islamaumaroc

وذكرهم بأيام الله

  دعوة الحق

34 العدد

من أيام الله التي تذكر بما مضى من نوادر الأحداث وروائع الكفاح، وبما كان من صنوف الآلام والأحزان، وصور المآسي والطغيان، يوم الانبعاث –ويوم الانتصار – ويوم الجلوس على العرش- وهي حقا أيام ماجدة، وأعياد منتصرة، تبعث روح الأمل، وتدفع إلى حب العمل، وتتحدث بلغة الاستقلال، وتتعمد خطة الاعتدال، وتتحمل بمرارة جرأة أعداء السلام، وتهمس في أذن الشعب المستقل أن لا تنازع في أمره، ولا يتخالف في قصده، ولا يتخلى عن حقيقته وأصله، «وذكرهم بأيام الله عن في ذلك لآيات لكل صبار شكور» أما سنة الحياة والحضارة فتقتضي أن تكون ذكريات الشرف وافية بإنجاز المطامح وإدراك المصالح، قاضية باعتبار المعاني الروحية، والفضائل الخلقية، كما تقاضي أن تتفاضل فيما بينها بحسب الغايات والأهداف تفاضل الإنسان والزمان والمكان.
إلا أنه لا يراد من أقامتها أن تكون مظهرا من مظاهر الحفاوة، ومعلما من معالم الزينة فحسب –ولا أن ترى موضعا للتنطع في القول والخروج عن الطور- والتفنن في الأدب المكشوف – فتصير فرصة لإطاعة النفوس الفاجرة واستقصاء الشهوات الكافرة، واكتساء الملابس الساحرة.
ليس كل ذلك من وحي الأعياد –ولا من قصد الأوضاع إنما العيد كان لاستخلاص النتائج واستجلاء الحقائق ثم التعبير عن معاني السمو في الأمة والتصوير لنظامها، المطبوع بطابعها، المبين عن إرادتها ونشاطها، والتطبيق لوسائل الأخوة الشاملة، وبرامج العيشة الراضية، وقواعد العزة الكاملة حتى تكون الحياة في الذكرى حياة نظام واستقرار وفكر وإمعان، لا حياة شهوة وغفلة ومظاهر وألوان، حياة تثير معاني الحب والإيمان والرحمة والإحسان لا حياة كراهية وقسوة وكفر ونسيان ذلك –وعل أغلب الناس وسوادهم يفهمون من عيد العرش مثل ما يفهمونه من عيد العرش مثل ما يفهمونه من مطلق الأعياد الجارية، وإن كان ذلك فهم واهمون، وعن الحقيقة ناكبون، فعيد العرش يلوي على الذكريات جميعها وينطوي على المعاني بأسرها –والعرش يطبع بطابع الخلافة القائمة مقام الرسالة وله معنى أدق وأعمق، وموضوع أهم وأعم، ومرمى أسمى وأبعد ولذلك ترنو إليه العيون، وتحدق إليه الأبصار في مصالح الدنيا ومصالح الأخرى. فبالعرش تصان عقائد الإيمان ودعائم الدين، وتحفظ مصالح الحياة وفضائل الإنسان، وبالعرش طويت صحف الاستعمار بالمس وبه إن شاء الله تستخلص موريطانيا وما وسواها من الأجزاء التي اغتصبها الأجنبي الجائر من أرض الوطن ونقصها من أطرافها.
وبالعرش تجاهد الأمة وتحافظ على كيانها الذاتي ووجودها المادي ونفوذها الروحي –وما هو إلا قلبها النابض وعقلها المدبر وروحها الساري في جسمها. ألا ترى أن المغاربة قضوا شطرا من الزمن وهم في محن الاستعمار وفتنه عائشون، وفي أمواج ظلمه وعسفه غارقون، وقد غير عادتهم ومصلحتهم وتناسى مجدهم وتاريخهم، وتعامى عن الحقيقة وكاد لهم، -وذهب هذا الشيطان مذهبه، وأغرى أصحابه وأذنابه، ومع ذلك سكتوا وصبروا غير راضين ولا طائعين لأنهم يرون العرش قائما ويرمقونه سالما فكانوا يتعزون بقيامه ويتسلون بسلامه- ولما أهين العرش وأخرج ربه من أريكته خاب ظن المغاربة واشتد غضبهم، وازداد قلقهم فهاجوا وماجوا ثم اجتمعوا على الكفاح لأن دليل عزهم ورائد مجدهم قد اعتدى عليه، وحيل بينه وبين بلاده، فوثبوا وثبة أقضت مضجع الاستعمار التائه، وزعزعت أركانه وأوضاعه، وثاروا ثورة لا يدرى أولها من آخرها، ولا فرعها من أصلها، واشتبكت الأمور وارتبكت، واختلط الحابل بالنابل، والخاثر بالزبد.
وكان المتآمرون يظنون أن هذه الثورة لا تلبث أن يصيبها الإعياء والإكلال، ويأتيها الضعف والانحلال، ولكنهم كانوا مخطئين، وفي أمرهم مرجين، فدامت وامتدت فروعها، وتعددت شعبها، وأسست مراكزها، وضبطت معاركها، وأمدها الله بقوته، ونفحها بنفحته، فكانت الثورة مباركة وكان الجهاد عزة ونعمة.
وكلما ضاق الأمر على الاستعمار وضاقت عليه الأرض بما رحبت تلون في منطقه، وجدد دواليب حركاته، وكان أشد بأسا وأشد تنكيلا.
وبالرغم من تشدده وبطشه فقد ألم به الذعر والقلق، واستولى عليه اليأس والفرق، واندهش أمام حرارة الشعب ورباطة جأشه، وموالاة جهاده مع تفوقه عددا وعدة وأسلوبا وفنا ودربة.
وما وسعه بعد أن قلب واحتال، ونفى واغتال، وشرد ونهب، وساوم وأرهب، إلا أن يستفيق من غمرته، ويستفيق إنه أخفق في مغامرته، ويعترف أنه أتى شيئا نكرا، وارتكب خطأ فادحا لا تغفره السياسة ولا تنتجه الكياسة.
وعندما اشتعلت الثورة وأمر أمرها راجعت السياسة النكراء حسابها، وعادت تعمل لتستر جرمها فعقدت المؤتمرات، ودعت إلى هدوء الاعتداءات واستدعت من ظنت أنهم بيدهم دولاب الحركة وسير العجلة، ولهم الحل والعقد فتعلقوا بملكهم ووقفوا في طريق استقلالهم.
ولما لم تفلح في مؤتمراتها، ولم تنجح في برامجها، وأعيتها الحيل، ولامتها الدول، تبين للدهاة أنه لا علاج لخطورة الحالة، ألا تحول السياسة والساسة واقتفاء مذهب التفهم والتقرب، بدلا من القمع والتعصب، فقررت حكومتهم آنذاك إعادة الملك المجاهد من منفاه إلى فرنسا لا إلى المغرب أملا في تخفيف حدة الأزمة وتشبثا بوجود المعارضة الخيالية التي خلقتها وأسمتها ثم دعمتها بأبواقها الكاذبة، ودعامتها المرتزقة، ولكن طائفة الاستعمار المستخدمة في هذه المؤامرة الشنعاء سخطت وأثمت فما كان من أمرها إلا أن حملها الحنق على من استعلوهم في هذه المحنة، وأطمعوهم بتسلم النعمة، فجهروا لذلك ولغيره من الدواعي بطاعتهم لجلالة محمد الخامس – فانتصر فجأة على أيدي المبطلين والمجرمين وبمرأى ومسمع من غلاة المستعمرين، -وتلك معجزة من معجزات الزمان، قلما تثبت لذي ملك وسلطان، فكانت ضربة قاسية على طغاة الاستعمار وخاب سعيهم وسعي سفهائهم ومثل هؤلاء الضالين ومثل أدعيائهم المسخرين كما قال الله تعالى: «وقال الشيطان لما قضى الأمر أن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم».
كذلك نشأ ظل الاستقلال، وبدأت هزيمة الاستعمار من أجل الاعتداء على العرش المغربي العزيز وقد وجدت اعتداءات من قبله ولكن لم يبلغ أثرها في النفوس ما بلغه أثر الاعتداء الشنيع الواقع في 20 غشت 1953.
وكل اعتداء على المقدسات لا تكون عاقبته إلا سيئة، ولا تتبعه إلا الهزيمة والخيبة والاستسلام سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا.
وكذلك كان الوفاء للعرش كما كان العرش وفيا لمصالح شعبه، واثقا بإنجاز رغباته فما قر قراره حتى بشر بالبشارة الكبرى ولم يمض قليل من الزمن حتى حقق البغية الأولى –وأردف ذلك بإعلان جمع التراب ووحدة الأجزاء- فازداد الحب والولاء، وتضاعف الإخلاص والوفاء، ثم رفع مستوى الإدارة بما أسداه من إرشادات نافعة وتوجيهات صالحة واتخذ جيشا ملكيا لحماية الاستقلال وضمانة الاستقرار.
وهكذا كان العرش عمدة الكفاح وسر النجاح من قبل ومن بعد وكان عمله عظيما ورائعا أولا وأخرا.
بيد أنه يجب للارتباط بالوجود الصحيح وللاغتباط بنظام الاستقلال أن نشكر لله نعمته الوافية، ونجاهد في سبيله بإخلاص ونركز الحياة على ما تأصل من تاريخينا ونعلم أننا عشنا مؤمنين مسلمين، ورفعنا راية الإسلام وكنا له ناصرين، وتبوأنا مقاما ساميا بين العالمين، وتدرجنا في الحضارة قرونا طويلة لكن تخللتها فترات أضعنا فيها الحق العام، وأخللنا بتعاليم الإسلام، من جراء الغرور والجهل والانحراف عن الحق والعدل.
كما يجب أن نتضافر مع إخواننا في العقيدة سرا وجهرا قولا وفعلا لا سيما الجزائريون الذين أحيطوا من سائر جوانبهم بحرب كافرة ساخطة.
وبتضافر المسلمين وتضامنهم في الحق يؤيدهم الله بروح من عنده ويزلزل أعداءهم في كل مكان «والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار».

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here