عن سفاح الشاطئ وأوصافه التي تنطبق تماما على هذا الرجل الأشعث القادم نحوه.
وما يزال يذكر المشهد الرهيب الذي حمله معه أياما، وحلم به ليالي طوالا. كان عائدا من جولته الشاطئية إلى المدينة، فرأى في طريقة عددا من السيارات واقفة على جانبي الطريق في ازدحام وفوضى، وجمهورا كبيرا من الناس ينظرون إلى البحر من فوق الجرف الصخري. فأوقف هو سيارته، مدفوعا بالفضول الطبيعي، لينظر إلى ما ينظر إليه الناس.
وشق طريقه إلى حافة الجرف، ووقف يسأل بعض الشباب، فأومأوا إلى عرض البحر، حيث كانت جثة الغريق الشاب الذي ألقى به السفاح إلى البحر. لم تكن الجثة منتشرة على وجه الماء، كما كان يتصور الغرقى، بل لم يكن يبدو منها إلا شعر الرأس الأسود يعلو ويختفي ثم يعود إلى الظهور.
وأحس أولا برهبة عظيمة، ثم بحزن شديد على الغريق الشاب. وتصور نفسه أو أحد أبنائه مكانه هناك، بعيدا وحيدا لا يستطيع أحد الوصول إليه، نظرا لبعد الجرف عن سطح البحر وضخامة الأمواج.
ودارى شعوره أمام مشهد الموت ورهبتها، والتمس العزاء لحزنه في أن الغريق لم يعد يشعر بشيء بالمرة، وأنه أصبح حرا طليقا يطفو فوق سطح الماء كخشبة عائمة.
وعلم من الصحافة أن الغريق كان ضحية السفاح الأشعث، الذي يختفي بين صخور الشاطئ بين الرباط والدار البيضاء، وليس ضحية حادث سقوط، كما راج في البداية، قبل أن ينتشل الجثة رجال الوقاية المدنية.
وسافر بعد ذلك مباشرة في فسحة إلى جبال الأطلس للاستمتاع بجو الغابة الصحي، ويهرب من ازدحام الشواطئ واكتظاظ طرق السيارات، ونسي موضوع الغريق الشاب وسفاح الشواطئ الأشعث المخبول.
كل هذا أومض في ذهنه في لمح البصر، وهو واقف خائف يترقب وصول السفاح الأشعث إليه. وكان الرجل قد اختفى لحظة وراء صخرة، ثم عاد إلى الظهور. وسولت للحاج عبد الباقي نفسه أن يوليه ظهره، ويعود من حيث أتى. ولكن بقية من كرامة وعزة نفس منعته من هذا العمل الجبان، فوقف في مكانه ينظر إلى البحر، وإلى الأفق الغربي، ويسترق النظر إلى الرجل، وقد غطى وجيب قلبه على صوت اصطخاب الأمواج.
وحين لم يبق بينه وبين الرجل إلا حوالي مائة متر، ألقى الحاج عبد الباقي عليه نظرة مدققة، فإذا هو رجل في وسط العمر، يرتدي جلبابا صوفيا بنيا باليا، وينتعل نعلا قديما، ويحمل هراوة ذات رأس مكور.
وتشهد الحاج عبد الباقي في سره، وأخذ يسأل الله المغفرة والنجاة.
وجاءه من بعيد صوت المؤذن، وتذكر أنه ما يزال على وضوء، فنزلت على قلبه المؤمن بعض السكينة، وقرر أن يتوجه إلى الله لأداء الفريضة، متجاهلا اقتراب السفاح، والخوف من الموت، فقد عاش حياة طيبة راضية، وعليه أن يستسلم لقضاء الله الذي لا راد له ولا مفر منه.
ولكنه تردد قليلا، ثم صرف النظر عن فكرة الصلاة، لأن شرطا أساسيا من شروطها لا يتوفر، وهو الخشوع.
ودق قلبه، لا هلعا وخوفا هذه المرة، ولكن غضبا وثورة على هذا السفاح، الذي اغتصب حقا من حقوق الله وحده، وهو أخذ أرواح الناس.
وقرر أن يقاوم، أن يموت بدم ساخن، رغم تقدم سنه وضعف قلبه وتفوق خصمه عليه.
وبحث حواليه عن أحجار في حجم يده ليواجه بها عدوه، فرأى حجرين غير بعيدين. وخطا نحوهما بخطى ثابتة، ووقف يراقب تحركات السفاح، وقد بلغ توتر أعصابه مداه، وبدأ يحس بانبعاث غريزة الحيوان الجريح فيه.
وحين لم يبق بين الرجلين إلا مرمى حجر، حدث شيء غريب لم يكن الحاج عبد الباقي يتوقعه، فقد انحرف الرجل الأشعث عن طريقه، وهو ينظر إلى الأرض، وكأنه يبحث عن شيء، حتى توقف عند بقعة نظيفة ملساء، فوضع الهراوة، وخرج من نعليه، واستقبل القبلة، وأخذ يردد الأذان بصوت خفيض.
وهنا ارتخت أعصاب الحاج عبد الباقي، وتنهد بعمق، وأخذ يحمد الله ويستغفره لسوء ظنه بالرجل.
وسارع إلى حيث وقف الرجل، فنزع حذاءه، ووقف إلى جانبه، وكان الرجل قد كبر وأخذ يتلو الفاتحة، فرفع الحاج عبد الباقي يديه قائلا: " الله أكبر". 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here