islamaumaroc

شهادة المرأة بين الإسلام وعلم النفس

  دعوة الحق

34 العدد

سبق أن كتبنا في السنة الماضية عن موقف الإسلام من المرأة، وعن علاجه لمشكلتها، وعن تأييد العلم والواقع للنتيجة التي انتهى إليها الإسلام. وقد كان علاج الإسلام لمشكلة المرأة مبنيا على ظاهرة موضوعية، أي على خصائص كل من الرجال والمرأة، وعلاقة هذه الخصائص بالمصلحة الاجتماعية، وذكرنا التعدد والاختلاط كمثالين لتطبيق الفكرة العامة للإسلام إزاء المرأة، والآن نذكر مثالا آخر وهو موقف الإسلام من شهادة المرأة، وسنرى أنه كان متمشيا على أساس تلك الفروق التي ذكرناها مما يحتم توزيع الاختصاصات وتنويع الوظيفة الاجتماعية لكل من الرجل والمرأة.
المرأة كائن إنساني تتمتع بالتكريم من لدن الإسلام لقوله تعالى:«ولقد كرمنا بني آدم» وهذا الحق، أو بالتعبير الإسلامي، هذه النعمة تجعل المرأة على قدم المساواة مع الرجل مشاركة له في الكرامة، فإذا اختلفت وظيفتها عن وظيفته فلن يكون ذلك سببا في امتياز أحدهما على الآخر.
ولاختلاف الخصائص بين الرجل والمرأة كان موقف الإسلام من شهادة المرأة موقفا يستجيب لمقتضيات تلك الخصائص، فعندما يحتاج القضاء المرأة لكي تكون شهيدة، نرى الإسلام لا يضع المرأة كالرجل تماما، لأن الإسلام دين العدالة بأوسع ما في الكلمة المقدسة من معنى، والعدالة تقتضي وضع الشيء فيما يستحقه وعدم إعطائه أزيد مما يتفق وطبيعته أو أنقص من ذلك، يقول تعالى: «واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما الأخرى فتذكر إحداهما الأخرى...»
فالمرأة إذن لا بد أن تقوى بأخرى في الشهادة حتى لا تضل، ويفسر الحديث الكريم هذه الآية، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيت من ناقصات عقل ودين اذهب للب الرجل الحازم منكن، قلن: يا رسول الله وما نقصان ديننا وعقلنا؟ قال: أليس تمكث إحداكن الليالي لا تصوم ولا تصلي؟ وشهادة إحداكن على شهادة نصف الرجل».
فنقصان عقل المرأة هو الذي جعل شهادتها غير مساوية لشهادة الرجل، وليس هذا النقص عيبا في المرأة  لأن المجتمع يحتاج المرأة أغزر عاطفة، لأن مهمتها تحتاج إلى الحنان والشفقة، فما نقص من عقلها زيد في عاطفتها، وهذه الحقيقة يؤمن بها المسلم الذي يعتقد في عدالة الخالق وفي رعايته لمصالح العباد، فالقضية إذن مسلمة من جانب المؤمنين، لأنها مؤيدة بالنصوص من الكتاب والسنة، ولكن هنالك من لا يقتنعون بالدين، ولهذا سيكون العلم فيصلا بيننا وبينهم، فماذا يقول العلم؟ يقول: إن أجزاء جسم المرأة ينساب بعضها على بعض... كذلك نجد أنه من حيث تركيبها العقلي لا توجد عندها فواصل قاطعة بين عالم الفكر، وعالم الحس، وعالم العاطفة، وعالم الحكم الأخلاقي والاجتماعي، فكل هذه النواحي مندمج بعضها في بعض، ومصبوغة كلها بصبغة عاطفية، ووجوب التفريق بين الرجل والمرأة في الشهادة يتضح فيما يقوله العلماء: «إنه إذا كان منطق الرجل يتميز بنزعته العقلية الاستدلالية فإن منطق المرأة هو في صميمه منطق العاطفة، كما أن المرأة عندما تبدي حكمها على الأشخاص يكون ذلك من خلال مشاركتها الوجدانية والتعاطف، أي أنها تحكم حسب ما تشعر به من جاذبية نحو موضوع الحكم أو النفور منه، وهذا التعاطف يشكل لدى المرأة
القاعدة الأساسية في فهمها للمواقف الإنسانية وتقديرها فمقياسها في الحكم هو ما ينبض به قلبها وتطرد به عواطفها ووجدانها، فإن عدمت تلك المشاركة الوجدانية فإنها لن تستطيع تحديد مواقفها ولا تقديرها للموضوع المعروض أمامها...
وبما أن الشهادة تتطلب الثبات، فإنه لا بد من تغيير الموقف إذا لم يوجد ذلك الثبات، فماذا يقول العلم في ثبات المرأة؟: إنه يصرح أنه من صفات المرأة عدم الثبات عموما، الشيء الذي يعوقها عن تنفيذ كثير من مشروعاتها، وهذا راجع لعجزها وعدم قدرتها على ضبط نفسها ومواصلة نشاطها.
والرجل إزاء الموقف يحرص عموما على تطبيق المبدأ، المبدأ العام، أما المرأة، فإنها –تبعا لذلك- يختلف إزاءها، فالرجل لا يستولي عليه منطق العاطفة فيلون حكمه، وذلك لشخصيته الطبيعية التي تختلف عن شخصية المرأة (إذن هو لا يفكر إزاء هذه الحالة إلا أن القانون قد خرق وخولف بينما المرأة لا تفكر إلا في مصير فرد معين).
وقد رأينا بعض العلماء ممن تخصصوا في المشاكل الفنية القضائية يؤيد هذه النتائج بمثلها معتمدا على الملاحظة الواقعية المتكررة فيقول: «إذا حللنا نفسية المرأة وجدنا قوتها العاطفية أعظم بكثير من قوتها العقلية... كما أننا نشاهد في المرأة ضعفا مريعا عندما تبدي شهادتها، فهي تمثل طباع الطفل تماما، إذ أنها تؤدي شهادتها على ما تصوره لها تخيلاتها الشخصية أو بناء على دافع أو إيعاز من غيرها، وكثيرا ما تكون المرأة مصابة بمرض من الأمراض العصبية يكون سببا في عدم ثبات شخصيتها، وأحيانا نجد أقوالها في الشهادة يناقض بعضها البعض تبعا لتأثراتها العاطفية والوجدانية المختلفة، كما لوحظ عليها أحيانا المغالاة في اتباع الغير استجابة لعواطفها الخاصة التي تملي عليها ذلك، وليس معنى هذا أن الرجل لا يتعرض لذلك، وإنما المرأة أكثر استعدادا لذلك، ونحن عندما نتكلم عن خصائص كل من الجنسين فإننا نتكلم عن (المثال الوسط) حسب تعبيرغوستاف لوبون».
ولما تقدم، ينصح بعض العلماء –نتيجة لتجارب علماء النفس- وخصوصا في إيطاليا بأن لا يعتمد على أقوال المرأة، وأن لا يؤخذ شهادتها مسلمة، فلا بد من  جانب الحذر والبحث عما يؤيد كلامها من غيرها وما وصل إليه العلم في هذه الناحية هو ما يصرح به القرآن الكريم «أن تضل إحداهما فتذكر احدهما الأخرى» وليس الكلام الذي سقنا بعضه سابقا صادرا من فقيه متزمت، ولا مسلم متعصب، ولا جاهل مغرور، وإنما هو من رجل خدم القضاء وخبر مشاكله وأشخاصه سنين طويلة، ومارس كثيرا من الحوادث التي كانت المرأة تقوم بدور الشاهد فيها، واستطاع –هو وعلماء آخرون- أن يستخلص تلك النتائج التي تتفق مع وجهة نظر الإسلام في شهادة المرأة، وإن كان الإسلام لم يفصل تبرير موقفه ذاك، ولكن ترك لعلماء الإسلام وغير الإسلام مهمة البحث في تلك المبررات ليصلوا حتما إلى تلك النتائج.
ولنقرأ الآن ما يقوله العلامة «فيري» في هذا الموضوع، أنه يقول: أن ما وصل إليه العلماء من اختباراتهم العملية ومن القواعد العلمية فيما يختص بموضوع الشهادة عشر نتائج، منها:
(أن شهادة الطفل، والرجل العجوز، والمرأة، كثيرا ما تبعد عن الحقيقة، ولذلك يجب الحذر منها وعدم اعتبارها إلا إذا تعززت بقرائن ومبينات أخرى).
وبهذا يبدو جليا أن الإسلام عندما تناول مشكلة المرأة في الشهادة لم ينظر إليها نظرته للرجل كما تفعل القوانين الحديثة حيث تسوي بينهما على الرغم من حقائق العلم الثابتة، كما أنه لم ينظر إليها على أنها كائن مهمل يجب ألا يلتفت إليها ولا يسمع إلى أقوالها وإلى شهادتها كما كانت تفعل أوربا سابقا، فلقد كانت المرأة في القرون الوسطى لا تسمع شهادتها كما تنص القوانين المدنية لذلك العهد، كما أن المرأة لم تستحق لقب (المواطنة) في القانون الإنجليزي حتى سنة 1765م ويقول «بلاكتون»: (إن القانون قد حرمنا كل حق تقريبا) والعجيب أنهم يبررون ذلك بقولهم (إن القيود التي ترزح تحتها المرأة يراد بها في الغالب حمايتها وخيرها). وهذه النظرة متأثرة إلى حد كبير بتعاليم الكنيسة حيث كانت ترى أن المرأة شر لا بد منه، وفتنة مهلكة وأنها أقل بكثير من بعض الحيوانات منزلة.
فنحن إذن هنا أمام تفريط أو إفراط ناشئين عن جهل أو تجاهل بحقيقة المرأة والرجل، وهذا هو أحد الأسباب الكبيرة في اختلال القوانين الوضعية وخضوعها للأحداث والتطورات، وإن كان التطور أحيانا سنة حميدة، فهو في بعضها الآخر سنة سيئة، إذ يكون علامة الجهل والانحراف والانسياق للظروف بالخصوص فيما يتعلق بالأمور الثابتة كطبيعة الرجل والمرأة، ولذلك وقف الإسلام أمام هذين الموقفين المريضين موقفا يتسم بالعمق في فهم الطبيعة الإنسانية وإيجاد ما يناسبها من الحلول: «ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير» فهو لم يحرم المرأة من أن تكون شاهدة، لأن في ذلك اقتياتا على كرامتها الإنسانية التي اكتسبتها بالتصريح القرآني، كما لم يجعل مكانتها في الشهادة كمكانة الرجل لأن في ذلك اقتياتا على حق المجتمع، بل أوجد نظام شهادتها على نحو يتفق وفطرتها وتكوينها وليس في ذلك انتقاص لحقها أو إنسانيتها، وتكريم للرجل وإعلاء من شأنه، وإنما روعي في ذلك مصلحة المجتمع الإنساني حتى لا يتعرض في هذه الناحية إلى الاختلال والاضطراب، وفي ذلك تمام العدل، وليس للرجل الحق في أن يشعر بافتخار وامتياز عن المرأة، لأن الكمال في نظر الإسلام ليس هذا مجاله بل مجاله الطبيعي هو: (التقوى) «إن أكرمكم عند الله أتقاكم» «لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى».
وهكذا نرى التقاء الدين بالعلم في هذه النقطة أيضا، وإن كان الدين لا يحتاج في تقرير حقائقه إلى شهادة العلم، وإنما نسوق هذه المقارنات لنؤكد نحن لأولئك الذين ما زالوا يتأثرون بوجهة نظر الحاقدين على الإسلام من الأوربيين وغيرهم من أنصاف المتعلمين الذين يهاجمون الحقائق عن عجز عن التعمق في المشاكل الاجتماعية وعن جهل بعلم النفس والاجتماع.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here