islamaumaroc

علم العرب

  دعوة الحق

34 العدد

الحديث الذي أريد بي أن أتحدث فيه ولا أدري من أراد، هو الحديث عن علم العرب، ولا أظن أن للعرب علما غير علم الناس، ولا أظن أنه ينبغي أن يكون للناس علم ليس مثله عند العرب، فإن العلم كما قال الأخ الأستاذ الدكتور سليمان الحزين أمس، لا وطن له ولا جنس له، إلا أن يكون المراد ثقافة العرب لا علم العرب، ومع ذلك فإني أرجو أيضا أن تكون الثقافة لا وطن لها ولا أرض ولا جنس وأن يكون مستقبل الثقافة إنسانيا للناس جميعا لا لشعب دون شعب ولا لأرض دون أرض ولا لوطن دون وطن.
وأظن أن هذا الأمل أو هذا المعنى هو الذي قصده الله تعالى حين جعل الكتاب الكريم آخر كتبه إلى البشر، وحين جعل محمدا (ص) آخر أنبيائه إلى الناس، فلم يجعله نبيا للعرب ولم يجعل قرآنه للعرب وإنما أراده للعالمين، يعني إنسانيا، وأراد نبيه للعالمين يعني نبيا إنسانيا.
وجاءت تعاليم الإسلام مصدقة لذلك فجاءت إنسانية لا عربية، ومعنى هذا أن الله فيما أظن وفيما يظن كثير من الذين يستمعون إلي، يحرص على أن تكون الثقافة إنسانية وتعاليم الإسلام نفسها إنسانية، لأنها تنزيل للسلوك الإنساني وللشعور الإنساني وللضمير الإنساني، في كل أرض ولكل جنس ولكل قوم، مبادئ لم يختلف عليها حتى اليوم أحد من أهل الفكر في أي بلد من بلاد الله، الحرية، كرامة الإنسان، العزة في النفس، الشعور بالواجب لنفسه ولكل من حوله، التكافل الاجتماعي، لا خوف إلا من الله، لا رجاء إلا من الله، البشر أمة واحدة لأب وأم، هذه المثل الإنسانية التي جاء بها الإسلام وجاءت في القرآن نصا وروحا لم يختلف عليها مفكر ومفكر في أي بلد من بلاد الأرض، فهي مبادئ إنسانية عامة خالدة لكل زمان ولكل شعب ولكل أرض ولكل وطن، فهي مبادئ إنسانية عامة خالدة، وأظن، وأعتقد أن كثيرا منكم يظنون أن هذه المبادئ هي إطار الثقافة الإنسانية التي يجب أن تكون للناس جميعا فهي ليست ثقافة العرب وإنما ينبغي أن تكون ثقافة البشر أو ثقافة الإنسان على حد الفصل الذي فصل به الدكتور سليمان الحزين أمس بين البشر والإنسان.
لكني أحس أن الأمة العربية اليوم في مرحلة من مراحل القلق العلمي، تجعلها بين طريقين أو بين عدة طرق، تصدر مرة إلى يمين ومرة إلى شمال ومرة إلى أمام ومرة إلى خلف، لا تكاد تعرف في مجموعها أي طريق تسلك، وهي تصف كل طريق من هذه الطرق الأربع وصفا، تسمي طريق اليمين ثقافة كذا وثقافة الشمال ثقافة كذا وثقافة الأمام ثقافة كذا وثقافة الخلف كذلك، هذا الموقف القلق بين طرق أربع لشعب مؤمن صاحب مثل يعرف نفسه ويعرف مكانه ويكاد يعرف غده، هو الذي أنشأ حالة القلق العلمي الذي وصفته. والقلق العلمي لا يعرض إلا لأصحاب المثل، لأن الذين يعيشون كما تأتي الحياة، كما يتأتى العيش، لا يخلقون، وإنما يمضون كما يمضي بهم التيار لا يحاولون مقاومة، وإنما يمضون كما يمضي بهم التيار لا يحاولون مقاومة، وإنما يقاوم الذين تتعارض إرادتهم مع التيار، ومن ثم ينشأ القلق.
فالقلق العلمي إذن فضيلة من فضائل أصحاب المثل، قد يكون هذا القلق العلمي سببا لانزعاج كثير من المهتمين بشؤون الأمة العربية، يخشون أن تنحرف عن طريقها الذي رسمه الله إلى غيره، فينظرون منزعجين متألمين خائفين متشائمين، وقد أكون أنا واحدا من هؤلاء، ولكني مع ذلك أحس أن القلق العلمي ظاهرة من ظواهر المثالية النفسية، لولا مثاليتنا ما قلقنا.
قبل أن يحملني الجناح إلى بلدكم هذا الكريم لم أكن أتخيل أن هنا مثل هذا القلق الذي سمعت بعضه وأحسست بعضه وسمعت بعضه ولمست بعضه، كنت أظن أن إخواني العرب المغاربة –الذين استعصوا على كل أنواع الاستعمار ثلاثة عشرة قرنا كاملا فلم يستطع مستعمر من أي لون أن يقبض راحته على بلدهم إلا في نصف القرن الأخير –أبعد عن ذلك القلق الذي أحسسناه يوما ما في القاهرة، ولكني لم أكد أطأ هذه الأرض الطاهرة حتى رأيت وسمعت وشممت ولمست، وبإحساسات أخرى غير هذه الإحساسات الخمس عرفت معرفة اليقين أن في نفس كل مغربي قلقا علميا مؤرقا من أجل مستقبل العلم في المغرب ومستقبل الثقافة في المغرب ومستقبل المغرب نفسه، لأنه لا انفصال البتة بين مستقبل الثقافة ومستقبل الوطن.
وجامعة القرويين المباركة في الاحتفال بذكراها الحادية عشر من القرون هي منبع هذا القلق لأنها في هذه اللحظة نفسها تبدأ تطورا جديدا، وأراها في هذا العيد في قلق لا يكون مثله في الأعياد، وأرى المحتفلين بها في قلق كذلك لا يكون مثله في نفوس المحتفلين بالأعياد، وأسأل نفسي أهو خير أم هو شر، وأسأل عواطفي وقلبي ثم أسأل عقلي ورأيي، فأسمع جوابا يخالف الجواب، ولكني انتهي آخر الأمر إلى الاطمئنان كل الاطمئنان، لأن الأمر كما قلت ينبع من مثالية، من إيمان، من يقين، من معرفة كاملة لكل قلق بمكانه وإمكانه وأمله في نسبه، وحين يكون الأمر كذلك فهو مظهر يقظة واعية لا خوف من نتائجها.
استغرقنا الكفاح خلال قرون أربعة، وبدأ الكفاح هنا في هذه المنطقة حيث بدأ الغزو الصليبي في الأمة العربية بدأ واستمر، واستمر أربعة قرون، ثم جلا العدو مكرها أو كاد، وتحررت أرضنا، وتحرر بحرنا أو كاد وتحرر جونا أو كاد، ولكن العدو لم يجل بعد عن نفوسنا، عن ضمائرنا، لم تزل مؤثراته كامنة فينا وبعض الضوء يختزن وبعض الظلام يختزن أيضا. ولم يزل في نفوسنا ظلام مما اخترنا من عهود الاستعمار، لم تزل رواسب ومؤثرات أجيال وقرون تغطي على حقائق كثيرة لا تكاد تنكشف لنا أو للكثرة منا، فحاولنا أن نستأنف الزحف، الزحف الإنساني الذي بدأه العرب منذ بضعة عشر قرنا، وكان لا بد أن نستأنف الزحف، لا بد أن نستأنفه، لأن رسالتنا ليست لنا ولكنها للبشر عامة للإنسانية كلها، كان لا بد أن نستأنف الزحف، ولكي نستأنف الزحف يجب أن نحدد طريقنا، ولكي نحدد طريقنا يجب أن نتعرف غايتنا ولكي نتعرف غايتنا ونصل إليها يجب أن نعرف وسائلنا، وأخذنا نبحث الوسائل، وحين بدأنا التفكير في الوسائل وجدنا الخلف معقدا أشد التعقيد لا نكاد نعرف له أولا، إذا عرفنا له أولا لم نستطع أن نصل إلى آخره، كانت العقدة ملففة تلففا شديدا لا يستطيع أن يحلها إلا صاحب الصبر وصاحب العزيمة، وصاحب القوة، وصاحب الإيمان. ولم تكن جميعا أصحاب عزم ولا أصحاب قوة ولا أصحاب إيمان، ولا أعتذر إلى نفسي ولا أعتذر إليكم، إنما يمضي بنا إلى غايتنا التي نريد، أن نكون صرحاء مع أنفسنا، لا يجب أن نتجامل على حساب الحق، لم نكن جميعا مؤمنين ولم نكن جميعا أصحاب عزيمة، رأينا مظاهر أوربية أمامنا، فيها حضارة، وفيها نعمة، وفيها ترف وفيها جمال، فبهرتنا، نسينا أو نسي أكثرنا –لحظة ما- الغاية العظمى والطريق الأمثل والبدء النبيل الذي بدأته الأمة العربية، نسينا ذلك ونحن نفكر في الوسيلة، اتخذنا وسيلة أخرى، وسيلة تنبع من قاعدة مشهورة هي: الوظيفة توجه المتعلم نحو العلم الذي تتوجه إليه الوظيفة، وأقصد الوظيفة بمعناها العام.
ما هي وظيفتنا التي نتعلم من أجلها؟ هل نتعلم لنكون لأنفسنا، أو نتعلم لنكون لقومنا، أو نتعلم لنأكل ونشرب ونستمتع بالحياة، أو نتعلم لنؤثر في الحياة وندفعها إلى الأمام، هل نتعلم كعرب ومسلمين، أو نتعلم كبشر يعيشون على قطعة من أرض البشر اسمها وطن العرب؟ لو استطعنا أن نحدد لأنفسنا بدقة وظيفة المتعلم هذه، لعرفنا الوسيلة.
إن الوظيفة توجه المتعلم نحو العلم، ولكل بيئة عربية في كل قطر عربي حاجات، ومع ذلك فإننا حين نلمس بعض الخطوات التي نخطو في أقطار شتى من الوطن العربي، لا نكاد نتبين التخطيط الكامل للنتيجة التي نريد أن ينتهي إليها الخريجون.
كم طبيبا نريد، وما نوع الطبيب الذي نريد، كم مهندسا نريد وما نوع المهندس الذي نريد، كم معلما نريد وما نوع المعلم الذي نريد، كم مرشدا اجتماعيا نريد وما نوع المرشد الاجتماعي الذي نريد، ثم هؤلاء المتخصصون جميعا أنريدهم كما قال الأخ الدكتور سليمان الحزين الأمس اختصاصيين في الحرفة أو اختصاصيين إنسانيين معا.
في المغرب مثلا، واسمحوا لي أن أضرب المثل ببعض ما رأيت، وإن كنت لا أعطي تمام الوصف كما يراه أهل الدقة، لأن نظرتي قصيرة، قصيرة الزمن وقصيرة المدى أيضا، عندنا جامعة القرويين، جامعة القرويين هذه عريقة قديمة قامت على أساس راسخ من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، قامت على إيمان كامل بأن رسالتها هي حياطة هذا الدين وحياطة أسبابه حياطة كاملة شاملة توجه به من حولها ومن وراءهم التوجه الإنساني الذي أراده الله، ومضت إلى غاياتها أحد عشر قرنا، وأدت رسالتها أداء كاملا وانتشرت رسالتها في الشرق والغرب، وتعلم منها علماء في مصر، وعلماء في باقي شمال إفريقيا وعلماء في الشام وعلماء في العراق، وعلماء في بلاد الخليج وعلماء فيما وراء الحدود العربية منذ أحد عشر قرنا، وحين أقول تعلم منها هؤلاء لا أعني في كل حالات التعلم المباشر، فإن الجامعة ليست هي المكان ولا الرواق وإنما هي العالم والكتاب والعلم نفسه، ليس هذا وحده ولكن جامعة القرويين في موقفها الأخير خلال قرون المقاومة كانت حصنا من ألمع حصون العروبة والإسلام، وقفت راسخة في مكانها كالطود لا تتزحزح، منها كل القادة ومنها كل الزعماء، منها مباشرة أو بطريق غير مباشرة، تخرجوا منها ليقودوا ويتزعموا ويوجهوا أمتهم إلى مستقبلها، أو خرجوا ليعلموا قادة، هم القادة وقادة القادة، ووقفت في مكانها كما قلت في حديث مضى وقفة الحارس على رباط، والحارس على رباط لا ينبغي أن يتقدم ولا أن يتأخر والعدو بإزائنا هنا قرونا عدة، سلاحه مشرع في وجوهنا والشرر يتطاير من عينيه إلينا وصيحات الحرب في فمه تنصب في آذاننا، ولم يكن ثمة إلا رجال القرويين والذين علمتهم القرويين والذين قادهم قادة القرويين ليكافحوا ويدفعوا، وقفوا وقفة الحارس على الشاطئ يدفعون ذلك العدو المتربص  خلال تلك القرون، ولم يكن موقفهم في الدفاع يسمح لهم أن يتحركوا من مكانهم، ثبتوا، وقفوا في مكانهم، لأنهم كان يجب أن يقفوا، ثبتوا لأنهم كان لا بد أن يثبتوا، جمدوا لأنهم كان لا بد أن يجمدوا، كان جمودهم ذاك جمود مدافع، فهو جمود الفضيلة لأنه جمود الاستبسال في الدفاع عن الشرف.
فلما مضى ذلك العدو أو أوشك أن يمضي، أخذنا ننظر إلى هذه الجامعة القائدة الرائدة الموجهة التي صنعت تاريخ المغرب ونصف تاريخ العرب، فرأينا المغرب في حاجة إلى قادة يوجهون مرافقه وإدارته وأعماله، يرممون ما تهدم من جوانب تلك المرافق ويسيرون بالحياة مسيرها إلى غايتها.
من هؤلاء الذين يديرون ويرممون ويسيرون بالحياة إلى مسيرها؟ ذلك الجندي الذي انتزع من بيئته ومن أسرته وقت المعركة ليقف في وجه العدو كل ذلك الزمن المتطاول لو يؤت به  بعد الحرب إلى الحياة المدنية لاحتاج إلى تدريب طويل حتى يضطلع بأعباء الحياة المدنية. وإذا فقد كان لا بد من رعاية هذا الجندي الذي حفظ الوطن وحمى الوطن وبذل دمه لأجل الوطن وجمد في مكان الدفاع عن الوطن حتى نجا الوطن، كان لا بد حين يعود إلى الحياة المدنية من أن يهيأ للاضطلاع بأعباء الحياة المدنية ليضطلع بها على الوجه الكريم الكامل الذي اضطلع به في حياة الدفاع، ولكن الأمم في سرعتها إلى طلب الصلاح قد لا تلجأ إلى هذه الوسيلة الدائمة ربما تأخذ قصدا من لم يحارب، لم يكافح، لم تثبت قدماه على الأرض، لم يثبت نعله على التراب، لم يثبت ثبات القرون، لم يزل في مرونته ومطالعته ليضطلع بأعباء الحياة المدنية، هذه أيضا نظرية معقولة ومنطقية، ولكن هناك مبدأ، سننظر إلى الوظيف، ما هي الوظيفة، ما هي وظيفة الذي يتولى ترميم المرافق وإدارتها وتسييرها مسيرها إلى غايتها، هل وظيفته أن يضع القفل في المفتاح ثم يدخل ويجلس ويترك الحياة تمر أمامه كما تمر على أي وجه تمر، كل ما يعنيه أن لا تتوقف، دون أن يحدث فيها تجديدا أو يحول لها اتجاها، لو أن الأمر كان كذلك لما كنا بحاجة إلى قرون المقاومة الطويلة لنستقل، لنشعر بكياننا، لنشعر بوجودنا، لنشعر بأننا هنا شيء لأنفسنا ولمن حولنا بإرادتنا لا بإرادة غيرنا، هذا الذي عاش حياته كلها في الحياة المدنية لم يتمرس بجندية الدفاع والمقاومة يمكن أن يكون مدنيا أصيلا كل الأصالة ولكنه أيضا بحاجة إلى أن يتعلم بعد قرون المقاومة، هو أيضا بحاجة إلى أن يتدرب، بحاجة إلى أن يحسن استعمال السلاح، بحاجة إلى أن يدرب على أن يقف مثل وقفة أولئك الجامدين على الشاطئ سنين وقرونا حتى إذا ما دعا الداعي إلى الدفاع أمكن أن يكون المدني وغير المدني كتفا إلى كتف في صف المعركة، والمعركة هنا ليست معركة سلاح ودم ولكنها معركة الروح والنفس، هذا المدني الذي خرج من بيئة أخرى وتربى تربية أخرى وبدأ تاريخه تحت ظل آخر، وطني مخلص، جزء من شعب هذا الوطن، مرموق الغد لأمته، قوي القلب والنفس، والساعد والإرادة، ولكنه لم يتهيأ لأسباب الدفاع الكاملة ليعرف أنه في أمة عربية مسلمة يريدها العدو بكل أنواع الشر والفساد، وإذا فلا بد لكي يتمرس هذا الذي لم يتمرس قبل للدفاع لكي يتمرس بالحياة المدنية على الوجه الذي أراده الذي دافع حتى احترق ويبست قدماه وجمد في مكانه كصخرة على صخرة يجب أن يتدرب أيضا، يجب أن يكمل نقصه كما يكمل نقص الأول، وإذا فهناك نقص مشترك قطعا، هناك نقص حقيقي في ذلك الجندي المرابط الذي وقف صخرة على صخرة قرونا لم يتقدم خطوة إلى الأمام، وهناك نقص آخر قد يكون أشد منه في الذي عاش تحت ظل غاية أخرى وتثقف ثقافة أخرى وقطعه الاستعمار قطيعة كاملة أو شبه كاملة عن ماضيه، عن أمته، عن لسان وطنه، عن دين قومه، عن مثل أهله، عن تاريخه، انتزعه من الأرض كما تنتزع شجرة ثم تضعها من غير أن تحفر لها لتنمو مرة أخرى في نفس الأرض، أبدا أبدا، لا يمكن أن تستقيم الحياة إذا تولاها ذلك الذي يبس على مكانه ولا يمكن أن تستقيم الحياة إذا تولاها ذلك الذي انتزع من بيئته ليصنع صنعة أخرى، لا ندري أي بيئة بعد ذلك يصنعها.
بعد اليوم وحين تكون وظيفة الطبيب للطبيب، وحين تكون وظيفة المهندس للمهندس، وحين تكون وظيفة المعلم للمعلم، وحين تكون وظيفة كل متخصص في تخصصه، ما وظيفة خريج القرويين؟ قيل لي تكون وظيفة خريج القرويين أنه حامل دين، صاحب دين. وأعتقد أن الإسلام لا يعرف صاحب دين وإنما يعرف المسلمين جميعا أصحاب دين، يجب أن يتعلم جميع المواطنين الدين ويجب أن يتعلم جميع المواطنين حرفة مع الدين، حرفة على تخصيص. لماذا لا يكون طالب القرويين طالب طب وطالب دين معا؟ ولماذا لا يكون طالب الحقوق في جامعة أخرى طالب حقوق وطالب دين معا؟ لماذا لا يكون هناك قدر مشترك من المعرفة العربية الإسلامية لكل متعلم ولكل متخصص؟ التخصص قبل القدر المشترك بناء على غير أساس. ما هو القدر المشترك من علم العرب، ما هو القدر المشترك من علم المسلمين، ما هو القدر المشترك من المعرفة بالمثل العربية الإسلامية التي يعرفها الطالب قبل أن يتخصص في القرويين أو في غير القرويين؟ ما هو القدر المشترك الذي يلقفه التلميذ منذ السنة السادسة أو السابعة في المدرسة الابتدائية؟ ما هو القدر المشترك من علم العرب وعلم المسلمين الذي يتعلمه التلميذ في المدرسة الثانوية، ما هو القدر المشترك من علم العرب وعلم المسلمين الذي يتعلمه التلميذ في المدرسة الثانوية، ما هو القدر المشترك الذي يريد أن يبني عليه المتخصص في  الدين بناءه العلمي ليصل معارف عامة بمعرفة متخصصة في كلية القرويين؟ ما هو القدر المشترك من علم العرب وعلم المسلمين الذي يبني عليه طالب الطلب معرفته ليكون طبيبا عربيا مسلما؟
لا نريد، لا تريد الأمة العربية ولا يريد المغرب ولا يريد أي قطر من أقطار العرب أن يكون نصف المجتمع العربي مشلولا، ولا يعرف العرب ولا يعرف المسلمون محترفين بالدين، يجب أن يكون الدين لكل مواطن ويجب أن تكون الحرفة لكل ذي دين في وطنه، لا نريد أن ينظر رجل الدين إلى نفسه كأن دينه هو مصدر رزقه نزولا بالدين إلى المستوى الذي نزل بالدين في نفوس كثيرة ترونها وتحسونها.
أيها الإخوة.
هناك نكتة مهمة جدا حين نتحدث في هذا الموضوع لنصل علم العرب بعلم الحياة التي يحياها العرب في هذه الأيام نكتة مهمة جدا لا يجب أن تغيب عنا هي أن كل مواطنين في وطن يجب أن يكون لهم انفعال مشترك وإحساس مشترك ومثل مشتركة وشيء من الثقافة مشترك يجعل انفعالهم واحدا وإحساسهم الوطني واحدا وتفكيرهم في الغد واحدا.
طالب القرويين وطالب غير القرويين يدرس تعليما عاليا، عاليا في آخر مراحله. في المرحلة التي قبل ذلك أو التي قبل قبلها يجب أن تكون موحدة، ولكن على أي نظام تكون موحدة، فما دام لا بد من أن يزاوج بين علم الدين وعلم الدنيا لإخراج ذوي حرفة وذوي مثل في كل حرفة، ما دام لا بد أن يسبق ذلك نوع من توحيد التعليم فلا بد أن يسبق ذلك اختيار نوع التعليم الذي توحد عليه المدرسة المشتركة، ما لم توحد على نظام مجرد سليم مأمون العاقبة فإن الأخذ بأي نظام غير ذلك معناه أن نلغي أحد الناقصين لنضع مكانه أنقص الناقصين، ينبغي أن نوحد التعليم،
 ثم إننا نطلب وحدة، نطلب وحدة ثقافية، وحدة فكرية وحدة عربية كاملة بكل معناها، وحدة توجهنا إلى الأهداف الإنسانية السامية التي أرادها العرب منذ كانوا والتي أرادها الإسلام.
في البلاد العربية القدر المشترك الذي تتحدد به خصائص الأمة العربية والذي يتفق مع أهداف الأمة العربية والذي يمكن أن يصنع مواطنين للأمة العربية في غدها المأمون، هذا التوحيد لا بد منه ولكنا لا بد قبله من البحث والدرس والاستفادة بالتجارب وإنشاء تجارب جديدة لاختيار نوع التعليم الذي توحد عليه البلاد العربية لاختيار نوع التعليم الذي توحد عليه البلاد العربية ثم الذي يوحد عليه كل قطر عربي معاهد تعليمه، هذه المعاهد العربية الإسلامية في مستوياتها العالية ليست ملكا للبلد الذي قامت فيه وإنما هي ملك الأمة العربية المسلمة أو ملك المسلمين في كل أرض. الأزهر أثر في حياة العرب والمسلمين تأثيرا ضخما تحول به تاريخهم وتاريخ عدوهم. القرويين أثرت تأثيرا ضخما جدا في حياة المغاربة والعرب والمسلمين وأثرت في تاريخ عدوهم كذلك. الزيتونة أثرت في تاريخ العراق وفي تاريخ العرب وفي تاريخ المسلمين وفي تاريخ أعدائهم كذلك، الزيتونة أثرت في تاريخ أعداء الزيتونة وفي أعداء تونس وأعداء العرب كما أثرت كل هذه المعاهد، هذه المعاهد كلها معاهد دولية إنسانية غيرت من تاريخ الإنسانية كلها –تأثيرا إيجابيا في جانب، وتأثيرا سلبيا في جوانب أخرى، أثرت فينا ورفعت معنوياتنا وأعطتنا المثل وكونت نفوسنا وربتنا التربية التي أشعرتنا مكاننا وحياتنا ووجودنا وحرياتنا وكرامتنا، وأثرت في حياة عدونا لأننا نحن بكفاحنا الذي تعلمناه منها استطعنا أن نفرض على عدونا تاريخا آخر. فقد غيرت هذه المعاهد تاريخنا وتاريخ عدونا معا، غيرت في تاريخ البشر قطاعا كبيرا، هذه المعاهد التي تركت هذه الآثار لا يمكن أن تكون لأرض ولا لوطن ولا لأحد، وإنما هي لكل الذين يتأثرون بها ويتأثرون منها، من أجل ذلك أعطيت لنفسي الحق كإنسان وكمسلم وكعربي وكمغربي أيضا أن أتحدث هذا الحديث إلى رجال القرويين، وشيء آخر هو أن هذا القلق العلمي الرفيع الذي يدور في نفوس الذين يحبون القرويين ويحبون المغرب، يدور قلق علمي مثله حول الأزهر ويدور قلق علمي مثله حول الزيتونة ويدور قلق علمي مثله حول النجف ويدور قلق علمي مثله حول كل معهد عربي إسلامي في كل قطر من أقطار الوطن العربي، وإذا فهو قلق مشترك يفرض على كل ذي رأي أن يقول رأيا لأن رأيه لا يؤثر في معهد منها دون سائر المعاهد وإنما يؤثر فيها جميعا، فأنا حين أتحدث عن القرويين إنما أتحدث عن الأزهر وعن النجف وعن الزيتونة، وحين يتحدث متحدث عن الأزهر هناك فإنما يتحدث عن القرويين وأخواتها كذلك، وإذا كانت هذه المعاهد بهذه الصفة لهؤلاء جميعا وكان لها هذا الأثر كله لا أقول، وقد سمح لي أن أقول ما قلت، وإنما أقول فقد وجب أن يقول فيها كل عربي وكل مسلم في كل أرض رأيا، ومن أجل هذا أقول مرة أخرى أنني أحس بواجب عميق يثقل كاهلي وضميري، أريد أن أتخفف منه لأقوله لأدعو إلى اقتراح، لا قول كلمة. أيها العرب، أيها المسلمون، أيها الإخوة الذين تحرصون على عروبتكم وعلى إسلامكم وعلى أن تظل جذوركم راسخة في الأرض وعلى أن يظل حاضركم وماضيكم ومستقبلكم على نسق، لا تحاولوا إحداث تغيير في حياة القرويين ولا في حياة الأزهر ولا في حياة الزيتونة ولا في حياة النجف إلا في مؤتمر عام يضم المعنيين بشئون الأزهر وشئون النجف وشئون الزيتونة وشئون القرويين فإنها لهم. فالمؤتمرات لا يدعو إليها فرد، ولكنا، كل صاحب رأي فرد. دعوة أدعوها الله وأرجو أن يستجاب لها، أرجو أن يستجيب لها مستجيب يوفقه الله ليحمل هذه الراية ليجدد علم العرب وعلم المسلمين ويردنا إلى الطريق السوي والسلام عليكم ورحمة الله.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here